حديث المرتد ... يفتقد المصداقية
محمد عابد الجابري
ونعود إلى حديث المرتد ("من بدل دينيه
فاقتلوه") مذكرين بالمبدأ الذي نعتمده في ما يروى من أحاديث نبوية، منطلقين من أنه
لا يمكن الاستغناء عن السنة النبوية قولا وفعلا، هكذا بالجملة. فالسنة مبينة للقرآن
ومفصلة للأحكام خاصة في أمور العبادات. أما خارج مجال العبادات فلا بد من التأكد
أولا من كون الحديث المعني يشهد له القرآن بالصحة، لأن مهمة النبي هو أن يبين ما في
القرآن بالقول أو بالفعل، مهمته تبليغ ما في القرآن وليس له أن يضيف شيئا من عنده.
ولابد من التأكد ثانيا من خلو الحديث من شبهة التوظيف الإيديولوجي والسياسي.
والواقع أن القرآن لا يشهد بالصحة لمثل هذه التوظيف أولا لأنه كتاب المسلمين جميعا،
وثانيا لأن القرآن لم يطرح المسائل السياسية والاجتماعية إلا من باب الأحكام
الشرعية والأخلاقية التي يقررها بوضوح.
وحديث المرتد لا يستوفي في نظرنا هذه الشروط:
أولا- لأن القرآن لا يشهد له بالصحة. لقد شجب القرآن الردة بشدة
في القرآن المكي، كما نهى بقوة من أمور أخرى مثل السرقة والزنا. ولكنه –أعني القرآن
المكي لم يحدد العقوبات الدنيوية في أي واحد من الأمور التي شجبها ونهى عنها، وإنما
تحدث عن العقاب الأخروي. وكان كان هذا أمرا مفهوما لأن الإسلام في المرحلة المكية
كان مجرد دعوة ولم تكن لديه أية سلطة مادية على الناس يمكن أن تنفذ الأحكام. لكن
عندما تغير الوضع بعد الهجرة إلى المدينة وأصبح للمسلمين مثل هذه السلطة، نزلت آيات
الأحكام، وهي نوعان: منها ما حدد عقوبات دنيوية في قضايا جديدة لم تكن قد طرحت في
العهد المكي، ومنها ما كان القرآن قد شجبها في العهد المكي ونهى عنها ثم حدد لها في
العهد المدني عقوبات دنيوية واضحة ومحددة، ولكن هنا أمور أخرى كان القرآن قد نهى
عنها وشجبها بشدة في العهد المكي ولكنه في العهد المدني لم يصدر في شأنها عقوبات
دنيوية، بل أبقى في شأنها العقوبات الأخروية وحدها.
وكمثال على ذلك نشير إلى مسألة الزنا الذي شجبه القرآن المكي
بقوه. قال تعالى: "وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ
سَبِيلًا" (الإسراء 32) ولكن دون التنصيص على عقاب دنيوي. ثم جاء العهد المدني فحدد
له القرآن عقوبة دنيوية واضحة هي قوله تعالى: "الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي
فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِئَةَ" (النور 2). ومثل ذلك السرقة والاعتداء
على أموال الناس عموما فقد شجبها القرآن المكي وحرمها ولكن اقتصر فيها على الوعيد
الأخروي، ولما جاء العهد المكي حدد للسرقة عقوبة دنيوية واضحة محددة. قال تعالى :
"وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا"
(المائدة 38).
وأما المرتد الذي توعده الله في القرآن المكي بأشد العقوبات
الأخروية مثل قوله تعالى: "مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا
مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ
بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ"
(النحل 106)، فإن القرآن المدني لم يزد على أن أكد العقوبة الأخروية ساكتا سكوتا
تاما عن أية عقوبة دنيوية. وهكذا نقرأ قوله في سورة البقرة، وهي أول سورة نزلت في
المدينة، "وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ
فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ وَأُولَئِكَ
أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ" (البقرة 217)، ونقرأ في سورة النساء
وقد نزلت في وسط العهد المدني : "وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا
تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا
تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا" (النساء 115). وحتى ذلك المرتد
الذي عاد إلى الإسلام ثم ارتد من جديد لم ينزل فيه غير العقاب الأخروي: قال تعالى:
"إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آَمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ
ازْدَادُوا كُفْرًا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ
سَبِيلًا" (النساء 137). كما نقرأ في سورة المائدة التي هي من آخر ما نزل : "يَا
أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ
يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ" (المائدة 54). وهكذا يبقى
قوله تعالى في سورة البقرة "لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ
مِنَ الْغَيِّ" (البقرة 256) هو المرجع في هذا الموضوع. وإذن فالقرآن لا يشهد
بالصحة لحديث المرتد، وهذا يستلزم التعامل معه بحذر.
