ص1      السابق

 

المجتمع المدني بين البادية والمدينة

 

محمد عابد الجابري

إن الملاحظات التي سجلناها في المقالات السابقة ضرورية، فيما نعتقد، لفهم واقع المجتمع العربي ونوعية التطور الذي يُفرز فيه ما يمكن أن نسميه "المجتمع المدني"، سواء كمفهوم أو كواقع معيش.

 ولا يملك المرء إلا أن يعبر عن الأسف من كون الدراسات التي تناولت المجتمع المدني والتطور الديمقراطي في الأقطار العربية، خلال العقود الأخيرة، لم تكن تستحضر بما فيه الكفاية تلك المعطيات، موضوع المقالات السابقة: إنها لم تبذل ما يلزم من الجهد لبناء تعريف لـ"المجتمع المدني" مستمد من واقع البلدان، موضوع الدراسة، ولا قامت بتحليل المجتمع في هذه البلدان كما هو. وهي لم تطرح النتائج المحتملة لكل عملية ديمقراطية تنطلق من انتخابات نزيهة، كما لم تطرح مسألة أساسية في هذا الصدد، وهي مسألة التعايش الضروري في المرحلة الراهنة بين مختلف النخب والقوى الفاعلة في المجتمع. وأخيرا لم تطرح هذه الدراسات، بشكل واضح وحاسم، موقف الغرب من القوى الوطنية العصرية وغيرها في العالم العربي، والموقف الذي ينبغي أن تتخذه منه هذه القوى. ذلك لأن ترتيب العلاقات مع الغرب مسألة ضرورية وأساسية في كل عملية تستهدف بناء المجتمع المدني وتحقيق التحول الديمقراطي في الوطن العربي. فالغرب لم يكن، ولا هو الآن، مجرد متفرج بل هو عنصر فاعل، سلبا وإيجابا، في الحياة العربية المعاصرة.

في الفقرات التالية مزيد بيان.

***

إذا كان من الجائز، أو حتى من الطبيعي أو الضروري ، أن يختلف الباحثون حول تعريف "المجتمع المدني"، فإن هناك واقعة أساسية وبديهية لا يمكن أن تكون موضوع خلاف، وهي أن المجتمع المدني هو، أولا وقبل كل شيء، مجتمع المدن، وأن مؤسساته هي تلك التي ينشئها الناس بينهم لتنظيم حياتهم الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والثقافية. فهي إذن مؤسسات إرادية أو شبه إرادية يقيمها الناس وينخرطون فيها أو يحلّونها أو ينسحبون منها؛ وذلك على النقيض تماما من مؤسسات المجتمع البدوي القروي التي تتميز بكونها مؤسسات "طبيعية"، يولد الفرد منتميا إليها مندمجا فيها، لا يستطيع الانسحاب منها، مثل القبيلة والطائفة.

هذا أمر لا أعتقد أنه يمكن أن يكون موضوع خلاف، فهو الركن الأساسي والرئيسي في مفهوم المجتمع المدني. لكن ما هو "أساسي" لا يكفي وحده في تحديد مفهوم من المفاهيم. فالمفهوم تكثيف لمعطيات كثيرة قد يطغى فيها معطى إلى الدرجة التي يبدو معها وكأنه وحده لب المفهوم، وأن ما عداه إضافات أو عناصر ثانوية. وبعبارة أخرى : المفهوم هو نتاج التجريد وبالتالي فهو أداة تعميم، والتجريد والتعميم يُسقِطان من الحساب الزمان والمكان ودورَهما في تشكيل الحقائق، خاصة الاجتماعية منها.

