ص1       الفهرس  61-70

عن النزعة الإسلامية ومتخيلها الإيديولوجي

 

عبد الله زارو

 

"ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض" (قرآن كريم)

"من أكبر اختلاف ينسل أبهى ائتلاف" (هيراقليطس)

"الدين زفرة الإنسان المعذب" (ماركس)

I ـ مسلمات مقاربة:

تنطلق هذه المقاربة، كأي بناء فكر ومسعى علمي، من جملة فرضيات أساسية نعتبرها كمسلمات تسمح بتحديد وحصر المجال الذي تتحرك بداخله، ذلك أن الظاهرة الإسلاموية أضحت متشعبة الأبعاد، متعددة المسارات مما ترتب عنه أن علوما إنسانية متداخلة أخذت تدرسها وتقاربها، كل واحد من منظوره المعرفي والمنهجي واعتمادا على أدوات بحث يراها ملائمة وعملياتية.

وحتى لا نسير في جميع الاتجاهات دون الإمساك بأي بعد بعينه وفي محاولة للإحاطة بهذه الظاهرة في اتجاه محدد محصور، انطلقنا من جملة إقرارات تسمح لنا بأجرأة المنطوق الإشكالي التي تصوغه هذه المقاربة (انظر المنطوق في ما سيأتي).

تنطلق، في البدء، من أن الظاهرة الإسلاموية تمثل ضمن المشهد اللاهوتي العام في العالم العربي الإسلامي، تجليا طرقيا داخل الإسلام أو بالأحرى أشكال إعلام الانتماء العصري للإسلام. إنها أسلوب شعبي، من بين أساليب أخرى سابقة عليه، في استلهام المعتقد الديني واستثماره في مشاغل الأفراد في ارتباطاهم بهواجس ذواتهم وبمشاغل الشأن العام لعصرهم، ومن حيث هو كذلك فإنه بمثابة فعل اختراق جديد لجدار الأرثودكسية الدينية القائمة والمهيمنة ومرحلة "متقدمة" (ليس للنعت أي صفة معيارية) في سيرورة شعبنة المعتقد الذي يسير طرا مع الخط التصاعدي للتحولات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والفكرية التي تكثفها اليوم تيمة الحداثة.

إن الظاهرة الإسلامية -وهذا هو إقرارنا الثاني- هي في عمقها تظاهرة ثثقافية بالمعنى الأنثروبولوجي من حيث هي تستعيد المقولات الدينية في أشكال تواصلها اللغوي وأشكال التلاقي الجماعي المرتبط بـ"النموذج الأول" في محاولة لإعادة امتلاكها وتوظيفها داخل مساق اجتماعي جديد هو بمثابة باكورة لسيرورة من التحولات الهيكلية التي تشهدها المجتمعات العربية-الإسلامية منذ احتكاكها الأول بالغير الغربي حتى كل هذه التغيرات التي طالت البنيات الاجتماعية التقليدية الأساسية كالأسرة المجال، أساليب العيش، أشكال التواصل، انقلاب في الأدوار وإعادة توزيعها بين الجنسين مثلا.

ولأنها في الأصل كذلك، فإن انقلابها إلى تظاهرة ثيو-سياسية أو حتى سياسوية بأعراض عنيفة –بدأت تستقر كخاصية مسترسلة- لا نفهمه إلا كرد فعل لجسم يدافع عن نفسه تجاه مخاطر ما تتهدد وجوده وتنتزع منه "حق" بناء نموذجه "اليوتوبي" داخل نسق اجتماعي وسياسي لا يقبل أن تكون القيم الرمزية، وبالأخص، في تجلياتها الدينية موضوع تفاوض، تقاسم أو تشارك.

ذلك أن هذه الأمور الثلاثة تفهم بهذا السياق، كمنازعة للمشروعية التي يتأسس عليها النسق ككل أو جزء كبير منه، منازعة سوف تفتح الباب مشروعا أمام محاولات نسفه وهد من أركانه.

