ص1       الفهرس  61-70

 

إشكالية "المفهمة" في الفلسفة وفي تدريسها*)

حميد اعبيدة

لنحاول تحديد الصعوبات التي يصادفها القارئ في النصوص الفلسفية: إنها صعوبات تترجم خصوصا في تعدد وتعقد الأفكار التي يزخر بها عالم الفلسفة. ويشير كوسيطا إلى الأصل المزدوج لهذه الصعوبة كالآتي:

1- إن الفيلسوف يبني عالما محددا ومنظما من الكلمات والجمل التي تؤدي بالقارئ إلى التيه وعدم الفهم، وذلك لفقدان التوجيه والقدرة على التعقل. وهكذا فإن تداخل المعنى يقتضي مجهودا مستمرا، وتذكرا لا يتوقف على ما سبقت قراءته. إذن فقراءة نص فلسفي ما مهمة صعبة. فاللغة الفلسفية للقرن السابع عشر مثلا، مهما بدت سهلة فإنه مع ذلك يبقى من غير الممكن استسهالها، خصوصا بعد ولوج عالمها الزاخر كما هو الشأن مثلا بالنسبة للتأملات الميتافيزيقية الديكارتية.

2- الصعوبة الثانية وتنبع من واقع التخفيف raréfaction الناتج عن التجريد المفهومي. حيث أن النصوص الفلسفية تكون في بعض الأحيان أكثر كثافة وتجريدا، إذ يبدو من المستحيل ربطها بتجربة معيشية، أو بمجال الأشياء القابلة للملاحظة. إننا إذن مرغمون –كما هو الشأن في فضاء صوري ما-، على أن ننساق مع التسلسل البرهاني، باستثناء ارتدادنا الدائم إلى التعريفات مما يستوقف حركة تفكيرنا باستمرار، وقد ينتج عن هذا كله نعت الفلاسفة بالسقوط في اللفظية vérbalisme.

هاتان الصعوبتان مترابطتان، ولا يمكن الفصل بينهما، وهكذا فالانغلاق الدلالي ليس نوعا من الاتجاه نحو الاستقلالية وتميز الخطاب، اللذان يسعى الفيلسوف إلى تحقيقهما وهو يبني نظريته الخاصة، وبالتالي تكون تلك العلاقة القائمة على محوري الذهاب والإياب، بين نظرية الفيلسوف وواقع التجربة المعيشة بين البيداغوجيا والأنطولوجيا. ومن هنا تبدو الملفظة، أو القاموس التقني للفلسفة، والغموض المصطلحي Terminologique مشكلا مغلوطا، إذ ليس هناك فلسفة سهلة، ولا وضوح مصطلحي مظهري كما قد يبدو عند ديكارت وبركسون، ذلك الوضوح الذي يخفي صعوبات نظامهما المفاهيمي. وعلى العكس من ذلك فإن صعوبة مصطلحية Terminologie هيجل، هوسرل وهايدجر هي دائما قابلة للحل والتجاوز (شرح وتعريف هؤلاء الفلاسفة لمفاهيمهم، وتوضيحهم لها أمر يسهل مأمورية قارئ النصوص الفلسفية). وبالتالي فإن إرادة إرجاع المعنى إلى الإحالة أو المرجعية، كإرادة مستمرة قد تنتهي إلى منع الذات من التفكير، ولكن ذلك المنع قد يقودنا بدوره إلى الهذيان. والصعوبة تتضاعف إذا اعتبرنا أن كل فلسفة تقوم باختياراتها، انطلاقا من وضع اللغة، وليس فقط حسب وظيفة نظريتها، ولكن في نفس الوقت تبعا لأنماط العرض، التي بواسطتها تنوع تنظيم مضامينها، وهكذا فاختيار عتامه مرجعية، أقل أو أكثر غموضا، وانغلاق دلالي أقل أو أكثر انسدادا، أمرا يؤكد تداخلهما، وتعايشهما الجزئي، ويولد تنوعا كبيرا للتعابير الجميلة داخل الخطاب الفلسفي. أما نموذج هيجل كما يعرضه ألكسندر كويري في إحدى مقالاته "نقط حول اللغة والمصطلحية الهيجليتين" فيتأكد على أن هذا الفيلسوف حسب كويري يستعمل لغة فلسفية غير قابلة للترجمة إنها متاحة للألمان وحدهم في الدرجة الأولى. وربما يكون مشكل الترجمة "المابين-لغوي" interlinguale مشكلا مغلوطا ما دامت قراءة نص فلسفي، داخل لغة قارئ ما، تنطلق من تجربة مماثلة (وحدة الفكر الفلسفي وعالميته). إن الصعوبة تكون أقل عندما ننقل المفهومية la conceptualité إلى لغة أخرى في مقابل جعلها قابلة للاختراق ثم الاستيعاب داخل اللغة الأصلية. إن هيجل يختلف مع الرأي ويدعو إلى نحت مصطلحية خاصة بفيلسوف ما، فيحث على استعمال اللغة الطبيعية وتعديد معانيها الحية والمشخصة، حتى لا نشل حركية الفكر، الذي يمكن أن ينتقل من معنى إلى آخر ويجد علاقات جديدة. يقول كويري: "إن هيجل يبحث عن إعادة إنعاش الكنوز المخفية للغة، إنه يبحث عن راهنية، ونسقية وإدماج العمل التاريخي للعقل الذي حل في تلك الكنوز أو تجسد فيها".

وأخيرا ينتهي كويري إلى اعتبار أن علاقة الفلسفة باللغة مرتبطة أساسا بفلسفة اللغة. وهكذا، فإذا كان الفيلسوف لا يستطيع بناء أطروحاته إلا عبر هذا اللجوء إلى العمل في اللغة وحولها، فإننا لا نعرف قطعا كيف ننفلت من هذه الدائرية الوجودية –المنطقية، في قلب الإشكالية الهيجلية- إن الجواب واضح، بحيث أن المفاهيم نفسها، المكونة لهذه الفلسفة هي التي تركب الدلالات المحققة تاريخيا داخل التجربة المعيشة، وبصفة عامة يمكننا أن نتساءل هنا: ألا يتعلق الأمر بدائرية تجتاح الحقل الفلسفي كله طارحة مشكلة ميلاده الخاص؟

البنية السيمنطيقية/الدلالية للحقل المفاهيمي:

في هذه الفقرة أو الجزء يستدعي كوسيطا في البداية المعطيات اللسنية، ويحيل إلى أهمية الانقلاب الذي أحدثه دوسوسير في مجال اللغة خصوصا عندما تجاوز نظرية أرسطو في المجال الدلالي، مؤسسا لعلاقة جديدة بين الدال والمدلول، ومؤكدا على عدة علاقات داخل اللغة لا بد وأن تتدخل في تشكيل البنية الدلالية للحقل المفاهيمي، هذه العلاقات التي يمكن إجمالها فيما يلي:

1-الاندراج Hyponymie

2-التعاكسية Contrariété وهي علاقة تمثل أو تتضمن مجموعة من العلاقات الأخرى وذلك خسب الآتي:

ـ التكامل complémentarité

ـ التضاد Antonymie

ـ التبادلية réciprocité

3-التنافرية incompatibilité

4-الترادفية synonymie

نعم إن هذه العلاقات لا تسمح لوحدها بتوليد النظام الغني، والمعقد للحقل المفاهيمي في مجال الفلسفي. ومع ذلك وباعتبار انتمائها إلى اللغة، فإنها تشكل الهيكل الذي سيبني عليه ذلك النظام.

إنها تسمح على الأقل بوضع الهوية، الاختلاف، والتراتب بين المفاهيم هذا ما يسمح لنا بأن نفهم أن المفهوم هو الذي يصنع النظام، ولكن كذلك فإن النظام هو الذي يصنع المفهوم. وحتى نوضح الأمر جيدا لا بأس أن نقارن بين العمل الذي يقوم به اللسني، والعمل الذي ينجزه الفيلسوف:

أ-بالنسبة للسني فإن حالة اللغة أو وضعها، هو الذي يحدد قيم الكلمة، تلك القيم التي ليست سوى إمكانيات علاقة محددة لحقل استعمالي داخل الخطاب. أما الفيلسوف فيشتغل على تنظيم العلامات وليس على علامات منظمة. إنه يسطر التصميم أو المعمار الواضح للعلاقة بين المفاهيم، ويبني بصفة كلية مدلولا ما، بطريقة ليست اعتباطية ولا اصطلاحية. ولكنها تطمح أن تكون ضرورية، وقادرة على نسخ أو نقل الوجود l’être إلى داخل القول.

ب-يمكننا في الفلسفة أن نتحدث عن حقل مفاهيمي، ضمن المدى الذي تكون فيه الشبكة السيمنطيقية، التي تربط المفاهيم فيما بينها، تعمل كنظام واضح. وفي الفلسفة كذلك نكون أمام محاولة مستمرة لبناء حقل منسجم، ومتماسك بشكل قوي يغطي الحقل الواقعي ككل، لكن ليس بصفة مباشرة، حيث أن الهدف، هو تكوين تمثلات وأفكار قد لا تعكس الواقع بالطريقة التي يعكسه بها العلم.

ج-إن النص الفلسفي لا يتحرك فقط وفق علاقات سيمنطيقية، بل يعيد استعمالها داخل صياغة تيمية واضحة وهكذا فإن العلاقات بين المفاهيم يمكن أن تصير بدورها مفاهيم. إن الفيلسوف إذن يشتغل عبر ثلاث مستويات:

ـ إنه يعارض بواسطة الاندراج l’hyponymie مستويات تراتبية بين المفاهيم (عند هيوم مثلا: انطباعات وأفكار هي اندراجية l’hyponymes بالنسبة للإدراك).

ـ تخصيص العلاقة (أي أن لفظتي: انطباع وفكرة هما في علاقة اشتقاقية) حسب الاصطلاح السيمنطيقي، ولكن شريطة أن نبني لهذا التخصيص تعابير: اشتقاق، يكون متشابها لـ يكون سببا لـ

ـ وأخيرا الهوية، الاختلاف، السببية تجد نفسها وقد تشكلت كمفاهيم، أو مقولات أساسية للنظام الهيومي (انظر القسم الخامس من الكتاب الأول).

وهكذا فكل العلاقات المحايثة للصياغة المفاهيمية، داخل نظرية ما يجب أن تكون قابلة بدورها للمفهمو وخاضعة لها. وهكذا فإذا أخذنا مثلا مفهومي: فكرة وانطباع عند هيوم نجدهما يفترضان مقولات: علاقة، هوية، التشابه والسبب. وفي بداية هذا الفصل يبين كوسيطا بأن إمكانية بناء المفاهيم تعتمد على عملية التسمية la substantivation، والتي تتبع بدورها لنسبية التعارض بين الموضوع والإسناد. وهكذا نكتشف بأن إمكانية زحزحة الإسنادات الموجودة في وضع عناصر علاقة جديدة، تسجل في قلب النشاط الفلسفي، كما لو كانت تملك سلطة توليد هذا الاختلاف، أو كما لو كان هذا الاختلاف ملزما بحصر نفسه، والتواجد كموضوع للفكر في صلب النظرية الفلسفية. وأخيرا فالتعامل مع المفاهيم (مع شبكة المفاهيم) التي يوظفها الفلاسفة تختلف من فيلسوف إلى آخر، وحسب الكيفية التي تبني بها تلك الشبكة، داخل النظرية الفلسفية، والتي تفرض على القارئ المتمعن في علاقاتها، ومضامينها، أو معانيها ونمطها الدلالي، وكذا الاستدلالي الخاص.

