ثقافة السلام بديلا لسرطان الحرب..!
محمد عابد الجابري
"الحرب سرطان الحضارات" كما قال المؤرخ البرطاني الكبير أرلوند توينبي... وفي رأينا أنها تصبح كذلك عندما تسود "ثقافة الحرب"، ثقافة الصراع: صراع الحضارات أو صراع الديانات أو صراع المذاهب الدينية أو الطائفية... وإذن فلطرد شبح الحرب يجب نشر ثقافة السلام بديلا لثقافة الصراع.
وفي نظرنا فإن ثقافة السلام يجب أن تنبني -في هذا الوقت الذي يطرح فيه شعار حوار الثقافات والديانات والحضارات- على الضرورات الخمس التي اتفق علماء الديانات السماوية منذ القديم على أنها الأسس الضرورية لاستمرار حياة الإنسان وخدمة مصالحه العليا التي هي الغاية من كل دين، ومن هنا حرمت جميع الديانات المس بها. وهذه الضرورات الخمس هي: حفظ النفس، وحفظ العقل، وحفظ النسل، وحفظ المال، وحفظ الدين.
1 - إن الأصل في مفهوم "حفظ النفس" هو كف الأذى عنها مهما كان نوعه: ابتداء من الكلمة غير الطيبة والتمييز بجميع أشكاله، العرقي والديني والاجتماعي والاقتصادي والحقوقي الخ… إلى التعذيب والقتل الفردي والإفناء الجماعي الخ… لقد شرع الله في الديانات السماوية الثلاث أن النفس بالنفس، ولكن ليس انتقاما ولا ثأرا، بل كبحا للميول العدوانية وردعا لها. فليس القصد الإلهي من "النفس بالنفس" أن القاتل يجب أن يقتل انتقاما أو ثأرا، بل إن القصد الإلهي أسمى من ذلك. إنه تنبيه للناس إلى أن الذي يقتل غيره أو يهم بقتله هو كمن يقتل نفسه أو يهم بقتلها. من هنا المعنى العميق لقوله تعالى: "وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُوْلِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (البقرة 179). باختصار تقرر الديانات السماوية الثلاث أن "الله خلق الإنسان على صورته". وحفظ النفس يجب أن يرقى إلى مستوى حفظ صورة الله في الإنسان، في الأفراد والجماعات والشعوب والأمم.
2 - هذا النوع من الفهم لـ"حفظ النفس" يتطلب عقلا سليما، عقلا يعقل (=يكبح ويحبس) الميول العدوانية في الناس مهما كان نوعها وفي نفس الوقت ينمي ميول التساهل والتسامح. ومن هنا ضرورة "حفظ العقل". والعقل في أصل معناه هو القدرة التي تمكن الإنسان من التمييز بين الحسن والقبيح، بين الخير والشر، بين الصواب والخطأ، بين النافع وغير النافع، بين المفيد وغير المفيد... وهكذا فالنافع في الأصل هو المبني على الصواب والصحة والخير والحُسن. وغير النافع هو المبني على عكس هذه. ذلك هو العقل المعياري، العقل كما يذكره الدين ويمجده، وتتحدث عنه الأخلاق وتشيد به، وهو الذي كانت له القيمة الأسمى. وهو على العكس من "العقل الأداتي" السائد اليوم والذي يقوم على مبدأ "المنفعة" والوسيلة تبرر الغاية.
3 – أما "حفظ النسل"، ثالث الضرورات الخمس، فبه يتميز الإنسان عن الحيوان. حفظ النسل في الحيوان عملية غريزية ومحدودة المدى. أما في الإنسان فهو، فضلا عن ذلك، عملية إنسانية، بها يتحقق انفصال الإنسان عن الحيوان. الإنسان وحده يميز بين أولاده وإخوته وآبائه وبين غيرهم، يربط نفسه بهم ويربطهم به. الإنسان وحده يقال عنه إنه ابن فلان … ينتسب إلى الوالدين وإلى الجماعة والأمة والوطن والدين والإنسانية الخ. وإذن فحفظ النفس يشمل حفظ "المدينة" والاجتماع والسياسة والثقافة، وبكلمة واحدة حفظ الحضارة.
