حقائق الاعتقاد ومقاصد الشرع في الخطاب
الرشدي
إسماعيل الحسني
ماذا يقدم فكر القدماء من عدة لا زال المحدثون والمعاصرون في
أشد الاحتياج إليها؟ تعظم فائدة هذا السؤال إذا علم المرء أنه متصل بشخصية متعددة
الأبعاد يتساكن إلى جوار الفقه والقضاء فيها الفلسفة والطب. وكلها مجالات معرفية
لا بد أن تؤثر في المقبل على دراستها ولا بد أن يتشرب الدارس لها بخصائص، لعل
أهمها وأبرزها في نظرنا: موضوعية القاضي ونزاهته، واستقامة الفقيه وأخلاقيته،
وحكمة الطبيب وتفاؤله، والحق أن ابن رشد من الشخصيات التي اجتمعت فيها هذه الخصائص
[1] فتنوعت
مساعيها الفكرية ولم تنطفئ مشاعل روحها النقدية ممارسة فقيه قرطبة وفيلسوفها
للاجتهاد وتشريحه لأسباب الاختلاف الواقع فيه[2]
ودعوته إليه. كلها أمور ما كانت لتنفذ إلى بنية فكر فريق من "الفقهاء"
وهم يجترون قيود التزمت متسترين خلف شعارات يحفظون من خلالها مصالحهم الشخصية[3]،
حتى اتهموه بالشرك. نعم كل ذلك عاشه فقيه الفلاسفة وفيلسوف الفقهاء وعالج
امتداداته في الفكر الفقهي والفلسفة والطب. وقد اخترنا في هذه المناسبة النظر في
جانبين أساسيين من فكره الفقهي يختص الأول بالعقائد ويتصل الثاني بالمقاصد التي
يستهدفها الدين الإسلامي. ونعتقد أنها من الجوانب التي لم تنل حظها من الدراسة عند
ابن رشد (ت 595هـ) مقارنة مع الجوانب الفلسفية والطبية(*).
الربوبية والألوهية، صفات الله تعالى وتنزيه، خلقه للعالم،
بعثه للرسل، الإيمان بالقضاء والقدر، العدل الولهي، اعتقادات دينية إسلامية أوضح
ابن رشد حقائقها بالانطلاق من فكر ينتهج الاستقراء كتقنية إجرائية في إثبات مقاصد
الشارع من هذه العقيدة أو تلك، ويقوم ثانيا على الشمولية كشرط ضروري في إدراك
الاتساق الذي يؤسس العلاقات البيانية بين نصوص الدين الإسلامي المختلفة.
1 – الربوبية والألوهية:
الربوبية والألوهية
حقيقتان أساسيتان من حقائق الاعتقاد الديني في الإسلام، يبين ابن رشد أولا الأساس
المنهجي لإثباتهما عند المتكلمين، ويقترح ثانيا فكرته عن الطريق التي قصد الشرع
اتباعها في الاستدلال عليهما. الفرق الكلامية وغيرها من حشوية وصوفية[4]
انحرفت بحسب فقيه قرطبة وفيلسوفها عن الطريق التي قصد الشرع حمل الجمهور من الناس
على سلوكها حتى تفضي بهم إلى إثبات "الصانع" والخالق.
1-1-الربوبية:
الحشوية باعتمادها على ظواهر الشرع والصوفية باقتصارها على
التهذيب الخلقي فرقتان منحرفتان عن "مقصود الشرع في الطريق التي نصبها للجميع
مفضية إلى معرفة وجود الله تعالى ودعاهم من قبلها إلى الإقرار به"[5].
نستنبط ذلك الطريق من غير ما آية من آيات القرآن الكريم. من ذلك قوله تعالى:
"يا أيها الناس اعبدوا ربكم الذي خلقكم والذين من قبلكم"[6]
،ومن ذلك أيضا قوله تعالى: "أفي الله شك
فاطر السماوات"[7]، ومن ذلك أيضا قوله: "ولئن سألتهم من خلق السماوات
والأرض ليقولن الله"[8]
وكلها آيات تنبه القارئ والمفكر إلى حتمية النظر العقلي والاعتبار الفكري بما في
الكون والأنفس من آيات شاهدة على خالق العالم و"صانعه". فلو لم يقصد
الشرع وجوب إعمال نتائج هذا الاعتبار واستثمار ثمرات ذلك النظر لكان وجود هذه
الآيات القرآنية عبثا يتناقض مع مفهوم الإفادة[9]
الذي يحمل عليه كل ما ورد في الشرع الإسلامي.
أما المتكلمون فلا
يتم عندهم الإقرار بوجود الله خالقا للكون وصانعا محدثا له من عدم إلا بوجود دليل
"قاطع". وأساس ذلك قائم على "بيان أن العالم حادث، وانبنى عندهم حدوث
العالم على القول بتركيب الأجسام من أجزاء لا تتجزأ وأن الجزء الذي لا يتجزأ محدث
والأجسام محدثة بحدوثه[10].
والحق أن هذا البيان هو الذي حول استدلالهم على إثبات الخالق من البرهنة على وجوده
إلى البرهنة على خلق العالم، وهكذا سار الاستدلال الكلامي وأدى به الأمر إلى الخوض
في خلق العالم واستحالة صنعه لا عن صانع، كما يقول المتكلمون، وانبنى على هذا
الخوض، كما يقرر الجويني، حديثهم المسهب عن "الشيء ومعناه والجوهر وحقيقته
والعرض وماهيته"[11].
إن طرق المتكلمين في بيان حدوث الجزء الذي لا يتجزأ وفي بيان
حدوث العالم غير يقينية من الناحية العقلية وغير شرعية أيضا من الناحية الدينية.
فطرقهم في موضوع حدوث الجزء الذي لا يتجزأ متشعبة وعويصة لا يقدر على التخلص منها
العلماء فضلا عن الجمهور. من ذلك أننا، إذا فرضنا أن العالم محدث مما يلزم أن يكون
له، ولا بد، فاعل محدث فإن هذا الغرض لا يغني عن شك مضمونه: أن هذا المحدث لا
نستطيع أن نجعله أزليا ولا محدثا، لا نقدر أن نجعل ذلك المحدث محدثا، لأنه يفتقر
إلى محدث ويمر إلى الأمر إلى غير نهاية، وذلك مستحيل ولا نقدر أيضا أن نجعله
أزليا، لأنه يجب أن يكون فعله المتعلق بالمفعولات أزليا فتكون المفعولات أزلية[12].
أما
في موضوع حدوث العالم فميز ابن رشد بين طريقتين: طريقة مشهورة بين المتكلمين مبنية
على مقدمات فاسدة في نظره[13]، وطريقة الجويني أبو المعالي المبنية على
مقدمتين: إحداهما أن العالم بجميع ما فيه جائز أن يكون على غير ما هو عليه، فعلى
سبيل المثال يجوز أن يكون العالم أصغر مما هو عليه أو أكبر مما هو عليه.. والثانية
أن الجائز محدث، وهي مقدمة مختلف في شأنها بين الفلاسفة، وإن رام الجويني بيانها
بمقدمات لا تنسق مع مقتضى قوله تعالى: "إنما قولنا لشيء إذا أردناه أن نقول
له كن فيكون"[14]،
وإذا كان هذا هو حال المقدمة الثانية فإن المقدمة الأول متناقضة مع مبدأ النظام
وغير مساوقة للنظر المقاصدي.
تنضبط الهيئة التي خلق عليها العالم بما فيه ومن فيه بنظام
دقيق يسري على جميع أجزائه ومكوناته، وإذا خلق على سبيل المثال عضو في غير مكانه،
اختل نظام الحياة الإنسانية، ويقال مثل ذلك في حركة الفلك من شمس وقمر وكواكب..
دون هذا الاعتبار يتناقض المرء مع مقصد الشرع من الخلق، فمن مقتضياته الانتباه إلى
الحكمة[15].
لذا فإننا إذا جارينا الجويني فلا يسعنا إلا أن نتساءل مع ابن رشد في قوله:
"أي حكمة تكون في الإنسان لو كانت جميع أفعاله وأعماله يمكن أن تتأتى بالعين،
والشم بالعين كما يتأتى بالأنف! وهذا كله إبطال للحكمة وإبطال للمعنى الذي سمى
(الله) به نفسه حكيما، تعالى وتقدست أسماؤه عن ذلك[16].
اليقين العقلي والشرعية الدينية في الاستدلال على الربوبية
أمران لا يتحققان بطرق المتكلمين، إذ هي طرق غير مقصودة ولا تشمل الجمهور من
الناس، الطرق المقصودة في الشريعة والشاملة للناس جميعا تقوم على الاستقراء،
فـ"إذا استقرأ الكتاب العزيز وجدت تنحصر في جنسين؛ أحدهما طريق الوقوف على العناية بالإنسان وخلق جميع
الموجودات من أجلها، ولنسم هذه دليل العناية. والطريقة
الثانية ما يظهر من اختراع جواهر الأشياء، مثل اختراع الحياة في الجماد والإدراكات
الحسية والعقل، ولنسم هذه دليل الاختراع"[17]!
فمن الآيات التي تنبه إلى دليل العناية قوله تعالى: "ألم نجعل الأرض مهادا
والجبال أوتادا" إلى قوله: "وجنات ألفافا"[18]،
ومن الآيات التي تتضمن دليل الاختراع قوله تعالى: "فلينظر الإنسان مم خلق خلق
من ماء دافق"[19]،
ومن الآيات التي تجمع بين دليلي العناية والاختراع وهي أكثر آيات القرآن الكريم،
قوله تعالى: "يا أيها الناس اعبدوا ربكم الذي خلقكم والذي من قبلكم لعلكم
تتقون الذي جعل لكم الأرض فراشا والسماء بناء وأنزل لكم من السماء ماء فأخرج به من
الثمرات رزقا لكم فلا تجعلوا أندادا وأنتم تعلمون"[20].
يقصد الشارع الاستقراء[21]
ويحمل الناس على انتهاجه، وإن تفاوتوا في درجة اعتماده واتباع نتائجه. نعم إن هذا
الطرح المقاصدي للاستقراء وارد في سياق اعتقادي[22]
يروم الاستدلال على وجود الباري سبحانه لكن لا يسع المرء الغفلة عن العقلانية
المنفعية التي يرسخها فعله الفكري لدى كل مفكر في القرآن الكريم. يبدو ذلك من
زاويتين: زاوية الفحص عن منافع جميع موجودات العالم الذي يحياه الإنسان، والتي نبه
عليها القرآن الكريم في كثير من آياته. الليل والنهار، الشمس والقمر، الحيوانات
والنباتات، وغيرها من الموجودات، القصد من
خلقها وإيجادها هو منفعة الإنسان. لذا وجب، كما يقول ابن رشد "على من أراد أن
يعرف الله تعالى، المعرفة التامة، أن يفحص عن منافع جميع الموجودات"[23]
والزاوية الثانية القبض على ما يفسر الاختراع الحقيقي في جميع الموجودات ليس
المطلوب فحسب من هذه الزاوية الاستقراء المحيط بكل منافع الموجودات، بل المطلوب
أيضا، وبالدرجة الأولى، الظفر بالقوانين التي تفسر العلاقات المختلفة بين موجودات
العالم المختلفة أو لنقل ونحن نستعير من لغة ابن رشد: أن سبيل معرفة الله هو معرفة
"جواهر الأشياء ليقف على الاختراع الحقيقي في جميع الموجودات"[24].
