الإصلاح
الجامعي إلى أين؟
محمد
آيت المكي
يعيش
العالم في إطار نظام كوني جديد يؤسس بصفة تدريجية لشروط ثقافة جديدة تكرس لقيم ومفاهيم
العولمة والشراكة والانفتاح والمنافسة. وبهدف تحقيق انخراط إيجابي في رهانات
العولمة، باتت بلادنا مقتنعة بأهمية تجديد البنيات والهياكل والمؤسسات وإصلاحها
وترشيدها والتسريع بوتيرة
انتقالها إلى أزمنة الحداثة والديمقراطية والتنمية المستدامة والشاملة. ويفرض
النظام التعليمي باعتباره القلب النابض للدولة نفسه كأول ما يجب أن ينسجم مع ظروف
الحياة الجديدة، لذلك كان من الطبيعي أن يكون جزء من المنظومة التربوية وهو التعليم العالي من بين أولى
الأوراش التي يجب أن تفتح قصد إصلاحه وإعادة النظر فيه بعد أن عمر النظام الذي
يخضع له أكثر من ثلاثة عقود.
وتتجلى
عناصر الإشكالية الأساسية التي يطرحها إصلاح هذا النظام في ما يلي:
- كيفية التوفيق الإيجابي بين
الوفاء للأصالة والتطلع الدائم للمعاصرة وجعل المجتمع المغربي يتفاعل مع مقومات
هويته في انسجام وتكامل وتفتح على مقومات الحضارة الإنسانية.[1]
- كيف نصل إلى جامعة
مفعمة بالحياة تعمل على تجاوز نظام التلقي السلبي ونظام العمل الفردي وتتحول من
منطق التدريس إلى منطق التكوين والتأطير الذي ينمي الطاقة الذاتية والقدرة على المشاركة ؟
- كيف نجعل من الجامعة مجالا
منفتحا ومرصدا للتقدم العلمي والتقني وقبلة للباحثين ومختبرا للاكتشاف والإبداع …
؟
- كيف نعمل على تفتح الجامعة
على محيطها بنسج علاقات جديدة بينها وبين فضائها البيئي والمجتمعي والثقافي
والاقتصادي … ؟
لقد نعتت الجامعة المغربية
بعدد من النعوت السلبية أضحت معروفة للخاص والعام ومنها[2]:
- عدم الترابط بين
التكوين فيها وحاجيات سوق الشغل.
- قلة التنوع في نظام
التكوين فيها وغلبة التعليم العام.
- عدم مرونة نظامها التكويني وعدم توفيره للجسور
بين الحقول المعرفية الكبرى.
- عدم الاهتمام بالتكوينات القصيرة والمتوسطة
المؤهلة للحياة العملية.
- ضعف مردودية النظام
التكويني فيها واتسامه بكثرة نسب التكرار والمنقطعين عن الدراسة …
- اعتماد مقاربات تربوية
ومنهجيات للتدريس لا تساعد على تنمية شخصية الطالب.
- وأخيرا فإن الجامعة
اعتبرت مؤسسة لتخريج العاطلين.
ومع
هذا كله، فإن الجامعة المغربية كيان أساسي ومهم في المجتمع المغربي عامة وفي
المنظومة التربوية بصفة خاصة واضطلعت بأدوار مهمة ساهمت من خلالها في تلبية
الحاجات الملحة للتنمية الاقتصادية والاجتماعية والثقافية لمغرب ما بعد
الاستقلال. فالجامعة المغربية من خلال
مقوماتها، تشكل عنصرا أساسيا ومهما في النسيج الوطني بما لها من مقومات كما يتضح
مما يلي : 14 جامعة- 280.999 طالب 25.575 خريج سنويا -10069 أستاذ – 11244 موظف وإداري[3]….
ولا
يجادل أحد في أن الإصلاح
الناجح والطموح للتعليم العالي، هو الإصلاح الذي يكتسي طابعا شموليا، كما أن الجميع يتفق على أن المسألة معقدة ومتشابكة، والدليل على ذلك تعاقب ثلاثة
وزراء على وزارة التعليم العالي في فترة وجيزة منذ انطلاق عملية الإصلاح ولا ندري
ماذا يخفيه عنا الزمن والمستقبل ربما كان هناك وزير رابع وربما خامس قبل أن يتخرج أول فوج في إطار الإصلاح.