المعالجة الديداكتيكية للمفاهيم (الجزء الأول):

في عمره الثالث، وفي مرحلة الشيخوخة ينتهي الأستاذ جيل دولوز إلى إنتاج كتاب رائع يحمل عنوان "ما هي الفلسفة"[1] Qu’est ce que la philosophie?، وذلك بمعية رفيقه في الفلسفة فليكس جاتاري. وإن كان لهذا الكتاب من أهمية، فهو كونه يأتي بعد تجربة طويلة ومحنكة لرجلين وهبا عمرهما للتفلسف ولخدمة التفكير الفلسفي، والإسهام في إغناء إنتاجه، والحرص  على بقائه واستمراره. نعم إن السؤال ما هي الفلسفة؟ سؤال تقليدي لم تذخر أية فلسفة جهدا في طرحه، والبحث أو السعي إلى بناء إجابة خاصة عنه. من هنا فإن الكتاب المشار إليه، وإن بدا يكرر نفس السؤال، فإنه مع ذلك لا يتصور الجواب كتكرار لما سبق، بل يحمل جديدا يمكن أن يثير عند المشتغلين بالفكر الفلسفي أكثر من سؤال، ويخلق أكثر من مجال للحوار، وخصوصا على مستوى ديداكتيك الفلسفة. وهكذا فجواب كل من دولوز وجاتاري عن سؤالهما السابق ضمن كتاب بكامله، جاء نتيجة لتجربة طويلة كما قلنا، وجاء حاملا لكل عطائهما الفلسفي، وجهدهما الكبير هذا الجواب الذي يأتي مباشرة بعد الصفحة الأولى من المقدمة على الشكل التالي: "إن الفلسفة هي فن تشكيل المفاهيم واختراعها، أو صنعها، وأن الفيلسوف صديق للمفهوم..) بل إن الفلسفة ليست مجرد فن لتشكيل وصناعة المفاهيم، لأن المفاهيم ليست بالضرورة أشكالا أو ما نعثر عليه، أو ننتجه، أن الفلسفة بصفة واضحة، ومضبوطة هي مادة معرفية تلح على إبداع المفاهيم"[2].

وبهذا المعنى تكون وظيفة الفلسفة هي إنتاج مفاهيمي جديدة بشكل مستمر ودائم. وأن موضوعها هو الآخر لا يخرج عن دائرة إبداع المفاهيم. ونفس الشيء ذهب إليه نيتش عندما قال: "يتوجب على الفلاسفة أن لا يعولوا على تقبل المفاهيم التي تعطى لهم لغسلها، وتنقيتها، وإعادة استعمالها، ولكن يجب أن يشرعوا في صناعتها وإبداعها، ووصفها وإقناع الناس باللجوء إليها (…) ويجب على الفيلسوف أن يحدر من المفاهيم حدرا كبيرا، خصوصا إذا كان غير صانع لها بنفسه"[3].

إننا لا نسعى من خلال هذا الكتاب إلى البحث عن حلول لإشكالية تدريس الفلسفة، في المؤسسة المدرسية بقدر ما نتوخى اعتماده كمناسبة لطرح أسئلة تقودنا إلى صلب هذه الإشكالية، محاولين ربط الفلسفة بتدريسها. وهكذا فمن خلال ما تقدم، يبدو لنا، سواء عند دولوز وكتاري، أو عند نيتشه أن الفيلسوف ملزم بإبداع مفاهيمه الخاصة الشيء الذي يدفعنا إلى التساؤل: أية قيمة تبقى لفيلسوف لا يبدع مفهوما، أو لم يبدع مفاهيمه الخاصة؟ وبالتالي هل الأستاذ مجبر على تدريب أو تكوين تلاميذه في اتجاه إبداع المفاهيم؟ وهل الفلسفة داخل المؤسسة مجبرة على إنتاج مفاهيمها الخاصة؟

من الصعب أن نغامر ثم نجيب بالإيجاب على الأسئلة التي طرحناها أو على جلها لأننا عبر تاريخ الفلسفة لا نعثر على "الإبداع الكلي" لمفاهيم الفلاسفة ضمن الأنساق والنظريات التي شيدوها. صحيح أننا نعثر داخل عدد من النظريات الفلسفية على مفاهيم جديدة، ولكننا إلى جانب ذلك نعثر على مفاهيم ثم تداولها عند فلاسفة سابقين إلا أنها، وظفت ضمن سياقات جديدة، ورصدت لتأدية معاني جديدة، وتشييد نظريات وأنساق جديدة، وبالتالي فإن هذا لا يعني التكرار، ما دام المفهوم يوظف ضمن سياق لغوي آخر وضمن نظام فلسفي آخر يرصد نفسه لمعالجة واقع معيش آخر، وإشكاليات مغايرة، لأنه ليست هناك مشاكل تتشابه وتدوم، ففلاسفة الإسلام مثلا قد وظفوا المفاهيم الفلسفية اليونانية ولكنهم، في نفس الوقت أبدعوا مفاهيمهم الخاصة، إذ إلى جانب القوة والفعل مثلا أبدعوا الوجوب، والإمكان، والامتناع هذا فضلا عن السياقات التي تداولوا فيها تلك المفاهيم، والنظريات التي جعلوا من تلك المفاهيم أدوات لتشييدها وتطويرها.

إذن ليس هناك عيب في استعمال المفاهيم، التي سبق استعمالها، أو تمت استعارتها من حقول معرفية أخرى مغايرة للفلسفة، أو قريبة منها كالمفاهيم العلمية مثلا. إن ما نستفيده ديداكتيكيا من وجهة نظر دولوز جاتاري، هو أن المفهوم يشكل النواة الأساسية داخل النشاط الفلسفي، وأن تدريسه يستلزم من أستاذ الفلسفة أن يبذل جهودا كبيرة، ويجعل منه هدفا رئيسيا للعملية التعلمية التي يقوم بها مع تلاميذه. إن التركيز على المفهوم كحجر الزاوية في الفكر الفلسفي يجعلنا إذن أمام مهمة اعتباره أساسيا داخل نشاطنا التدريسي والبحث ديداكتيكيا عن الوسائل والأدوات والطرق أو المناهج التي تسهل علينا عملية تدريسه أو تبليغ مؤداه إلى التلميذ، وربطه بسياقه اللغوي والفلسفي العام، ما دام المفهوم الفلسفي، أو أي مفهوم آخر لا يفهم ولا يحدد إلا في نطاقه أو سياقه اللغوي الخاص أو كما قال دولوز وجاتاري في كتابهما المشار إليه: إن سبيلنا إليه، إذن (يقصدان المفهوم) هو ممارسة الاستعارة والتشبيه والحدس. أي أن طريقنا إلى فهمه واستعماله داخل التفلسف المدرسي نفسه، هو الاعتماد على ما تحمله اللغة الطبيعة من وسائل وأدوات تعبيرية تسهل علينا توظيفه داخل الدرس الفلسفي المؤسسي.

من هنا يتضح أن نتحدث عن البلاغة الفلسفية la rhétorique philosophique كما ترى جاكلين روس في كتابها المناهج في الفلسفة[4] وذلك عندما تؤكد أن البلاغة والفلسفة، أختان توأمان. ولكن بأي معنى نجعل من البلاغة أختا توأمة للفلسفة، في حين أن مصطلح بليغ يتخذ معنى قدحيا عندما يتداخل مدلوله مع مصطلح ديماغوجية ومع الفصاحة والبلاغة المفرطة في الخطابة، حيث يضحي الخطيب بالحقيقة، أمام الكلام المنمق، والاستعارات، والمجازات (الطنانة) في مقابل الفلسفة، التي تسعى إلى الصرامة، وإلى الجرأة والضبط المنطقي المحكم، وإلى التحكم في مراحل وخطوات الاستدلال في اتجاه بلوغ الحقيقة.

ومع ذلك فإن المفاهيم الفلسفية لا يمكن أن تدرج إلا في النطاق البلاغي الفلسفي، أو النطاق اللغوي الذي تتحرك فيه تلك المفاهيم. إن الفلسفة إذن تقبل بل تضطر إلى قبول "أختها البلاغة" لأنها تشكل بعدا أساسيا داخل النشاط الفلسفي، أو التمارين الفلسفية، وتتحدد كما يلي: إنها (أي البلاغة) فن الكلام والتعبير الجيدين، فن وضع الحجج وترتيبها حسب النظام وذلك بطريقة تشد انخراط الأذهان: كما تشد السامعين من هذه الزاوية تصير الفلسفة والبلاغة أختين توأمين، والبلاغة تضع الصورة الحسية الواضحة بالنسبة للفلسفة، وذلك قصد تحقيق سير نبيه وذكي ومتبصر، ومدعم بالحجج يخدم مطلب الحقيقة. إن المفاهيم الفلسفية إذن تعالج داخل اللغة، وتوظف في إطار قالب بلاغي لم يحجم، أو يتردد الفلاسفة في جعله وسيلة أساسية من وسائل تغلبهم البيداغوجي على صعوبة استعمال المفاهيم وتداولها. وهكذا يمكننا أن نستفيد من اللغة الطبيعية ومن كنوزها التعبيرية التي يمكن أن نجر إليها انتباه التلاميذ ونرحل معهم في خضم لغوي، بلاغي، لاشك أن الفيلسوف يكون قد صاغه أثناء عمليات وضع المعنى في إطار نسقه الفلسفي، أو نظريته الفلسفية. ومن أهم الأدوات البلاغية التي تدلل صعوبة استعمال المفهوم، ما ورد في مجال المجاز أو الاستعارة la métaphore ou allégorie كأسطورة الكهف أو استعارة الهدف الذي وظفها أفلاطون لحل إشكالية المعرفة أن نركز على بعض النماذج الأدواتية التي تستعملها البلاغة الفلسفية في تبليغ المعاني التي تحملها المفاهيم، وتوضيح الغامض منها إلى قارئ النصوص الفلسفية. وهنا يمكننا أن نشرع بالمجاز la métaphore  الذي يمدنا بإمكانيات التشابه، والتقابل، والتماثل، والذي يستعمله الفلاسفة في عدد من المناسبات وكمثال على ذلك ما قاله ديكارت في كتابه "مقالة في المنهج" "كرجل يمشي منفردا، وحيدا في الظلام، قررت أن أمشي ببطء، وأن أستعمل كثيرا من الحذر، بالنسبة لكل شيء، حيث لا أتقدم إلا قليلا، وذلك لكي أحافظ على توازني، على الأقل، لكي لا أسقط" إن التعبير الديكارتي كما يبدو مما سبق، يظهر وكأنه تعبير أدبي بلاغي، ولكنه يقربنا كثيرا من هدف ديكارت الذي يريد أن يصف لنا طبيعته كفيلسوف شاك، يمارس التأمل ويشق طريقه منفردا، وحيدا في اتجاه الحقيقة إذن فمن خلال هذا التعبير المجازي يمكننا أن نقرب من إدراك التلاميذ عدة مفاهيم (كالشك، والتأمل، والعزلة.. وغير ذلك) وبعبارة أخرى ففي هذه الصورة يبدو الفيلسوف الباحث عن الحقيقة، والمتجول الوحيد حقيقة أو شيئا واحدا. ولتوضيح مفهوم الإنسان لجأ باسكال مثلا إلى هذا التعبير المجازي: "الإنسان ليس إلا قصبا، قصبا أكثر ضعفا في الطبيعة ولكنه قصب مفكر"[5]، وعن مفهوم العقل يقول هيجل "التعرف على العقل كالوردة في صليب المعاناة الراهنة (…) أن بوم منيرف لا يطير إلا في الغسق"[6]. وبهذا يمكننا القول بأن التفكير الفلسفي لا يمكن أن يستغني عن المجاز الذي يبدو مالكا لوظيفة شعرية مبدعة، ومكتشفة.. وهكذا نتوصل إلى نتيجة أساسية ألا وهي: إن البلاغة بعيدة على أن تسمى مادة معرفية عقيمة وميتة، إنها على العكس من ذلك منهج للاختراع، يتوجب على التلميذ أن يعرفه ويعمق اهتمامه به، كما يجب على الأستاذ أن يراعيه في تدريس الفلسفة، والضبط أثناء معالجته للمفاهيم الفلسفية، وذلك بالبحث ضمن الفلسفة بل ضمن نصوصها على إمكانيات مجازية تسهل عملية تقريب المفهوم من إدراك وفهم التلاميذ. ولكن عددا من المفكرين والباحثين في مجال ديداكتيك الفلسفة يقللون من قيمة المجاز، ويستبعدونه من الفلسفة، فمن أرسطو إلى كرانجي نجد هذا لاحدر إزاء المجاز، كما لو أن هذا الأخير يشكل خطرا على الفكر، وكما قال أرسطو في كتاب الأورجانون: إن كل ما يقال بالمجاز غامض، ويقول كرانجر: "نرى في المجاز من جهتنا، واحدا من أكبر الأخطار على الفكر الفلسفي، وذلك في الحد الذي لا يتحدث فيه عن الأشياء. والفيلسوف، هو بدون انقطاع ملزم أو منذر بأن يعبر بالصور"[7].