ليس
المهم في استدلال ابن رشد على إثبات وجود الله، انفصال أو
عدم انفصال دليلا العناية والاختراع عن أدلة المتكلمين في الحدوث والجواز[25]،
إن المهم في تقديرنا هو تقديم ابن رشد لاجتهاد عقائدي في إثبات الربوبية بقدر ما
يناسب روح الشريعة ومقصدها ومراتب الناس في تعقل نصوصها المتعلقة بإثبات الخالق
يقدم أيضا صاحبه أنموذجا متميزا في مواكبة الفقيه والمفكر في الإسلام لما يمكن أن
يعد هو الفكر العلمي في لحظة تاريخية تعيشها التجربة الإنسانية. تجسد ذلك بالنسبة إلى الأنموذج الرشدي في الفكر الأرسطي. دليل
العناية ودليل الاختراع المستنبطان من استقراء آيات القرآن الكريم منسجمان أيضا من
نظام الكون في التصور العلمي الأرسطي بالنسبة لدليل العناية ومع فكرة صنع[26]
العالم بالنسبة إلى دليل الاختراع.
1-2-الألوهية:
ذلك هو طريق إثبات الباري سبحانه، أما طريق نفي الألوهية عمن
سواه فتؤول مسالكه عند المتكلمين إلى دليل الممانعة ومبرر البحث في هذا الباب أن
ثبوت الربوبية لا يمنع منطقيا من تجويز وجود أرباب تتعدد بتعدد الطبائع في قول
الطبائعيين أو بتعدد النجوم أو الأفلاك في قول المنجمين. ومعنى الممانعة امتناع
القول بوجود إلهين لأن وجودهما معا لا يخرج عن ثلاثة أحوال عند المتكلمين[27]،
إما أن يتم مرادهما معا، أو لا يتم مراد أي منهما أو يتم مراد أحدهما دون الآخر،
فلو فرضنا أن أحدهما أراد إنزال المطر في حين أن الثاني أراد حبسه فلا شك أنه
يستحيل سريان الإرادتين، كما يستحيل انتقال الإرادتين معا، ومن تم تبقى حالة ثالثة
تتحقق من خلالها إحدى الإرادتين دون الأخرى. فالذي بطلت إرادته عاجز والعاجز نازل
عن رتبة الألوهية، وكلها أحوال توجب القوال باستحالة التثنية وتلزم الاعتقاد بوجوب الوحدانية في الربوبية.
قبل أن نعرض للطريق التي قصدها الشرع بحسب ابن رشد في إثبات
الألوهية نقدم صورة من وجوه الضعف التي يتضمنها دليل الممانعة كما استنبطه
المتكلمون من قوله تعالى: "ما اتخذ الله من ولد وما كان معه من إله إذن لذهب
كل إله بما خلق ولا علا بعضهم على بعض سبحان الله عما يصفون"[28].
فهم معظم المتكلمين اختلاف الأفعال فقط من الآية، وفهم ابن رشد منها اتفاق الأفعال
أيضا، لذا كان دليل الممانعة ضعيفا لأنه كما يجوز في العقل أن يختلف قياسا على المريدين في الشاهد يجوز أيضا أن يتفق، والاتفاق
"أليق بالإلهية من الخلاف، وإذا اتفقا على صناعة العالم كانا مثل صانعين اتفق
على صنع مصنوع"[29].
لا بد من أجل تلافي ضعف الاستدلال الكلامي من اعتماد طريق
الشرع والذي يرتسم في توجيه ابن رشد لثلاث آيات قرآنية: الأولى قوله تعالى:
"لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا"[30]،
والثانية قوله: "ما اتخذ الله من ولد وما كان معه من إله إذن لذهب كل إله بما
خلق ولعلا بعضهم على بعض سبحان الله عما يصفون"[31]،
والثالثة قوله: "قل لو كان معه آلهة كما يقولون إذن لابتغوا إلى ذي العرش
سبيلا"[32].
2 – الصفات والتنزيه:
2-1-الصفات:
الصفات الإلهية عند المتكلمين سبع: الحياة، والسمع، والبصر،
والقدرة، والإرادة، والعلم، والكلام. لئن اتفقوا في وجه اتصاف الله تعالى بالثلاثة
الأولى فإنهم مختلفون في الصفات الأربعة الأخيرة (القدرة، الإرادة، العلم، الكلام)
تبعا لاختلافهم في الصلة بين الصفة والموصوف. الأشاعرة يفرقون بينهما، وهكذا أن
الصفة كما يقول الباقلاني: "هي الشيء الذي يوجد بالموصوف أو يكون له ويكسبه
الوصف الذي هو النعت الذي يصدر
عن الصفة، فإن كانت مما يوجد تارة ويعدم أخرى غيرت حكم الموصوف وصيرته عند وجودها
على حكم لم يكن عليه عند عدمها(…) وإن كانت الصفة لازمة كان حكمها أن تكسب من وجدت
به حكما يخالف حكم من ليست له هذه الصفة، وذلك نحو حياة الباري سبحانه وتعالى(…)
وأما الوصف فهو قول الواصف لله تعالى ولغيره بأنه عالم حي قادر منعم متفضل وهذا
الوصف، الذي هو كلام مسموع أو عبارة عنه، غير الصفة القائمة بالله تعالى(…) يدل
على ذلك أمور من جهة وضع اللغة ودلالات العقول، فأما ما يدل على ذلك من جهة اللغة،
فهو أن أهل اللغة(…) قد وقفوا على أن النعوت والصفات هي الخلق والحرف والأديان
والأنساب فوجب أن يكون القول ليس بصفة لمن هو وصف له، وإنما سمى صفة مجازا وعلى معنى
أنه وصف له وأخبار عن الصفة(…) ومما يدل على ذلك من جهة المعنى أنه لو كانت الصفة
في الحقيقة ليست بمعنى أكثر من وصف الواصف وقوله: "إن زيدا عالم قادر حي لوجب
أن يكون لزيد في الحقيقة في حالة واحدة صفتان متضادتان ولوجب أن يكون حيا وميتا(…)
إذا قال بعض الواصفين له إنه حي وقال لآخر إنه ميت"[33].
أما المعتزلة فلا يفرقون بين الصفة والموصوف تبعا لقولهم
بحدوث الصفات وما يستلزمه وجوب التنزيه عندهم، فلو كان الله تعالى: "عالما
بعلم لكان يجب من علمه أن يكون مثلا لعلمنا، وفي علمنا أن يكون مثلا لعلمه تعالى،
وهذا يوجب أن يكون قديمين أو محدثين، لأن المثلين لا يجوز افتراقهما في قدوم ولا
حدوث وذلك محال"[34]
وما يقال في العلم يقال في الإرادة، وإرادة الله هي فعله ولو كان "مريدا
بإرادة قديمة لوجب أن تكون هذه الإرادة مثلا لله تعالى، لأن القدم صفة من صفات
النفس والاشتراك فيها يوجب التماثل، ألا ترى أن السواد لما كان سوادا لذاته وجب في
كل ما شاركه في كونه سوادا أن يكون مثلا له؟ ولأنه كان يجب أن يكون هذا المعنى
عالما قادرة حيا مثل القديم تعالى، لأن الاشتراك في القديم يوجب الاشتراك في سائر
صفات النفس وقد عرف فساده"[35].
يبدو أننا إذا كنا مع الأشاعرة والمعتزلة إزاء طرح كلامي آيل
إلى طبيعة العلاقة التي يعقدها المتكلم بين الصفة والموصوف، فإننا مع ابن رشد إزاء
طرح مقاصدي يعطي من خلاله هذا الفقيه الفيلسوف الأولوية إلى مراعاة مقصد الشرع في
الاعتقاد بها، وهكذا فإن مقصد الشارع من صفات الحياة، والسمع والبصر، والقدرة،
والإرادة، والعلم والكلام، كصفات كمال يستلهمها الإنسان في حياته العلمية
والعملية، هو الاكتفاء بما صرح الشرع[36]
فيها، وذلك متمثل في الاعتراف بوجودها دون تفصيل، خاصة من لدن العوام والجمهور من
الناس الذين لم يحصلوا على المعارف البرهانية.
ولا يتعضد الطرح المقاصدي إلا بالنظرة الشمولية لموضوع
المعالجة، ومن تم ندرك في يسر مغزى أن تكون صفة العلم[37]
صفة محورية في الصفات الإلهية السبع، تهيمن على الجميع وتحضر في الجميع ومنها
ينطلق في التوضيح والتبيين الخطوة الأولية في ذلك النظر الرشدي إلى مخلوقات العالم
أو مصنوعاته نظرة مقاصدية، فعلى سبيل المثال إذا نظر الإنسان إلى البيت، إذا فكر
وتأمل في مكوناته انتهى إلى أن كل عنصر من عناصره يؤدي وظيفة معينة يقصدها صاحبه
من بنائه. الأساس إنما صنع من أجل قيام الحائط عليه، والغرض من صنع الحائط بناء
السقف، وكلها مكونات وعناصر لا يصنعها إلا عالم بصناعة البناء، يستجلى من هذه
المماثلة التقريبية للصانع بالمخلوق تكون صفة العلم من جهتين: جهة ترتيب أجزاء
العالم بعضها على بعض؛ إذ كل واحد
منها صنع بحسب التعبير الأرسطي أو خلق بحسب التعبير الديني الإسلامي من أجل عنصر
لآخر، وجهة موافقة كل أجزاء العالم للمنفعة المقصودة بالشيء المصنوع، وهي خدمة
الإنسان، وتوفر هاتين الجهتين في مخلوقات العالم دليل على صفة العلم كصفة من صفات
الكمال[38]
التي صرح القرآن الكريم بوصف الله تعالى بها.
يظهر، انطلاقا من صفة العلم، اتصاف الله تعالى بالصفات
الباقية الأخرى من الحياة والإرادة والقدرة والسمع والبصر والكلام، الحياة ظاهر
وجودها من صفة العلم، بل هي شرط من شروط العلم، وكذلك الإرادة، لأن من شرط صدور
الشيء عن "الفاعل" العالم أن يكون مريدا له وقادرا عليه في كل الأوقات
والأمكنة لقوله تعالى: "إنما قولنا لشيء إذا أردناه أن نقول له كن
فيكون"[39].
أما السمع والبصر فيقتضي اسم المعبود والإله اتصافه بهما، وإذ من العبث أن يعبد
الإنسان من لا يدرك أنه عابد له، كما قال تعالى: "يا أبت لم تعبد ما لا يسمع
ولا يبصر ولا يغني عنك شيئا"[40]
وثبتت أيضا لله تعالى صفة الكلام من صفة العلم والقدرة، فبالكلام يدل المتكلم
المخاطب على العلم الذي عنده، وشرط ذلك بالنسبة إلى
الإنسان
أن يكون الكلام بواسطة، وإذا كان هذا هكذا، كما يقرر ابن رشد: وجب أن يكون هذا
الفعل من الله تعالى في نفس من اصطفى من عباده بواسطة ما، والواسطة كما تكون لفظا
تكون ملك كما تكون أيضا وحيا أو فعلا في السامع ينكشف له بذلك المعنى، بل قد تكون
"بواسطة لفظ يخلفه الله في سمع المختص بكلامه سبحانه، وإلى هذه الأطوار
الثلاثة الإشارة بقوله تعالى[41]:
"وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيا أو من وراء حجاب أو يرسل رسولا فيوحي
بإذنه ما يشاء"[42].
2-2-التنزيه:
لئن لم يختلف المتكلمون في الاستدلال على حقيقتي الربوبية
والألوهية فإنهم اختلفوا اختلافا كبيرا فيما يلزم عن الألوهية، كيف السبيل إلى
القبض عليها بالنواجد، والقرآن الكريم طافح بمثل هذه الآيات: "ويحمل عرش ربك
فوقهم يومئذ ثمانية"[43]
و"يدبر الأمر من السماء إلى الأرض ثم يعرج إليه في يوم كان مقداره ألف سنة
مما تعدون"[44]؟
ليس غرضنا من هذا الموضوع الاستعراض التفصيلي لآراء المتكلمين في هذا الإشكال
ولكننا نشير ونحن نستعير من كلام الباحث النابه سعيد بنسعيد العلوي "إلى أنها
ألزمت المتكلمين بالتزام رأي واضح في مسألتين اثنتين: مسألة التأويل، تأويل ما
تشابه من الآيات أو أشكل منها في معنى التنزيه، ومسألة الرؤية، رؤية الله بالأبصار
يوم القيامة لما يتعلق بها من "حرج" بين ما يقضي به العقل وما يلزم به
النقل"[45].
