ص1       الفهرس  61-70

مهمة الترجمة، مهمة الفكر

 

عبد السلام بنعبد العالي

لا شك أن القارئ قد تنبه إلى أن العنوان أعلاه يشير إلى مؤلفين مشهورين، أحدهما ل "و..بنيامين " و الآخر لـ "م. هايدجر"، وسنتبين أن هذين العلمين يخيمان بظليهما على الموضوع الذي نعالجه، و الفكر الذي نحن بصدده، والرجل الذي نهتم به.

و ما ينبغي التأكيد عليه أولا أن الأمر لا يتعلق هنا بقضية ثانوية، هامشية، إن صح التمييز، في السياق الذي نحن بصدده ، بين الهامشي و المركزي. مسألة الترجمة تضعنا، إن لم نقل في صلب فكر، لنقل في صلب انشغالات بلانشو. و هذا ما يؤكده هو نفسه: "إذا دأبنا على القول، خطأ أو صوابا، هناك الشعراء، و هناك الروائيون، بله النقاد، و كلهم يأخذون على عاتقهم مهمة تحديد معنى الأدب، فينبغي أن نعد المترجمين أيضا من بين هؤلاء"[i].


سنتناول مسألة الترجمة عند بلانشو من خلال نصين أساسين: أحدهما نشر ضمن كتاب "حصة النار" تحت عنوان " مترجم عن..." و الآخر ضمن "الصداقة" تحت عنوان "فعل الترجمة". في هذا النص الأخير يطرق بلانشو مسألة الترجمة معلقا على محاولة بنيامين " مهمة المترجم".و هاته ، كما نعلم، هي حاله. فغالبا ما تشكل مقالات بلانشو محاورة مفكر أو مراجعة مؤلف. و أود، بهذا الصدد، أن أؤكد على مسألة منهجية يبدو لي أنها أساسية، و هي أننا لا ينبغي أن نخوض في محاولة يائسة و غير مجدية، و ربما لا معنى لها، في التمييز بين ما لبلانشو و ما لغيره، و فيما يتعلق بالنص الذي نحن بصدده، بين ما لبلانشو وما لبنيامين. وهذا لأسباب متعددة من شأنها أن تضعنا في -صلب فكر بلانشو، و ربما تحدد منهج قراءته.

فلا يتعلق الأمر هنا بتجديد القول، و إنما بإعادة القول بكيفية مخالفة. لنتذكر عبارة بلانشو الواردة في كتاب L'entretien infini:  ليس المهم أن نقول قولا، وإنما أن نكرر القول، وأن نقوله كل مرة و كأنه قيل للمرة الأولى"[2].

يتعلق الأمر بالضبط بخوضun entretien  مع ما سبق أن قيل. سقت هذا اللفظ في صيغته الأصلية تنبيها إلى أننا، في اعتقادي على الأقل، نتسرع قليلا عندما ننقله إلى "حوار لامتناه". ذلك أن L'entretien كما نعلم، تشير أولا و قبل كل شيء إلى الاحتفاظ و الصيانة، و في السياق الذي نحن بصدده أفضل أن أقول العناية والرعاية، أكثر مما تشير إلى الحوار( بل إن ليتري لا يجعلها في قاموسه تعني الحوار إلا عندما تستخدم في صيغة جمع عناوين لبعض الكتب). و بهذا الصدد ربما وجب أن نسجل، توضيحا لموقف بلانشو، بعض الاختلاف بينه و بين صاحب التفكيك. فبينما نشعر مع دريدا بنوع من الانتصار على النص المقروء، نلمس عند بلانشو نوعا من التواضع الفكري، ونحس بأن هناك دوما صوتا ما قد تقدمنا، و بأن مسألة الفكر هي خصام عشاق، و بأن الأمر يتعلق أكثر ما يتعلق بالعناية و الرعاية اللامتناهية بما تقدم قوله.

إن استرجاع ما قيل ليس معناه أن نكتفي بالشروح و التعليقات، وإنما أن نجد أنفسنا لا أمام المتطابق المجتر والمكرور، وإنما أمام الشيء ذاته، أمام كلام متعدد ما انفك يعود صوبنا في الوضوح الغامض لما قيل. هاته العناية، هاته الرعاية هي مهمة الفكر، وهي التي تفرض عليه نوعا من التماهي مع المفكرين انطلاقا من تباين وغيرية، و هي أيضا، و كما سنرى، "مهمة المترجم".

