المقاومة والإرهاب .. بين العمى السياسي والعمى الفقهي
محمد عابد الجابري
إذا أراد المرء اليوم القيام بإحصاء في خطاب وسائل الإعلام العربية، المسموعة والمرئية والمكتوبة، لمعرفة أي الكلمات أكثر رواجا فيه، فإنه سيصل إلى النتيجة التالية: "بوش" و"الإرهاب"! ويمكن تفسير اقتران اسم بوش بالإرهاب
يمكن تفسير اقتران اسم "بوش" بـ"الإرهاب" بكونه قد اختار شعارا له "محاربة الإرهاب"، بعد الحادثة التي تعرضت لها الولايات المتحدة الأمريكية في 11 سبتمبر 2001. وبما أنه قد اقترب الآن من نهاية ولايته الثانية وهو لا يكف عن الكلام صباح مساء عن "محاربة الإرهاب"، فإن بوسع المؤرخ لمفردات رؤساء الولايات المتحدة الأمريكية أن يسجل بكل سهولة أن خطاب الرئيس جورج بوش، طوال مقامه في البيت الأبيض، كان يدور حول كلمة واحدة هي "الإرهاب". نعم هو يتكلم أيضا عن "الحربة" و"الديمقراطية"، ولكن فقط بمعنى "محاربة الإرهاب"، بحيث لو فرضنا أنه لم تعد هناك حاجة إلى "محاربة الإرهاب" لاختفت الحرية واختفت الديمقراطية وكل الشعارات المماثلة.
إن التمسك بلفظ "الإرهاب" صار ضرورة خطابية عند هذا الرئيس، حتى ليخيل إلى المرء أنه لو طلب منه أن يحذف من قاموسه هذا اللفظ لما استطاع الكلام. ومما يزكي هذا الافتراض أن حذف لفظ الإرهاب من الخطاب السياسي لهذا الرجل قد يفسح المجال للفظ آخر يغيبه هذا الخطاب بكل إصرار، أقصد لفظ "المقاومة". أما تغييب لفظ المقاومة وإحلال لفظ الإرهاب مكانه فشيء لا يفسره في نظري غير الرغبة في نشر وتعميم العَمَى السياسي.
إن إصرار الرئيس بوش على عدم تعريف "الإرهاب"، ووقوف إدارته ضد محاولة الأمم المتحدة القيام بذلك لا يفسره سوى الخوف من استرجاع العقل السياسي الأمريكي سلامة البصر والبصيرة. ذلك لأن تعريف شيء من الأشياء يقتضي فصله عما ليس هو إياه، وقديما قالوا: "بضدها تتميز الأشياء". وواضح أن تعريف الإرهاب يقتضي تمييزه عن شيء آخر، خصوصا ما فيه مظنة أن يلتبس به. وليس هناك شيء أقرب إلى أن يلتبس به مفهوم "الإرهاب" من مفهوم "المقاومة". والرئيس بوش لا يريد أن يستعيد العقل السياسي في الولايات المتحدة الأمريكية مفهوم المقاومة، خصوصا ولهذا المفهوم مكانة رفيعة في تاريخها. فقد قام الشعب الأمريكي بمقاومة الاستعمار الإنجليزي فحقق استقلاله وشيد ولاياته المتحدة التي أصبحت أقوى دولة في العالم.
ومن دون شك فإن استعادة ذاكرة هذا الشعب لتجربة المقاومة التي خاضها أجداده سيؤدي إلى الاعتراف بالمقاومة الفلسطينية والمقاومة اللبنانية والتعاطف معهما. وهذا ما لا تستطيع تحمله سياسية الرئيس بوش لأن في ذلك إلغاء لهذه السياسة. ومن هنا الرغبة في نشر وتعميم العمى السياسي في أوساط الشعب الأمريكي والحرص على ربطه بلفظ "الإرهاب" الذي نجحت تلك السياسة في جعل حادثة 11 سبتمبر 2001 مرجعية له.
هذا جانب. هناك جانب آخر يمكن التعبير عنه بـ"العمى الفقهي" الذي أصاب بعض الأبصار والبصائر التي تلتمس للفظ "الإرهاب" مرجعية في القرآن الكريم.