ونسجل
هنا من حيث المؤسسات المشمولة بالإصلاح أن هذا الأخير لم يشمل بعد إلا المؤسسات
التي سميت بمؤسسات الاستقطاب المفتوح( أي كليات الحقوق والعلوم والآداب) وتم
استثناء كليات الطب وكليات العلوم والتقنيات والمدارس العليا للتكنولوجيا[4]، الشيء الذي يطرح أكثر
من سؤال حول مغزى الإصلاح من هذه الزاوية، كما لم يشمل الإصلاح مؤسسات تكوين الأطر
ولم يمتد بعد إلى التعليم العالي الخاص، وهي أمور كلها تتناقض مع روح ميثاق
التربية والتكوين والقانون 00 .01 اللذين
أرادا من الإصلاح أن يكون شموليا.
أولا
: استقلال الجامعة
إن استقلال الجامعة هو أول
عنصر أساسي يجب أن يقوم عليه الإصلاح الجامعي وهو أمر يقر به بالفعل القانون 00
.01 بجعله الجامعة مؤسسة عمومية ذات شخصية معنوية عامة ومتمتعة بالاستقلال المالي
والإداري[5]
… إلا أن الممارسة العملية منذ انطلاق الإصلاح، قد أوضحت بجلاء افتقار الجامعة المغربية
إلى الاستقلالية المنشودة، بحيث سجل طغيان نفوذ السلطة الوصية وتدخلها في كل صغيرة
وكبيرة بما في ذلك الأمور البيداغوجية الصرفة وكان هذا سببا في عدد من الثغرات وفي
عدد من المواقف المتشنجة وسببا في بطء وتيرة الإصلاح.[6]
كما تعانى الجامعات من الوصاية المالية
المفرطة من لدن مصالح وزارة المالية[7]،
سواء منها الوصاية القبلية أو البعدية والتي تعرقل عملها ولا تكرس استقلالها
المالي عملا وفعلا وتنقص من وتيرة
العمل فيها، ويبدو أن الأمر بات خطيرا حيث إن هذا الموضوع وصل إلى تحكيم الوزير
الأول مؤخرا. ولعل ما يجب أن تقتنع به
الجامعات في هذا الصدد هو أنه لا يمكنها الخروج من هذه الوضعية
إلا إذا ناضلت من أجل تكريس هذه الاستقلالية، فالاستقلال يؤخذ ولا يعطى. وفي
انتظار ذلك،
لابد أن تعمل مكونات الجامعة
على القضاء على ظاهرة غير صحية متفشية في
الجامعة والتي تكمن
في تخلف الاهتداء إلى النظر إليها كوحدة غير مجزأة ونسيان منطق المؤسسات الذي كان
سائدا في السابق.
ثانيا: دمقرطة المؤسسات.
لقد عرف هذا الموضوع
تحقيق عدد من المكاسب بفضل نضالات مكونات الجامعة ولا سيما الأساتذة فيها، بحيث تم
إرساء هياكل منتخبة ومنبثقة من إرادة العاملين في هذه المؤسسات، إلا أن
الممارسة لحد الآن قد أظهرت بعض
مظاهر الاختلال من هذا الجانب يمكن اختزال أهم عناصرها في ما يلي:
- عدم وجود تمثيلية حقيقية
للطلبة بفعل الوضع الشاد الذي يعيشه القطاع الطلابي منذ مدة، والناجم عن الخلافات والانقسامات التي يعرفها
هذا القطاع.
- انتقاد الأساتذة لأداء
بعض الهياكل ومنها اللجان العلمية للمؤسسات التي يشتكون من تصرفات بعض
مكوناتها.
- ظهور اختلالات واضحة في
مسطرة انتقاء رؤساء الجامعات ورؤساء المؤسسات، بالنظر إلى أنها
مسطرة لا هي تعتمد على الانتخاب ولا هي تعتمد على التعيين المباشر و تحقق فضل أي
واحدة من الطريقتين، كما ظهرت مواقف تتهم
الطريقة بأنها تسمح بالتوجيه المسبق لها عبر اختيار أعضائها ((بعناية)) ولعل المشاكل التي عرفتها هذه اللجان والتي
وجدت لها صدى واسعا في الصحف الوطنية الكفيلة بتدشين التفكير لإعادة
النظر في هذه الصيغة، وذلك بإقرار مبدأ انتخاب رؤساء المؤسسات أو العودة بكل بساطة
إلى أسلوب التعيين المباشر[8].