ثانيا: نحن نسجل الشكوك التالية على
هذا الحديث: الرواية المشهورة هي تلك التي ذكرها البخاري ونصها: "أتي علي رضي الله
عنه بزنادقة فأحرقهم، فبلغ ذلك ابن عباس فقال: لو كنت أنا لم أحرقهم، لنهي رسول
الله صلى الله عليه وسلم: "لا تعذِّبوا بعذاب الله". ولقتلتهم، لقول رسول الله صلى
الله عليه وسلم: "من بدَّل دينه فاقتلوه". هذه الرواية لا تذكر من هم هؤلاء
الزنادقة!
لكن هناك روايات أخرى فيها تفصيل للحادثة منها : "أن علياً بلغه أن قوماً ارتدوا عن
الإسلام فبعث إليهم (وهو خليفة) فأطعمهم ثم دعاهم إلى الإسلام فأبوا، فحفر حفيرة ثم
أتى بهم فضرب أعناقهم ورماهم فيها ثم ألقى عليهم الحطب فأحرقهم ثم قال: صدق اللـه
ورسولـه». وفي رواية أخرى أن الأمر يتعلق بطائفة من الغلاة ونصها كما يلي: "قيل
لعلي إن هنا قوماً على باب المسجد يدعون أنك ربهم، فدعاهم فقال : لـهم ويلكم ما
تقولون؟ قالوا: أنت ربنا وخالقنا ورازقنا. فقال: ويلكم إنما أنا عبد مثلكم آكل
الطعام كما تأكلون وأشرب كما تشربون، إن أطعت اللـه أثابني إن شاء وإن عصيته خشيت
أن يعذبني، فاتقوا اللـه وارجعوا، فأبوا. فلما كان الغد غدوا عليه فجاء قنبر و(مولى
علي) فقال: قد واللـه رجعوا يقولون ذلك الكلام، فقال أدخلـهم فقالوا كذلك. فلما كان
(اليوم) الثالث قال (لهم علي): لئن قلتم ذلك لأقتلنكم بأخبث قتلة، فأبوا إلا ذلك؛
فقال (علي) يا قنبر ائتني بفَعَلة معهم مرورهم فخدَّ لـهم أخدوداً بين باب المسجد
والقصر، وقال: احفروا فأبعدوا في الأرض (عمقوا الحفرة)، وجاء بالحطب فطرحه بالنار
في الأخدود وقال: إني طارحكم فيها أو ترجعوا، فأبوا أن يرجعوا فقذف بهم فيها". هذا
وخبر الغلاة الذين غالوا في علي وادعوا ألوهيته معروف في كتب التاريخ والفرق.
هذا من جهة، ومن جهة أخرى فبوسع المرء
أن يشم في الرواية التي أوردها البخاري وهي المشهورة، شبهة سياسية، لا لوم للبخاري
عليها ما دام قد قصر مهمته على اعتبار السند لا غير. هذه الشبهة هي ما نسب لابن
عباس من أنه قال في الحديث المذكور: " لو كنت أنا لم أحرقهم"، وهو قول فيه طعن صريح
في تصرف علي. وسواء نطق ابن عباس بهذه العبارة أو نسبت إليه، فهي عبارة زائدة لا
موجب لها (اللهم إلا إذا كانت ووراءها دوافع سياسية أو مذهبية".
هناك شبهة أخرى تتعلق بأحد شروط رواية الحديث وهي البلوغ. كان ابن عباس طفلا عمره
ما بين العاشرة والخامس عشرة، يوم توفي النبي عليه السلام. ومعنى ذلك أنه سمع
الحديث المذكور عن غيره من الصحابة لا من النبي (ص)، ولكنه لم يذكر الصحابي الذي
أخذه عنه. وحتى إذا فرضنا أنه سمعه من النبي مباشرة فإن الشك سيبقى، والسؤال الذي
يفرض نفسه هو : هل كان بالغا يوم سمعه، خصوصا ويروى عنه هو نفسه أن قال: "مات النبي
وعمري عشر سنين". ومعلوم أن سن البلوغ هي ما بين السابعة عشر والثامنة عشر.
حديث لا يشهد له القرآن بالصحة، وفيه
شكوك تطعن في مصداقيته، فهل يجوز أن تقتل تحت غطائه النفس البشرية "الَّتِي حَرَّمَ
اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقّ"؟ وأي حق في هذا والله يؤكد: "لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ
قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ"؟!