أقول هذا لأنه قد أتيح لي مرارا أن اسمع من ُيدخل في القاموس الإسلامي لفظ "الإرهاب" كما تتداوله الألسنة اليوم، مستشهدا بقوله تعالى: "وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم وآخرين من دونهم لا تعلمونهم، الله يعلمهم..؟" الأنفال 60). فمجرد ورود كلمة "ترهبون" كاف عندهم للقول بوجوب "الإرهاب" كما يستعمل في الخطاب الإعلامي المعاصر.
وللمرء أن يتساءل: علام يعتمد هؤلاء في هذا التأويل الذي يقولون به؟
يخيَّل إلـيَّ أن بعض الفقهاء الذين أفتوا في عصر انحطاط الفكر الإسلامي بالقول: إن تفسير القرآن: "صوابه خطأ، وخطؤه كفر"، الشيء الذي أدى إلى الاقتصار على تلاوة القرآن في المساجد كما يقرأ في المقابر، قد فعلوا ذلك لجعل حد لذلك النوع من التفسير والتأويل الذي كان يفرزه عصر الانحطاط، والذي لم يكن يعتمد فيه "المفتون" للعامة بلسان العامة وعلى مستوى جهلها، على أدنى معرفة بالشروط المطلوب توافرها في كل من يتصدى للإفتاء والتفسير.
والواقع أنه ليس فيما ذكره جميع المفسرين، بما في ذلك الذين عاشوا في عصر الانحطاط، ما يفيد أنهم فهموا من قوله تعالى، في الآية السابقة "ترهبون به عدو الله" ، ما تعنيه كلمة "الإرهاب"في الخطاب الإعلامي المعاصر. بل كلهم مجمعون على أن معناها هو التخويف، وهو المعنى الذي نجده في جميع قواميس اللغة.
ذلك أن لفظ "الإرهاب"، في اللغة، هو مصدر لفعل "أرهب" والمعنى جعل المخاطب يخاف. والثلاثي منه "رهب، يرهب" بمعنى خاف. وفي هذا المعنى ورد قوله تعالى: "وأوفوا بعهدي أوف بعهدكم وإياي فارهبون" (البقرة 40) وقوله" إنما هو إله واحد فإياي فارهبون" (النحل 51).
وإذن فعبارة "ترهبون به عدو الله..." لا تحتمل إلا معنى واحدا هو تخويفه. وقد شرح الفخر الرازي في تفسيره المقصود بالآية فقال: "وذلك أن الكفار إذا علموا كون المسلمين متأهبين للجهاد ومستعدين له مستكملين لجميع الأسلحة والآلات خافوهم، وذلك الخوف يفيد أموراً كثيرة، أولها: أنهم لا يقصدون دخول دار الإسلام. وثانيها: أنه إذا اشتد خوفهم فربما التزموا من عند أنفسهم جزية. وثالثها: أنه ربما صار ذلك داعياً لهم إلى الإيمان. رابعها: أنهم لا يعينون سائر الكفار. وخامسها: أن يصير ذلك سبباً لمزيد الزينة في دار الإسلام". وإذن فالهدف من إرهاب العدو وتخويفه، بإظهار الاستعداد والقوة، ليس من أجل التغلب عليه في الحرب وحسب، بل أيضا من أجل حمله على ترك الحرب واللجوء إلى "الحلول السلمية" بعبارتنا المعاصرة. ويؤيد هذا المعنى قوله تعالى مباشرة، بعد عبارة "ترهبون به عدو الله وعدوكم": "وإن جنحوا للسلم فاجنح لها وتوكل على الله إنه هو السميع العليم". فكأن نتيجة إرهاب العدو بمعنى تخويفه ستكون : جنوحه للسلم، وإذا حصل هذا صار التخلي عن الحرب واجبا".
فما أبعد ما تدل عليه الآية الكريمة التي ورد فيها لفظ "ترهبون" عن ما يريد أن يفهمه منها من لا يعتمدون في "التفسير" و"التأويل" و"الفتوى" على لغة ولا على أثر ولا على عقل. إنه العمى الفقهي (العلمي) الذي لا يضاهيه إلا العمى السياسي الذي يخلط بين مفهوم "المقاومة" ومفهوم "الإرهاب.