- طغيان النظام الرئاسي
في بض الجامعات المغربية لعدم إدراك بعض الرؤساء لكن الاختصاصات الممنوحة لهم
بواسطة القانون 00 .01 إذ عمدوا إلى إقرار
أسلوب سلطوي يعتمد على تمركز السلطات وعلى الهرمية والتنكر لعدم التركيز
واللامركزية ….
- ضعف السلطة التقريرية
لمجالس الجامعات وذلك لعدة أسباب منها علىالخصوص:
ضعف أداء نسبة من أعضائها ولاسيما الأعضاء، بحكم القانون، الذين ينهجون سياسة الكرسي
الفارغ فيها.[9]
- لجوء بعض الرؤساء إلى أساليب
ملتوية لتجريد المجالس من اختصاصاتها التقريرية ويكفي للدلالة على ذلك الاستشهاد
بأسلوب دراسة ميزانية الجامعة.[10]
- تشتت بعض الاختصاصات
المهمة لمجالس الجامعات بين عدة هيئات كمجلس التدبير واللجان المتساوية الأعضاء
واللجان العلمية فضلا عن عدم وضوح العلاقة القانونية بين هذه الهيئات والمجلس ..
- ونفس الملاحظة يمكن أن
نقولها بالنسبةإلى المؤسسات
التابعة للجامعة التي تعرف مجالسها بعض القصور ونستدل على ذلك بكون نسبة من هذه
المؤسسات لا تعقد مجالسها بشكل متواتر
وتعمل بدون نظام داخلي ولا نظام للمؤسسة لحد الآن.
ثالثا:
منهجية الإصلاح
لقد كانت
للتغييرات المشار إليها أعلاه على
رأس الوزارة تأثيرات على الإصلاح خاصة من الناحية المنهجية، حيث شهدنا في فترة
وجيزة إصلاحا لإصلاح لم يدخل بعد حيز التنفيذ.
في
البداية كانت هناك أجهزة أساسية عهد إليها
بمهمة وضع الإصلاح في السكة وهي:
- اللجنة الوطنية لتنسيق
وتتبع الإصلاح [11]
- اللجان الجهوية لتنسيق
وتتبع الإصلاح [12]
- اللجان المحلية لتنسيق
وتتبع الإصلاح
- اللقاءات الوطنية للجن
الجهوية
- لجان الخبراء الوطنية
والجهوية والمحلية
إلا أنه بعد التغيير الذي طرأ على رأس الوزارة أصبحت
هناك أجهزة جديدة تتكلف بالموضوع منها:
- لجنة الخبرة الخاصة
بالمسالك والوحدات
- لقاء مراكش للأساتذة
- لقاءات في بعض الجامعات الأخرى منذ أبريل الماضي
- وأخيرا ندوة رؤساء الجامعات.
إلا أن هذه الأخيرة -أي ندوة الرؤساء- هي التي
اضطلعت عمليا بالدور الأساسي في عملية الإصلاح في صيغته الثانية بكل ما يجب أن
يستخلص من ذلك من ملاحظات ودروس.[13]
رابعا : الهندسة البيداغوجية
يقوم الإصلاح الجامعي على هندسة ببيداغوجية
تتضمن مسالك ووحدات وتقسم السنة الجامعية إلى فصلين اثنين : ولقد كانت الهندسة الأولى تفرض خمسة فصول للسلك
الأول وخمسة للسلك الثاني. إلا أن الهندسة التي جاء بها التغيير على رأس الوزارة
قد خفضت من عدد الفصول من خمسة إلى أربعة ولكنها زادت من عدد الوحدات في كل فصل من
ثلاثة إلى أربعة وهذا حتى يتأتى العمل
بنظام:
- الباكلوريا
زائد 2 تساوي دبلوم الدراسات الجامعية العامة
- الباكلوريا
زائد 3 تساوي الإجازة
- الباكلوريا
زائد 4 الميتريز
- الباكلوريا
زائد 5 تساوي الماجستير.