تتجلى لنا التمظهرات الثقافية للظاهرة، أوضح ما يكون التجلي، في أشكال من الاستعادة على مستوى المتخيل –وإعادة امتلاك سوسيو-دينية تتجسد بالمقام الأول، في تبني لغة "عتيقة" على مستوى الخطاب الإيديولوجي الإسلاموي، التمركز في أماكن التعبد، ممارسة الاختلاء أو الخلوة داخل مجموعات صغيرة، استثمار الجسد من خلال الالتحاء الذكوري والحجاب الأنثوي ورمزية الهندام… إن واحدا من أهم دارسي الظاهرة الإسلاموية بالمشرق العربي-الإسلاموي لم يفته تسجيل نوع من العودة الوئيدة والصامتة إلى هذا الشكل الثقافوي الأول للتجمع البشري الإسلاموي حين قال سنة (1987):

" يبدو أن النزعة الإسلامية السياسية الغازية التي كانت ترى بالأفق الثورة الإسلامية ممتطية صهوة جواد جامح فاتحة العالم مشرقا ومغربا قد بدأت تجفل. ما نسمعه اليوم غالبا هو نوع من خطاب الهجرة والاعتزال شبيه بهجرة واعتزال المدافعين عن البيئة في البلاتوهات الكلسية بوسط فرنسا.

مثلهم يلتجأ الإسلاميون إلى الواحات المصرية أو يعيدون خلق جزر من الطهارة والنقاوة الدينية في عمارات (H.L.M) بالضواحي الباريسية. شيء أشبه ما يكون بالاعتزال أو هو الاعتزال بعينيه، إنها نهاية السياسي"


[1].

إن هذه الأيلولة التي صارت إليها الإسلاموية حسب (أوليفي روي) نفهمها، بالأحرى كعود على بدء أي رجوع إلى شكلها الأول ومصالحة مع طبعها البدئي الذي تظل التجربة الرائدة تاريخيا للمرشد الأول (حسن البنا) هي التعبير الخالص عنه وفوق ذلك، الأصيل. تعبير لم يكن ليخرجه عن خلوصه وفرادته سوى متغيرات خارجية شكلت نوعا من "المهيجات الخارجية" –على الطريقة البافلوفية- التي حرفت المسار الأصلي للقاطرة عن سكنها!

ولأن هذا "العود على بدء" نرى فيه تعبيرا متأخرا عن مصالحة مع الوشائج الثقافية الأولى للنزعة الإسلامية فإننا تساءلنا هكذا:

لم لا تكون النزعة الإسلامية، كأي ظاهرة تتميز بقدر من التفرد والفرادة و"معاكسة" المنطق العام السائد، موضوعا لتحليل أنثروبولوجي يعتمد مقولاتها الثقافية وأساليب السلوكات التي تقترحها "بديلا" للسائد الثقافي والسلوكي؟

اعتمادا إذن على معاينة (روي) وتأولنا لها، نقرر بأن البحث الإنساني –وفي حلقته الأنثروبولوجية بالأساس- سوف يكون مدعوا أكثر فأكثر إلى استكشاف هذه الظاهرة الثقافية في عمقها السياسي في تظاهراتها – هذا الاستكشاف الذي نقترح، بشكل عام، أن ينصب على المجالات الآتية: المتخيل، الطقوس، المعيش اليومي، الاستثمارات المختلفة للزمان والفضاء والجسد، واللائحة مفتوحة.

ومحاولتنا هذه جزء من هذا الطموح. اقتصر على تقديم "عناصر أولية" لمتخيل إيديولوجي إسلاموي مفترض اعتمادا على بعض ما كتب حول الموضوع، ونراه الأهم أي أهم ما كتب. نرنو من خلالها، وفي هذا الجزء، إلى إعادة تشكيل صورة الإسلاموي النمطي، بعيدا عن تفاصيل وجزئيات الاختلافات التي تفرضها ضرورة تنظيمية أو حساسيات سياسوية.

II ـ النزعة الإسلامية: استلهام شعبي جديد للمعتقد؟[2]

تندرج الظاهرة الإسلاموية، كما نفهم وفق إقراراتنا أعلاه، ضمن سيرورة عامة معروفة في كل المعتقدات الدينية الكبيرة. سيرورة يبدأ فيها المعتقد ممركزا، محتكرا داخل قطبية دينية (فترة هيمنة الإكليروس الديني، احتكار أو حتى تحريم الهيرمينوطيقا الدينية على غير "المتخصصين" تعبير ديني عن إيديولوجيا سياسية أحادية احتكارية…) وينتهي متشظيا في استلهامات متعددة للمعتقد يعتاد المشتغلون بالبحث الأنثربولوجي على تسميتها بـ"الديانات الشعبية أو الوثنية".