ليس التأويل هو المنطلق الأساسي في التعامل مع هذه الأشكال
عند ابن رشد، وذلك لسببين: أحدهما تفاوت وتفاضل مدارك الناس ومعارفهم، والثاني ما
يؤدي إليه تأويل أمثال تلك الآيات من مساوئ عند فريق من المسلمين، وهم الجمهور
والتي لا تخرج عن أحد مآلين: "إما أن يسلط التأويل على هذه وأشباه هذه في
الشريعة، فتتمزق الشريعة كلها وتبطل الحكمة المقصودة منها، وإما أن يقول في هذه
كلها إنها من المتشابهات، وهذا كله إبطال للشريعة ومحو لها من النفوس"[46]
المنطلق الأساسي عند فقيهنا وفيلسوفنا الأندلسي مراعاة مقصد الشرع الذي لا يتأتى الإحاطة
به دون استيعاب ما نصت عليه نصوصه، وشرط الاستيعاب الأساسي إدراك العلاقات
الاتساقية المؤسسة لمعانيها، طريق ذلك مرة أخرى الاستقراء وما يحمل عليه هذا الفعل
النظري من تصفح لجزئيات النصوص وتتبع واع لمعانيها التفصيلية. وعليه نقول مع ابن رشد: "ما من منطوق به في الشرع مخالف بظاهره
لما أدى إليه البرهان، إلا إذا اعتبر الشرع وتصفحت سائر أجزائه، وجد في ألفاظ
الشرع ما يشهد بظاهره لذلك التأويل أو يقارب أن يشهد"[47].
التنزيه
والتقديس وما يلزم عن ذلك من نفي صفات المخلوق عن الله تعالى، كل ذلك مستنبط مما
صرح به الشرع في نصوصه المختلفة، قال تعالى: "ليس كمثله شيء وهو السميع
البصير"[48]،
إذا نصت الآية على نفي المماثلة بين الخالق والمخلوق، فإن فهم مقصد الشارع منها في التنزيه
لا يكتمل ولا يحصل إلا باستحضار آية أخرى، تشكل برهان هذه المباينة، وهي قوله
تعالى: "أفمن يخلق كمن لا يخلق"[49]،
ولا يفهم برهان هذه الآية إلا بربطها أيضا بآيات أخرى تصرح بنفي صفات المخلوق عنه،
من ذلك الموت، كما في قوله تعالى: "وتوكل على الحي الذي لا يموت"[50]،
ومن ذلك النوم وما دونه من الغفلة والسهو، كما في قوله تعالى: "لا تأخذه سنة
ولا نوم"[51]،
ومنها النسيان كما في قوله تعالى: "علمها عند ربي في كتاب لا يضل ربي ولا
ينسى"[52]
ومقصد الشارع من هذا النفي هو حفظ نظام العالم بما فيه من موجودات فلا يتخللها
اختلال ولا فساد، وهو ما صرحت به كأبي المعالي ومن اقتدى بقوله"، كما يقول
ابن رشد[53]
لا مناص بحسبه من إثباتها بظواهر الشريعة، كما في قوله تعالى: "ويحمل عرش ربك
فوقهم يومئذ ثمانية"[54]،
وقوله: "يدبر الأمر من السماء إلى الأرض ثم يعرج إليه في يوم كان مقداره ألف
سنة مما تعدون"[55].
لا يعني اقتضاء إثبات الجهة في الشريعة لا تأويلها ولاعتبارها من المتشابهات[56].
لا نخوض في التأويل حتى لا يصبح الشرع كله مؤولا. ولا نعتبرها من المتشابهات حتى
لا يعود الشرع كله متشابها، لأن التشابه، وهو قليل في الشريعة أكثره إعلام عن
أشياء في الغيب لأمثال لها في عالم الحس والشهادة، وذلك هو المغزى من التعبير
الشرعي عنها بالشواهد الحسية التي أقرب لإدراكات الناس، خاصة الجمهور منهم.
أما الرؤية فتراوح مواقف المتكلمين بين إثباتها عند الأشاعرة
وبين نفيها عند المعتزلة منهم[57]،
لا يجب بالنسبة إلى ابن رشد
العدول عما صرح الشرع في شأنها إذ ثبت فيه رؤية المؤمنين لله تعالى، كما في قوله:
"وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة"[58]
دون الأخذ بهذا القول يعرض الناس، خاصة الجمهور منهم شكوك وشبهات لا تليق بالتنزيه
المطلق للذات الإلهية، ليس المطلوب هو النفي كما ذهب المعتزلة لأنه مناقض للمنقول
وللمعقول وليس المطلوب في إثبات الرؤية الاستدلال عليها بحجج "مرائية"
أو كاذبة كما ذهب الأشاعرة[59].
المطلوب هو الوقوف عند ما صرح به الشرع، وإذا استدل على
الرؤية استدلالا عقليا فلا يصرح بنتائجه للجمهور من الناس، لأن الإدراكات
والتخيلات متفاوتة متفاضلة، ومن تم يجب كما قال ابن رشد: "أن يوقف عند حد
الشرع في آية أخرى: "إن الله يمسك السماوات والأرض أن تزولا ولئن زالتا وإن
أمسكها من أحد من بعده"[60].
تلك صفات للمخلوق صرح الشرع بنفيها عن الخالق وأوضح مقصده من
النفي، لكن ثمة صفات أخرى هي إلى التصريح بإثباتها في الشرع أقرب منها إلى النفي،
من ذلك أن الشرع صرح في غير ما آية بالوجه واليدين، هل الموقف هو التفريط كما ذهب
"الحشوية" أم الموقف هو الإفراط، كما ذهب "المعطلة"[61]
أم الموقف هو أنها من الصفات المشتركة بين الخالق والمخلوق إلا أنها في الخالق أتم
وجودا ومن تم يقول أكثر "الحنابلة"[62]
على سبيل المثال إنه جسم لا كسائر الأجسام".
الموقف الرشدي هنا ظل متشبثا بقصدية الشارع عدم التصريح في
صفة الجسمية بنفي ولا إثبات[63]
لقوله تعالى: "ليس كمثله شيء وهو السميع البصير"، ودليل القصدية بالنسبة
إلى الجمهور هو عدم تصريح الشرع بكون النفس
جسما. كما في آية آخرى: "ويسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربي وما أوتيتك
من العلم إلا قليلا" (سورة الإسراء: 85) وإذا اضطر المرء إلى الجواب في هذه
النقطة فليجب بجواب الشرع كما في قوله تعالى: "الله نور السماوات
والأرض" (سورة النور: 35) يحضر هذا الموقف أيضا في مسألتي الجهة والرؤية ينزه
الأشاعرة الله تعالى عن الجهة لما يلتزم عنها في نظرهم من نقص لأنه لا يتحيز، إلا
ما كان جوهرا أو جسما مؤلفا كما نفاها المعتزلة ثم "تبعهم على نفيها متأخرو
الأشعري نحو التعليم الذي خص به صنفا صنفا من الناس وألا يخلط التعليمان كلاهما،
فتفسد الحكمة الشرعية النبوية، ولذلك قال عليه السلام: "إنا معشر الأنبياء
أمرنا أن ننزل الناس منازلهم، وأن نخاطبهم على قدر عقولهم، ومن جعل الناس شرعا
واحدا في التعليم، فهو كمن جعلهم شرعا واحدا في علم من الأعمال. وهذا كله خلاف
المحسوس والمعقول"[64].
3 – الأفعال:
خلق العالم، بعثة الرسل، العدل الإلهي، القضاء والقدر كلها
من الاعتقادات الدينية التي أدرجها ابن رشد ضمن أفعال الله تعالى.
3-1-خلق العالم وحدوثه:
إن البرهنة على حدوث العالم واردة عند المتكلمين في سياق
الاستدلال على وجود الله تعالى خالقا للكون وصانعا محدثا له من عدم. ومن ثم تأصيل
القول وتفصيل النظر في الشيء ومعناه، والجوهر وحقيقته، والعرض وماهيته، لينتهوا من
كل ذلك إلى القول بحدوث العالم: "فما دامت الأعراض حادثة والجواهر حادثة وما
دام العالم لا يخرج عن الجواهر والأعراض فإن
العالم حادث وجوبا"[65].
ليس هذا هو المدخل الذي اعتمده ابن رشد في عرض حقيقة خلق العالم، لقد اختار مدخلا
يمكن أن نصفه في تقديرنا بالمدخل المقاصدي الذي يقصد الشارع فيه لوازم العقلانية
من استقراء وتتبع ونظام وحرص دؤوب على ربط الأسباب بالمسببات.
منطلق المدخل المقاصدي هنا أن المقصد الشرعي من معرفة خلق
الله تعالى العالم هو إدراك "الصنعة"، إذ العالم مصنوع لم يوجد عن
الصدفة والاتفاق طريق ذلك في الشريعة استقراء آيات القرآن الكريم التي تضمنت دليل
العناية. يلاحظ المتتبع لمخلوقات العالم التي سخرها الله تعالى في القرآن الكريم
للإنسان أنها "من قاصد قصد(…) ومريد أراد(…) وهو الله عز وجل"[66].
وفي ذلك مزيد تمكين لما قصده الشارع من عقلانية تحمل الناس على وجوب الأخذ بالنظام
وربط الأسباب بالمسببات وفي ذلك دحض للتجويز الأشعري الذي يجيز الشيء ونقيضه ويسلب
من الأسباب تأثيراتها في المسببات، وهو ما رأى فيه ابن رشد مناقضة للحكمة المقصودة
من معرفة خلق الله تعالى للعالم، فمتى، كما يقول
ابن رشد "لم يعقل أن هاهنا أوساطا بين المبادئ والغايات في المصنوعات ترتب
عليها وجود الغايات لم يكن هاهنا نظام ولا ترتيب، وإذا لم يكن هاهنا نظام ولا
ترتيب لم يكن هاهنا دلالة على أن لهذه الموجودات فاعلا مريدا عالما، أن الترتيب
والنظام وبناء المسببات على الأسباب هو الذي يدل على أنها صدرت عن علم وحكمة، وأما
وجود الجائز على أحد الجائزين فيمكن أن يكون عن فاعل غير حكيم"[67].
خلق العالم أمر محدث ينتهي إليه النظر الكلامي، ومنه نظر
المتكلمين الأشاعرة، لكن ما قول ابن رشد في فلاسفة الإسلام كأبي نصر الفارابي وابن
سينا؟ فإن أبا حامد قد قطع في كتابه "تهافت الفلاسفة" في القول بقدم
العالم؟ "الحقيقة" عند صاحبنا أنه "ليس محدثا حقيقيات ولا قديما
حقيقيا، فإن المحدث الحقيقي فاسد ضرورة والقديم الحقيقي ليس له علة"[68].
نعم هو موجود بين طرفين أحدهما موجود وجد من شيء غيره وعن شيء، أي عن سبب فاعل ومن
قاده، والثاني موجود لم يكن من شيء ولا عن شيء ولا تقدمه زمان، وهو الله تبارك
وتعالى، "ولكنه موجود عن شيء: أعني عن فاعل، وهذا العالم بأسره"[69].