غاية ما سبق قوله تعني أولا بلوغ الشيء ذاته الذي قيل بأنحاء متباينة. وفي هذا الصدد يؤكد بلانشو أن مهمة المترجم تنطوي على نوع من العمل الشيطاني، نوع  من العصيان، وليس أي عصيان ، انه عصيان الإله. ذلك أن المترجم يزعم إعادة بناء برج بابل، أي محاولة " الارتقاء" نحو نوع من اللغة الأصلية والكلام الأرقى الذي يكفي التحدث به لقول الحق. يراود المترجم دائما حلم يزعم أن اللغات جميعها تشير إلى الواقع نفسه بأنحاء متباينة. و كأننا به يحيل، بفعل الترجمة، إلى لغة عليا لعلها الانسجام أو الوحدة المتكاملة بين كل تلك الأنحاء.

هذا المرمى التوحيدي لا يعني مطلقا أن الترجمة تسعى إلى محو الاختلاف. "إنها ما تفتأ تحيل إليه، و قد تعمل على إخفائه ولكن بإبرازه في بعض الأحيان و الزيادة من حدته في الغالب."[3]. يرى بلانشو  أن النص ، بما هو كذلك ، يتمتع بنوع من الحركية، ومن الرغبة في الخروج عن ذاته، وتبديل موطنه وتغيير لغته. وربما كانت هاته خاصية الأعمال الأدبية بما هي كذلك. إنها النصوص التي تكشف فيها اللغة عما تنطوي عليه من إمكانيات مستقبلية،  النصوص التي تكشف فيها اللغة عن تطلعها للخروج عن ذاتها. ونستطيع أن نقول إن الترجمة "تستغل " هاته الحركية، تستغل هذا التطلع، أو لنقل إنها توظفه.

يعتقد بلانشو أن ما يدعى نصوصا كلاسيكية يبلور هذا الأمر أحسن بلورة: فهذه النصوص تنتمي غالبا إلى لغة لم تعد تتداول، تنتمي إلى لغات "ميتة". لذلك فلا حياة لهذه النصوص إلا في ترجماتها. إنها تكون في الوقت ذاته "مثوى حياة لغة ميتة، ولكنها تكون هي المسئولة الوحيدة عن مستقبل لغة لا مستقبل لها.[4]".

من الأدباء من يهتم بالترجمة فقط لتكريس هذه الحركية، هذا الخروج عن المألوف، والابتعاد عن اللغة المكرورة، إنهم يجيئون إلى الترجمة بالضبط بهدف الاغتراب. بهذا الصدد ينبه بلانشو إلى سبب تعلق الأدب الكلاسيكي الفرنسي بالثقافة و اللغات القديمة، نشدانا للاغتراب الذي يريد أن يرقى باللغة العادية إلى مكانة اللغة المترجمة:" فنقل عمل أدبي إغريقي أو لاتيني إلى اللغة الفرنسية كان، في حد ذاته، إنجازا لعمل إبداعي. ففي تمهيده ل (أوديب) يأسف كورني لكونه فقد الامتياز في ألا يظل إلا مترجما". بل إن من المحدثين من يذهبون أبعد من ذلك:" فالعنوان الذي أعطاه جو بوسكي لعمله "مترجم عن الصمت" يشكل نوعا من الرغبة التي يطمح إليها أدب يريد أن يظل ترجمة خالصة، ترجمة ليس فيها ما يترجم سعيا للاحتفاظ من اللغة إلا على المسافة الوحيدة التي ترمي اللغة إلى الإبقاء عليها إزاء ذاتها"[5].

بهذا المعنى فان المترجم مبدع مؤلف، والنص المترجم يحاكي عملية الإبداع التي تحاول، انطلاقا من اللغة المألوفة، تلك التي نحيا فيها وبها، و نكون غارقين فيها، تحاول "أن تعطي الحياة للغة مغايرة يبدو ظاهريا أنها اللغة ذاتها، و لكنها تشكل ما هو غائب عنها، مخالف لها اختلافا لاينفك يحصل، ولا ينفك يختفي"[6].

