النظام العالمي الجديد ومقولة "الشرق الأوسط"
محمد عابد الجابري
عندما ظهر مفهوم "النظام العالمي الجديد" في مستهل التسعينات كان ينصرف معناه، أولا وقبل كل شيء، إلى نوع من العلاقات الدولية تختلف عن سابقتها بـ "نهاية الحرب الباردة"، وهي النهاية التي ترجع أساسا –إن لم يكن كليا- إلى سقوط الاتحاد السوفيتي والكتلة الشيوعية. إن هذا يعني أن "الجديد" في "النظام العالمي الجديد" كان يخص "الغرب" -أو "العالم الغربي"- وحده دون غيره. أما باقي العالم، وضمنه "الشرق الأوسط" فلم يكن له أن ينتظر "جديدا" ما، يخرجه من وضعيته القديمة. ومع أن كثيرين من الحكام والساسة والكتاب العرب كانوا يتوقعون أو يحلمون بـنصيب من هذا "الجديد"، الذي أصبح وصفا لـ"النظام العالمي"، فإن الرؤية الواقعية للأمور كانت تتوقع العكس: أي تَضَخُّمَ "القديم" واشتدادُ وقعه على المستقبل العربي. إن أصحاب هذه الرؤية كانوا يتخوفون من أن يؤدي انسحاب الاتحاد السوفيتي من "المنافسة" على العالم إلى تحرير "القدرة على التصرف" لدى أقطاب "النظام العالمي" القديم من أي قيد أو اعتبار آخر غير اعتبار مصلحة هذا النظام. وهذا ما حدث بالفعل.
لماذا؟ لماذا لم يحمل ما سمي بـ"النظام العالمي الجديد" أي جديد لأقطار العالم الثالث، ومنها العالم العربي أو "الشرق الأوسط"؟
الواقع أننا إذا نظرنا إلى ما وراء قيام الاتحاد السوفيتي، بعد الحرب العالمية الأولى، فإننا سنكون أمام مشهد واحد يضم الاتحاد السوفيتي نفسه كجزء من الغرب، ليس فقط بوصفه عنصرا أساسيا في الحلف الذي قام ضد ألمانيا، وهي جزء محوري في الغرب، بل أيضا بوصفه –أعني نظام الاتحاد السوفيتي- نتاجا للحضارة الغربية. لقد كان عبارة عن تمرد داخلي على نظامها الاقتصادي الرأسمالي. إنه تمرد داخل "الغرب" وليس ضده ولا خارجه.
والواقع أننا إذا غضضنا الطرف عن "الانشقاق الإيديولوجي" داخل مقولة "الغرب" فإن ما سيبقى هو الواقع التالي: المركزية الأوربية، ولا شيء غيرها. وقد مارستها روسيا الشيوعية –كما هو معروف- ضد "الشيوعيين المسلمين" في الشريط الطويل العريض الذي استحوذت عليه من عالم الشعوب الإسلامية الذي يقع جنوبها، كما حاولت ممارستها على "رفيقتها" الصين الشيوعية.
لنوسع مجال الرؤية قليلا ولنتساءل: ما معنى "النظام العالمي"؟ ومتى أصبح هذا الواقع، الذي يعبر عنه هذا المفهوم، يتطلب أو يقبل وصفَه بـ "النظام"؟ عِلما بأن معنى كلمة "نظام" هنا تعني انتظام جملة أشياء في سلك واحد أو إطار واحد، كانتظام حركة عدد من الكواكب والنجوم حول الشمس فيما يدعى بـ"المجموعة الشمسية"!
