تقرير عن حلقة نقاش حول

تقرير عن حلقة نقاش  حول

"مستقبل الديمقراطية في مصر" ·

 

 

أكسفورد - مشروع دراسات الديمقراطية في البلاد العربية

مستقبل الديمقراطية في مصر كان موضوع حلقة النقاش التي عقدها المركز العربي لبحوث التنمية والمستقبل في القاهرة ، والتي تناولت ورقة بحثية بعنوان " مستقبل الديمقراطية في مصر " ، قدمتها د.ثناء فؤاد واشترك في مناقشتها الأساتذة:

احمد يوسف احمد ، عبد الحسين شعبان ، غانم النجار ، مصطفى عبد الغني ، أسامة الغزالي حرب، محمد السيد سعيد ، محمد السعيد إدريس، مصطفى كامل السيد. وأدار النقاش على خليفة الكواري .

والورقة المقدمة تأتي في إطار نشاط مشروع دراسات الديمقراطية في البلدان العربية الذي يتخذ من اكسفورد مقراً له. وهي جزء من مشروع بحثي يتمثل في دراسة تطبيقية حول مصر تجري ضمن سياق مشروع دراسي مقارن بدأ في خمس دول عربية، للتعرف على محصلة التجربة السياسية فيها خلال عمر الدولة الحديثة، ولفهم البنى القائمة في كل من تلك الدول كخطوة لبناء ورقة عمل للحوار الوطني حول مستقبل الديمقراطية في الدول العربية التي بدأت شكلا من الانفتاح السياسي وتشمل في الوقت الحاضر إلى جانب مصر كل من الجزائر والمغرب وموريتانيا والأردن وينتظر أن تبدأ الدراسة في القريب العاجل في كل من لبنان والكويت والبحرين واليمن والسودان.

وفي هذا السياق تناولت الورقة التي أعدتها الدكتورة ثناء فواد عبد الله الواقع العربي باعتباره الإطار الكلي الذي يؤثر على حالة الديمقراطية في مصر ، وطرحت عدد من التساؤلات حول استثنائية الحالة العربية بين التجارب الديمقراطية في العالم ، وحول طبيعة الديمقراطية وهل هي ثمرة للضرورة أم للإرادة . وركزت الورقة على الطبيعة الإقصائية للدولة العربية حيث تتساوى السياسة مع الدولة ويصبح من يقف خارجها مستبعدا بل وربما خائنا وتضمنت الدراسة ثلاثة محاور ، أولها المحور التاريخي الذي تناول تاريخ التجربة السياسية في مصر ومحصلتها والذي برزت من خلاله قدره النظام المصري الفائقة على الاستقرار والاستمرار رغم انطوائه على عوامل ضعف ظاهرة . المحور الثاني يدرس أهم السمات التي تميزت بها البنية السياسية والاقتصادية والثقافية والاجتماعية في مصر . أما المحور الأخير فيتناول الرؤية المستقبلية ، وقد ركز على تطور الحياة الحزبية في مصر ودلالات الانتخابات التشريعية الأخيرة "انتخابات 2000" التي انطوت على مؤشرات مهمة يمكن من خلالها استلهام حقيقة التطور السياسي الذي تشهده مصر ومستقبل هذا التطور .

بعد العرض الموجز الذي قدمته الدكتورة ثناء بدا الحضور بالمناقشة وتناولوا نقاطا كثيرة بعضها كان حول الموضوع بشكل عام وبعضها تمثل في انتقادات أو إضافات للورقة البحثية المقدمة .