قدم العالم وحدوثه قولان غير متقابلين، لأن في القول بالقدم
تغليب لما فيه من شبه القدم على ما فيه من شبه المحدث من جهة، وفي القول بأنه محدث
تغليب لما فيه من شبه المحدث على ما فيه من شبه القدم، لذا لا يحق للغزالي تكفير
القائل بأحد القولين، لأنها مسألة اجتهادية لا يعدم المجتهد دليلها من الشرع القول
بكل من القدم والحدوث مستند إلى استقراء ظواهر الآيات الواردة في الإنباء عن إيجاد
العالم، "وذلك أن قوله تبارك وتعالى: "وهو الذي خلق السماوات والأرض في
ستة أيام وكان عرشه على الماء" يقتضي بظاهره أن وجودا قبل هذا الوجود وهو
العرش والماء، وزمان قبل هذا الزمان، أعني المقترن بصورة هذا الوجود الذي هو عدد
حركة الفلك، وقوله تعالى: "يوم تبدل الأرض غير الأرض والسماوات" يقتضي
بظاهره أن وجودا ظاهرا بعد هذا الوجود، وقوله تعالى: "ثم استوى إلى السماء،
وهي دخان" يقتضي بظاهره أن السماوات والأرض خلقت من شيء"[70].
3-2-بعثة الرسل:
أما النظر في بعثة الرسل، فيتحدد عند ابن رشد في موضعين
أحدهما في إثبات الرسل والثاني في برهان الرسالة، نعني به ما يبين الشخص الذي يدعي
الرسالة أنه واحد منهم وغير كاذب في دعواه. لا يخفى على المهتم في هذا الباب أن
أول خصوم المتكلمين في هذه المسألة هم فرق البرهمية. إبطالهم للنبوة هو في العمق
إبطال للشريعة من أساسها. ومن أدلتهم على نفي النبوة أن "الرسول من جنس
المرسل إليه، وأن جوهر هما واحد، وتفضيل أحد المتساويين المتماثلين على مثله ونوعه
ومن هو بصفته حيف ومحاباة وميل وخروج عن الحكمة، وذلك غير جائز على القديم"[71]. وإذا ثبت عدم جواز ذلك من الله فإنه يكون أقل جوازا وأبعد
استحالة وتعذرا أن يكون الرسول من غير جنس المرسل إليه، دليل ذلك ما يحدث في
عالمنا المحسوس والمشاهد فإذا "وجدنا الرسول في الشاهد والمعقول من جنس
المرسل، فلما لم يجز أن يكون القديم من جنس المخلوق ثبت أنه لا
يجوز أن يرسل رسولا إلى خلقه"[72].
تعددت ردود المتكلمين على البراهنة واتخذت صورا استدلالية
متنوعة، منها بيان تناقض منطقهم وتهافته، إذ كيف يسلم بإله حي قادر على كل شيء،
ويحال منه أمور بعينها، كبعثة الرسل. فإذا ثبت أن الله متكلم ومريد ومالك لعباده
وجائز على المتكلم المريد لأمر عباده في الشاهد أن يبعث رسولا إلى عباده
المملوكين، فوجب أن يكون ذلك ممكنا في الغاب"[73]. يرجع المتكلم الأشعري إلى التجربة والمشاهدة وجريان العادة
للاستدلال على إثبات النبوة، فهذا الجويني يقول: "إذا تصدر ملك للناس وتصدر
لتلج عليه رعيته واحتفل الناس واحتشدوا(…) انتصب واحد من خواص الملك وقال: معاشر
الإشهاد قد حل بكم أمر عظيم وأظلكم خطب جسيم، وأنا رسول الملك إليكم ومؤتمنه لديكم
ورقيبه عليكم ودعواي هذه بمرأى من الملك ومسمعه، فإن كنت، أيها الملك صادقا في
دعواي فخالف عادتك وجانب سجيتك وانتصب في صدرك وبهوك ثم اقعد ففعل الملك ذلك على
وفق ما ادعاه ومطابقة هواه، فسيتيقن الحاضرون على الضرورة تصديق الملك وينزل الفعل
الصادر منه منزلة القول المصرح بالتصديق"[74].
لئن لاءم هذا الاستدلال الكلامي جمهور الناس فإنه لا يخلو من
اختلالات متعددة عرض لها ابن رشد، نكتفي بواحد منها فقط، إن تصديق مدعي الرسالة لا
يصح إلا إذا علمنا أن العلامة التي ظهرت عليه هي علامة الرسل للملك. لا يقال إن
وجود الرسل يدل عليه العقل، لكون ذلك جائز عقلا، إذ هذا الجواز جهل، والجواز
العقلي هو الذي يستمد صدقه من الموجودات كالقول أن المطر جائز أن ينزل وأن لا ينزل[75]، لكن ما هو السبيل الذي اعتمده ابن رشد بعد أن ضعف مسلك المتكلمين
سواء في اعتمادهم دلالة المعجز على وجود الرسالة أو في تعيين الله تعالى الشخص
المرسل بها؟
السبيل الرشدي في بعثة الرسل هو الانطلاق من الكتاب: القرآن
الكريم[76]، حال الرسول صلى الله عليه وسلم في هذا الكتاب شاهد على عدم
بناء دعوى نبوته ورسالته على خارق من خوارق الأفعال. إن وجوه إعجاز القرآن الكريم
مختلفة من العلماء من رآها في القول بالصرف أعني بمنع الناس عن أن يأتوا بمثله[77]،
ومنهم من رآها في النظم ونعني بذلك كما قرر الباقلاني، نظم الحروف "وأحكام
رصفها وكونها على وزن ما أتى به النبي صلى الله عليه وسلم"[78].
نعم إنها وجوه صحيحة في بيان إعجاز القرآن الكريم لكنها لا
تنهض وحدها في الاستدلال على صدق نبوة محمد صلى الله عليه وسلم المطلوب أولا وقبل
كل شيء التأصيل القرآني لصدق النبوة المحمدية. ينتهي مستقرئ القرآن الكريم إلى
استنباط أصلين قصدهما الله تعالى في كثير من الآيات: يمكن أن نسمي الأول بالأصل
التاريخ الذي نبه عليه القرآن الكريم من ذلك قوله تعالى: "إنا أوحينا إليك
كما أوحينا إلى نوح والنبيئين من بعده وأوحينا إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب
والأسباط وعيسى وأيوب ويونس وهارون وسليمان وآتينا داود زبورا ورسلا قد قصصناهم
عليك من قبل ورسلا لم نقصصهم عليك وكلم الله موسى تكليما"[79]،
ومن ذلك أيضا قوله تعالى: "قل ما كنت بدعا من الرسل"[80].
ويضاف إلى هذه الآيات أنه قد ثبت عن طريق الأخبار المتواترة[81]
وجود أشخاص يضعون شرائع هي وحي من الله، شرائع لا يمكن أن تدرك بالتعلم والاكتساب.
أما الأصل الثاني فيمكن أن نسميه بالأصل البرهاني، ومعناه أن
محمد صلى الله عليه وسلم جاء بالوحي دليلا على نبوته ورسالته، من ذلك قوله تعالى:
"يا أيها الناس قد جاءكم برهان من ربكم وأنزلنا إليكم نورا مبينا"[82]
، ومن ذلك أيضا قوله: "لكن الراسخون
في العلم منهم والمومنون يؤمنون بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك"[83]
ووجوه الإعجاز القرآني الدالة دلالة قطعية على نبوة محمد صلى الله عليه وسلم ثلاث[84]:
أولها ما تضمنه من الشرائع العلمية والعملية التي لا تدرك بالتعلم والثاني ما
تضمنه من الإعلام بالغيوب[85]
والثالث خصوصية نظمه التي لا تكتسب بالفكر وإعمال الاجتهاد.
صفوة القول في استدلال ابن رشد على بعثة الرسل خصوصية وتميز
البعثة المحمدية، وأبرز ما تختص وتتميز به أن المعجزة القرآنية فيها لا تختص بفريق
من الناس[86]،
دون غيرهم بل تشملهم جميعا، الشمول هنا هو مقصد الشرع في التعليم توصل إليه ابن
رشد بالاستقراء وقد أفضى به هذا الطريق إلى القول: "إن الأقاويل الشرعية
المصرح بها في الكتاب العزيز للجميع لها ثلاث خواص دلت على الإعجاز: إحداها أنه لا
يوجد أتم إقناعا وتصديقا للجميع منها، والثانية أنها تقبل النصرة بطبعها إلى أن
تنتهي إلى حد لا يقف على التأويل فيها، إن كانت مما يقبل التأويل.. والثالثة أنها
تتضمن التنبيه لأهل الحق على التأويل الحق"[87].
3-3-العدل الإلهي:
لا يكون العدل الإلهي بحسب المعتزلة إلا بالتكليف ولا يتحقق
معناه الكامل عندهم إلا بشروط ثلاثة: أولها الوعد والوعيد الذي يستوجب على الله
بمقتضاه أن يجازي المسيء وأن يثيب المحسن، وثانيهما أن يريد الله صلاح ما فيه
العباد، وأن يرى منه ما كان الأصلح، وثالثها أن
يكون الحسن والقبح ذاتيان في الأشياء فيحسن الشرع ما كان حسنا في ذاته ويقبح ما
كان قبيحا في ذاته، أما الأشاعرة فلهم تصور مغاير للعدل الإلهي يبطلون به شروط
العدل كما وضعها المعتزلة الإرادة الإلهية شاملة، لأنه كما قال الباقلاني "لو
كان الفاعل لهذه الأسباب قادرا عليها بقدرة تقارنها لصح أيضا أن يقدر على أضدادها
بدلا من القدرة عليها بقدرة تقارنا(…) ولو صح أن العبد يقدر على تحريك ما قرب منه
من الأجسام وعلى تمكينه بغير سبب لصح أن يقدر على تحريك الجسم وتسكينه بغير سبب،
إذا كان هو بمدينة السلام والجسم بأقصى خراسان ولو صحت قدرته على ذلك لصحت قدرته
على ذلك في سائر الأجسام، ولم يكن بعضها أولى من بعض"[88]،
وإذا لم يصح ذلك منه كان ذلك دليلا على فساد القول بشروط العدل الاعتزالية.
يبطل القول بأن الحسن والقبح معنيان ذاتيان يقومان في
الأشياء دليل ذلك أن كلا "بحسب غرضه يطلق اسم الحسن والقبح، بل يقتل ملك من
الملوك فيستحسن فعل القاتل جميع أعدائه ويستقبحه جميع أوليائه(…) والإنسان قد يطلق
اسم القبيح على ما يخالف غرضه وإن
كان يوافق غرض غيره ولكنه لا يلتفت إلى الغير"[89]
وتبطل أيضا دعوى الصلاح ورعاية الأصلح بمثال مشهور عند الأشاعرة، كثيرا ما يورده
الغزالي في كتبه يتعلق الأمر بالصبيان الثلاثة وإيجاب النار على أحدهم، لأنه بلغ
ومات على الكفر. وجعل مرتبة أحد الآخرين دون الأخرى: لموت الأول منهما في الصبا،
ولوصول الثاني منها مرحلة البلوغ والتكليف وموته على الإيمان. والمقصد الأساسي من
المثال الغزالي أن يظهر على القطع أن الأصلح للعباد ليس بواجب ولا هو
بوجود"(1).
ويبطل أخيرا وجوب الوعد والوعيد، لأن هذا الشرط يظهر بحسب
الأشاعرة إلحاق المعتزلة معنى الظلم بالله تعالى، والحال أن الظلم منفي عن الله
تعالى ولا متعلق له به، الظلم "إنما يتصور ممن يمكن أن يصادف فعله ملك غيره،
ولا يتصور ذلك في حق الله تعالى أو يمكن أن يكون عليه أمر فيخالف فعله أمر غيره(…)
فمن لا يتصور منه أن يكون تحت أمر غيره كان الظلم مسلوبا عنه لفقد شرطه المصحح
له"(2).
