الوضع الإشكال للديمقراطية في العالم العربي
محمد عابد الجابري
رصدنا في المقال السابق ثلاثة أجيال من النخب تعاقبت على مسرح التاريخ العربي المعاصر، يجمع بينها كونها تخاف جميعا السير مع العملية الديمقراطية إلى نتائجها. هناك بطبيعة الحال فوارق واختلافات جزئية بين قطر عربي وآخر في هذا المجال، فوارق قد تطال الكم أو الكيف أو الزمن، ولكنها مع ذلك ليست فوارق جوهرية. ويمكن تصحيح الصورة بإدخال بعض التعديلات لإبراز هذا الصنف أو ذاك من أصناف النخب والدول التي تحدثنا عنها. هناك نخبة دولة الثورة، ونخبة الدولة التقليدية، ونخبة أو نخب الدولة شبه الليبرالية شبه الديمقراطية. وفيما عدا ذلك تظل الصورة واحدة إذا نظر إليها من زاوية النتائج التي أسفرت عنها عملية تشكل "النقيض" التي شرحناها قبل. وليست هذه النتائج عند نهاية التحليل غير الوضع العربي الراهن، حيث تتصارع بعنف في مكان وبصمت في آخر، أجيال النخب التي تحدثنا عنها، تتصارع من أجل المنازل والمراتب، من أجل "الجاه المفيد للمال" حسب عبارة ابن خلدون، من أجل السلطة والمصالح.
هناك بقايا الأرستقراطية التقليدية وامتداداتها، وهناك الطبقة المسيرة التي أفرزها القطاع العام من داخله أو نشأت على هوامشه بالتعامل معه واستغلاله نوعا من الاستغلال! ثم هناك الفئات المطالبة المعترضة المحتجة، من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار، وهي تعبر، بصورة أو بأخرى، تعبيرا مطابقا أو مقلوبا، عن مطالب أو عن الحاجات الموضوعية للأغلبية من الشعب - لا أقول الساحقة بل أقول المسحوقة المغلوبة على أمرها. والحديث عن الديمقراطية أو عن المجتمع المدني في العالم العربي لن يكون له أي مدلول واقعي إذا هو لم يستحضر هذه الخريطة الاجتماعية، إذا هو لم يأخذ بعين الاعتبار قدرة وإمكانية هذه الخريطة على تحمل العملية الديمقراطية وفسح المجال أمام مؤسسات المجتمع المدني. ذلك لأن ما يجمع الأجيال الثلاثة من النخب، التي تحدثنا عنها، هي أنها جميعا لا تستطيع تحمل آليات ونتائج العملية الديمقراطية إلى نهايتها، لأن علاقة تلك النخب بجسم المجتمع علاقة محدودة، متقطعة، قطاعية في الغالب.
الأرستقراطية التقليدية تخشى الديمقراطية لأنها لا تهيمن، أو على الأقل لم تعد تهيمن، على قنوات التأثير في الأغلبية العددية من السكان، وبالتالي ليست واثقة من كسب أصواتها. والطبقة المسيرة الماسكة بزمام السلطة، تخشى الديمقراطية لأنها تعلم أن النتيجة الحتمية، لكل ممارسة ديمقراطية حقيقية، ستكون على حساب منزلتها كطبقة مسيرة. أما الفئات الأخرى المطالبة المحتجة، بعنف أو بصمت، فهي ترى "الديمقراطية" في استلامها السلطة لأنها تعتبر نفسها الممثل العددي للأمة وبالتالي لا تقبل بقناعة، أو تقبل باضطرار، "لعبة" الانتخابات كما هي في الغرب.