ولا
أريد أن أتدخل في تفاصيل الموضوع وأكتفي
بتسجيل بعض الصعوبات التي يعاني منها الأساتذة عند وضعهم لمشاريع المسالك وفقا
لهذه الهندسة ومنها على الخصوص :
- عدم معرفة هامش حرية
التصرف أثناء وضع المسالك بالشكل الذي يضمن بأن تكون الشهادة التي تمنحها الجامعة
شهادة وطنية.
- الجهل التام بالمقاييس
والمعايير المعتمدة من قبل لجان الخبرة واللجنة الوطنية لتنسيق التعليم العالي
لقبول المسالك والوحدات.
- صعوبة التحقيق الدقيق
للنسب المئوية المخصصة للوحدات الأساسية والوحدات
التكميلية ووحدات التخصص ..
- مشكل الجسور بين مؤسسات
الاستقطاب المفتوح ومؤسسات الاستقطاب المحدود.
- مشاكل التنسيق الأفقي
بين الشعب التابعة لنفس المؤسسة وبين المؤسسات فيما بينها.
- مشكل المحافظة على
الطابع الأكاديمي للجامعة وتلافي تحويلها إلى مؤسسات للتكوين المهني.
- الطابع التجزيئي للهندسة البيداغوجية، إذ لم يتم إعداد سوى الهندسة البيداغوجية
للفصول الأربعة الأولى[14]
على أساس الانتقال فيما بعد إلى الفصلين الخامس والسادس ثم الماستر وهذا يتنافى مع
ما هو مألوف في إعداد إصلاح عام وشامل يتضمن برنامج التدريس ونظام التقويم مرة
واحدة، كما أن هذا الأسلوب يجعل الجامعات
ومكوناتها رهينة لتطورات مستقبلية لا تعرفها وتخلق بلبلة في نظام التكوين.
- نفس الملاحظة السابقة
حول الهندسة البيداغوجية، يمكن أن نقولها بالنسبة إلى نظام التقويم الذي ولد
قاصرا وتم العمل به بشكل مبتور ولم يستقر بعد لحد الآن بل لم تستطع الوزارة بلورة
موقف قار وواضح، بدليل أن المؤسسات الجامعية لم تستطع لحد الآن، إبلاغ الطلبة
بقرارات نهائية فيما يخص استيفاء الفصول والوحدات وفيما يخص النقطة الموجبة للسقوط
…
- غياب إحصاء شامل للمهن
جهويا ووطنيا.
- الغياب التام لدور
الفاعلين الاقتصاديين والاجتماعيين وعزوفهم التام عن التعاون مع الأساتذة من أجل
بلورة مسالك تأخذ بعين الاعتبار حاجيات هذا القطاع.
1 ) الأساتذة
كما
سبق أن أشرنا إلى ذلك، يبلغ عدد الأساتذة في الجامعة المغربية زهاء 10069 أستاذا
ومنذ البداية يسجل اختلال واضح من حيث توزيع هذا العدد بين مختلف الحقول المعرفية
في الجامعة:
- عدد الأساتذة في كليات
الحقوق هو 1099 لتأطير 120000
طالب
- عدد الأساتذة في كليات
الآداب " 2294 " 93249 طالب
- عدد
الأساتذة في كليات العلوم " 3244
" 36098 طالب
وإذا أخذنا بعين الاعتبار توزيع الأساتذة على
مختلف الإطارات نجد مثلا في:
- كليات الحقوق 401 أستاذا للتعليم العالي
- كليات
الآداب 424 "
" "
- كليات العلوم 1467 "
" "
الشيء الذي يعني بأن هناك ضرورة للتدخل لمعالجة مختلف
مظاهر عدم التوازن في هذا الباب.