المنطلق عند ابن رشد في العدل ليس مجرد الجدل النظري وإيقاع
المخالف المتكلم، أشعريا كان أو معتزليا في المغالطة والتهافت، بل هو فضلا عن
تشنيع مذهب المتكلم(3) الانطلاق من نصوص القرآن الكريم، وذلك في اتجاهين: اتجاه
الظفر باتساق أطرافها واتجاه الوقوف على مقصد الشرع في مقرراتها نصوص القرآن تصف
الله تعالى بالقسط وتنفي عنه الظلم قال تعالى: "شهد الله أنه لا إله إلا هو
والملائكة وأولوات العلم قائما بالقسط"(4)، وقال أيضا: "وما ربك بظلام
للعبيد"(5). ولا يتأتى الحفاظ على اتساق الآيات، كما لا يمكن الوقوف على مقصد
الشرع فيها إلا إذا سلمنا بماينة عدل الله تعالى لعدل المخلوقين. فهؤلاء يعدلون
ليستفيدوا بالعدل خيرا في أنفسهم، ولم لم يعدلوا لم يوجد لهم ذلك الخير. أما الله
تعالى فيعدل لا لأن ذاته تستكمل بذلك العدل، "بل لأن الكمال الذي في ذاته
اقتضى أن يعدل"(1).
يمكن، انطلاقا من هذه المباينة، أن يقدم الفقيه والمفكر في
الشريعة بناء تتسق من خلاله نوعان من الآيات القرآنية: أولها آيات تصرح أن الله
تعالى يضل من يشاء ويهدي من يشاء كما في قوله تعالى: "فيضل الله من يشاء
ويهدي من يشاء"(2) وقوله: "ولو شئنا لآتينا كل نفس هداها"(3)
والنوع الثاني آيات تصرح بنفي الظلم عن الله تعالى منها: "إن الله لا يظلم
الناس شيئا"(4) ومنها قوله أيضا: "وإذا أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم
ذرياتهم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا: بلى شهدنا أن تقولوا يوم القيامة
إنا كنا عن هذا غافلين"(5).
إن مقصد الشرع من الآيات التي تقرر إضلال الله لعبيده
وهدايته لهم مستمد من الحكمة الإلهية، الحكمة اقتضت بحسب ابن رشد خلق صنفين من
المخلوقات، صنف مهيئ بطباعه للضلال وصنف مهيء أيضا بطباعه للهداية، لذا ندرك السر
في قصد الشارع من تنصيصه على النوعين السابقين من الآيات، والذي يتمثل كما قال ابن
رشد في تفهيم الأمر على ما هو عليه الجمهور(…) وذلك أنهم احتاجوا أن يعرفوا بأن
الله تعالى هو الموصوف بالعدل وأنه خالق كل شيء، الخير والشر لمكان ما كان يعتقد
كثير من الأمم الضلال: أن ههنا إليهن: إلها خالقا للخير وإلها خالقا للشر، فعرفوا
أن خالق الأمرين جميعا"(6).
3-5-القضاء والقدر:
اختلف المتكلمون في القضاء والقدر. رأى المعتزلة منهم أن
الإنسان حر في أفعاله، اكتسابه لها هو مناط كل عقاب وثواب وسبب كل مسؤولية.
والجبرية منهم رأوا أن الإنسان مجبور ومقهور على أفعاله، ورام الأشعرية منهم إلى
قول وسط بين المعتزلة والجبرية، فقالوا كما يحكي ابن رشد: "إن للإنسان كسبا،
وإن المكتسب به والمكسب مخلوقان لله تعالى"(1). منطلق ابن رشد في معالجة هذه
المسألة العويصة هو التشوف إلى مقاصد الشرع من القضاء والقدر.
ينبهنا ابن رشد في هذا السياق إلى ضرورة وحتمية الوعي
بالاختلاف في مذاهب المتكلمين المتصلة بالقضاء والقدر. منشأ الاختلاف فيها هو
التعارض الظاهري المنتشر في النصوص الشرعية وفي الأدلة العقلية. شطر منها يفيد
حرية الإنسان ومسؤوليته منذ ذلك قوله تعالى: "وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت
أيديكم"(2)، والشطر الآخر يفيد أن الإنسان مجبور على أفعاله من ذلك قوله
تعالى: "ما أصاب من مصيبة في الأرض ولا في أنفسكم إلا في كتاب من قبل أن
نبرأها إن ذلك على الله يسير"(3). فالقول بالحرية يستوجب أن ثمة أفعال لا
تجري على المشيئة الإلهية، وذلك متناقض مع ما أجمع عليه المسلمون من أنه لا خالق
إلا الله. والقول بالجبرية يستلزم التكليف بما لا يطاق، وهو مناقض لقوله تعالى:
"يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر"(1).
اختلاف المتكلمين آيل إلى عدم التفاتهم إلى مقصد الشرع من
الاختلاف الوارد في القضاء والقدر. مقصد الشرع هو الجمع التوسطي بين اعتقادي الجبر
والحرية المنصوصين في الشريعة والمستنبطين من العقل. إن الله تعالى خلق للإنسان
قوى يقدر بها على اكتساب الأشياء وأضدادها ولا يتحقق الاكتساب إلا إذا أتى الإنسان
بالأسباب التي سخرها الله تعالى في العالم المحيط به، ومن تم إن الأفعال المنسوبة
للإنسان تتم بالقوى التي خلقها الله فيه من جهة، وتحصل بموافاته الأسباب التي
سخرها الله من خارج من جهة أخرى، وهي المعبر عنها بقدر الله تعالى: "إنا كل
شيء خلقناه بقدر"(2) بكلام آخر تجري الأفعال المنسوبة للإنسان على هدي قدر
محدود أو نظام محدود و"النظام المحدود(…) هو القضاء والقدر الذي كتبه الله
تعالى على عباده، وهو اللوح المحفوظ"(3).
إذا استحضر الفقيه والمفكر هذا المقصد التوسطي انتفى عن ذهنه
التعارض الظاهري بين النصوص والأدلة نعم إنه مقصد مبني على أن ثمة أسباب فاعلة
لمسببات مفعولة، لكنه لا يتناقض مع ما اتفق عليه جميع المسلمين من أن لا فاعل إلا
الله والشاهد على ذلك أمران ما ركب الله في الموجودات من الطبائع والنفوس والثاني
ما أحاط بالطبائع والنفوس من موجودات من خارج(4).
ثانيا: مقاصد الشرع
الحاصل من هذا العرض التحليلي لعقائد الدين الإسلامي أننا
إزاء أسلوب في بناء حقائق الاعتقاد وبسطها لا يعتمد ابن رشد في بنائه على مماثلة
الشاهد للغائب، لأنه أسلوب المتكلمين، وهو غير صالح في نظره إلا في حالة واحدة،
وهي استواء طبيعة الشاهد والغائب، لذا سلط عليه سهام نقده(1)، وقدم أسلوبا في
الاستدلال على عقائد الإسلام يقر أولا بمباينة معطيات الحس والشهادة لحقائق الآخرة
والغيب، ويتقصد ثانيا الكشف عن مقاصد الشريعة في العقائد الدينية، حتى كان الأحرى
والأولى بابن رشد أن يسمي كتابه الكشف عن مناهج الأدلة" بـ"الكشف عن
مقاصد الشريعة في عقائد الملة"، وما ذلك في نظرنا إلا لأن هذه العقائد تستمد
حقانيتها من نشاط تقصيدي لنصوص الشريعة من جانب أول، والاتساق الذي يتفاوت في
إدراكه وبنائه بحسب الجهد المبذول في التتبع والاستقصاء قبل الإفضاء إلى
الاستنباط.
استقراء آيات الكتاب العزيز المنبهة على النظر والاعتبار بما
في الأنفس والعوالم الكونية يفضي بحسب ابن رشد، إلى استنباط جنسين من الأدلة يمكن
اعتمادهما في الاستدلال على إثبات الخالق، أحدهما دليل العناية والثاني دليل
الاختراع، كما ـن هذا الاستقراء موصل إلى الانطلاق من الآيات القرآنية في إثبات
حقيقة الألوهية. والحق أن التمكين لتقنية الاستقراء ترسيخ لعنصر الاتساق في العالم
وفي الشريعة، ولا يحمل الاتساق على مجرد الإفادة من الشريعة ومن العالم الخارجي،
بل يحمل أيضا القول بالنظام فيهما. الإفادة من كل ما تصرح به الشريعة إذ لا لغو
فيها ولا عبث، والإفادة من المنافع التي يطفح بها العالم الخارجي للإنسان لأنه
مسخر لخدمته. والنظام الذي ينبهنا إلى ضرورة الأخذ بالأسباب والمسببات.
استقراء الآيات القرآنية والنصوص الحديثية في موضوع الصفات
طريق ناجع في إدراك اتساق مقاصد الشرع منها والاتساق هو الذي مكن ابن رشد من
الحفاظ على تنزيه الله تعالى دون تعطيل ولا تجسيم، كما أنه لا سبيل للوقوف على
مقصد الشريعة من إثبات بعثه الرسل دون استقراء الآيات القرآنية، سواء تلك المتصلة
بتاريخ الأنبياء والرسل أو المتعلقة بنوع البرهان أو المعجزة التي يستدل بها على
صدق نبوتهم ورسالتهم، والمستنبط من هذا الاستقراء بالنسبة للبعثة المحمدية أن مقصد
الشارع منها هو شمول خطاب القرآن فيها للناس جميعا وإن تفاوتت مراتبهم الإدراكية
والتعقلية.
اتساق النظام في صنعة العالم هو المقصد الشرعي من معرفة خلق
العالم عند ابن رشد، وبدون الوعي بهذا المقصد لا يقدر المرء على ربط الأسباب
والمسببات التي صنع وفقها هذا العالم، أما الخوض في مسألة القدم والحدوث في خلق
العالم فلا يتناولها إلا الراسخون من العلماء الذين يميزون بين عالم الغيب وعالم
الشهادة ومن ثم لا يقعون في أخطاء مرجعها قياس الحدوث والقدم الموجودان في عالم الحس
والشهادة على ما يوجد في عالم الغيب.
والاتساق أيضا هو الذي يحكم أدلة الشريعة في عقيدتي القضاء
والقدر، والعدل الإلهي. فاستقراء الآيات والأحاديث بالنسبة للعدل الإله يفضى إلى
أن مقصد الشريعة تعليمي يروم تفهيم الناس جميعا أن الله تعالى خالق للخير
والهداية، كما أنه خالق للشر والضلالة، كل ذلك، حاصل من قبل الطباع التي ركب منها
الإنسان، فضلا عن الأسباب التي تحيط به في العالم. ومن ثم لم يكن بد بحسب ما
تقتضيه الحكمة من أحد أمرين: إما أن يخلق الأنواع التي توجد فيها الشرور في الأصل
والخير في الأكثر، فيقدم الأكثر بسبب الشر الأقل، وإما أن يخلق هذه الأنواع فيوجد
فيها الخير الأكثر مع الشر الأقل، ومعلوم بنفسه أن وجود الخير الأكثر مع الشر
الأقل أفضل من إعدام الخير الأكثر، لمكان وجود الشر الأقل"(1).