ومع ذلك –وكما رأينا- فإن للمجاز وظيفة خاصة داخل الخطاب الفلسفي. فقلب العبارة كنوع من البديع وهو ما يطلق عليه اسم Chiasme في اللغة الفرنسية، استعمله باسكال مثلا كوجه من أوجه البلاغة يوحي بالنسبة للخيال، ومن جهة أخرى يخصب الفكر قال باسكال: "إذا تعالى، وانتفخ فخرا، أنزله إلى الحضيض، وإذا تدنى إلى الحضيض، أقوم أنا برفعه إعلائه"[8].

نعم لقد نفذت البلاغة بعمق شديد إلى الفكر البشري منذ عدة قرون، ولهذا يصير من الضروري، معرفة وجوهها وذلك من أجل ممارسة ذكية، وحذرة لفعل التأويل داخل النصوص الفلسفية، وكذا فك رموز المفاهيم، وتتبع كيفية استعمالها وتوظيفها داخل نظريات الفلاسفة وأنسقتهم، وفي البلاغة كذلك يبدو أسلوب السخرية اللاذعة أو التهكم القوي، وسيلة يمكن أن تعتمدها الفلسفة في التعامل مع مفاهيمها وبناء نظرياتها أو محاورة مخاطبيها. وهكذا نحيل إلى كتاب رائع لـ: "فلادمير جانكيليفتيش". يحمل عنوان: "السخرية وراحة البال" والذي أشارت إليه جاكلين روس في كتابها: المناهج في الفلسفة هذا الكتاب الذي يرى صاحبه –متحدثا بلهجة قوية- عن التهكم السقراطي الذي يفرغ المجاملات، والمحابات، ولطف التعامل من معانيها التسامحية المشتركة أو العامة (أي من المعنى الذي يعطيه إياها الرأي أو الوعي الطبيعي) كما يستبعد الشك المطلق، ويستهدف البديهيات المغلطة، التي كان أصحابها قد اعتقدوا أنهم أمنوها. إن التهكم السقراطي يساعد من خلال الأسلوب الحواري التوليدي على متابعة المفاهيم من خلال وضعها داخل قالب تساؤلي تتخلله لهجة تهكمية ساخرة يمكن أن توظف بشكل مثير عند تلاميذ الدرس الفلسفي رغم محدودياتها، وارتباطها بالتقليد السقراطي الذي كان يربط التهكم بالألم والقلق، ومع ذلك فهو يقنع كل واحد بجهله، وكذلك بضرورة فهم نفسه والتعرف عليها. إن الطريقة التهكمية تكون إذن حافزا يقود التلميذ كما يقود القارئ للنصوص الفلسفية نحو ما نريد من المفاهيم، أو ما نسعى إلى بناءه فلسفيا عبر تلك المفاهيم. إنه إذن وسيلة أو أسلوب بلاغي يدعو إلى الإنصات والفهم، وتثقيف العقل، وواحد من أشكال التعابير المستحبة في الفلسفة.

وفي التعامل مع مفاهيمها أن السخرية أو التهكم قد تم توظيفهما كذلك (إلى جانب سقراط) من طرف كيركجارد وبرودون وآخرون.

وإذا كان التهكم أسلوبا بلاغيا يسمح بتثقيف الفكر، فإنه من الناحية الديداكتيكية قابل للاستثمار، ما دام يبعث على الضحك، الذي ينتمي بدوره إلى الذهن رغم اختلافه عن السخرية أو التهكم. إن التلميذ عندما يستأنس به ويصاحب استعماله ضمن النصوص الفلسفية، ويتعامل مع مفاهيمها يفهم كل ذلك في نطاق الشيء الذي تتم السخرية منه. إن التهكم إذن يقحم الذات في أي موضوع أو تمثل فلسفي أو مفهوم يوضع موضع التساؤل الفلسفي. وهناك أدوات بلاغية أخرى سنعود إلى تحليلها، أو الإشارة إلى أهميتها خصوصا مع وجهة نظر فريدريك كوسيطا الذي قمنا سابقا بعرض رأيه حول المفاهيم الفلسفية.

إن تاريخ الفلسفة إذن حافل بالأجناس الفلسفية ذات التعابير البلاغية المختلفة، مما يضعنا أمام خصوبة هائلة، تسمح لنا بتنويع المضامين والمحتويات التي يزخر بها تراث الفلاسفة، والتي يمكن أن تشكل مادة وسيطة ببين المدرس، والفيلسوف، والتلاميذ، فيستخلص بالتالي مجموع تلك الأساليب التي وظفتها الأجناس الفلسفية في أنشطتها وأنظمتها أو نظرياتها المختلفة، أو الصيغ المتنوعة التي ثم بناؤها كأطر لاستيعاب المفاهيم وتداولها.

ما يؤكد ارتباط المفهوم باللغة الطبيعية هو كونه لا يتشكل خارجها، ولا يستقل في وجوده عنها وعن مفاهيم أخرى يعيش معها في وضعية جوار خاصة تقتضي التفاعل، والترابط، والتعايش يقول دولوز، وجاتاري: "فلا وجود لمفهوم مستقل وحيد ومعزول، كل مفهوم يرتبط بمفاهيم أخرى، يرتبط معها بعلاقة جوار وقرب voisinage تكون فيها الحدود، بينها وبينه غير متمايزة indiscernables، بحيث تمتد بينه وبينها جسور ponts وأوصال connectifs[9] بهذا المعنى كذلك يمكننا من الناحية البيداغوجية أن نراعي هذه العلاقات وندفع التلميذ إلى التفكير فيها والتعامل مع المفاهيم الفلسفية، من خلال تلك العلاقات التي يتضمنها الخطاب الفلسفي، والتي تبدو واضحة من خلال النصوص الفلسفية: مجال نشاطها أو فعلها، وبهذا المعنى يمكن أن ندفع التلميذ كذلك إلى التفكير من خلال ذلك التفاعل العلائقي بين المفاهيم، في صيرورتها وحركيتها وعدم ثباتها "المفهوم في صيرورة دائمة، لا استقرار فيه ولا ثبات"[10]، إن المفهوم يعبر عن الحدث l’événement بل هو حدث وبالتالي لا يعطي أي لا يؤدي المعاني الفلسفية إلا في قلب اللغة. "إنه يعبر عن الحدث l’événement، هو حدث أي مفردة، منفردة لا تجود إلا في مستوى اللغة"[11].

يتضح مما تقدم أن إشكالية تدريس المفاهيم الفلسفية، أو التدريس بها أمر صعب للغاية وأن ربط المفهوم باللغة وبنظامها وبما تستلزم هذه اللغة أو تلك من قواعد وقوانين ومعطيات أمر لا يمكن أن يسهل مأمورية أستاذ الفلسفة أو يحل مشاكل المفهمة le conceptualisation كهدف نواتي، مركزي حسب تعبير أو تصنيف مجموعة كتاب "تعلم التفلسف" (Apprendre à philosopher dans les lycées d’aujourd’hui)[12] لهذا فهل من طرق أخرى تساعد من الناحية البيداغوجية على تجاوز العراقيل التي يعرفها مجال المفاهيم في الدرس الفلسفي؟

نعم فلكي يعرف التلميذ صعوبة التعامل مع المفاهيم الفلسفية، ويدرك جدية الموقف وخطورته لا بد من تحسيسه بأهمية، التحكم في اللغة –كما رأينا- وفي ما تحمله من إمكانيات بلاغية وتعبيرية وقفنا على بعضها (كالاستعارة، والمجاز، والصيغ التهكمية..) وغير ذلك مما سنتطرق إليه لا محالة عند كوسيطا، كما يجب أن نحسسه كذلك بضرورة التعرف على أساليب الفلاسفة وطرقهم في التعامل مع المفاهيم التي استعملوها وعرفوها، أو أبدعوها، ومن جهة ثانية لا بد وأن يطلع الأستاذ على الأدبيات البيداغوجية والتراكم الذي حققه في مجال تدريس الفلسفة.

