إنها الثقافة الصهيونية التي تحكم إسرائيل...
محمد عابد الجابري
ذكرت وسائل الإعلام هذه الأيام أن الصحف الإسرائيلية طرحت للمناقشة على صفحاتها مسألة قيام إسرائيل باغتيال حسن نصر الله. وكان بعض المسؤولين الإسرائيليين قد صرحوا في الأيام الأولى للعدوان بما يفيد اقتناعهم بضرورة اغتياله.
ما يثير الانتباه هنا هو هذه العلانية التي يتحدث بها المسؤولون والصحافة في إسرائيل عن الاغتيال. لقد اعتدنا أن نسمح عن عزم "المسؤولين" في هذا البلد أو ذلك على اعتقال شخصية معارضة أو حل حزب معارض، بدعوى أن سلوك تلك الشخصية أو ذلك الحزب خرق أو يخرق القانون داخل بلدهم؛ أما أن يتحدث مسؤولون في دولة معينة عن ضرورة اغتيال شخصية معينة باسمها وحيثياتها من بلد آخر، وأن تجعل صحافة تلك الدولة مسألة اغتيال تلك الشخصية موضوعا للمناقشة، بل للمطالبة والتحريض، فهذا ما يثير الدهشة حقا.
نعم، معروف أن أجهزة دول معينة، قامت وتقوم باغتيال زعماء ونشطاء معارضين، ولكن ذلك يتم عادة في سرية تامة، كما أن التداول فيه يتم ضمن دوائر ضيقة داخل أجهزة مختصة. أما في إسرائيل فليست ممارسة الاغتيالات في الضفة والقطاع، وفي أقطار أخرى، هي وحدها التي تتم بعلانية ويتم الاعتراف بها بعلانية، بل إن التفكير في اغتيال شخص بعينه وفي بلد بعينه هو أيضا من الأمور التي تناقش بعلانية وعلى صفحات الجرائد.
ليس هذا وحسب، بل إن مجلس الحاخامات في الضفة الغربية، أصدر بعد اجتماع له بيانا نقلته القناة الإسرائيلية السابعة، أكدوا فيه: "أن التوراة تجيز قتل النساء والأطفال في زمن الحرب". وجاء فيه أيضا: أن "من يترحم على أطفال غزة ولبنان ينظر إلى أطفال إسرائيل بوحشية". كما "طالب البيان الحكومة بأن تأمر بقتل المدنيين الفلسطينيين واللبنانيين بصفتهم موالين للعدو"، وذلك بحسب ما تنص عليه التوراة".
وما يلفت النظر هنا ليس ما ذكره هؤلاء الحاخامات من أن "التوراة" تنص على ما ذكروه، لأن المسألة هنا هي مسألة "أية توراة"؟ هل هي الكتاب الذي نزل على نبي الله موسى والذي نسخه في لوحين –كما في التوراة- أم أن ما يحيل إليه الحاخامات هو ما أضيف إلى توراة موسى من "نبوءات" ادعى القادة العسكريون و"القضاة" اليهود والحاخامات في مختلف العصور، أنها من عند الله؟
إن الوصايا العشر التي هي النص الإلهي الصريح في توراة موسى تنهى عن "القتل" بالمرة، وعبارة "لا تقتل" تترد فيها بقوة، وقد كررها موسى نفسه في "خطب الوداع" التي ألقاها قبيل وفاته. وقد عبر القرآن الكريم خير تعبير عن ما أوحى الله به إلى موسى في هذا الصدد، وذلك في قوله تعالى: "مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا، وَلَقَدْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا بِالْبَيِّنَاتِ ثُمَّ إِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ بَعْدَ ذَلِكَ فِي الْأَرْضِ لَمُسْرِفُونَ (المائدة 32). يلي ذلك حكم القرآن في "المحاربين" وهم قُطَّاع الطرق من اللصوص وما أشبه، وليس المقاتلين في حرب. أما القتال في حرب يخوضها المسلمون ضد أعدائهم فيحكمه قوله تعالى: "وَقَاتِلُوا فِـي سَبِـيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين" (البقرة -190). ويقول المفسرون والفقهاء، بناء على هذه الآية، إن من لا يقاتل من أهل دار الحرب لا يجوز قتله، مثل النساء والصبـيان والأعمى والـمعتوه والـمقعد و"أصحاب الصوامع (رجال الدين) الذين طينوا الباب علـيهم ولا يخالطون الناس". وأضاف الإمام مالك أنه يجب أن يترك لهم من أموالهم ما يعيشون به. وقال الإمام الأوزاعي: لا يقتل الـحرّاث والزرّاع، ولا الشيخ الكبـير، ولا الـمـجنون، ولا راهب، ولا امرأة. وأضاف: هذا لأن المعروف عادة أن هذه الأصناف لا تشارك في القتال لأنها لا تقوى عليه.
