ص1       السابق

 

 

"نظرية الألعاب"  ومسألة التطبيع مع إسرائيل

 

محمد عابد الجابري

طرحت من جديد على الساحة العربية، منذ مؤتمر الرياض الأخير، مسألة التسوية السلمية بين العرب وإسرائيل، من خلال "مبادرة عربية" تتلخص في بند رئيسي واحد هو: "التطبيع الكامل مع إسرائيل مقابل الانسحاب الكامل من الأراضي العربية المحتلة منذ 1967".

ومادام الأمر يتعلق بالتفكير في الموضوع داخل إطار عملي ظرفي هو ما عبر عنه بيان قمة الرياض بـ "تفعيل المبادرة العربية"، فإني سأستعير من الأمريكان نموذج "نظرية الألعاب"، لأتخيل ما يمكن أن يكون عليه المسار المنهجي للمفاوض العربي في هذه "اللعبة".

معلوم أن النماذج التي من هذا النوع هي أصلا قوالب صورية فارغة. وإذا كان الأمريكيون قد حاولوا في المدة الأخيرة ملء النموذج المذكور بمضامين معينة تضمر انحيازا لإسرائيل (المقترحات الأمنية مثلا) فليس من الضروري الأخذ بهذه المضامين إذ من الممكن ملؤها بمضامين أخرى عادلة وغير منحازة. وهذا ما سأحاول فعله.

تنبني "نظرية الألعاب" على قواعد خاصة تطبق على مختلف الألعاب بما في ذلك لعب القمار، وربما كان هذا أصلها. أساس "قواعد اللعب" هذه أن كل طرف يسعى ليكسب أكثر ما يمكن ويخسر أقل ما يمكن، في إطار احترام قواعد اللعب، التي تقضي بأن الوسيلة الوحيدة المشروعة في الكسب أو الخسارة هي المهارة والحجة الدامغة. أما المنطلق فهو المبدأ المتفق عليه كأساس لـ "اللعب"، أي للتفاوض. وهذا المبدأ، في القضية التي تهمنا هنا، هو : "الأرض في مقابل السلام". ويقضي باعتراف العرب بإسرائيل في حدودها قبل حرب 1967، مقابل انسحابها من الأراضي العربية التي احتلتها في العام نفسه.

هنا مسالتان لابد من أخذهما بعين الاعتبار: الأولى إجرائية والثانية مبدئية. أما المسالة الإجرائية فهي أن تحقيق الاعتراف العربي بإسرائيل والانسحاب الإسرائيلي من الأرض التي احتلتها سنة 1967 يتطلب وقتا وبالتالي يجري على مراحل (لأن الانسحاب لم يأت نتيجة هزيمة عسكرية كما أن الاعتراف ليس نتيجة تسليم بالهزيمة). وأما المسالة المبدئية فهي أن مبدأ  "الأرض في مقابل السلام"  يعني، على الأقل في معناه الأولي المباشر، أنه عندما يتم الانسحاب الإسرائيلي والاعتراف العربي بالحدود التي كانت لإسرائيل قبل حرب 1967 يكون السلام الذي هو في مقابل الأرض قد تحقق. فالسلام هو إنهاء الحرب.  

نعم، من حق إسرائيل أن تطالب بتوسيع مفهوم السلام ليشمل جميع نواحي الحياة المدنية (فضلا عن العسكرية)، ومن حقنا نحن العرب أن نطالب بذلك أيضا: من حق إسرائيل أن تطالب بأن يتجسم السلام، أولا وقبل كل شئ، في الاعتراف الدبلوماسي وتبادل السفراء مع جميع الدول العربية، ومن حقنا نحن العرب أن نطالب بتعميم هذا المطلب نفسه على جميع الدول العربية بما فيها دولة فلسطين، بقطع النظر عن نظام الحكم فيها والانتماء الإيديولوجي لحكوماتها.