وفي هذا النطاق، لا
يفوتنا تسجيل التفاوت الكبير الحاصل في ميدان أعداد الأساتذة بين مؤسسات الاستقطاب
المفتوح ومؤسسات الاستقطاب المحدود فمثلا:
- عدد الأساتذة في كلية
الحقوق بفاس هو 123 أستاذا لتأطيرحوالي
14000 طالب
- عدد الأساتذة في كلية
العلوم والتقنيات هو167 لتأطير حوالي 1000 طالب
كما
أن البنية العمرية للأساتذة مهمة بالنسبة إلى الإصلاح:
فالمعدل
العام لسن الأساتذة في جامعة سيدي محمد بن عبد الله هو 41 سنة. وعلى سبيل المقارنة في كلية العلوم والتقنيات
والمدرسة العليا للتكنولوجيا معدل السن هو 36 سنة، وأكبر معدل للسن هو المسجل في
كلية الآداب ظهر المهراز وهو 50 سنة. وهذا التفاوت في معدل الأعمار يعني ما يعنيه
بالنسبة إلى المستقبل
وبالنسبة إلى تجديد
أجيال الأساتذة. كما نسجل وجود خصاص كبير للأساتذة في تخصصات معينة ولا سيما في القانون الخاص والإعلاميات واللغات … ونشير
كذلك، إلى المشكل الأساسي الذي يعاني منه الأساتذة والذي يتجلى في التطلع إلى نظام
أساسي جديد ينصفهم بتكريس المكتسبات التي حصلوا عليها بنضالاتهم وإقرار إجراءات
تحفيزية تحسن من وضعهم المادي والمعنوي.[15]
وأخيرا، لا يفوتنا الإشارة إلى
الإشكالية التي ظلت تؤرق الأساتذة والمتمثلة في التهديد بتغيير وضعهم القانوني من موظفين
إلى مستخدمين.
2)
الأطر الإدارية
يبلغ عدد الأطر الإدارية والتقنية العاملة في
الجامعات المغربية 11224 موظفا يديرون 280.000
طالب.
وإذا
أخذنا بعين الاعتبار معدل سن مختلف فئات
الموظفين نجد أن:
- 45 و49
سنة عددها 2291 20 %
- الفئة
ما بين 49 و50 سنة 2626 23%
وهذا
يعني بجلاء أن نسبة مهمة من الأطر الإدارية بالجامعات تشيخ بصفة تدريجية مما يطرح مشكلا بالنسبة إلى مردوديتها بالنظر إلى
المجهود الذي يتطلبه الإصلاح. وإذا أخذنا بعين الاعتبار أن الإنجاز الأمثل للإصلاح
يتطلب -على الأقل - وجود موظف واحد لكل 40 طالبا، وقفنا على أن هذا يطرح مشكلا
بالنسبة إلى المستقبل
على ضوء السياسة العامة للدولة التي تقر بالتقليص الكبير للتوظيف في القطاع العام وعدم تعويض المحالين
على التقاعد. وعلاوة على المشكل السابق، يطرح مشكل آخر له ارتباط بتكوين الموظفين
وما يفرضه الإصلاح من ضرورة توفر كفاءات جديدة ومهنية بشكل متزايد. فتنفيذ الإصلاح
يتطلب وجود كفاءات واستعمال أدوات تدبير جديدة ( برمجيات – تدبير التسجيل – تتبع
الطلبة والتدبير المكتبي ….) الشيء الذي يفرض على الجامعات الإقدام على التكوين
المناسب لهؤلاء كما يفرض الاستعمال الأمثل لمواردها البشرية بإعادة انتشارها بناء
على الحاجيات ..
لايشك أحد في أن الطالب هو أهم حلقة في عملية الإصلاح
فمن أجله جاء هذا الأخير ومن أجله يتم القيام بجميع المجهودات والتضحيات، إلا أن الشكل
الذي يتم به التعامل مع الطالب في إطار الإصلاح سجل عددا من مظاهر القصور يمكن
إجمالها في ما يلي:
- عدم إشراك الطالب في
الإصلاح وعدم وجود إستراتيجية من أجل ذلك
مما أثر على انخراطه في العمل والمشاركة في أجرأته.
- وجود تقصير كبير في
ميدان إعلام الطالب واطلاعه على مضمون الإصلاح ويتجلى ذلك في:
- عدم وجود حملة إعلامية
وطنية حقيقية للإعلام
بالإصلاح وشرح مضمونه.
- عدم اللجوء إلى الأبواب المفتوحة داخل الجامعات.
- عدم الاهتمام الجدي
بدعامات التواصل من ملصقات ومطويات ... وغير ذلك من الوسائل.
- ضعف بنيات استقبال
الطلبة في الجامعات كما يتجلى من خلال عدم إحداث خلايا ومصالح لاستقال الطلبة
وإرشادهم داخل مؤسسات الجامعة.
- عدم تعميم مراكز إرشاد
الطالب وعدم اضطلاع الموجود منها بدورها
كما يجب.