والمعطيات الاجتماعية هي بطبيعتها زمانية ومكانية، وبعبارة بسيطة هي تختلف من زمان إلى آخر، ومن مكان إلى آخر. وهكذا فإذا كان "المجتمع المدني" هو، بالتعريف، مجتمع المدن، فإن ما يحدد وضعه ومكوناته في زمان ومكان معينين هو ما يشكل "الضد" له، (استنادا إلى العبارة المأثورة : "بضدها تتميز الأشياء"). و"أضداد" المجتمع المدني ليست محصورة ولا ثابتة فهي تختلف من مجتمع إلى آخر، ومن ظرف إلى ظرف، مكانا وزمانا. فعندما ظهر مفهوم "المجتمع المدني" المدني في أوروبا في القرنين السادس عشر والسابع عشر كان "الضد" الذي به يتحدد ويتميز في أذهان مستعمليه هو الكنيسة التي كانت تشكل مجتمعا مستقلا متميزا ودولة داخل الدولة. وفي الحقيقة كان مفهوم المجتمع المدني سلاحا ضد الكنيسة كمفهوم، وبديلا عنها كمشروع. وعندما انسحبت الكنيسة كمنافس للدولة وصارت الدولة وحدها الحقيقة المهيمنة اتخذ مفهوم المجتمع المدني معنى آخر إذ أصبح هذه المرة يتحدد بـ"ضده" الجديد، وصار شعارا يرفع في وجه كليانية الدولة، عسكرية كانت أو ملكية مطلقة... ومن هنا مفهوم "دولة المؤسسات"، ليس المؤسسات الإدارية والسياسية فحسب، بل المؤسسات التجارية والنقابية والصناعية الخ.

وإذن، فالبحث في حضور أو غياب مؤسسات المجتمع المدني، في قطر من الأقطار، لا بد أن ينطلق من النظر في وضعية المدن في ذلك القطر : هل هي التي تهيمن على المجتمع باقتصادها وثقافتها وسلوكياتها ومؤسساتها أم أن المجتمع البدوي القروي هو السائد: تقاليده وسلوكياته وقيمه وفكره؟

هنا يجب التمييز بين مرحلتين في تاريخ الأقطار العربية: مرحلة تتميز بانقسام المجتمع، حصرا، انقساما أفقيا: إلى "بدو وحضر"، إلى "بادية ومدينة". ومرحلة أخرى تتسم بانقسام عمودي إلى: "المجتمع العصري" و"المجتمع الأهلي". هذا مع التأكيد على أن المرحلتين لا تشكلان لحظتين من التطور الداخلي إلا بنسبة بسيطة، تكاد تنعدم في بعض الأقطار العربية. ذلك أن الانقسام العمودي لم يكن نتيجة صراعات داخلية أسفرت عن تجاوز المرحلة الأفقية (بدو –حضر) إلى المرحلة العمودية (طبقة ضد طبقة)، كما حدث في أوربا عندما امتصت الثورة الصناعة (والتوسع الاستعماري) سكان الأرياف وألحقتهم بالمدن. إن الذي حدث هو على العكس من ذلك تماما: لقد غرس الاستعمار في الأقطار التي احتلها بنيات الدولة الأوروبية الحديثة، الاقتصادية والاجتماعية والإدارية والثقافية، فعمل بذلك على فسح المجال لقيام نخب حديثة انبثق الجيل الأول منها من الأرستقراطية المدنية التقليدية خاصة، إذ كانت أكثر اتصالا واحتكاكا بالمستعمر ومؤسساته. ومع النمو النسبي السريع الذي عرفته هذه النخبة، ومع تطور وعيها الوطني بالارتباط بحركة التحرر من الاستعمار في العالم، برزت هذه النخبة لتشكل النقيض الذي أفرزه "التحديث الاستعماري" من جوفه وجوف المجتمع التقليدي والذي سيقود النضال الوطني من أجل الاستقلال. ومع أن مضمون "الاستقلال" كان ينصرف، أولا وقبل كل شيء، إلى استرجاع السيادة الوطنية، فإنه لابد من الأخذ بعين الاعتبار الفرق بين مشروع هذه النخبة الجديدة وبين رد الفعل الشعبي الذي قادته النخبة التقليدية البدوية - أساسا- التي وقفت في وجه الغزو الاستعماري لدى بدايته. لقد تحركت هذه النخبة التقليدية بدافع واحد هو رد الغازي الأجنبي والحفاظ على الوضع القائم كما هو: وضع مجتمع تؤطره  القبيلة والطائفة ودولتهما. أما النخبة الحديثة التي أفرزها التحديث الاستعماري، والتي قامت تطالب بالاستقلال، فقد كانت تحمل مشروعا جديدا قوامه إضفاء الطابع الوطني على المؤسسات والبنيات الحديثة التي حملها معه الاستعمار، ثم تنميتها وتأميمها لتؤطر فعاليات المجتمع بأسره.

للمقال صلة