وحتى نلم بالأمر أكثر لا بد من الإشارة إلى علاقة المفهوم الفلسفي بعمليتي التجريد والتعميم أو بما يطلق عليه عادة بالنظرية التقليدية في نشأة المفاهيم. كما صاغها أرسطو والتي تقوم على التجريد كخطوة أساسية، في اتجاه التعميم، إن التجريد إذن ينحصر في تفكيك الموضوع إلى خصائصه المنعزلة، والمقارنة بينها في موضوعات مختلفة مع إبراز الخاصيات المشتركة أو المتشابهة، وقد عرفه لالاند في معجمه بأنه فعل الفكر الذي ينظر على حدة إلى عنصر (كيفية أو علاقة)، من تصور أو معنى، ويركز فيه انتباهه، ويهمل العناصر الأخرى وعن طريق التجريد يمكن أن نبين للتلميذ أن ما يمكن عزله بالفكر (أو بفعالية التفكير) لا يمكن عزله في الواقع. إنه تمرين رائع يمكن التلميذ من إخصاب مجهوده التفلسفي، وإنعاشه بعمليات ذهنية مختلفة كالمقارنة، والمقابلة، والانتقاء، والحكم والتصنيف، والتكميم.. وما إلى ذلك. إلا أنه لا ينبغي أن نوهم التلميذ، وكأن التجريد اختيار أو عملية استخلاص ميكانيكي فقط، إذا أنه لا يكفي أن نلغي أجزاء الشيء الحسي أو الملموس لكي نصل به إلى مستواه التجريدي، بل إن التجريد ارتقاء بالفردي إلى الكلي، وبالتالي فهو يقتضي الاستقراء كطريق من طرق التفكير وما يتطلبه هذا الأخير من انتقال تدريجي من الجزئي إلى الكلي. يجب إذن أن ننبه التلميذ إلى أن المفهوم –الذي توصلنا إليه عن طريق عملية التجريد- قد يفقد قيمته إذا اقتصر على الدلالة فقط أي على ما ألغاه من الحالات الخاصة، التي شكلت قاعدة انطلاقه الأولى. إن المفهوم إذن لا ينسخ الواقع نسخا ميكانيكيا، لأنه لو حصل ذلك "لكان حال من يدرك هذا الواقع من خلال الفكر المفاهيمي على حد تعبير فرانسيس بيكن – كحال من يصعد إلى برج عال لكي يعرف شيئا بعيدا مع أنه يستطيع أن يقترب من الشيء نفسه ليلاحظه عن كتب"[13] وهكذا لا ينبغي أن نقحم في أذهان التلاميذ، أن المفهوم يشخص الواقع/الشيء أو ينسخه، أو يعكسه كالمرآة، وأن نبحث عن الأمثلة التشخيصية دون أن نراعي العلاقة التجريدية التي توجد بين المفاهيم والأشياء أو بين المفاهيم والمعيش. إلا أن ذلك لا يعني أن المفهوم لا تربطه أية صلة بالمعيش، وبالتالي لا ينبغي أن نوحي للتلميذ بالطابع التجريدي المطلق للمفاهيم لأنه لا وجود لمثل تلك المفاهيم كما يؤكد على ذلك كل الفلاسفة والمفكرين. ومن هنا "فإن ضروب المعرفة ليست أنماطا مختلفة يستخدمها واقع ما –في ذاته- ليتجلى للفكر بل هي وجهات نظر يشكل كل واحد منها جانبا خاصا من الواقع، إنها طرق يتبعها الفكر في سعيه إلى الموضعة، ولا أحد فيها يلعب دور المرآة الخالصة التي تعكس صور المعطى في المحيط الخارجي، أو الوجود الباطني كما تحدث فيه"[14] هذا ما يؤكد لنا أن جميع أصناف المعرفة ومنها الفلسفة –عبر مفاهيمها- لا تعكس الواقع كما تعكسه المرآة، بل تنقله كعمل للفكر، أو مجهود تركيبي للعقل. وهنا تكمن خطورة إهمال هذا المعطى الحقيقي في الممارسة البيداغوجية للدرس الفلسفي، وبالتالي يتوجب على الأساتذة تجنب الوقوع في مغالطة تصور المفهوم الفلسفي. بمثابة تشخيص للمعيش. وتجسيد للموضوعات التي يعبر عنها.

إن المفهوم إذن، لا يمكن أن يختزل دوره في ملامسة فوقية لعالم الموضوعات، قصد نسخ صورتها أو عكس كثرتها. بل إن الفكر يستطيع أن يدخل الوحدة على الأشياء بواسطة المفاهيم وعبر عمل تلقائي، يوظفه بناء على معاييره الخاصة، من هنا يمكننا أن نحسس التلميذ بأنه داخل كل مفهوم تسود أو توجد إرادة توحيد المعرفة.

إن للأسئلة –كذلك- دورا أساسيا في معالجة المفاهيم الفلسفية، خصوصا لما نعلم أن المفهوم قد دخل إلى تاريخ الفلسفة في صورة سؤال، بل إنه يظهر عند سقراط (المكتشف العام على حد تعبير أرسطو) كنمط من اللامعرفة أكثر من كونه يعبر على نمط جديد من المعرفة. وهكذا فإن قيمة المفهوم (المؤطر داخل السؤال)، تكمن في فتحه لمنظور جديد، وتضمن للمعرفة نظرة شمولية جديدة إلى مجموع معقد من الأسئلة. إن وضع المفهوم على محك السؤال يستطيع من الناحية البيداغوجية أن يضمن لنا حركية خصبة على مستوى تفكير التلاميذ أو نشاطهم المتفلسف والمنظم داخل الدرس الفلسفي، لأن كل جواب عن المفهوم/السؤال يشكل محطة جديدة للتساؤل وإمكانيات أو اتجاهات أخرى للأجوبة، لا تسير في اتجاه خطي، بل تسير حسب اتجاهات متعددة، وآفاق فلسفية، تفلسفية لا يحدها مكان ولا زمان؛ وهنا يمكننا أن نستفيد بالضبط من الحوار السقراطي ومن المفاهيم التي كانت موضع التساؤل والجواب في مجموع محاورات أفلاطون.

ونعود مرة أخرى للتذكير بالأهمية النسبية لأعمال مجموعة تعلم التفلسف في ثانويات اليوم والتي تؤكد كما أسلفنا على أنه ليس هناك تفكير فلسفي بدون مفهمة، وبالتالي فإن هذه الأخيرة تعد بمثابة الهدف النواتي إلى جانب هدفي الأشكلة problématisation والحجاج argumentation (في إطار منظور التدريس بالأهداف)، وقد تبين لنا من خلال مناقشة عمل هذه المجموعة أنه من الصعب وضع حدود فاصلة بين هذه الأهداف الثلاثة. وهكذا فإن القدرة على المفهمة تستلزم أن توجد للمعنى العام notion (كأرضية للتفلسف) علاقة مع اللغة حيث يعبر به عن طريق كلمة (داخل نظام تواصلي ما)، ومع الفكر عندما يحيل إلى فكرة أو مفهوم، ومع الواقع ما دام ذلك المفهوم موضوعا للفكر ويستهدف العالم. وهكذا فإن مفهمة معنى عام ما notion، تعني:

أ-وضع معنى مفهومه بواسطة العمل حول اللغة (على المستوى الإتيمولوجي الاشتقاقي التطوري التاريخي الدلالي..).

ب-أشكلته: وضع تمثلاته العفوية أو المصطلح عليها (convenues) أو دمجها في علاقة تساؤلية مع المعاني العامة الأخرى les autres notions.

ج-بناء مفهومه كأداة لتعقل الواقع انطلاقا من مجالاته التطبيقية، إنها إذن علاقة ثلاثية الأبعاد يستلزمها المعنى العام notion كوسائل أو طرق لمفهمته وانتقاله من العمومية إلى الخصوصية.

وتقترح مجموعة البحث السالفة الذكر ما يلي:

1 – طريقة الاستقراء الموجه بالمفارقات (أو التضادات):

إن الخطوة المنهجية لهذه الطريقة تتمثل في كونها طريقة بيداغوجية تتجسد أساسا في النشاط العقلي للتلميذ، وتندرج ضمن تطوير أعمال Britt Marie Barth تلك الخطوة التي عرض مرجعياتها النظرية (أرسطو-بياجيه-برونير) إن المبدأ العام لهذه الخطوة يمكن أن يطبق في تدريس الفلسفة عند بداية كل سنة دراسية وذلك عبر التساؤل الفلسفي. إن الأمر يقتضي وضع عدد من الأسئلة (نماذج أسئلة) الفلسفية، ونماذج من أسئلة أخرى غير فلسفية أي نماذج مغايرة، الأمر الذي يستوجب على التلاميذ تشخيص المعايير الضمنية للترتيب والتوضيح التدريجي للخصائص، والحدود المتعلقة بالمفهوم المقترح، وبالتالي الانتهاء إلى منحه تعريفا متكاملا وذلك حسب الإمكان. هذه الطريقة تمكن المدرس كذلك من جعل التلاميذ يفكرون، في العوائق التي اعترضتهم أثناء التمارين، وكذا التفكير في الاستراتيجيات العقلية المختلفة التي استعملوها من أجل تجاوز تلك العوائق.. تلك الاستراتيجيات العقلية، التي يمكنهم توظيفها، ضمن سياقات أخرى بمزيد من الاستقلال والحرية.

ـ الضرورة البيداغوجية:

باعتبار أن هذه الطريقة موجهة، فإن المدرس ملزم قبل تبليغ أي معرفة بتوضيح مستوى التعقيد الملازم لتلك المعرفة: أي مضمون أساسي يحتاج إليه التلميذ؟ كيف تتم هيكلة هذا المضمون؟ من أين يمكن للتلميذ أن يقتحمه (الأمثل المختلفة موجودة في ص39 من الكتاب المذكور).

 

2 – المقاربة المجازية للمفهوم:

إذا استدعينا المجاز من أجل المفهمة، فإن الأمر يبدو منذ البداية متجها نحو الفشل، وبالتالي كيف يمكن تجاوز هذه الهوة الفاصلة بين الصورة، والمفهوم، تلك الهوة التي تم حفرها بقوة عن طريق التقليد الفلسفي العقلاني؟ إن المشكل الفلسفي يبقى مفتوحا (عند نيتشه وبركسون مثلا) بواسطة إمكانية مجازية لخطاب ما حول الوجود، من وجهة نظر ديداكتيكية مع تجاوز اللبس بين الفكر بين العفوي، والفلسفة الاختيارية. ألا يمكن أن نفكر أن المجاز –في المدى الذي يستخدم الفكر يمكن أن يكون تشكيلا للتمثلات التي نضعها بالنسبة لمفهوم ما، قصد أشكلته لاحقا؟ إن المجاز إذن يضع سلطته أو قوته الإبداعية في خدمة استراتيجية ترفع التلميذ –بدفعة واحدة- إلى مستوى التجريد (من هنا تعبير المقاربة المجازية).

وصف الطريقة:

هذه الطريقة تختلف عن السابقة، إذ يتعلق الأمر هنا بالتقليل من مسألة تحديد المفهوم عن طريق التشخيص المنطقي لخصائصه، أكثر من تمثله تدريجيا.

إننا نضع هنا الفرضية التالية: إذا كان نمط الفكر التقابلي الذي سعى إلى إيجاد التشابه الدلالي بين موضوعين مختلفين للفكر –وذلك بشكل أساسي- يفتح طريقا إضافيا للبحث الديداكتيكي للفلسفة فإننا بصفة خاصة نهتم بالمجاز لأنه يسمح بمقاربة المفهوم، بدون أن يكون التلميذ مرغما بشكل مسبق على امتلاك الخطاب العقلاني المجرد والتحكم فيه، وأخيرا يتساءل أصحاب كتاب التفلسف في ثانويات اليوم: بماذا يتعلق الأمر بصفة ملموسة؟

ـ في المرحلة الأولى نطلب من التلميذ أن يضع في الصورة، المفهوم الذي يجب أن نفحصه بمعنى أن نبحث فيه عن مختلف الوجوه الملموسة والخيالية.