وإذا نحن انطلقنا من هذا الفهم لمقولة "النظام العالمي" وألقينا نظرة على تاريخ "الممالك والدول"، بتعبير مؤرخينا القدامى، فإننا سنجد أنه كان بالفعل، منذ حضارات الشرق القديم إلى قيام الحضارة الأوروبية الحديثة، عبارة عن تاريخ "ممالك ودول" لا تشكل "نظاما" بهذا المعنى، سواء نظرنا إليها منفردة أو مجتمعة. ومع أن رقعة الحضارة العربية الإسلامية كانت أوسع من سابقاتها حيث شملت في وقت من الأوقات مجمل "العالم المتحضر" فإنها لم تكن تشكل في أية لحظة من تاريخها "نظاما" يمكن مقارنته أو مقاربته مع "النظام العالمي" الذي خلقته الحضارة الأوربية الحديثة. والسبب في ذلك واضح: وهو أن الإسلام كدين، وكذا الفتوحات الإسلامية، سواء ما تم منها بالجيوش أو ما كان منها بمجرد الدعوة، لا شيء من ذلك كانت تحركه الدوافع والحوافز التي حركت الحضارة الأوربية في سيرها الحديث نحو إنشاء "نظام عالمي".
إن الفرق الأساسي والجوهري بين توسع الحضارة العربية الإسلامية وتوسع الحضارة الغربية هو أن التوسع العربي الإسلامي كانت تقوده "العقيدة"، مدفوعا بـ"الغنيمة" اللحظية المؤقتة كجزاء في الدنيا وبالجنة كمآل في الآخرة، بينما كان التوسع الأوربي تقوده الحاجة إلى التوسع مدفوعا بالرغبة في الاستعمار، أي بالغنيمة الدائمة المتوسعة في إطار الاقتصاد الرأسمالي؛ إنها "الجنة" في الدنيا قبل الآخرة.
والنتيجة البينة والواضحة، من هذا الفرق النوعي بين هذا التوسع وذاك، هو أن البلاد التي توسع فيها الأوروبيون إما أنهم استولوا عليها واستوطنوها بعد أبادوا أهلها بالكامل –تقريبا- كما حدث في أمريكا واستراليا، وإما أنهم نصبوا أنفسهم بالقوة حكاما عليها وجعلوا منها مستعمرات أو محميات، والهدف في كلتا الحالتين السيطرة الاقتصادية بواسطة السيطرة السياسية والعسكرية. أما البلدان التي فتحها المسلمون، سواء بالقوة أو بالصلح أو بمجرد الدعوة، فقد اكتفوا من أهلها باعتناق الإسلام دينا، تاركين لهم بلادهم يحكمونها ويتصرفون في مقدراتها كما كانوا يفعلون من قبل، مع نوع من التبعية السياسية/الدينية الاسمية في الغالب، قد يدفعون بموجبها ضرائب وإتاوات أو جزية، لكن ذلك كله لم يكن يغير من وضعهم المستقل.
وهذا ما فتح الباب واسعا لقيام دول إسلامية متنافسة لا تقِلُّ بعدا عن تكوين نظام عالمي أو إقليمي خاص بها عن بعد العرب والمسلمين اليوم عن تكوين مثل هذا النظام رغم نضالات الحركات القومية ورغم اسم "جامعة الدول العربية" واسم "منظمة المؤتمر الإسلامي". لقد بقيت الدول العربية والإسلامية تعيش طوال تاريخها المديد في وضع "اللانظام عالمي" إلى أن أصبحت جزءا لا يتجزأ من "النظام العالمي" الذي فرضه التوسع الغربي على العالم.
إن هذا النظام العالمي الغربي هو الذي وحََّدَ الدول العربية حين جعلها تنضوي في خطابه تحت مقولة "الشرق الأوسط" أو "العالم العربي" (وهذه الأخيرة من صنع الانجليز أيضا)، ليجعل منها الطرف المستهدف: بالأمس كان احتلالها والتحكم فيها ضروريا للقوى الاستعمارية نظرا لموقعها الاستراتيجي (الطريق إلى الشرق، إلى الهند.. قناة السويس..)، واليوم يظل التحكم فيها ضروريا لإمداد الغرب بالطاقة: عصب حضارته وأساس تقدمه وقوته. وهذا في الحقيقة هو ما يجمع الدول الإسلامية في نظر الغرب إلى الدول العربية. إن ما يهم العالم الغربي ويشكل قوام "نظامه الدولي" في العالم العربي والإسلامي اليوم هو البترول والموقع الاستراتيجي...