عانى
الطلبة كذلك من مشاكل تتعلق بالاضطراب
الحاصل في عملية الإصلاح منها:
- عدم
الانطلاق في وقت واحد.
- عدم دقة ووضوح شروط استيفاء
الوحدات والفصول.
- مشكل النقطة الموجبة للسقوط.
- مشكل انعدام المراقبة
المستمرة التي هي العنصر الأساس في الإصلاح وتعويضها بالامتحان الذي من المفروض أن
يكون استثناء.
- كما يعاني الطلبة من الاكتظاظ الذي يتنافى مع
المعايير البيداغوجية التي يقوم عليها الإصلاح،
ففي كلية الحقوق بفاس مثلا قسم الطلبة إلى ثلاثة أفواج يبلغ عدد كل واحد
منها 800 طالب ولست في حاجة إلى الوقوف عند الآثار السلبية التي تنجم عن مثل هذا
الوضع على كافة المستويات ومدى تأثير ذلك على المردودية والإنتاجية وعلى جودة
التكوين التي ما فتئ واضعو الإصلاح يلحون عليها. والنتائج المحصل عليها - لحد الآن- من حيث عدد الذين استوفوا الفصول أو الوحدات اللازمة كفيلة بالتعبير عن ذلك، و
هذا أمر جعل الطلبة يتحدثون منذ الآن عن الإصلاح الأعرج.
سادسا: الوسائل المادية
واللوجيستيكية
ما
فتئ الأساتذة منذ المرحلة الأولى لبناء
الإصلاح يشددون على ضرورة الاهتمام بتوفير الوسائل المادية الضرورية لإنجاز
الإصلاح،
خاصة وأن المقاييس والمعايير التي يفرضها والأهداف الموصوفة له، تتطلب مجهودا
استثنائيا في هذا الباب،
وكان الجواب الذي يقابلون به على الدوام هو أن الدولة وضعت مسألة
إصلاح التعليم في المرتبة الثانية بعد قضية وحدتنا الترابية في ترتيب
الأولويات.
واليوم، يعرف هذا الجانب عددا من مظاهر
التردي تتجلى أساسا في:
- وجود تفاوت ملحوظ من هذه الناحية بين المؤسسات القديمة والمؤسسات
الجديدة.
- هشاشة وتقادم البنيات التحتية في عدد من
المؤسسات.
- انعدام الصيانة في كثير
من المؤسسات.
- وجود قاعات ومدرجات لا
تنسجم مع مواصفات الإصلاح الجديد الذي يركز على التدريس للمجموعات الصغيرة.
- عدم وجود قاعات متخصصة كقاعات الإعلاميات وضعف
بنية المختبرات..
- قلة التجهيزات والمعدات
وخاصة بالنسبة إلى المعلوميات
والأدوات المختبرية ..
- غياب الترشيد العقلاني
للموارد لمالية …
يعتبر
البحت العلمي وسيلة لتحسين المعارف
والمهارات الضرورية للنماء والتحديث في كل بلد ويشكل استثمارا مضمونا للمستقبل
وللتنمية المستديمة.
وفي
زمن الإصلاح الجامعي، وجهت انتقادات لأسلوب تعامله مع البحت العلمي[16].
فقد اعتبر بأن القانون 00. 01 يركز كل التركيز على التكوين ويقزم دور البحت العلمي، ويتجلى ذلك في عدم تأكيده
على دور المختبر والوحدة كإطار تنظيمي. كما يتجلى في تقييده للبحث العلمي
بالمقاولة في انسجام وتناغم مع المحاولات الهادفة إلى رأسملة الجامعة وتسخيرها
لأهداف تأهيل المقاولات. ولعل أكبر
ما يجسد هذه السياسة الجنوح إلى تصنيفات متجاوزة تفرق مجالات البحت العلمي إلى بحث علمي تطبيقي وآخر أساسي
والتركيزعلى البحت
العلمي التطبيقي في أفق تسخير التعليم العالي عامة والبحت العلمي خاصة
لرغبات المقاولات التي لا تسعى إلا لتحقيق الأرباح وأغراضها الأنانية.