وقد وردت أحاديث نبوية في هذا الصدد: من ذلك ما روي عن النبـي (ص) من أنه نهى عن قتل النساء والصبـيان فـي دار الـحرب. واعتمد الفقهاء هذا في فهم الآية المذكورة، ومن ذلك أيضا قول عمر بن الخطاب للجند من المسلمين: "لا تغلو (لا تخونوا، لا تسرقوا من الغنيمة)، ولا تغدروا ولا تقتلوا وليدا واتقوا الله في الفلاحين". وذكروا أن النبي (ص) مر على امرأة مقتولة فوقف ثم قال: "ما كانت هذه لتقتل" ثم أمر أحد مرافقيه فقال له: الحق بخالد بن الوليد فلا يقتلن ذرية ولا عسيفا (أجيرا) ولا امرأة". كما ورد حديث نبوي جاء فيه: "ولا تحرقوا بالنار، فإنه لا يعذب بالنار إلا رب النار". أما قطع الشجر والثمار وتخريب العامر (البيوت والمنازل وسائر مظاهر العمران) وقتل المواشي وتحريق النخل فقد نهى كثير من الأيمة عن ذلك: كما نهى الأزاعي عن قطع الشجر المثمر وتخريب العامر كنيسة كان أو غير ذاك. ويروى عن أبي بكر قوله للجند: "لا تقطعن شجرا ولا تخربن عامرا".
ويلخص الفقهاء ذلك في مبدأ صاغوه كما يل: "أحسنُ الناسِ قَِتْلةً: أهلُ الإيمان"، أي الذي يلتزمون بالأخلاق الكريمة التي تميز المؤمن". وفي هذا الإطار أكد فقهاء الإسلام تأكيدا خاصا على أن المسلم إذا دخل دار الحرب بأمان فعليه أن لا يتعرض لهم بغدر ولا لما في أيديهم بدون رضاهم، فإذا أخذ برضاهم، أخذ مالاً مباحاً بلا غدر، فيملكه بحكم الإباحة السابقة" (لأحكام الإسلام).
واضح أن ما يؤسس أحكام القرآن زمن الحرب هو نفسه ما يؤسسها زمن السلم، وهو التصرف بأخلاق. والأخلاق في الإسلام محكومة بالجزاء يوم القيامة "فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ، وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ (الحديد 7-8). أما في الفكر اليهودي (التوراة وغيرها) فليس ثمة رادع من هذا النوع، فالآخرة عندهم غير مفصولة عن الدنيا. فـ"اليوم الآخر" والجنة والنار والقيامة والحساب أمور ملتبسة في النصوص اليهودية، و"المصير" عندهم ليس هو "يوم الدين" كما عند المسلمين، بل هو يوم "العودة إلى أرض الميعاد". الحياة الـأخرى عندهم زمانها في هذه الدنيا، إنه زمان العيش في "الأرض الموعودة".
وهذه الرؤية تحكم الصهاينة خاصة، متدينين وملحدين وعلمانيين ولا مبالين. إنها الثقافة الصهيونية هي التي تحكم إسرائيل.