ـ وفي المرحلة الثانية يتم الشرح وعقلنة المقابلة: إذ يحاول التلميذ أن يشكل العلاقة بين صوره والمفهوم، ونطلب منه كذلك أن يوضح العنصر الأساسي الذي ينبثق من هذا التحليل.

ـ وفي المرحلة الأخيرة يبحث التلميذ على تجميع العناصر (التي نشكلها) أو المشكلة ضمن شبكة منسجمة قصد بناء تعريف تمت مقاربته كنقطة انطلاقا لتعميق فلسفي-تفلسفي.

وبهذا تركز مجموعة البحث التي أشرنا إليها سابقا، على طريقة الاستقراء الموجه بالمفارقات (أو التضادات) induction guidée par contrastes، وعلى المجاز الذي سبق أن أشرنا إليه عند الفلاسفة، وعند جاكلين روس في كتابها المناهج في الفلسفة.

أما فرانس رولان في كتابها اليقظة الفلسفية l’éveil philosophique[15] فترى (في الفصل المتعلق بالمفهوم من الكتاب) أنه لكي ندفع التلميذ إلى اكتشاف فكرة أو بناء مفهوم أو وضع سؤال مهم فلا بد من نشاط ذهني فكري من نوع استقرائي تثيره، ملاحظة المتناقضات القائمة بين الأشياء الملاحظة (أي عندما نلاحظ مجموعة من المعطيات القابلة للملاحظة)، وذلك باستدراج التلاميذ إلى اكتشاف تلك المتنقضات عن طريق نشاطهم الذاتي الموجه من قبل التدخلات المتكررة للمدرس.

بعد ذلك تنتقل رولان إلى تحديد دور الاستقراء في إنتاج المفاهيم وذلك حسب ما يلي:

إنها ترى أن الاستقراء يتموقع في مراحل أو محطات مختلفة من السير العام للدرس، إذ يكون من الممكن أن يوظف من أجل البدء في بحث فلسفي ما (كعلاقة الروح بالجسد مثلا): أو في عرض نظريات أو مواقف فلسفية ما، أو في خلاصات عامة حول مذهب، أو أطروحة فلسفية معينة.. إلخ.

وكمهمة أساسية لعمل الاستقراء يأتي دور بناء المفاهيم واستعمالها داخل السياقات اللغوية والفلسفية التي يقتضيها المنطق العام للدرس وذلك لمساعدة الكتابات الفلسفية للتلاميذ، والتي يحيل إليها الاكتشاف الأول الذي يتوصلون إليه بعد العمليات الاستقرائية المسندة إلى الأسئلة المهيكلة للدرس.

إن الاستقراء هنا يسمح بالانطلاق من معيش التلاميذ، ومن المعطيات التوفيقية للرأي المتداول، من أجل أن يتمكن المفهوم الفلسفي أن يصير ذا أهمية خاصة، وذلك بدل التدخل في ثنايا التفكير الفلسفي بطريقة أكثر أو أقل اعتباطية. إن الاستقراء يمكن كذلك أن يستعمل في المقاطع القصيرة المخصصة لتدعيم البنية المكتسبة (وهنا نذكر حالة التمرين على مستويات التجريد) إنه يجنب التكرار ويسهل التحويل، إن دوره يساعد التلاميذ على اجتياز مرحلة ما من الفهم والاستيعاب بعد إقامة أو إنشاء بنية أساسية مكتسبة بشكل بسيط. أن التمريس يدفع إلى الخروج من بساطة المكتسب، وولوج فكر أكثر تعقيدا، هذا المجهود الذي يقتضيه التمرين، يولد بصفة عامة مفهوما آخر مشتقا من الأول.

إننا نعبر على سبيل المثال من مفهوم التجريد الذي نجزئه، أو نعيد تقسيمه، إلى مفهوم العلاقة الذي نحلله بدوره. إن الوضعيين معا يمكن إعادة تقطيعهما عندما نستعمل بنية مكتسبة من أجل تدشين تعلم مفهوم ما: مثل أن نتعلم مفهوم التجريد ومفهوم العلاقة من أجل الشروع في دراسة الوعي.

وتيرة السير: وفي جميع الأحوال تكون وتيرة السير متطابقة مع، وتيرة التفكير عند التلاميذ أي أن حركية الدرس المبني على الاستقراء كوسيلة لتعريف المفاهيم والتعرف عليها، أو اكتشافها تكون متكافئة مع حركية التفكير عند التلاميذ، وأن ملاحظات مجموعة فصل ما لا تأخذ موضعها، أو تتموقع في المرحلة الثانية من السير المنطقي للدرس إلا عندما يكون القسم في مأزق، أو عندما تكون النتيجة قد اكتشفت.

 

في اتجاه المفاهيم الفلسفية:

وهكذا يجب أن ننتقل إلى مستوى محاور البحث عن المنطق الداخلي للأنساق الفلسفية، وكذا علاقات المفاهيم الفلسفية فيما بينها. وهكذا يجب أن نقول بأن أي مفهوم يأخذ أو يستقبل معناه من خلال ارتباطاته مع المفاهيم الأخرى التي تنتمي إلى نسق آخر هذا من جهة، ومن جهة أخرى فاستثناء تعليم عدم الانسجام العام للغة، فإن كل مصطلح محدد في نسق ما يجب عليه أن يغطي معنى جزئيا مشتركا مع نفس المفهوم المحدد في نسق آخر، الحديث المتعدد القيم. وتبعا لذلك نرى أن تحديد المفهوم ليس مجموعة مستقلة بل إن طبيعة شيء ما ليست مستقلة عن طبيعة أشياء أخرى.

وانطلاقا مما تقدم نستنتج ما يلي:

1 – هناك صعوبة كبيرة في تحديد المفاهيم وتعريفها.

2 – ليست هناك طريقة واحدة تمكننا من مقاربة المفاهيم، مقاربة ديداكتيكية.

3 – ليس من الضروري أن نمركز تدريس الفلسفة على جعل التلاميذ قادرين على إنتاج المفاهيم أو إبداعها، بقدر ما يجب توجيههم إلى طرق استعمالها وتوظيفها، والتعرف على أساليب أو طرق الفلاسفة في التعامل معها أو معالجتها.

4 – لا بد من تحسيس التلاميذ بأهمية معطيات اللغة الطبيعية، وإمكانياتها المتنوعة في إنتاج المفاهيم واستعمالها.

5 – لا بد من تحسيسهم كذلك بالدور الرائد للبلاغة في مجال الفلسفة.

6 – لطرق الحدس والاستقراء، والتجريد دور كبير في تسهيل عملية تدريس المفهمة أو توظيفها.

7 – لا بد من استعمال المعطيات اللسنية الحديثة أو اعتمادها في توضيح إشكالية المفهمة في الدرس الفلسفي.

8 – ويبدو من الضروري كذلك الاعتماد على كل الوسائل الأخرى، كالأمثلة، والوسائل السمعية البصرية.. إلخ لأن المفهوم الفلسفي والفلسفي والمفهوم بصفة عامة يقتضي تنويع وتعديد كل هذه الوسائل حتى تتم مقاربته الديداكتيكية، وتبلغ معانيه إلى التلاميذ المتعلمين، كما يتم إدراكه ضمن العلاقات التي يبنيها داخل الخطاب الفلسفي، وفق ما يقيمه من روابط، وما يجري عليه من تعاريف وتطبيقات غالبا ما يقوم بها الفلاسفة سواء أثناء استعمالهم لمفاهيم سابقة، أو وافدة من حقول معرفية أخرى أو تم إبداعها من طرف الفيلسوف نفسه، وبصفة عامة فسواء كانت المفاهيم مبدعة أو سبق استعمالها أو تمت استعارتها من مجالات أخرى فإنها تشكل ضالة الفلاسفة، ومدرسيها، فحتى أولئك الذين ارتبطت أسماؤهم بمفاهيمهم أو ارتبطت تلك المفاهيم التي أبدعوها بفلسفاتهم الخاصة يمكن أن تستعمل أو تنتقل إلى مجالات فلسفية أخرى، وقد اعترف دولوز وجاتارين في كتابهما الآنف الذكر بهذا التحول الدائم للمفاهيم، والذي يعتبر شرطا من شروط حياة الفلسفة واستمرارها أو بقائها "وبالتالي وقبل كل شيء فإن المفاهيم موقع عليها، وستبقى كذلك: جوهر أريسطو، وكوجيتو ديكارت، ومونادة لايبنتز، وشرط كانط. وقوة شلينك، وديمومة برجسون.

ولهذا فإذا كانت المفاهيم، مؤرخة وموقعا عليها ومسماة، ومعمدة baptisés فإنها تتوفر على خصائصها التي تجنبها الموت رغم أنها خاضعة لإلزامية التجديد والتعويض والانتقال.

الأمر الذي يعطي للفلسفة تاريخا وجغرافية متقلبين، واللذان يحافظ بهما داخل الزمان، ولكنهما يتلاشيان خارجه[16].

إن هذا النشاط الدائم والحركية، أو الحيوية المستمرة للمفاهيم، رغم ما تتميز به من خصائص الثبات والاستقرار والانتماء إلى هذا الفيلسوف أو ذاك مؤشر بيداغوجي أساسي ينبغي التركيز عليه وإبرازه في الدرس الفلسفي وفي جميع التمارين والأنشطة التي يقوم بها الأستاذ مع تلاميذه. من هنا نعود مرة أخرى إلى إشكالية ربط هذا النشاط مع سياقه الفلسفي اللغوي وبالضبط مع البلاغة "كفن للكلام وللتعبير الجيد"، وكوسيلة ديناميكية لتنشيط اللغة، وتفجير طاقتها وكنوزها من أجل بناء المعنى وتوظيف المفاهيم أو استعمالها استعمالا جيدا داخل الخطاب الفلسفي، أو الوقوف على صيغ وطرق إبداعها من طرف الفلاسفة، وتتبع خط حركتهم في هذا الاتجاه، حتى نتفلسف مع التلميذ، ونعلمه كيف يرافق أو يصاحب عمل الفلاسفة أثناء جهدهم الإنساني الرائع، وعبر معاناتهم الكبيرة في عملية مفهمة تمثلاتهم وأفكارهم، والمعاني العامة التي تشكل موضوع ذلك التفكير ما دام التفكير والتأمل لا يخرجان عن دائرة "المفهمة" كبؤرة مركزية في كل إنتاج فلسفي. أو بعبارة أدق فإن: "المفهمة" هي الفلسفة أو الخاصية الأساسية التي تميز الفكر الفلسفي/المعرفة الفلسفية عن غيرها من أصناف التفكير، والمعرفة الفلسفية كما يؤكد على ذلك جيل دولوز وجاتاري في كتابهما الآنف الذكر: "نعتقد بأننا أعطينا الكثير للفلسفة عندما جعلنا منها فنا للتفكير، ولكننا في الحقيقة انتزعنا منها كل شيء، لأن الرياضيين مثلا، لم ينتظروا الفلاسفة أبدا، كي يفكروا في الرياضيات، وأن الفنانين لم ينتظروا الفلاسفة ليفكروا في صباغتهم أو موسيقاهم حتى نقول بأنه أصبحوا فلاسفة (…) إن الفلسفة إذن لا تتأمل ولا تفكر ولا تقوم بالتواصل، ما دامت موجودة لإبداع المفاهيم، ولكنها آلات لتشكيل أو تكوين كليات تشمل جميع المواد المعرفية"[17] إن الفلسفة إذن حسب هذا الاعتقاد لا تمارس التأمل والتفكير والتواصل إلا كآلات، أو أدوات ووسائل لتكوين أو تشكيل كليات Catégories بالنسبة لجميع المواد. ومن ثمة فإن هذه الوسائل أو الأدوات لا تعمل إلا بالمفاهيم ولا تسعى إلا إلى إنتاجها واستعمالها قصد بناء المعنى داخل الأنظمة، أو النظريات الفلسفية، الشيء الذي يجبرنا بالفعل على اعتبار هذه "الأدوات" كوسائل فقط وليس كغايات للفلسفة، وللتفلسف، وتوضيح المسألة للتلاميذ، وتأكيد اشتراك الفلسفة مع المواد المعرفية الأخرى في ذلك، وإقناعهم بأن تلك "الأدوات" ليست حكرا للفلسفة، بل وحتى المفاهيم الفلسفية نفسها ليست دائما –وبالضرورة- من إنتاج وإبداع الممارسة الفلسفية كما أسلفنا القول، وذلك تحقيقا لمطلب بيداغوجي يقتضي التفتح والسيولة وليس التحجر و"الاحتكار" والحديث المبالغ عن خصوصية الفلسفة.