ومن دون شك فإن هذا الخوف من الديمقراطية الذي يعم سائر النخب في العالم العربي، والذي يضفي الطابع الإشكالي على المسألة الديمقراطية، يجد –في نهاية التحديد- ما يؤسسه في نوع الاقتصاد السائد : الاقتصاد الذي لا تهيمن فيه المؤسسة المستقلة عن الدولة التي هي الأساس الذي يقوم عليه المجتمع المدني ومؤسساته السياسية والثقافية. إن الاقتصاد في العالم العربي يهيمن فيه عنصران أو قطاعان لا يدفعان إلى تكوين مؤسسات من هذا النوع : الأول هو الزراعة الطبيعية غير المصنعة، التي تكرس هيمنة الطابع البدوي القروي في المجتمع، الطابع المناقض بنوع مؤسساته وتقاليده والعقلية السائدة فيه لخصائص المجتمع. أما ثاني العنصرين فهو "الريع"، أعني الدخل الذي يأتي الدولة، لا من مسلسل عملية الإنتاج بداخل البلد بل من عائدات النفط والعمال المهاجرين والاستغلال الأجنبي لهذا الموقع الاستراتيجي أو ذاك والهبات والقروض. هذا النوع من الدخل الذي يشكل العنصر الأساسي في اقتصاديات جل الأقطار العربية في الظرف الراهن يقع تحت تصرف دولة "الفئة المسيرة"، تنفق منه في حماية نفسها وتعزيز سلطتها وتوسيع "أعطياتها" سواء لكسب الأتباع أو تدعيم المواد الأولية، مما يجعلها مستقلة كلية، أو إلى حد كبير، عن دافعي الضرائب (الذين كانت مُطالباتُهم، في أوروبا، بحقهم في مراقبة طريقة صرف الحاكم لأموال الضرائب، هي الأصل في الديمقراطية الحديثة).
وإذا أضفنا إلى هذا وذاك هروب الأموال الوطنية إلى الخارج، خوفا من سطوة رجال الدولة وتسلطهم، وأخذنا بعين الاعتبار كذلك اقتصار ما يبقى منها، في الداخل، على الاستثمار في المشروعات الصغيرة التي تدر الربح السريع من جهة، واعتبرنا من جهة أخرى تحكم الرأسمالية العالمية في الاقتصاد العالمي وتسرب نفوذها إلى داخل كل قطر، أدركنا كيف أن الوضع الاقتصادي العام في العالم العربي لا يفرز من خلال آلياته الداخلية الذاتية ما يكفي من الهياكل والمؤسسات التي تعطى للمجتمع الطابع المدني الحديث، وتجعل الديمقراطية السياسية اختيارا يفرض نفسه، ليس فقط من خلال رغبات الناس ونضالاتهم، بل أيضا بضغط "قوة الأشياء" ذاتها، قوة الواقع المؤسساتي المتنامي.
هل يعني هذا استحالة قيام الديمقراطية الحديثة في العالم العربي؟
كلا. الديمقراطية ممكنة في جميع الأحوال، وبأشكال متنوعة، مثلها مثل التحديث والتقدم الخ. لكن يجب أن لا نقفز على الواقع، لنجري وراء سراب الآمال التي لا يؤسسها واقع موضوعي، أو نتقهقر أسفا على واقع "جميل" يستمد كثيرا من جماله، من خيالنا وأحلامنا لا من ذات نفسه! بل يجب أن نواجه الواقع كما هو في ذاته حتى نفهم دلالات اللحظة يجتازها الآن.
فإذا نظرنا إلى الواقع العربي الراهن، من المنظور التاريخي الحضاري العام، فإننا سنجد أن الأمر يتعلق بعملية تحول حضارية كبرى، عملية انتقال المجتمعات العربية من حضارة البادية والقرية وعقليتها وسلوكها، فضلا عن اقتصادها، إلى حضارة المدينة التي تهيمن فيها الصناعة والتجارة والخدمات العامة. ونقطة "الحرج" في عملية التحول هذه هي كونها تتم بوتائر سريعة وعلى مدى واسع جدا، مما يجعلها تتعرض لتقلبات وانتكاسات. ذلك لأن عوامل التحول وبواعثه، ليست نابعة فقط من جوف المجتمع بفعل تطور داخلي -كما حدث في أوروبا- بل إنه انتقال أو تحول يتم تحت ضغط حضارة عالمية أغرقت الكرة الأرضية بمنجزاتها وإغراءاتها وآلياتها، ففرضت نفسها كحضارة للعصر كله، كتتويج للمراحل السابقة من التاريخ البشري.
تحقيق الديمقراطية في مثل هذه الوضعية التاريخية يتطلب الوعي بها أولا، وعيا يمسك الذات "على الأرض"، أرض الواقع حتى لا تطير قافزة عليه.