وقد أوضح اكثر من متحدث صعوبة التنبؤ بالتطورات السياسية بشكل عام نظرا لأنها تتوقف على إرادة الفاعلين السياسيين اكثر مما ترتبط بعوامل موضوعية ، ورغم ذلك فانه بالرجوع للسوابق التاريخية يمكننا أن نتوقع مسار المستقبل لذلك  فقد تم نقد الورقة لتركيزها الكبير على سلمية التحول الديمقراطي رغم أن هذا لا يتفق مع واقع التحول كما بدا في أوروبا الغربية أو في إطار الموجة الثالثة للتحول الديمقراطي في بلدان شرق أوروبا وبعض الدول في أي آسيا وأفريقيا وأمريكا  اللاتينية ، ففي كل هذه الحالات لم يتم التحول سلميا فقد كانت هناك ثورات اختلفت في مدى دمويتها . أما في الحالات الحديثة للتحول فلم يكن الأمر فيها نتيجة لتنازلات طوعيه من السلطة وإنما جاء التغيير تحت ضغط حالات من التعبئة السياسية الواسعة ، أما البلدان التي جاء التحول فيها بقرارات فوقية فقد كانت التحولات سطحية وهشة ، فالنخب الحاكمة تسعى دائما للحفاظ على سلطاتها لما ترتبه لها من مزايا اجتماعية واقتصادية كبيرة لذلك فهي لن تتنازل عنها دون ضغط كبير عليها ، وإلا اصبح التغيير الحادث مجرد تحديث للاستبداد دون تغيير جوهره .

ولاشك إن الدول العربية كلها تخلفت عن مسار التحول الديمقراطي العالمي لكن ما هو السبب في ذلك ؟ هناك أربعة عوامل يطرحها علماء السياسية تؤدي لحدوث التحول يمكن قياس الحالة العربية عليها .

 أولا - التحول الاقتصادي الاجتماعي الذي ينتج قوى اجتماعية مطالبة بالمشاركة في السلطة ، لكن التحولات التي صاحبت الانتقال لسياسية اقتصادية ليبرالية في البلاد العربية أنتجت طبقة من رجال الأعمال المؤيدين للنظم الاستبدادية . كما أن اثر التعليم كآلية  للتحول ليس ملموسا نظرا لتخلف الدول العربية في هذا المجال عن مثيلاتها من دول الجنوب ( فلا تقل عنها سوى دول أفريقيا جنوب الصحراء ) . أما الثقافة السياسية - العامل الثاني - فان قضية الديمقراطية ليست في الحقيقة قضية مركزية في الثقافة السياسية العربية التي تولي اهتماما اكبر لمسألة الشرعية الدينية والقضايا القومية اكثر من اهتمامنا بكيفية تولي السلطة . العامل الثالث - هو الإرادة السياسية وهي مسالة غير متوفرة في حالتنا حيث يكتفي القادة العرب بإتاحة تعدد الآراء لكن لا يرد على ذهنهم أن تكون الديمقراطية آلية لانتقال السلطة سلميا . أخيرا - العامل الدولي الذي حبذ وشجع التطور الديمقراطي في كثير من الدول النامية لا يحبذ في الحقيقة هذا التطور في المنطقة العربية حيث يخشى إن تفرز الممارسة الديمقراطية عن قوى حاكمة تكون متعارضة مع المصالح الاستراتيجية للدول الكبرى في المنطقة .

وأثيرت مسالة الاستثنائية العربية في إطار تحولات الموجة الثالثة للديمقراطية ، ولكن دحضها اعتمد على عدم تجانس تجارب التحول في الحقيقة رغم اشتراكها في عدة مظاهر للتغير ، فهي لا يمكن إن تدرج في فئة واحدة لأنها جاءت متباينة جدا في حقيقتها ، فبعض الحالات  مثل أوروبا الشرقية لم يكن المطلب الديمقراطي فيه أصيلا وإنما محمولا على أهداف أخرى لذلك أتى التحول سطحيا ومرتبكا ، وكما شهدت أفريقيا انتكاسات عدة عن تجارب الديمقراطية التي أنتجتها .

ورغم إن تجربة التعدد الحزبي في مصر قد بدأت منذ عام 1976 حتى الآن ألا المشكلة إن هذا التطور كان مدارا من أعلى بصورة شديدة المركزية ولم يؤد إطلاقا لتغيير أساليب الحكم أو نسق الدولة ولم يؤد لبناء علاقات جديدة بين الدولة والمجتمع وهي بالتالي تشارك معظم تجارب التحول في سطحيتها وكونها في النهاية ليبرالية سياسية على احسن تقدير وليست ديمقراطية . ويلاحظ بشكل عام إن الديمقراطية لم تتطور بفضل جاذبيتها الذاتية وإنما تم التوصل إليها نتيجة انشقاقات أو توازنات نسبية بين قوتين كبيرتين في المجتمع سواء انتميا لنفس الطبقة أو لطبقات مختلفة ، تجعلهم في النهاية يكتشفون إن الخيار الديمقراطي هو الخيار الأفضل.