إن البلاغة إذن كنز من كنوز اللغة الطبيعية يمكن أن توظف في مقاربة المفاهيم وتسهيل تداولها البيداغوجي في الدرس الفلسفي. وهكذا فإن "البلاغة القديمة قد ولدت عند الإغريق في القرن الخامس قبل الميلاد، ومثلت من طرف أفلاطون وأرسطو، ولم يكن ينظر إليها فقط كفن للكلام الجيد، ولكن على العكس من ذلك، كنموذج فلسفي إنساني، نموذج موجه في نفس الوقت للإنسان وللديمقراطية وللغة، وبواسطة اللغة يتوفر الإنسان، على إمكانية البحث والإبداع ونقل الحقيقة والجمال والخير. إن البلاغة القديمة قد استهدفت على وجه الخصوص غايات سياسية وقانونية، وأخلاقية خاصة بالديموقراطية، وبالضبط الديموقراطية الأثينية التي يمكن فيها لأي إنسان (أثيني وغير عبد..) أن يتناول الكلمة في الساحة العمومية لكي يعبر عن أفكاره بطريقة واضحة، منسجمة ومقنعة، حيث يتم ذلك باستدعاء العقل والعواطف الإنسانية في نفس الوقت، وذلك لدفع المواطنين الأثنين إلى أخذ القرار المستهدف"[18].

إن البلاغة حسب هذا التحديد ليست إذن موضوع تنظير لفن الكلام الجيد بل هي نموذج فلسفي إنساني يستهدف الإنسان والديموقراطية واللغة، ورغم أن البلاغة قد استهدفت غايات سياسية، وقانونية وأخلاقية خاصة بالديموقراطية الأتينية في العهد الأغريقي القديم. فإنها وبلا شك شكلت الأرضية أو الإطار الذي ترعرعت فيه الفلسفة ثم ازدهرت فنحتت خصوصيتها وتميزها كنمط معرفي بشري كان للمفاهيم فيه دور أدوات البناء الأساسية من هنا إذن نلتقي مع "فريديريك كوسيطا" لنحاول قراءة تصوره السالف الذكر للمفاهيم ولطبيعتها داخل الخطاب الفلسفي، وداخل اللغة، قراءة ديداكتيكية محاولين ما أمكننا ذلك الكشف الإجرائي عن الأدوات والوسائل التي اهتدى إليها في قراءة النصوص الفلسفية، وفي كيفية تداول واستعمال المفاهيم داخل تلك النصوص.

ـ الاستثمار الديداكتيكي لوجهة نظر كوسيطا: (الجزء الثاني من المعالجة الديداكتيكية للمفاهيم).

إننا نقصد بهذا "العنوان" إلى قراءة متأنية ومفصلة لوجهة نظر هذا الباحث، التي لا تخلو بدورها من الهاجس الديداكتيكي، أو البيداغوجي، إنها إذن تعد قراءة للنصوص الفلسفية من زاوية بيداغوجية تقترح نماذج متعددة ومتنوعة، اعتمادا على عدة معطيات نظرية ومنهجية يمكن اختزالها في:

ـ فوائد اللسنيات، ونتائج علم اللغة الحديث كإطار عام يشمل باقي المعطيات.

ـ المفاهيم الفلسفية (الصياغة المفاهيمية).

ـ المرجعية أو الإحالة (من المفهوم إلى المثال).

ـ وظيفة المجاز في النصوص الفلسفية.

ـ الاستراتيجية الخطابية والحجاج.

ـ وحدة وانسجام النص الفلسفي.

وهكذا فمن خلال التمهيد الذي قمنا به في الجزء الأول من المعالجة الديداكتيكية للمفاهيم، وقفنا على عدة معطيات ونتائج تغطي نسبيا كل المحاور التي تضمنها كتاب كوسيطا "عناصر من أجل قراءة النصوص الفلسفية" لكن من وجهات نظر أخرى حاورته بل نجدها في بعض الأحيان تحبد أو تثمن بعض النتائج التي ينتهي إليها، أو توظفها في تحاليلها، وهكذا أشار إليه كل من دولوز وكاتاري، وجاكالين روس وغيرهما مما يدل على أهمية هذا المؤلف من الناحية الديداكتيكية في تسهيل مأمورية تدريس الفلسفة ومحاولة التغلب على المشاكل التي تطرحها قراءة النصوص الفلسفية، وإن كان الأمر يتعلق بالنسبة لكوسيطا، بالنصوص المسترسلة، أو ما يسمى بالمؤلفات الفلسفية، وأن المخاطبين هم طلبة الجامعة، والمتخصصين إلا أن هذا لا يمنع من استغلال أو استثمار هذه المحاولة الرائدة في مجال الدرس الفلسفي بالثانوي ما دامت هناك إمكانية لتحويلها ثم تطبيقها، وما دام الأمر لا يستدعي أي مطلق بين الجامعة (أي الدرس الفلسفي الجامعي)، والدرس الفلسفي في الثانوي.

نعم إن كوسيطا إذن ينطلق من التصدي إلى "شائعة" تختزل طبيعة الفلسفة، في إسراف مطلق لاستعمال اللغة أو تشريط وجودها وبقاءها باتكالها على الأدب والشعر، كما يفند رأي الوضعيين المناطقة الذين يسعون إلى جعل الفلسفة كبحث عن المعايير الصارمة للغة نموذجية مبنية على النمط المنطقي الصوري. وسواء تعلق الأمر هنا بالنزعة التحليلية لدى الوضعيين الجدد أو الاختبارية الإمبريقية فإن دور الفلسفة يجب أن يقتصر على تنقية اللغة من كل شائبة ميتافيزيقية، وإقصاء أشباه القضايا Les pseudo-propositions والإبقاء على القضايا التحليلية (المنطقية) أو التركيبية التي تختبر عن طريق "مبدأ التحقق التجريبي" كما صاغه الوضعيون. إلا أن الوضعيين الجدد عندما يستبعدون "أشباه القضايا" (أي القضايا التي تحمل مفاهيم ميتافيزيقية) فإن أغلبهم يميل إلى المنطق، وإلى مركزة وظيفة الفلسفة في تأكيد الصرامة اللغوية للخطاب، ومن هنا يجب أن نحذر –بيداغوجيا-، من تسرب مثل هذه الأفكار إلى أذهان التلاميذ، واختلاطها بحمولة، أو شحنة التمثلات التي لهم حول الفلسفة، وما أكثر الوجوه السلبية لتلك التمثلات التي ينبغي أخذها في حساباتنا الديداكتيكية حتى لا تعوق تعلمهم الفلسفي. إلا أن هذا لا يمنع كذلك من أن تتجه الفلسفة نحو التعابير الجيدة، أو تميل نحو تعديد أنماطها التعبيرية مما يمكننا كذلك من تحبيب لغة الفلسفة إلى التلاميذ وإزاحة "تهمة الغموض" أو "التلاعب بالكلام" التي يروج لها خصوم الفلسفة، أو الجاهلون لطبيعتها، ولهويتها كتفكير إنساني من بين أولوياته الوضوح والضبط  والصرامة، والجرأة. إن أستاذ الفلسفة ملزم في اللقاءات الأولى مع تلاميذه أن يزيل هذا الخلط، ويقصي هذا الوهم، إن هو أراد سيرا ناجحا لدروسه، ولا أظن أن مدرسا واحدا لا يقف عند مثل هذه الأمور في بداية كل سنة مع تلاميذه الجدد. إلا أنه لا ينبغي أن نوهم التلميذ في نفس الوقت بأن التعابير الجيدة وتوظيف الاستعارات والمجازات، والكتابة الذاتية هي ما يميز الفلسفة (أو اللغة الجيدة للفلسفة) بل ينبغي أن يعرف أن المفهوم الفلسفي هو مركز النشاط الفلسفي، ومركز التعابير اللغوية التي توظفها الفلسفة لأنه كما يقول "كوسيطا" هو الذي يمثل الواسطة بين الصورة والشكل، وبين المعيش والمجرد".