4 – وواضح أن المقصود بـ"المال" في "حفظ المال"، هو الخيرات المادية بمختلف أنواعها والتي هي ضرورية لحياة الإنسان. وحفظها يعني حمايتها من الضياع والتبذير والاحتكار وسوء الاستعمال الخ.. لقد سنت الديانات السماوية قوانين لذلك بعضها على سبيل الأمر الملزم، وبعضها على سبيل الحث والندب والترغيب. ومعلوم أن الديانات السماوية تقرر أن المال مال الله، باعتبار أنه وحده خالق كل شيء ومالك كل شيء.
وما يتحدى عصرنا اليوم، على صعيد المال والاقتصاد، هو ظاهرة العولمة. وفي هذا المجال يمكن القول بصفة عامة إن اقتصاد العولمة يتجاهل الدين والأخلاق إن لم يكن يتنكر لهما! ألا ينادي أصحابه بضرورة "الفصل بين التجارة والسوق من جهة، وبين معايير العمل والقيم الثقافية والاجتماعية من جهة أخرى". نحن إذن أمام تنكر صريح للجانب الأخلاقي وللتعاليم الدينية والمثل الحضارية، في ميدان العولمة الاقتصادية. يجب إذن "حفظ المال" والاقتصاد من هذا الاتجاه الخطير الذي يكرس مبدأ "المال من أجل المال".
5 ـ حفظ الدين: وحفظ الدين من منظور ثقافة السلام يقتضي أولا وقبل كل شيء حفظ المنطلق الذي انطلقت منه الديانات السماوية لتحديد هذه الضرورات الخمس: أعني كون الديانات السماوية إنما تقصد إلى حفظ مصالح الناس، أما الله فهو غني عن العالمين. ومن هنا يكون حفظ الدين معناه حفظ الضرورات الأربع السابقة: حفظ النفس والعقل والنسل والمال.
ولكي يقوم الدين بوظيفته هذه يجب حفظه من داء الغلو والتطرف: التطرف في الدين يلغي وظيفة الدين التي هي حفظ المصالح، ويجر إلى توظيفه في غير ما وضع له، بل إلى استعماله ضد النفس والعقل والنسل والمال.
إن ثقافة السلام هي، أولا وقبل كل شيء، ثقافة للسلام مع الله، وبالتالي فهي ثقافة للسلام مع خلقه، أفرادا وجماعات، وبالتالي فلا يجوز الاقتتال بدعوى أن هذا المذهب الديني أو ذاك أقرب إلى الله. الدين كله لله. وهو بهذا المعنى ضد ثقافة التطرف، سواء بالغلو فيه أو بادعاء احتكار حقيقته.
وإذا كان لكل مقام مقال، كما يقال، فإن المقام في هذه الأيام، يستحثنا على استحضار اسم مدينتين تلقبان في اللغة العربية بلقب "السلام".
أولاهما "مدينة السلام"، القدس: مهد الديانات السماوية التوحيدية، التي يدعونا تاريخها ومستقبلها للعمل معا من أجل أن تصبح فعلا مدينة للسلام: لا تزهق فيها نفس، ولا تنتزع فيها أرض، ولا تشرد فيها عائلة، ولا يهجَّـر عنها ساكن.
ثانية المدينتين العربيتين اللتين تلقبان في الثقافة العربية بـ"السلام" هي "دار السلام": بغداد التي تتعرض اليوم لخطر الحرب الأهلية التي تمارس باسم الدين والدين منها براء. الحرب الأهلية تلغي ثقافة السلام وتنهش في الضرورات الخمس وفي كل ما كرم الله به الإنسان.
لنُصلِّ جميعا من أجل حفظ النفس وحفظ العقل وحفظ النسل وحفظ المال وحفظ الدين في "مدينة السلام"، و"دار السلام".