ولتجاوز
مثل هذه الانتقادات وحتى يكون البحت العلمي في خدمة المصلحة الوطنية، هناك ضرورة
في أن تكون للدولة سياسة واضحة ومتكاملة للبحث العلمي كأداة لتحقيق التنمية
الشاملة وأن
تكون لها استراتيجية متكاملة في هذا الباب ضمن سياسة عامة ومترابطة وهذا كله لا
يمكن أن يتأتى إلا بوجود إرادة سياسية واضحة المعالم. وللوصول إلى هذه الغايات،
لابد من البحث
في سبل استثمار أفضل
للطاقات عبر تنسيق البحت العلمي بالتنسيق بين مجموعات وفرق البحت وشبكات أقطاب
الكفاءات كما ينبغي تقنين البحت العلمي وتحيين النصوص القانونية القائمة بشأنه.
ولا
يمكن أن تكون هناك سياسة للبحث العلمي إذا لم ترصد له الوسائل المالية الضرورية
وذلك عبر الزيادة في الميزانيات المخصصة له وحذف الضرائب والرسوم المفروضة عليه، بما في ذلك، تلك المفروضة على الباحثين الجامعيين والتعاون
مع الفاعلين الاقتصاديين والاجتماعيين في هذا الباب، كما ينبغي إعادة الاعتبار للمختبر كمفهوم
وكمؤسسة ودعم المؤلفات العلمية والندوات العلمية وتطوير آليات التعاون الدولي.
[1]-
وهي من بين الإشكاليات الكبرى
التي أقرها الميثاق الوطني للتربية
والتكوين بالنسبة إلى المنظومة التربوية
ككل.
[2] - انظر مختلف الكتابات التي رافقت
انطلاق عملية الإعداد للإصلاح
وخاصة مختلف الوثائق التي أعدتها الوزارة
ووزعتها على الجامعات.
[3] - معظم الإحصائيات المدرجة في هذا المقال إحصائيات رسمية نشرتها الوزارة الوصية.
[4] - أي أن الإصلاح لم يشمل إلا المؤسسات
التي سميت ((بالجماهيرية )) في حين يشمل الإصلاح ـ رسميا ـ باقي المؤسسات. فحسب المادة 2 من القانون 00-01 ( يدرس التعليم
العالي بالجامعات وبمؤسسات التعليم العالي غير التابعة للجامعات وتوزع أصناف
التعليم بالكليات ومدارس المهندسين المسبوقة
بالأقسام التحضيرية والمدارس والمعاهد العليا ومؤسسات تكوين الأطر البيداغوجية
وتكوين التقنيين المتخصصين أو ما يماثلها).
[5] - انظر المادتين
4 و 5 من الظهير الشريف رقم 199ـ
00ـ01 بتاريخ 15 صفر 1421 (19 مايو 2000 ) بتنفيذ القانون
00-01. المتعلق بتنظيم التعليم العالي.
[6]- ( تتمتع الجامعات في إطار مزاولة المهام المسندة إليها
بالاستقلال البيداغوجي والعلمي والثقافي …
) المادة 5 من القانون 00-01.
[7] - ما فتئ المسؤولون في الجامعات يشتكون من تصرفات
المحاسبين و المراقبين الماليين كما اشتكوا من مسألة حذف الحسابات خارج
الميزانية.
[8]-
نسبة مهمة من نتائج انتقاء رؤساء
الجامعات ورؤساء المؤسسات تم إلغاؤها من طرف
السلطات العليا، مما أدى إلى إعادة
مسطرة الانتقاء من جديد.
[9]-
لم ينفع في ذلك النص في القوانين الداخلية لمجالس الجامعات على تدابير
ردعية.
[10]-
بعض الرؤساء يفرضون على مجالس الجامعات مشاريع مقررات جاهزة ويطلبون منها
المصادقة عليها.
[11]- CAPESUR
[12]- CREASUR
[13] - لا ينص عليها أي نص قانوني .
[14]-
نسبة من الجامعات لم تعمل في السنة الأولى من الإصلاح إلا بالنظام النموذجي
الذي تمت صياغته تحت إشراف الوزارة.
[15] - يخضع
الأساتذة الباحثون في الجامعة حاليا لنظام أساسي خاص تضمنه المرسوم رقم 793 .96.2 صادر في 11 من شوال 1417 ( 19 فبراير 1997 ) .
[16]-
انظر مختلف التوصيات التي صدرت عن اللقاءات الوطنية حول البحث
العلمي وكذا المواقف التي عبرت عنها
النقابة الوطنية للتعليم العالي حول الموضوع.