إننا مع كوسيطا نلاحظ هذا الترابط الوظيفي بين المفهوم، وبين جميع المتغيرات والمعطيات التي يتفاعل معها ليس "كدال" ولكن كمعنى وكتجريد وتعميم وتشخيص، وبعبارة واضحة "كمركب من العمليات والمكونات" أو بتعبير آخر "كدالة بالمعنى الرياضي" Fonction أي كتفاعل بين "مقدارين" deux quantités إذا حصل التغيير على الأول حصل على الثاني، والعكس صحيح، وما يهمنا هنا من هذا التشبيه هو الطابع التفاعلي للمفهوم الفلسفي وهذا المعنى يمكن أن ندرجه في المجال "الملسني" en glossématique القريب من المعنى الرياضي، أما "كوسيطا" فيركز خصوصا على المعنى اللسني لكلمة Fonction  (= الوظيفة) والمقصود بها لسنيا "الدور الذي يلعبه المصطلح (الصوتم phonème، الصيغم فيه فعل التشكل) morphène كلمة، نسق أو سياق syntagme…إلخ) في البنية النحوية للمنطوق، كل عضو من الجملة يعتبر كمساهم في معناها العام. وفي هذه الحالة نميز بين "وظائف" fonctions الموضوع sujet أو المحمول/المسند prédicat المؤمنة بواسطة الألفاظ أو المصطلحات المرصودة لملء ثغرات المعنى الخاص بمصطلحات أخرى، وهكذا نجد في هذه الجملة داخل التعبير الفرنسي: Pierre lit un livre le mot livre à la fonction de complément d'objet[19] أي أن كوسيطا لا يتصور، بل يدعونا كذلك أن لا نتصور المفهوم خارج التفاعل بين الأبعاد الثلاثة، التي يركز عليها، على امتداد الفصل الثاني من كتابه –الذي خصصه لمعالجة المفهوم الفلسفي- ألا وهي: الكلمة أو اللفظة ثم المعنى، ثم المرجعية. إن بناء المعاني الفلسفية إذن يقتضي من الناحية البيداغوجية أن نراعي هذا التفاعل المركب بين هذه الأبعاد الثلاثة داخل الجمل، وبالتالي داخل السياق الفلسفي الذي يوكل له الفيلسوف مهمة بناء مقاطع، وأجزاء نظريته. وبهذه الرؤية يبدو مجهود كوسيطا متجاوزا للثغرات التي لمسناها عند مجموعة البحث في كتاب "تعلم التفلسف في ثانويات اليوم"، والتي تحدثت عن مفاهيم (كالسعادة والحرية) خارج سياقاتها النصية الفلسفية، وخارج هذا التفاعل بين الأبعاد الثلاثة التي أشرنا إليها. وهكذا فإن عملية "العزل" عن السياق الفلسفي للمفاهيم قد تسقطنا في مزالق بيداغوجية، أو تضعنا أما صعوبات ديداكتيكية لا يمكن تجاوزها بسهولة. إن المفهوم إذن يحتاج إلى اللغة، يستقي منها "الدال" اللفظة أو الكلمة أو المصطلح (terme) الذي يعينه ويسميه، وهذا الدال لا بد له من معنى يحمله، وهذا المعنى لا بد أن يحيل على الواقع/على المعيش، وهنا تتجلى أحد الجوانب الأساسية للمفهوم: إنه الجانب الأنطولوجي، والمرجع أو "الظواهر المرجعية" phénomènes référentiels التي تتسم بالتقيد كما يرى كوسيطا و"أن الانغلاق السيمنطقي/الدلالي للحقل المفاهيم، ضرورة منهجية، ولكن الفيلسوف لا يغلق على نفسه داخل خطاب مجرد بصفة كلية. وهكذا فالبعد المرجعي، بعد أساسي يسمح بالانفلات من ثنائية dichotomie التفرع المتناقض بين عالم التجريدات، وعالم الأشياء الواقعية. نعم فكنتائج لتعريف ما، وكمند.. في علاقات إسنادية، أو مرتبطة بمفاهيم أخرى، فإن المفاهيم تسمح لنظرية فلسفية ما، بإعادة بناء علاقاتنا مع العالم، داخل نظام التمثل، وذلك لجعل تلك العلاقات قابلة للتعقل والفهم والوضوح. من هنا فبجمعها بين اللفظة الدالة، ومعنى الشيء (الخاصية أو الحدث) فإن المرجعية تسمح للعالم الفلسفي، باستهداف العالم الخارجي.

بل إن لم ترغم الفيلسوف على توضيح الوضع الأنطولوجي لذلك العالم (الوجود، المظهر، الظاهرة)[20] من هنا نستنتج أن الفيلسوف عندما يبني خطابه داخل انغلاق دلالي، لحقل مفاهيمي خاص، فإنه من جهة يؤسس خصوصيته وتميزه، أو ينحت مكانته داخل تاريخ الفلسفة، ومن جهة ثانية يحبك نظامه البرهاني/الحجاجي المفاهيمي والإشكالية باحثا عن أفضل الصيغ لبناء المعنى، وضبط المضامين وفي هذا النطاق يكون أستاذ الفلسفة مجبرا على تمرين تلاميذه وتمكينهم من تتبع عمليات الفيلسوف والتعرف على خصوصية لغته، وكيفية بنائه لمفاهيمه ومعالجته لإشكالياته وطرق وضعه للمعاني. وإذا كانت لمرحلة أو خطوة بناء المفاهيم و"التميز السيمنطقي" من أهمية، فإنها تتجلى في مد فلسفة فيلسوف ما بخصوصيتها الدلالية والمفاهيمية، وهنا بالضبط تندرج الوظيفة البيداغوجية الأساسية لقراءة النصوص الفلسفية، حيث أن ضبط هذه المرحلة والإحاطة بها أمر يحيل إلى الانفتاح على العالم أو الوجود كخطوة ثانية، وعملية الانتقال يجب أن تكون مستوعبة في وعي التلاميذ إنها البعد الثالث من الأبعاد الأساسية المحيطة "بنظرية" كوسيطا –البيداغوجية- المتعلقة بعملية بناء المفاهيم ومعالجتها، ويتعلق الأمر "بالمرجع" la référence، إنه بعد أساسي، يسمح في نظر كوسيطا للفيلسوف بالتخلص من الوقوع في ازدواجية متناقضة الأطراف بين مطلب التجريد ومطلب التشخيص أو الواقعية. إن "المرجع" إذن يقوم بوظيفة الجمع بين البعدين الآخرين: اللفظة الدالة ومعنى الشيء (الخاصية أو الحدث) في اتجاه السماح لعالم الفلسفة باستهداف العالم الخارجي وتمكين المفاهيم الفلسفية من توضيح علاقة الفيلسوف أو علاقاتنا جميعا بالعالم داخل نظام من التمثلات، وجعل تلك العلاقات قابلة للتعقل والفهم والوضوح. ما أروع هذه الوظيفة، وما ألطف أن ينكب تدريس الفلسفة ديداكتيكيا وبيداغوجيا على الإحاطة بها، وجعلها في مركز الاهتمام داخل العملية –التعليمية- التعلمية المتعلقة بالمفاهيم الفلسفية وبأدوارها داخل النصوص أو ضمن الخطاب الفلسفي ككل وهكذا يمكننا أن نرسم العلاقة التفاعلية بين الأبعاد الثلاثة المشار إليها حسب ما يلي:

 

 

 

 

ص1       السابق   إشكالية

من هنا نستنتج أن النواة التعريفية le noyau définitionnel للمفهوم الفلسفي يجب أن تتضمن هذه العناصر أو الأبعاد التي أشرنا إليها، وأن المفهوم لا يعطى بشكل مسبق أو قبلي للنظرية الفلسفية، ولكنه يبني في صلب النشاط الفلسفي إنه يحايث العمليات التي يقوم بها الفيلسوف، ويرافق مجهوده المرصود لبناء نسقه، وخطابه الخاص الشيء الذي يستلزم –بيداغوجيا- أن نتعامل بدقة مع هذه التفاعلات والعلاقات، والعمليات وأن نحسس التلاميذ، ونلفت انتباههم إلى أهميتها، ومراعاتها في تعاملهم مع النصوص الفلسفية. و"كوسيطا" لا يختزل محتويات أو مكونات هذه "النواة التعريفية"في هذه العناصر الثلاثة، ولكنه يعتبرها أساسية، ويشير إلى أن عدة عمليات أخرى تحاك حولها والتي يلخصها فيما يلي:

الشروح "ما فوق السيمنطيقية" Métasémantique أي تلك التي تسمح للكاتب بالتفسير، وتسمح له بالحجاج، وبالتعليق على التعريف أو التعاريف التي وضعها. وتدخل ذات الكاتب أو انسحابها، وكل ما يتصل بذلك من متغيرات، وعمليات أخرى تحملها اللغة أو ترتبط بذات الفيلسوف كمؤسس للمعنى داخل سياق فلسفي معين. من هنا خصوبة التدخل البيداغوجي في مجال مقاربة المفاهيم داخل النصوص الفلسفية، وإلزامية يقظة المدرس، وحذره من مغبة تغييب كل هذه المعطيات أثناء التعاطي للمفاهيم في درس فلسفي معين ولا شك أن "اللحظات الأولى" من وضع التعاريف وبناء المعاني الفلسفية هي المحطة "البيداغوجية" الأساسية التي تقتضي أن توجه إليها أستاذ الفلسفة أو يأخذ في الاعتبار المقدمات التي يرصدها الفيلسوف عادة لبناء نظريته الفلسفية ويساعد التلاميذ على الانخراط عاطفيا وفكريا في التفلسف مع الفيلسوف، ورصد تنقلاته وحركته بدقة (تلك التنقلات وتلك الحركة اللتان تتسم بهما عملية وضع المعنى في الفلسفة). وبذلك تسهل مهمة استيعاب المفاهيم الفلسفية، أو فهمها، ثم استعمالها داخل النشاط الفلسفي – التفلسفي للتلميذ ولكن هذا لا يعني أن نعول على اللحظات الأولى من وضع المعنى عند الفلاسفة، بل يجب ربط المقدمات بالنتائج، والتعامل مع المفهوم في سياقه الفلسفي ككل، وهذه ضرورة بيداغوجية أساسية يركز عليها كوسيطا على امتداد الفصل الثاني من كتابه الآنف الذكر.

نعم فأثناء بنائه لمفاهيمه، وتشييده للمعنى داخل المذهب أو النظرية الخاصة، يقوم الفيلسوف باستثمار واستغلال الإمكانيات التي تجود بها اللغة الطبيعية إلا أنه إلى جانب ذلك يتجاوز الإطار "الضيق" للغة فيبحث خارجها، وخارج النصوص عن إمكانيات هائلة، يتم استغلالها في العمل المعقد للفلاسفة. وما نستفيده من هذه الفكرة عند كوسيطا هو أن نستحضر هذا العمل المضاعف للفيلسوف. خلال دروس الفلسفة، وذلك لجعل التلميذ قادرا على الانخراط في جو الفلاسفة، وفي طرق عملهم، وتعاملهم مع اللغة الطبيعية ومع الإمكانيات المتوفرة خارج اللغة (داخل الثقافة السائدة، وأصناف التفكير أو المعارف الأخرى التي يعبر عنها بنفس لغة الفيلسوف..) وهكذا ففي تعبيرها عن الحقائق، وامتلاكها لأشياء العالم تلجأ اللغة إلى "لعبة" التقاطب بين الفعل والاسم (نذكر مثلا اللغة اليونانية والإمكانيات الخصبة التي توفرها لعمل الفلاسفة من حيث القدرة على تحويل الأفعال إلى الشيء له فائدة بيداغوجية في تعويد التلاميذ على قراءة النصوص الفلسفية والتعامل مع المفاهيم التي تزخر بها. إن عملية "انعطاف الأفعال" تجاه الأسماء معطى بيداغوجي أساسي يوظفه الفلاسفة في مفاهيمهم وأجهزتهم التعبيرية خصوصا في اللغات "الأعجمية" (وهنا لا بأس أن نشير إلى صعوبة هذا "القلب" الفعلي الاسمي في اللغة العربية، ولكنه من الممكن استغلال هذه العلاقة بين الفعل والاسم تبعا لخصوصية التعبير العربي القابل للتطوير والإغناء ثم العطاء). وإلى جانب عملية الإسماء la substantivation، يؤكد كوسيطا كذلك على صيغة العام la forme du général كوسيلة أساسية –كذلك- لخلق المفاهيم أو بنائها وتؤدي بحرف التعريف "ال" أو حروف الزيادة "فكلمة الإنسانية" أو "الإنسان" تعني في نفس الوقت كوننا "إنسان" ومجموع الكائنات المطابقة له إنه معطى ببيداغوجي أساسي ينبغي كذلك أن نضعه في الحسبان أثناء التعامل الديداكتيكي مع المفاهيم الفلسفية.