ويفضي الاستقراء بالنسبة للقضاء والقدر إلى مقصد الشارع من
اختلاف أدلته النقلية ومداركه العقلية والمتمثل في الجمع التوسطي بين الجبر
والاختيار(2). تتسق، انطلاقا من سعينا إلى هذا المقصد، الشريعة فينتفي ما يظهر من
تعارض نصوصها، وتتسق أيضا انطلاقا منه ما يأتيه الإنسان من أفعال مع ما قضاه الله
تعالى من قدره، وما قدره هو نظام من القوى التي فطر الله عليها الإنسان من جهة ومن
الأسباب التي سخرها الله له في العالم المحيط به من جهة أخرى، الإلحاح على الاتساق
هنا تأكيد على ما قصده الشرع من ربط الأسباب بالمسببات ربطا ضروريا لا يمكن
الانحراف عنه قيد أنملة، إذ من رفع الأسباب فقد رفع العقل، كما يقرر ابن رشد.
الأسباب ليست خالقة في الاعتقاد الديني الإسلامي، وهو ما
بينه ابن رشد بوضوح تام، نعم هذا لا شك فيه، لكن الرد على من فهم ذلك لا يكون
بترسيخ اتجاه في الجبرية كان بحسب زعماء الإصلاح المعاصرين(3) من أسباب انهيار
حضارة المجتمع الإسلامي وإدراك الناس لوجوه ارتباط الأسباب بالمسببات متفاوت
ومتفاضل بحسب مراتبهم في المعرفة، فمن كانت له معرفة تامة بتلك الوجوه كان حكمه
أقرب إلى اليقين والقطع، ومن كانت له معرفة محدودة بنظام الأسباب والمسببات كان
حكمه ظنيا وفي ذلك رد عنيف على القول الأشعري بـ"العادة"(1).
خلاصة القول إن الاعتقادات الإيمانية لا تنكشف حقائقها إلا
بالحفاظ على مقاصد الشرع ومقاصد الشرع لا سبيل إليها إلا باجتهاد تقصيدي تتكون
عدته الفكرية من الاستقراء والاتساق وقد أفضى هذا الاجتهاد بالنسبة لابن رشد إلى
استخلاص خمسة مقاصد:
1 - مقصد استدلالي في إثبات الربوبية والألوهية، ويتمثل في
دليلي العناية والاختراع.
2 – مقصد تنزيهي لا تعطيل فيه ولا تجسيم للصفات الإلهية.
3 – مقصد شمولي من البعثة النبوية، لأن المقصود من المعجزة
القرآني شمول الخطاب القرآني للناس على تفاوت مراتبهم في الإدراك والمعرفة.
4 – مقصد تعليمي من الإيمان بالقضاء والقدر، إذ القصد منه
الإيمان بأن الله تعالى كما أنه خالق الخير وأسبابه هو أيضا خالق الشر وأسبابه.
5 – مقصد توسطي بين الجبر والاختيار، لأن المطلوب هو الجمع
بين أدلتها النقلية والعقلية.
ولا تنحصر مقاصد الشرع في جانب العقيدة بل تمتد إلى العمل
وفي هذا المجال يسعى الفقيه أولا إلى البحث عن المقصود من نصوصها المنقولة عن
النبي صلى الله عليه وسلم، حتى يقتدر ثانيا على تفقهها تعليلا لأحكامها واستدلالا
عليها. بكلام آخر تحدد غاية الفقيه هنا مجال الفهم عنده، فيقف على مقصد الشارع من
خطابه، ليستدل به على الحكم الشرعي العملي، أي يستدل على الوصف الذي يثبته الشارع
لأفعال المكلفين اقتضاء أو تخييرا أو وضعا، يميز ابن رشد انطلاقا من هذه الغاية في
الشريعة بين أربع طرق: أحدها أفعال الرسول صلى الله عليه وسلم، وهو طريق مختلف في
اعتباره وفي تحديد نوع الحكم المستفاد منه والثاني طريق إقراراته صلى الله عليه
وسلم، والثالث طريق الألفاظ والرابع طريق المسكوت عنه في الشريعة، وإذا لم يوضح
ابن رشد كثيرا الطريق الأول والثاني فلنعرض لبيانه للطريق الثالث والرابع.
يشتمل الطريق اللفظي على أربعة ألفاظ مسموعة من النبي صلى
الله عليه وسلم، أحدها اللفظ العام الذي يحمل على العموم من ذلك قوله تعالى:
"حرمت عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير"(1) فقد اتفق المسلمون على أن
لفظ الخنزير المقصود به جميع أصناف الخنازير ما لم يكن مما يقال عليه الاسم
بالمشترك، والثاني لفظ عام يقصد به الخاص، من ذلك قوله تعالى: "خذ من أموالهم
صدقة تطهرهم وتزكيهم بها"(2) والمقصود بالصدقة هنا الزكاة، وهي واجبة في جميع
أنواع المال، والثالث لفظ خاص يراد به العام، من ذلك قوله تعالى: "فلا تقل
لهما أف"(3)، فمقصد الشارع ليس مجرد النهي عن كلمة "أف" بل المقصود
من سياق الآية ومن مقامها كف الآذي عن الوالدين، ولذلك كان هذا اللفظ "من باب
التنبيه بالأدنى على الأعلى فإنه يفهم منه تحريم الضرب والشتم وما فوق
ذلك"(1).
تختلف زوايا النظر إلى مقصد الشارع المستفاد من هذه الألفاظ
الثلاثة، ويمكن ردها إلى ثلاث زوايا: زاوية الصيغ لأن المقصد المستفاد تارة يأتي
بصيغة الأمر، ويأتي تارة أخرى بصيغة الخبر يراد منه الأمر، كما يأتي تارة ثالثة
بصيغة النهي، ويأتي تارة رابعة بصيغة الخبر الذي يراد منه النهي، وزاوية الأحكام
إذ المقصد من المستفاد تارة يحمل على الوجوب، وتارة أخرى يحمل على الندب، كما يحمل
تارة ثالثة على الحرمة ويحمل تارة رابعة على الكراهية، وزاوية الوضوح أو الإبهام
لأن المقصد المستفاد تارة يكون معنى واحدا، وتارة أخرى يتضمن أكثر من معنى واحد(2)
وتارة يكون مطلقا وإذا كانت الأنواع الثلاثة السابقة متفق على كونها من مدارك
الطريق اللفظي في الاستنباط الفقهي فإن النوع الرابع منها مختلف فيه، وهو ما يعرف
في أصول الفقه بدليل الخطاب أو مفهوم المخالفة، أي ما "يفهم من إيجاب الحكم
لشيء ما نفي ذلك الحكم عما عدا ذلك الشيء أو من نفي الحكم عن شيء ما إيجابه لما
عدا ذلك الشيء الذي نفي عنه"(3).
أما الطريق غير اللفظي، وهو المسكوت عنه في الشرع، فيحدده
"القياس الشرعي"، وتشكل آلية الإلحاق عصبه الأساسي، "إلحاق الحكم
الواجب لشيء ما بالشرع بالشيء المسكوت عنه"(4)، والإلحاق من هذا الطريق
القياسي صنفان: صنف يسميه ابن رشد بـ"قياس الشبه" لا ينبغي بحسبه
للظاهرية أن تنازع فيه جمهور الفقهاء الأصوليين "لأنه من باب السمع، والذي
يرد ذلك يرد نوعا من خطاب العرب"(5) من ذلك إلحاق الربويات بالمقتات أو
بالمكيل، فهو من باب الخاص أريد به العام، إذ المسكوت عنه يلحق بالمنطوق به في
الحكم من جهة دلالة اللفظ وتنبيه. والصنف الثاني يسميه صاحبنا بـ"قياس
العلة"، وهو الذي يحق الظاهرية أن تنازع فيه، لأن ما سكت عنه الشرع عندهم لا
حكم له ودليل العقل شاهد بثبوته(6). أما الجمهور فيأخذون به، لأنه محال عندهم أن
يقابل ما يتناهى من منقولات الشريعة بما لا يتناهى من الوقائع والحوادث الوجودية
من ذلك إلحاق شارب الخمر بالقاذف في الحد وإلحاق الصداق بالنصاب في القطع، يلحق
المسكون عنه في هذا الصنف بالمنطوق لا من جهة التنبيه الدلالي بل من جهة الشبه بين
المنطوق والمسكوت عنه، فهو قياس يكون على الخاص الذي أريد به الخاص فيلحق به غيره.
إذا كان الفقيه في الطريف اللفظي إزاء مقاصد الشارع من
ألفاظه وخطابه فإنه في الطريق غير اللفظي إزاء مقاصد الشارع من أحكامه، تستوي في
ذلك أحكام العبادات وأحكام المعاملات والحق أننا مع ابن رشد في المسكوت عنه إزاء
اجتهاد تقصيدي في تعليل الأحكام أولا وفي الاستدلال عليها ثانيا، وذلك ما يتبينه
القارئ والمستقرئ لكتابات ابن رشد الفقهية، وفي طليعتها كتابه: بداية المجتهد
وكفاية المقتصد(1) ليس هدفنا هو الإحصاء التفصيلي للأمثلة الفقهية التي وظف فيها
ابن رشد الاجتهاد التقصيدي في التعليل والاستدلال بقدر ما تنبه إلى أن شدة التجاء
فقيهنا إلى المقاصد(2) بلغت به إلى درجة إبداع مصطلحات اختص بها ومن الأمثلة
البارزة في هذا الباب مصطلح "القياس المرسل"(3) الذي ليس له أصل معين
يستند إلى أصل منصوص عليه في الشرع إلا ما يعقل من المصلحة الشرعية فيه، ومالك
رحمه الله يعتبر المصالح وإن لم تستند إلى أصل معين منصوص عليها".
ومهما يكن من أمر تنوع التطبيقات الفقهية للمقاصد الشرعية
فإنها راجعة في نهاية المطاف إلى مقاصد أخلاقية سماها ابن رشد بـ"الفضائل
النفسانية"(4) ومن أبرزها العفة والعدل والشجاعة والسخاء، فأحكام العبادات
شرط ضروري لترسيخها في سلوك الفرد والمجتمع. العفة قصد أحكام الأطعمة والأشرية
والأنكحة أما فضيلة العدل فهي المقصد من تشريع أحكام القصاص والحروب وغيرها من
أحكام العقوبات والجنايات، والمقصد من أحكام الأموال والصدقات والزعوات هو تحقيق
فضيلة السخاء، أما أحكام الرئاسة والاجتماع وما تقتضيه من تعاون وأمر بالمعروف
ونهي عن المنكر فإن المقصد منها هو التحلي بفصيلة الشجاعة نعم نحن هنا إزاء إرجاع
المقاصد إلى أخلاق الفضيلة، لكن هل يصح القول أن هذا الفقيه الأندلسي هو
"الوحيد الذي بنى مقاصد الشريعة على الفكرة الخلفية وكاد يؤسس نظرية فلسفية
خاصة بهذا المنحى في الشرع"(1) صحح البعض هذا الحكم ونفاه البعض الآخر، لأنه
في نظره: "مجازفة وتعسف وتسرع في إطلاق الأحكام وإلقاء الكلام على عواهنه(2).