أما في مصر فقد كان لمطلب بناء الأمة الأولوية في مرحلة ما قبل الثورة وكان هذا مواتيا للديمقراطية حيث حظيت جميع القوى الجذرية بتأييد شعبي واسع ومن ثم ارتبط النضال الوطني بالنضال الديمقراطي ،  لذلك كان من السهل فيما بعد على القوى الجديدة التي حكمت أن تقوض الوضع الديمقراطي طالما إنها بدت وكأنها القوى الأكثر جذرية تجاه بناء الأمة ، ومنذ ذلك الوقت أسست هذه القوى أنظمة شمولية تلامست مع المزاج الشعبي من الزاوية الوطنية وأدى هذا الوضع المميز إلى قيام تحالفات واسعة بين السلطة والمجتمع قائمة على فكرة المبادلة بين الحرية السياسية والضمانات الاجتماعية .

ورأى متحدث آخر أن تعثر عملية التحول ناتجة عن عدم وجود جماهير مطالبة بالديمقراطية، وقد لعبت السلطة دوراً مهما في ذلك باتباعها لسياسة تجفيف المنابع بانتظام منذ منتصف السبعينيات والتي تم بمقتضاها تصفية الحركة الطلابية المصرية، علماً بأن الحركة الطلابية هي بمثابة كرات الدم الحمراء في شرايين الحركة الوطنية المصرية، وبتصفيتها لم تعد هناك قناة لتدفق الممارسين للعمل السياسي لذلك تجمدت النخب القائمة ، بالإضافة للإجراءات الأخرى ضد الحريات التي مارستها السلطة . وقد عاب اكثر من متحدث على الورقة البحثية إغفالها للعوامل الخارجية المؤثرة على التطور الديمقراطي ، وعلى رأسها الصراع العربي الإسرائيلي الذي كان مبرراُ في كثير من الأحيان أو ذريعة في أحيان أخرى لتأجيل المطالب الديمقراطية . كما أضاف البعض القيود الاقتصادية الدولية الجديدة كمعوق أمام مزيد من تكافؤ الفرص والمشاركة .

ومن الملاحظ أن العامل الخارجي قد لعب دائماً دوراً محفزاً للحركات الجماهيرية والتي تلعب دوراً مؤثراً في التحول الديمقراطي مستقبلاً. وطرحت فكرة الصدفة التاريخية التي تحدث بشكل غير متوقع وتؤدي لتجمع عدد من العناصر تسبب نقلة تاريخية ، ويكون العنصر الحاكم في حالة حدوث هذه الصدفة هو السلطة السياسية حيث يتطلب الانتقال السلمي للسلطة في هذه الحالة أن تكون لديها قناعة بالتغيير والتطوير.

وعلى الجانب الأخر تساءل أحد الحاضرين كيف يمكن إقناع الحاكم بقرار عقلاني رشيد أنه عندما يتجه نحو الديمقراطية فإنه يحقق مكسباً شخصياً ، بحيث يقبل طوعا على الخيار الديمقراطي لأن فيه مصلحته . والمشكلة الأساسية تكمن في عدم تقديم ضمانات إطلاقا للحاكم تشجعه على التخلي عن السلطة فهو لا يعرف ماذا سيفعل به من سيخلفه . وقد أثيرت مسألة الحتمية التاريخية أو الثقافية في التحول لديمقراطي مقابل الاختيار الواع المخطط حيث كان الحديث في الماضي دائماً يركز على ضرورة المرور بمراحل معينة وتطور أفكار بذاتها حتى يحدث التحول ثم اثبت الواقع --في رأيي البعض - أنه إذا وجدت نخبة متفقة على أهمية الديمقراطية فإنها ستسعى بشكل مخطط ومدروس لبنائها وتحقيقها في الواقع . ورأى المتحدث أن السؤال الذي كان يجب على الدراسة أن تجيب عليه هو لماذا لا توجد هذه النخب الراغبة في الديمقراطية والقادرة عليها ؟ لكن بناء الدراسة لا يمكنها من الإجابة على هذا السؤال .