ومن أهم ما نستفيده من محاولة كوسيطا –كذلك- هو تمييزه بين لحظة تشكيل الحقل المفاهيم le champ conceptuel ولحظة تشكيل حقل "المعاني العامة" le champ notionnel وهكذا يكون مفيدا من الناحية الديداكتيكية، البيداغوجية أن نستوقف التلميذ على هذه اللحظة التمييزية والتي يرى كوسيطا أنها ينبغي أن تتم حسب الآتي: في البداية نكون أمام مجموع "المصطلحية" la terminologie السابقة لعملية بناء المذهب أو النظرية الفلسفية الخاصة بفيلسوف معين، ومهما كان مجال انتمائها المسبق، فإنها بالنسبة للفيلسوف، مجرد كلمات لغوية، لم تتم مفهمتها بعد أي غير "ممفهمة" ولو في جزء منها لكن ينبغي التعرف على دلالتها السابقة (= دلالة المعنى العام notion) وكيفما كان حقل انتمائها، وذلك حتى نلمس الفرق بين لحظة إدماجها داخل سياق فلسفي جديد، وبين مجالها التداولي السابق.

أما اللحظة الثانية لحظة المفهمة، أو الحقل المفاهيمي، لمذهب أو نظرية فلسفية ما فيقصد به كوسيطا إدماج تلك المصطلحية السابقة "la terminologie داخل كلية منظمة totalité organisée أي داخل تصور فلسفي خاص بنظرية فيلسوف ما، وما يترتب على ذلك منطقيا وبيداغوجيا هو أن لا نتصور وجود مفهوم ما، خارج عملية تعريف المفاهيم يجب أن تكون تركيبية لأن السياق الكلي وحده قادر على إثبات حدودها. وأخيرا نستفيد كذلك من هذا التمييز أن تعامل الفلاسفة مع اللغة الطبيعية ليس تعاملا عاديا، الشيء الذي ينبغي أن يدركه التلاميذ، خصوصا وأن ارتباطهم بها ليس ارتباطا دائما بل سرعان ما يتموقعون خارجها ويفرضون عليها مستوى تقنيا عاليا، الأمر الذي يجبرنا ديداكتيكيا وبيداغوجيا أن لا نستسهل مفاهيم  الفلاسفة ولغتهم، بل ينبغي اتخاذ كل الحيطة والحذر، حتى لا يتم الزيغ، أو التيه في الدروس الفلسفية عن مقاصد الفلاسفة والمعاني التي يضمنونها للغتهم أو للأفكار والنظريات التي تحبل بها مذاهبهم.

وأخيرا ينتهي "كوسيطا" إلى تتميم الدور الرائد للسنيات، وللفتح الذي حققه دوسوسير في مجال علم اللغة، وذلك بتأسيسه لتصور جديد فيما يتعلق بالعلاقة التي تربط  "الدال" signifiant بالمدلول signifie وما حققه هذا التصور من تجاوز لنظرية أرسطو في هذا الباب. إن المجال اللسني الحديث قد أمدنا في نظر كوسيطا بإمكانية استثمار عدة علاقات، لا بد وأن تتدخل في تشكيل البنية الدلالية للحقل المفاهيمي، هذه العلاقات التي يبدو استغلالها من الناحية الديداكتيكية والبيداغوجية، ذا أهمية كبيرة في التعامل مع المفاهيم الفلسفة. وهكذا يمكننا الحديث عن:

1 – الاندراج hyponymie: هو العلاقة بين لفظة (مندرجة تحت) sous-ordonnée تسمى المندرج، وبين لفظة شاملة super-ordonnée تسمى hyperonyme: مثلا العلاقة بين زهرة الأقحوان والزهرة بصفة عامة إلا أن الاسم المندرج يتضمن تحديدات وتعاريف كثيرة لأنه يتكون من خصائص تنتمي إلى اللفظتين معا، وعلاقة اللزوم هنا واحدية الاتجاه، لأن أي كناري طائر وليس كل طائر كناريا.

2 – التعاكسية Contrariété:

وتمثل مجموعة كاملة يمكن أن نميز داخلها بين:

أ- التكامل complémentarité: وهو العلاقة بين ألفاظ، يكون التعارض فيها تكامليا، والصفات أو الخصائص التعريفية، متفرعة بشكل تام، ونفي الواحد يؤدي إلى إثبات الآخر كما هو الحال في أزواج: عازب/متزوج-ذكر/أنثى.

ب- التضاد Antonymie: هو العلاقة بين ألفاظ يكون فيها التضاد تدريجيا كزوج: غني/فقير إن "س" يمكن أن لا يكون، لا غنيا، ولا فقيرا، لأنه عندما نقول بأن شخصا ما ليس غنيا، فإن هذا لا يعني أنه يجب أن يكون فقيرا. إن الكلمتين يجب أن تخصصا للمقارنة، وهذا بالضبط ما يجعل جملتين متضادتين مقارنتين بشكل ضمني، الشيء الذي يميزهما عن الجمل المتكاملة.

ج-التبادلية Réciprocité: في هذه الحالة تكون العلاقة مقبولة كما هو الشأن في الأزواج: زوج/زوجة البيع/الشراء.

3 – التنافرية Incompatibilité : ويتعلق الأمر بالتعارض داخل النظام فإذا كان فستان ما أحمر فإنه ليس أخضرا.

4 – الترادفية Synonymie:

نتعرف على علاقة من هذا القبيل عندما تستطيع الكلمات أن تعوض بعضها البعض، دون أن يتغير المعنى، أو يمتد التغيير إلى الجانب العاطفي أو المعرفي.

صحيح أن اعتبار هذه العلاقات من الناحية الديداكتيكية والبيداغوجي لا يعني أنها مسؤولة لوحدها عن "توليد النظام الغني، والمعقد للحقل المفاهيمي في مجال الفلسفة" ولكنها تمثل فقط الهيكل العام الذي يؤسس عليه ذلك النظام باعتبار انتمائها إلى اللغة. وهذا ما يوحي لنا بذلك التفاعل الخصب والغني بين المفهوم والنظام المفاهيمي الذي ينتمي إليه. حيث أن المفهوم يبني النظام، ولكن النظام المفاهيمي لفلسفة ما، يقوم بدوره بناء المفهوم. وأخيرا نستخلص أن تناول المشكلة المفاهيمية في الدرس الفلسفي أمر يقتضي أن نعدد الطرق والوسائل والمناهج التي يجود بها حقل الفلسفة وتاريخها أولا ثم جميع الإمكانيات التي تمدنا بها اللغة الطبيعية، ومختلف الأجهزة les dispositifs البيداغوجية التي توفرها حاليا الأدبيات التربوية ومجال ديداكتيك الفلسفة مع ما يستلزمه الموقف من حيطة وحذر، وحضور مسؤول وذكي للمشتغلين بالفلسفة، ولمدرسيها أو ممارسيها داخل المؤسسة التعليمية. كما أنه يجب أن لا ننسى أن الفلسفة معرفة تتم بالمفاهيم، وليست مجرد انطباع أو تأمل ذاتي للمعيش، وأن أي تصور يزيح عن الفلسفة طابعها المفاهيمي، ينبغي إقصاؤه، وذلك ما أكده جيل جاستون جرانجي عندما قال: "إن هدفنا هو البحث عن معرفة، هل وكيف يمكن أن تقوم معرفة فلسفية؟ فكما عرفنا: إن هدفنا هو البحث عن معرفة، هل وكيف يمكن أن تقوم معرفة فلسفية؟ فكما عرفنا: إن المعرفة العلمية، معرفة بالموضوعات والأشياء، وكل معرفة بالموضوعات منسجمة، وناجعة لا يمكن أن تكون إلا علمية على نقيض الانطباعات والعواطف، وأن المفهوم هو نمط التمثيل الذي يستعمله العلم، ولكن هل يجب اختزال متناول المفهوم ومداه، في تمثيل الأشياء وتعيينها؟ إذا كان الأمر كذلك، يجب علينا أن لا نرى في الفلسفة شيئا آخر غير خطاب ذاتي حول المعيش، أقل أو أكثر قدرة –حسب تجربة الفيلسوف- على معالجة الواقع نفسه وأثره أو صداه في وعينا.

ولكن إذا كانت الفلسفة فعلا مادة معرفية يجب أن تكون بالمفاهيم، وليس بالإثارة أو الصورة كما هو الشأن في الأعمال الفنية. من هنا فما هو المفهوم بدون موضوع ينطبق عليه؟ إذا تناولنا تاريخ الفلسفة البعيد نجد عدة مفاهيم "كالمنادة" عند لايبنتز، و"المتعالي" عند كانط، و"الامتداد" عند ديكارت..إلخ.

إنها فعلا مفاهيم وليست فقط صورا أو انطباعات، أو انعكاسات مشاعر"[21].



* - تتمة ما نشر في العدد السابق

[1] - G..Deleuze Felix. Guattari : qu’est ce que la philosophie ? Collection les éditions de minuit, 1991.

[2]  - Ibid, p10.

[3]  - Ibid, p11.

[4]  - Jacqueline Rus : Les méthodes en philosophique, Edition Armand Colin.

[5] - عن "باسكال" في كتاب "أفكار وكتيبات" باللغة الفرنسية pensée et opuscules، ص488، الفكرة 347، مطبوعات هاشيت.

[6] - مقدمة مبادئ فلسفة الحق، أفكار جاليمار Idée Gallimard، ص44-45.

[7] - من أجل المعرفة الفلسفية، منشورات أوديل يعقوب بالفرنسية، ص198.

[8] - من باسكال المرجع السالف الذكر، ص516، الفكرة 420.

[9] - مأخوذ عن مجلة الحكمة، عدد 1، 1992، تعريب الأستاذ سحبان الحسين، ص61-62.

[10]  - Ibid.

[11]  - Ibid.

[12]  - Patrick Béranger M .Benoît. M. Tazzi. Claude Vincent, préface de PH. Mérieux : Apprendre à philosopher dans les lycées d’aujourd’hui.

[13] - عن الطاهر وعزيز، M. Combes : le concept du concept formel, p26، مجلة المناظرة، عدد 3، السنة الثانية، 1990.

[14] - عن الطاهر وعزيز، نفس المرجع السابق.

[15]  - France Rollin : « l’éveil philosophique », Unpack, 1982 entre les pages, 149 et 174.

[16]  - G. Deleuze-Félix Guattari : qu’est ce que la philosophie (l’introduction ).

[17]  - Ibid (introduction).

[18]  - L’analyse textuelle – lita lunddquist C.E.D.C, 1983, p119.

[19]  - Dictionnaire de linguistique, librairie Larousse, 1973, p216.

[20]  - F. Cossuta éléments pour la lecture des textes philosophique bordas, Paris, 1989, p73.

[21]  - G. Granger : pour la connaissance philosophique.