الحق أن إرجاع مقاصد الأحكام العملية إلى الأخلاق لا يمكن
إلا أن نحكم عليه بالسداد والتوفيق لأنه ينم عن فهم عميق وإدراك سليم لما يستهدفه
الدين الإسلامي في عقائده وأحكامه التشريعية، والرسول صلى الله عليه وسلم، وهو
الذي أوتي جوامع الكلم واختصر له الكلام اختصار، قال كلمة جامعة: "بعثت لأتمم
حسن الأخلاق"(3) ما تستهدفه عقائد الإسلام وأحكامه هو الأخلاق بالدرجة الأولى
لأنها الأصل في كل صلاح والجذر في كل مصلحة، كما جاء في قوله تعالى: "إن أريد
إلا الإصلاح ما استطعت"(4)، ومن تم طفح القرآن الكريم بالحث على التحلي
بالفضائل الأخلاقية وتربية الناس على الاستقامة عليها، والآيات في ذلك عديدة، منها
قوله تعالى: "قل إنما أنا بشر مثلكم يوحى إلي إنما إلهكم إله واحد فمن كان
يرجو لقاء ربه فليعمل عملا صالحا ولا يشرك بعبادة ربه أحدا"(5)، وسبيل العمل
الصالح أخلاق فاضلة، ومنها قوله تعالى: "هو الذي بعث في الأميين رسولا منهم
يتلو عليهم آياته ويزكيهم"(1) ولا تزكية كما لا يخفى بدون استلهام مكارم
الأخلاق وفضائلها من عفة وسخاء، ومنها أيضا قوله تعالى: (اذهب إلى فرعون إنه طغى
فقل هل لك إلى أن تزكي وأهديك إلى ربك فتخشى"(2)، ولا شك أن دعوة الطغاة
ولقائهم تتطلب التخلق بفضيلة الشجاعة. وفي فضيلة العدل جاء قوله تعالى: "لقد
أرسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط"
(سورة الحديد: 24).
إن اتجاه ابن رشد إلى بناء المقاصد على الأخلاق اتجاه أصيل
لأن الصلاح التي تتجه إليه مقاصد الدين الإسلامي متجذر في نوع الأخلاق التي يأتي
بها الفرد والمجتمع، وبحسب قيمتها يكون العمل مفضيا إلى المفاسد أو مضيعا للمصالح.
وإذا سلمنا أن الحالة النفسانية والبناء العقلي دافعان لكل سلوك عملي أدركنا مغزى
الاهتمام الكبير الذي أولاه الدين الإسلامي للأخلاقيات(3) وعليه لا ينفرد ابن رشد
في تأصيل مقاصد الأحكام الشرعية العملية على الأخلاق، ولانعدم شاهدا على عدم
التميز الرشدي في هذا الباب، وليكن من ابن رشد نفسه فقد قال في هذا الصدد:
"وإلى هذا (يقصد البحث في الأخلاق) نحا أبو حامد في كتابه ولما كان الناس قد
أضربوا عن هذا الجنس(…) وكان هذا الجنس أملك بالتقوى سمى كتابه "إحياء علوم
الدين"(4).
مجمل القول من مقاصد الشرع في مجال العمل بالأحكام الشرعية
توزعها إلى نوعين: أحدهما مقاصده من خطابه وألفاظه لأنها التي تحدد المضمون
الدلالي للحكم الشرعي، والثاني مقاصده من الأحكام التي يدل عليها خطابه لأنها
تعقلن الغايات الأخلاقية التي يرومها الشارع من تشريع أحكام المعاملات والعبادات
وهما نوعان(1) من مقاصد الأحكام يحتاجان إلى دراسة مفصلة من أجل استخراج عدة ابن
رشد فيهما، وذلك ما عقدنا العزم على إنجازه في المستقبل القريب إن شاء الله.
إذا كانت مقاصد الشرع في مجال العمل بالأحكام الشرعية متضمنة
"للفضائل النفسانية"(2) أو "الفضائل العملية(3) فإن مقاصد الشرع في
مجال العقيدة متضمنة للفضائل النظرية"(4). تستهدف الفضائل النفسانية تأسيس
المقاصد على الأخلاق وتستهدف الفضائل النظرية تأسيس مقاصد الشرع على عقلانية تتكون
لحمتها المنهجية من عنصري الاستقراء والاتساق.
إن اجتهاد ابن رشد في مجالي العقيدة والعمل هو في العمق
اجتهاد تقصيدي للدين الإسلامي، إذا اتجه عمليا إلى تأسيس مقاصد الشرع على الأخلاق
فإنه اتجه عقديا إلى تأسيس المقاصد على عقلانية تروم تحقيق مقاصد خمسة: الاستدلال
بالاستقراء والتنزيه والشمول والتعليم والتوسط. التشبع بهذه المقاصد في سلوكنا
العملي والاجتهاد في استلهامها عند تفكيرنا العلمي دلائل على صحتنا(5). ما أحوجنا
في الحقيقة إلى ترسيخها، خاصة ونحن نعايش خطر أخلاقيات الأنانية لدى الكثير من
القائمين على مؤسسات مجتمعاتنا الإسلامية المعاصرة، أخلاقيات لا يهم أصحابها إلا
المصلحة الفردية وحب الذات الشخصية. الحاجة ماسة إلى جهد عملي للتحرر من أخلاق
الأنانية من أجل معانقة أخلاق الفضيلة والاستقامة على نهجها.
ما أحوجنا أيضا عند تفكيرنا من التقيد بمقتضيات المنهجية
العلمية حتى تتمكن من التحاور مع المخالفين في النظر والعمل، ونقدر أيضا على تلقي
آرائهم المخالفة بالصدر الرحب ومناقشتها بالنزيه من أساليب المنطق. الحاجة ماسة
إلى اجتهاد تقصيدي قوامه تعقل منهجي للمقاصد يتعاضد على تكوينه الاستقراء
والاتساق.
المصادر والمراجع:
- أحمد الريسوني، المنحى المقاصدي في فقه ابن رشد، مجلة دعوة
الحق، العدد 348، الرباط، 1999.
- إسماعيل الحسني، نظرية المقاصد عند الإمام محمد الطاهرين
عاشور، منشورات المعهد العالمي للفكر الإسلامي بواشنطن، الطبعة الأولى، 1995.
- الباقلاني أبو بكر، التمهيد في الرد على الملحق المعضلة
والرافضة والخوارج والمعتزلة، تحقيق رتشرد يوسف، المكتبة الشرقية، 1957.
- البغدادي أبو منصور، أصول الدين، بيروت، دار الكتب العلمية،
1981.
- بنسعيد العلوي سعيد، الخطاب الأشعري، بيروت، دار المنتخب
العربي، الطبعة الأولى، 1992.
- الجابري محمد عابد، بنية العقل العربي، بيروت، المركز
الثقافي العربي، الطبعة الأولى، 1986.
- الجويني أبو المعالي، الشامل في أصول الدين، تحقيق علي
سامي النشار، الإسكندرية، دار المعارف، 1969.
- الجويني أبو المعالي، الإرشاد إلى قواطع الأدلة في أصول
الاعتقاد، تحقيق أسعد تميم، - نشر مؤسسة الكتب الثقافية، 1985.
- حمادي لعبيدي، ابن رشد وعلوم الشريعة، بيروت، دار الفكر
العربي، الطبعة الأولى، 1991.
- ابن خلدون، المقدمة، القاهرة، بدون.
- ابن رشد، تهافت التهافت، تحقيق سليمان دنيا مصر، دار
المعارف، الطبعة الثانية، بدون تاريخ.
- ابن رشد، الكشف عن مناهج الأدلة في عقائد الملة، إشراف
محمد عابد الجابري، بيروت، نشر مركز دراسات الوحدة العربية، الطبعة الأولى، 1998.
- ابن رشد، فصل المقال في تقرير ما بين الشريعة والحكمة من
الاتصال، إشراف محمد عابد الجابري، بيروت، نشر مركز دراسات الوحدة العربية، 1997.
- ابن رشد، بداية المجتهد ونهاية المقتصد، الرباط، مكتبة
المعارف، بدون.
- أبو زهرة محمد، المعجزة الكبرى القرآن، دار الفكر العربي،
بدون.
الشهرستاني أبو الفتح، الملل والنحل، تحقيق محمد سيد كيلاني،
بيروت، دار المعرفة، 1980.
- الشاطبي أبو إسحاق، الموافقات في أصول الشريعة، تحقيق عبد
الله، دار بيروت، دار العرفة، الطبعة الأولى، 1975.
- طه عبد الرحمن، تجديد المنهج في تقويم التراف، البيضاء،
المركز الثقافي العربي، الطبعة الأولى، 1994.
- ابن أبي صبيعة، عيون الأنباء في طبقات الأطباء، تحقيق نزار
رضا، بيروت، مكتبة الحياة، الطبعة الأولى، 3/125.
- عبد المجيد تركي، مكانة ابن رشد من تاريخ المالكية
بالأندلس، ندوة ابن رشد، كلية الآداب بالرباط، 1978.
- عبد المجيد الصغير، المنهج الرشدي وأثره في الحكم على ابن
رشد، ندوة ابن رشد، كلية الآداب، الرباط، 1978.
- ابن عاشور محمد الطاهر، أصول النظام الاجتماعي في الإسلام،
تونس، الدار العربية للكتاب، 1977.
- الغزالي أبو حامد، القسطاس المستقيم، تحقيق فيكتور سلعت،
بيروت، المطبعة الكاتوليكية، 1959.
- تهافت الفلاسفة، تحقيق سليمان دنيا، القاهرة، دار المعارف،
الطبعة الثانية، 1958.
- الغزالي أبو حامد، الدعوة الإسلامية تستقبل قرنها الخامس
عشر، القاهرة، مكتبة وهبة، الطبعة الثالثة، 1990.
- القاضي عبد الجبار، شرح الأصول الخمسة، تحقيق عبد الكريم
عثمان، القاهرة، مكتبة وهبة، 1965.
- الندوي أبو الحسن، العقيدة والعبادة في ضوء الكتاب والسنة والسيرة
النبوية، دار الفهم، الطبعة الثانية، 1983.
- مخلوف محمد بن محمد، شجرة النور الزكية في طبقات المالكية،
دار الفكر للطباعة والنشر، بدون.
[1] - جاء في
ترجمة ابن رشد أنه "درس الفقه والأصول وعلم الكلام(…) ومال إلى علوم الأوائل
وكانت له فيها الإمامة دون أهل عصره وكان يفزع إلى فتياه في الفقه" مخلوف
محمد بن محمد، شجرة النور الزكية في طبقات المالكية، دار الفكر، بدون، ص146. وقد ولاه
الأمير الموحدي يعقوب يوسف بن عبد المومن ابن علي عام 563 منصب قاضي الجماعة في
قرطبة.
[2] - وصف
بعضهم كتابه بداية المجتهد بقوله: "أعطى فيه أسباب الخلاف وعلل فوجه وأمتع به
ولا يعلم في فنه أمتع منه ولا أحسن مساقا". ابن أبي أصبعية، عيون الأنباء في
طبقات الأطباء، تحقيق نزار رضا، بيروت، مكتبة الحياة، الطبعة الأولى، 3/121،
3/125.
[3] - مما جاء
في هؤلاء الفقهاء قول الشاعر:
أهل الرياء
لبستم ناموسكم كالذئب أدلج في الظلام
العاتم
فملكتم
الدنيا بمذهب مالك وقسمتم الأرزاق
بابن القاسم
وركبتم شهب
البغال بأشهب وبأصبغ صبغت لكم في العالم
نقلا
عن حمادي لعبيدي، ابن رشد وعلوم الشريعة، بيروت، دار الفكر العربي، الطبعة الأولى،
ص107.
(*) نستثني من ذلك إشارات محمد عابد الجابري في
كتابه بنية العقل العربي، الدار البيضاء، المركز الثقافي العربي، الطبعة الأولى،
1986، ص544. وينظر أيضا عبد المجيد تركي، مكانة ابن رشد من تاريخ المالكية
بالأندلس، ندوة ابن رشد، كلية الآداب، الرباط، المغرب، 1978، ص157.
[4] - يطلق
اصطلاح الحشوية على الجماعات التي تتمسك بظواهر النصوص الشرعية التي تفيد التجسيم
والتشبيه، أما الصوفية التي يقصدها ابن رشد هنا كل جماعة تزعم أن المعرفة بالله
وبغيره من الموجودات شيء يلقى في النفس عند تجردها من العوارض الشهوانية. الكشف عن
مناهج الأدلة، ص10 و117.
[5] - المصدر
السابق، ص102.
[6] - سورة
البقرة، 11.