لا تهدف الترجمة إذن إلى المحاكاة "الأمينة": "ذلك أن هاته المحاكاة تقضي على عمل الترجمة من حيث إنها تؤقلمها، وتنزع عنها امتياز الالتباس وعدم الاستقرار الذي يرقى بعدة مؤلفات مترجمة إلى مستوى المؤلفات الرائعة[7].

لا يرمي المترجم إذا إلى إلغاء الاختلاف وإنما إلى توظيفه ورعايته. من هذه الزاوية لا ينبغي أن ينظر إلى الترجمة أساسا كعملية لخلق القرابة، و إنما كفعالية لتكريس الغرابة. وأكبر الزلات التي يمكن للمترجم أن يقترفها هي أن يعمل على تجميد الحالة التي توجد عليها لغته بفعل الصدفة، عوض أن يخضعها للدفع العنيف الذي يتأتى من اللغة الأجنبية. وفي هذا الصدد يستعيد بلانشو نصا لأحد المنظرين الألمان يورده بنيامين كذلك. يقول رودولف بانفيتز: "إن أحسن ترجماتنا الألمانية تنطلق من مبدأ خاطئ، و هي تزعم إضفاء الطابع الألماني على السنكريتية و الإغريقية و الإنجليزية، بدل العكس، أي إعطاء الألمانية طابعا سنكريتيا وإغريقيا وإنجليزيا"[8].

هذا الانفتاح اللامتناهي على الغرابة بشتى أشكالها لا يسهل المهمة على المترجم، و إنما يضع على كاهله مسئولية عسيرة لعلها هي المسئولية الملقاة على كل عمل فكري. فبما أن المترجم ينطلق من أن كل لغة يمكن أن تغدو اللغات جميعها، سيكون عليه أن يصبح، من أجل تحقيق ذلك، مبدعا في لغته، أي أن يكون راعي الاختلاف، اختلاف لغته مع غيرها من اللغات، لكن أيضا و ربما أساسا، اختلاف لغته مع ذاتها...   

و بعد....

في قلب الاختلاف تسكن الهوية، وفي صميم كل هجرة و تنقل يقطن الاستقرار والعمارة، وفي قلب قوة التفريق وخلق التباعد هناك دوما قوة الضم، وفي قلب العمل اللغوي هناك دوما عمل فكري، وفي ثنايا مهمة الترجمة تقبع مهمة الفكر ليغدوا العمل ذاته.و ليست قليلة أسماء أولئك المفكرين العظام الذين امتزجت عندهم مهمة إعادة التفكير بإعادة الترجمة، ولعل هولدرلين من بين أبرزهم، إن لم يكن أقواهم على الإطلاق. كتب بلانشو:

"يجسد لنا مثال هولدرلين المخاطر التي يركبها كل من تستهويه الترجمة:لقد كانت ترجماته لأنتيغون وأوديب آخر أعماله، وقد أنجزت وهو على عتبة الجنون. إنها أعمال بلغت حدا بعيدا في العمق والمهارة والقدرة على التحكم. قادتها الرغبة،لا في نقل النص الإغريقي إلى اللغة الألمانية، ولا في توجيه اللغة الألمانية نحو المنابع الإغريقية، وإنما في توحيد القوتين اللتين تمثل إحداهما تقلبات المغيب، والأخرى تحولات المشرق لينصهرا في بساطة لغة كلية خالصة. والنتيجة عمل خارق. فكأننا نلفي بين اللغتين تفاهما هو من العمق و الانسجام بحيث تحلان محل المعنى و تتمكنان من جعل الفجوة بينهما منبعا لمعنى جديد.[9]".

 



[i]--Blanchot (M), " Traduire" in  L'amitié  Gallimard, 1971, p 69.

[2]- Blanchot (M), L'entretien infini, Gallimard, 1969, p45.

[3]-Blanchot, L'amitié, Op. .cité, pp70-71

[4]- Ibid, p71.

[5]-Blanchot, La part du feu, Gallimard, Paris, 1972, p174.

[6]-Ibid.

[7]- Op .Cité.pp185-187

[8]- p177.

[9]-L'amitié, op. .cité, p 73.