وعندما يتم هذا الاعتراف الدبلوماسي المتبادل وفق العرف الدولي، يمكن لإسرائيل إن أرادت، وللعرب إن رغبوا في ذلك، طرح مسألة "التطبيع". و"التطبيع" معناه جعل العلاقات بين العرب وإسرائيل علاقات طبيعية. والسؤال الآن هو التالي: ما هي المعطيات التي لا تدخل في "ما هو طبيعي" في العلاقات بين الدول؟

بإمكان المفاوض الإسرائيلي أن يقول إن ما هو غير طبيعي في العلاقات العربية الإسرائيلية هو أولا المقاطعة الاقتصادية التي يمارسها العرب على إسرائيل وعلى الشركات التي تتعامل معها. وبإمكان المفاوض العربي أن يقول : هذا صحيح، ولكن صحيح أيضا أن ما هو غير طبيعي في العلاقات العربية الإسرائيلية هو وجود المستعمرات الإسرائيلية على أرض الدولة الفلسطينية من جهة وبقاء اللاجئين الفلسطينيين منذ سنة 1948 خارج أرضهم وديارهم وتجاهل إسرائيل لقرارات الأمم المتحدة في هذا الشأن. وإذن ففي مقابل رفع الحصار العربي الاقتصادي يجب على إسرائيل أن تطبق قرارات الأمم المتحدة بخصوص المستعمرات واللاجئين.

وعندما يتم تطبيق مبدأ "الأرض في مقابل السلام" بالشكل الذي حددناه أعلاه يأتي دور الثقافة و"التطبيع الثقافي". نعم يمكن للمرء أن يجادل: هل يدخل التطبيع الثقافي تحت مبدأ "الأرض مقابل السلام"؟ هل يحصل السلام الثقافي بالمقايضة بالأرض؟

 يمكن أن يجاب بأن "التطبيع الثقافي" أساس لنشر ثقافة السلام، ونحن نطلب السلام في كافة الميادين!

ليكن ذلك.

"التطبيع" هو، كما قلنا، "جعل الأمور طبيعية". فما هو الوضع أو الأوضاع التي هي "غير طبيعية" على المستوى الثقافي بخصوص العلاقات العربية الإسرائيلية؟

يمكن تلخيص المسألة في القول: إن كلا من إسرائيل والعرب قد كوَّن لنفسه ثقافة خاصة ضد الآخر: إسرائيل أنتجت ثقافة خاصة معادية للعرب، والعرب فعلوا مثل ذلك أيضا ولكن مع هذا الفارق: وهو أن الثقافة التي أنتجتها إسرائيل ضد العرب لم تحصرها في دائرة الشعب الإسرائيلي وحده بل عممتها على العالم، وخاصة على أوربا وأمريكا. هذا في حين أن الثقافة التي كونها العرب ضد إسرائيل محصورة في الدائرة العربية. هذا من جهة، ومن جهة أخرى فالثقافة التي أنتجتها إسرائيل ضد العرب ونشرتها في الغرب هي ثقافة هجومية بينما بقيت الثقافة التي كونها العرب لأنفسهم عن إسرائيل ثقافة دفاعية، وهي في جملتها مجرد ردود فعل، مع تشكيات. وهذان الجانبان لابد من أخذهما بالاعتبار الكامل عند الحديث عن "التطبيع الثقافي" : فعلى إسرائيل أن تسحب الثقافة المعادية للعرب والتي نشرتها في أوربا وأمريكا مما أدى إلى تشويه صورة العرب وصورة الإسلام دوليا بالشكل الذي نعرف. أما العرب فليس هناك ما يسحبونه من العالم كمقابل. لأنهم لم يشوهوا صورة إسرائيل في الخارج، بل لم يستطيعوا حتى إقناع الغرب بالتصرف معهم على أساس ما يعرفه هو، أي الغرب، حق المعرفة وهو أنهم، أعني العرب، معتدَى عليهم، سُلبت حقوقهم وشٌوِّهت صورتهم.

نعم من حق إسرائيل أن تطالب العرب بالكف عن استعمال الأوصاف السلبية التي يصفونها بها في خطابهم الإعلامي والثقافي الخ، ولكن ليس من حقها أن تطالبهم بذلك –كما تفعل اليوم- قبل أن تقوم هي بسحب الصورة المعادية للعرب التي نشرتها في العالم أجمع. فإن امتنعت فإنها ستكون قد خرقت قواعد اللعب. والموقف المطلوب من العرب في مثل هذه الحالة، هو "قلب طاولة اللعب".

هذا إذا تواصل اللعب إلى هذه المرحلة الأخيرة، إذ من الجائز أن يكون هناك ألف سبب يدفع هذا الطرف أو ذاك لـ "قلب الطاولة"!