[7] - سورة
إبراهيم، 10.
[8] - سورة
لقمان، 25.
[9] - يراجع في
مفهوم الإفادة أطروحتنا لنيل دكتوراه الدولة، عقلانية الاختلاف مفاهيمها في
التفكير الأصولي وتطبيقاتها في الفقه المغربي الحديث، مرفوقة بكلية الآداب،
الرباط، وأيضا كتابنا علم المقاصد الأعلام المجالات المفاهيم، قيد النشر.
[10] - الكشف عن
مناهج الأدلة، ص103.
[11] - الجويني
أبو المعالي، الشامل في أصول الدين، تحقيق
علي سامي النشار وآخرين، الإسكندرية، دار المعارف، 1969، ص123. يراجع عرضا تحليليا
لهذه المصطلحات في سعيد بنسعيد العلوي، الخطاب الأشعري، بيروت، لبنان، دار المنتخب
العربي، 1992، الطبعة الأولى، ص92 وما بعدها.
[12] - الكشف عن
مناهج الأدلة، ص103.
[13] - كالقول:
إن الأعراض حادثة وما لا ينفك عن الحوادث حادث وأن الجواهر لا تنفك عن الأعراض،
يراجع المصدر السابق، ص105.
[14] - سورة
النحل: 40 والمصدر السابق، ص116.
[15] - يقول ابن
رشد: "معنى الحكمة(…) أعني السبب الذي من أجله خلق والغاية المقصودة
منه"، المصدر السابق، ص119. والجدير بالملاحظة أن هذا التعريف ليس الوحيد
الذي يقدمه ابن رشد لأنه يوجد بجانبه تعريف آخر نجده في كتابه تهافت التهافت، أعني
بالحكمة النظر في الأشياء وبحسب ما تقتضيه البرهان، القسم الثاني، ص625 نقلا عن
تجديد المنهج، ص152.
[16] - الكشف عن
مناهج الأدلة، ص114.
[17] - المصدر
السابق، ص118.
[18] - سورة
النبأ، 6-16.
[19] - سورة
الطارق، 5-6.
[20] - سورة
البقرة، 21-22 ليست العبرة كل العبرة في شرعية مصطلحات العناية والاختراع التمسك
الحرفي بمصطلحات القرآن الكريم في "الخلق" و"التسخير" كما
يفهم من كلام الباحث المقتدر طه عبد الرحمن. إن العبرة عندنا في بناء المفاهيم يه
المسميات لا مجرد الأسماء. والأساسي فيها هو دقة المعاني والمقاصد لا مجرد الأشكال
والرسوم.
[21] - دليل ذلك
عند ابن رشد الفطرة الأولى إذ يقول: "إلى هذه الفطرة الأولى المغرورة في طباع
البشر الإشارة بقوله تعالى: "وإذا أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذرياتهم
وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى شهدنا"، الكشف عن مناهج الأدلة،
ص121.
[22] - يراجع في
شأن السياق التشريعي لأداة الاستقراء كتابنا نظرية المقاصد عند الإمام محمد الطاهر
بن عاشور، منشورات المعهد العالي للفكر الإسلامي بواشنطن، الطبقة الأولى، 1995.
[23] - الكشف عن
مناهج الأدلة، ص119.
[24] - المصدر
السابق، ص119.
[25] - لا ينفصل
الاستدلال الرشدي عن أدلة المتكلمين بحسب بعض الباحثين "وبيان ذلك أن خطبية
دليل الجواز الكلامي تضاهي الخطبية التي يدعيها ابن رشد لدليل العناية، وإن اعتياص
دليل الاختراع لا يقل عن الاعتياص الذي نسبه إلى دليل الحدوث" تجديد المنهج،
ص165.
[26] - لما
اعتقد الفلاسفة أن "الحركة فعل الفاعل وأن العالم لا يتم وجوده إلا بالحركة
قالوا: إن الفاعل للحركة هو الفاعل للعالم وأنه لو كف فعله طرفه عين عن التحريك
لبطل العالم فعملوا قياسهم هكذا: العالم فعل أو شي وجوده تابع لفعل، وكل فعل لا بد
له من فاعل موجود بوجوده، فأنتجوا من ذلك أن العالم له فاعل موجود بوجوده. تهافت
التهافت، ص308.
[27] - الغزالي
أبو حامد، القسطاس المستقيم، تحقيق فيكتور شلعت، بيروت، المطبعة الكاتوليكية،
1959، ص65-66.
[28] - سورة
المومنون: 91.
[29] - الكشف عن
مناهج الأدلة، ص125. لذا ليس دليل الممانعة طببيعيا ولا شرعيا، ليس طبيعيا لأنه
ليس "برهانا" وليس شرعيا، لأنه لا يقنع الجمهور، المصدر السابق، ص125.
[30] - سورة
الأنبياء: 22.
[31] - سورة
المومنون: 91.
[32] - سورة
الإسراء: 42.
[33] - الباقلاني
أبو بكر، التمهيد في الرد على الملحدة المعطلة والرافضة والخوارج والمعتزلة، تحقيق
رتشرد يوسف مكارثي اليسوعي، المكتبة الشرقية، 1957، ص243-221.
[34] - القاضي
عبد الجبار، شرح الأصول الخمسة، تحقيق عبد الكريم عثمان، القاهرة، مكتبة وهبة،
1965، ص201.
[35] - المصدر السابق،
ص447.
[36] - الكشف عن
مناهج الأدلة، ص135.
[37] - قال
تعالى: "ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير"، سورة الملك: 44.
[38] - غلط ابن
رشد الغزالي فيما نسبه هذا الأخير إلى الحكماء المشائين من أنعلم يقولون أنه تعالى
لا يعلم الجزئيات أصل. والحق كما يرى صاحبنا، أنه "يعلمها بعلم غير مجانس
لعلمنا بها"، فصل المقال، ص 102.
[39] - سورة
النحل: 40.
[40] - سورة
مريم: 42.
[41] - سورة
الشورى: 51.
[42] - الكشف عن
مناهج الأدلة، 51.
[43] - سورة
الحاقة: 17.
[44] - سورة
السجدة: 5.
[45] - الخطاب
الأشعري، ص103.
[46] - الكشف عن
مناهج الأدلة، ص141.
[47] - ابن رشد،
فصل المقال في تقرير ما بين الشريعة والحكمة من الاتصال، يبروت، إشراف محمد
الجابري، نشر مركز دراسات الوحدة العربية، 1997، ص98.
[48] - سورة
الشورى: 11.
[49] - سورة
النحل: 17. نثبت هذه الآية على الرغم من أن للخالق صفات للمخلوق، لكن على جهة أتم
وأفضل وأكمل مما لا يتناهى في تصور العقل الإنساني.
[50] - سورة
الفرقان: 58.
[51] - سورة
البقرة: 255.
[52] - سورة طه:
52.
[53] - الكشف عن
مناهج الأدلة، ص145. يرى صاحبنا أن "الشبهة التي قادت نفاة الجهة إلى نفيها،
هي أنهم اعتقدوا أن إثبات الجهة يوجب إثبات المكان وإثبات المكان يوجب إثبات
الجسمية، ونحن نقول إن هذا كله غير لازم، فإن الجهة غير المكان"، المصدر
السابق، ص145.
[54] - سورة
الحاقة: 17.
[55] - سورة
السجدة: 5.
[56] - الكشف عن
مناهج الأدلة، ص147-148.
[57] - يراجع:
الخطاب الأشعري، ص104-105.
[58] - سورة
القيامة: 22.
[59] - يراجع في
شأن ردود ابن رشد النقدية على حجج الأشاعرة الكشف عن مناهج الأدلة، ص154-157.
[60] - سورة
فاطر: 41.
[61] - أجازوا
على ربهم الملامسة والمصافحة وأن بعضهم قال: "أعفوني عن الفرج واللحية
واسألون عما وراء ذلك" الشهرستاني أبو الفتح، الملل والنحل، تحقيق محمد سيد
كيلاني، بيروت، دار المعرفة، 1980، 1/105. وذهب المعتزلة إلى تأويل هذه الصفات
الجسمانية مثل: اليد والوجه فحملوها محمل المجاز المحض، من ذلك الاستواء في الآية
الكريمة: "الرحمان على العرش استوى" معنى الاستواء عندهم هو الملك وما
في معناه من القهر والسلطة والسيطرة.
[62] - الكشف عن
مناهج الأدلة، ص138-139.
[63] - المصدر
السابق، ص139-142.
[64] - المصدر
السابق، ص158.
[65] - الخطاب
الأشعري، ص98.
[66] - الكشف عن
مناهج الأدلة، ص163 من هذه المخلوقات المسخرة للإنسان ما جاء في قوله تعالى:
"ألم نجعل الأرض مهادا والجبال أوتادا" إلى قوله: "وجنات ألفافا"
سورة النبأ، 6-16.
[67] - المصدر
السابق، ص169.
[68] - المحدث
الحقيقي" عند ابن رشد كل موجود وجد من شيء غيره وعن شيء، أي عن سبب فاعل ومن
مادة، والزمان متقدم على وجوده، وهذه حال الأجسام التي يدرك تكونها بالحس كالماء
والهواء والأرض وغيرها وقد اتفق الجميع على تسميتها محدثة والقديم الحقيقي هو
موجود لم يكن من شيء ولا عن شيء ولا تقدمه زمان واتفق الجميع أيضا على تسميته
قديما وهو الله بتارك وتعالى، فصل المقال،، ص105.
[69] - المصدر
السابق، ص104.
[70] - فصل
المقال، ص106. رأى البعض في هذا محاولة غير موفقة في تفسير الآيتين، وهو الذي خلق
السماوات والأرض في ستة أيام وكان عرشه على الماء، وقوله: ثم استوى إلى السماء وهي
دخان، الآيتان عند هذا الباحث تشيران إلى حالة سابقة للسماء والأرض وليس مادة
أزلية، عبد المجيد الصغير، المنهج الرشدي وأثره في الحكم على ابن رشد، ندوة ابن
رشد، ص324.
[71] - التمهيد،
ص103.
[72] - المصدر
السابق، ص104، من أسباب التسحالة العقلية أن: "ليس مما يدرك بالأبصار ويشاهد
بالحواس فيتولى مخاطبة الرسول بنفسه من حيث يراه ويعلمه مخاطبا له حسب الرأيين
أحدهما الآخر" المصدر السابق، ص104.
[73] - الكشف،
ص174.
[74] - الجويني
أبو المعالي، الإرشاد إلى وقاطع الأدلة في أصول الاعتقاد، تحقيق أسعد تميم نشر،
مؤسسة الكتب الثقافية، ص273-274.
[75] - الكشف،
ص174.
[76] - قال
تعالى: "قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون
بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهير"، الإسراء: 88.
[77] - محمد أبي
زهرة، المعجزة الكبرى القرآن، دار الفكر العربي، بدون، ص77.
[78] - التمهيد،
ص151.
[79] - سورة
النساء: 163-164.
[80] - سورة
الأحقاق: 9.
[81] - الخبر
المتواثر هو الذي يستحيل التواطئ على وضعه وهو موجب للحكم الضروري.
[82] - سورة
النساء: 174.
[83] - سورة
النساء: 162.
[84] - الكشف،
ص181.
[85] - يراجع
للتوسع في هذه الأنواع، المعجزة الكبرى لأبي زهرة، 279 و389 و339.
[86] - كما في
دلالة انقلاب العصا حية على نبوة موسى عليه السلام، أو في دلالة إحياء الموتى على
نبوة عيسى، الكشف عن مناهج الأدلة، ص184.
[87] - فصل
المقال، ص124.
[88] - التمهيد،
ص298-299.
[89] - الاقتصاد
في الاعتقاد، ص170-171.