وقد وجهت عدة إضافات واستفسارات للدراسة كان أهمها:

ضرورة القيام باستقصاء وتحليل للثقافة السياسية المصرية من المنظور الديمقراطي لأن الحالة اللاديمقراطية في مصر لا تقتصر على علاقة الحاكم بالمحاور إنما تمتد لتشمل معظم مظاهرة الحياة .

 بالنسبة للبنية الاقتصادية نلاحظ في التطورات الأخيرة إنه مع الاتجاه للخصخصة كان يفترض أن تظهر طبعة جديدة تشكل قوة ويمكنها أن تلعب دوراً في صنع القرار، بما يعد توسيعاً نسبياً لمساحة الديمقراطية، لكن ما حدث هو دخول فئة رجال الأعمال إلى السلطة - وليس نشأة طبقة جديدة - على حساب الطبقات الاجتماعية الأوسع ، وبالتالي وعلى عكس ما يتوقع منها لم تؤد الخصخصة إلى زيادة مساحة المشاركة لكنها خلقت مشكلة بطالة تضع مصر أمام سيناريو من السيناريوهات العنيفة في المستقبل ما لم يتم حلها . هذه التطورات الاقتصادية الأخيرة من المهم تحليلها بعمق في إطار البنية الاقتصادية .

 أما الجزء الخاص بالبنية الاجتماعية فيغيب عنه أي تحليل للتراجع الحادث للطبقة الوسطى والذي أفقدها جزء كبير من قوتها وبالتالي اهتز دورها التاريخي الذي تحدث عنه أرسطو . في نفس الوقت أيضاً فقد تم إفقار الطبقة العاملة - في بعض شرائحها - بشكل ملموس مما يؤثر بالتأكيد على البنية الاجتماعية.

 قضية الفساد يجب أن تكون لها موقعها من الدراسة نظراً لتأثيراتها المباشرة وغير المباشرة على الديمقراطية، خاصة مع تزايد حدة هذه القضية مؤخراً .

 التوسع في الجزء الخاص "بالواقع الراهن للحركة الديمقراطية" في الدراسة لأن هذا الجزء له أهمية كبيرة ، حيث لا يوجد لدينا تقويم دقيق لهذا الواقع ، ووجود هذا التقويم يساعدنا على استشراف المستقبل وحسم السؤال الخاص بإمكانية الانتقال السلمي للسلطة من عدمها. فعلي سبيل المثال لدينا الآن برلمان منتخب تحت الإشراف القضائي فيه سمات جديدة مختلفة عما سبق ، حيث تم تقديم طلب لسحب الثقة من أحد الوزراء واقترب الطلب لأول مرة من النصاب القانوني له . هذا المثال يوضح أن هناك تغير ما ، فهل لهذا التغير دلالته على مستقبل الديمقراطية  أم لا .

6- فيما يتعلق بالمداخل الاستراتيجية لتعزيز التحول يعد السؤال الذي طرحته الورقة البحثية مهم جداً : هل يمكن حدوث انتقال سلمي للديمقراطية ؟ هناك تصور أن مصر لا يمكن أن يحدث فيه انتقالاً عنيفاً باتجاه الديمقراطية، حيث لا توجد قوة اجتماعية أو سياسية قادرة على ذلك . لكن هذا لا يستبعد حدوث انفجارات جماهيرية عنيفة نتيجة للضغوط المختلفة ، ويمكن لأطراف عديدة توظيف مثل هذه الانفجارات لصالحها .

   

وبالتالي فإن دورنا كباحثين هو إن نقول كيف يمكن تحقيق الانتقال ، كيف يمكن تعزيز الاتجاهات الديمقراطية لدى السلطة ولدى الأحزاب . فمساهمتنا يجب أن تكون لتعزيز المدخل السلمي لأننا لسنا مع حدوث انتقال عنيف ، خاصة وأن الانتقال العنيف للسلطة لن يؤدي إلى ديمقراطية لأنه سيتم إما عن طريق العسكر أو الانفجارات الجماهيرية ، وكلاهما لن يفضي بالضرورة إلى الديمقراطية .  

 

 



·-  تأتي حلقة النقاش هذه في إطار دراسات "مستقبل الديمقراطية في عدد من الدول العربية" التي يجريها "مشروع دراسات الديمقراطية في البلدان العربية" الذي يتخذ من اكسفورد مقرا له.