وفي تصورنا أن هذه الظاهرة أي ظاهرة "الاستلهامات المتعددة للمعتقد الديني"، وخلافا لكل الخطاطات الوضعانية وإيديولوجيا التقدم الخطية رديفتها ورفيقتها، لم تزدد إلا استقواء وتعددا في الأشكال بانطلاقة الحداثة سواء بأوروبا أو بأطرافها. هي كذلك لم تستثن أيا من المعتقدات الدينية الكبرى (مسيحية، يهودية، إسلام، بوذية).

إن ظاهرة شعبنة الانتماء الديني المتزايدة وفك ارتباطها المستمر مع "القطبية الأحادية الأرثودكسية" أضحت، من ثمة، واحدا من الموضوعات المفضلة في علوم الإنسان.

ـ فهل هي الثمرة "المرة" القدرية لحداثة "بروميثوسية" غازية بسيف العقل ومزهوة بصولجانه متنكرة لكل ما قبلها؟

ـ هل هي أيلولة منطقية لسيرورة "علمنة" اجتماعية، مفرطة، مسرفة؟

ـ أم هي تعبير عن تبرم من الصورة النمطية للمؤسسات الدينية التليدة والمتعالية واستجابة لحاجات وجدانية ومشاعرية ذات استدامة؟

تلك كانت بعض العناصر التفسيرية التي تستحضر في الأغلب الأعم، في بحوث العلوم الإنسانية التي تناولت موضوع "الاستلهامات" هذه، استلهامات تتجسم كقاعدة عامة، في ظواهر دينية على قدر من الهامشية أو بالأحرى نابتة على هوامش النواة الدينية المؤسسة ذات الصولة. وأشكالها المادية الأثيرة هو هذا الذي نسميه بالفرق والجماعات الدينية التي تنبت كالفطر في كل الفضاءات الحضارية والثقافية الكبرى بالعالم. في الغرب كما في الشرق، في عالم المسيحية كما في عالمي الإسلام والبوذية أصبحت هذه الظاهرة تأخذ أبعادا آسرة.

III ـ الاستلهام الفرقي الجماعتي:

1 ـ الفرق الدينية في المجتمعات المسيحية:

تعني الفرقة في السياق الدلالي المسيحي "عبورا دينيا" إلى خارج مدار الأرثوذوكسية والخطيئة المصاحبة لذلك العبور بحق الروح والمؤسسة [ يعني: الدينية الأصلية (م)](…) يستعمل اصطلاح "فرقة" للإشارة إلى الجماعات الدينية الجديدة غير مهيكلة بعد داخل فضاء الكنائس، وإن كانت كذلك على المستوى الروحي. لا طعن في الجانب العقدي للفرقة بقدر ما يوضع موضع شك إمكان قبولها داخل الشرعية الكنسية كما هو شأن شهود يهوه، الميمونيون وغيرهم.."[3].

وفي دراسة حديثة (1985) لـ [جان فرانسوا مايير]، نجد عرضا لافتا لنشأة الفرق الدينية بالغرب والعواقب المداهمة التي ترتبت عنها:

" في البلدان الناطقة بالفرنسية كما في غيرها من بقاع العالم التي هي عرضة لمخاضات وتحولات، نجد أن مشهد اللاامتثالات الدينية آخذ في التعاظم وجودا وانتشارا وبالأخص في العقود الثلاثة الأخيرة. فمن جهة، هناك مجموعات كثيرة تستمر، منذ أمد طويل نسبيا، في التوسع والانتشار، ومن جهة أخرى، تنضاف إلى هذه المجموعات أخرى جديدة مغمورة حتى ذلك الحين، سنة تلو أخرى، مضيفة لمسات جديدة لسبورة فرقية "ملخبطة" سلفا… ويتساءل قائلا: "هل نحن نتجه، بالفعل، صوب تحولات لا مرد لها في المشهد الديني الغربي [ كما ألفناه ]؟"[4].

أما بالسياق الكندي، فنجد دراسة بالغة التوثيق والدقة لـ [ريتشارد برجرون ]، قام بها في إطار بحث ميداني وأحصى، من خلالها 300 فرقة دينية في منطقة (كبيك) حصرا.

الأساسي أن هذه الدراسة لـ [برجرون ] موقعت هذه "الديانات الجديدة –كما سمتها- خارج المدار المسيحي الكنسي المؤسسي لا تفتأ تنتعش خارجه، بالفعل، ومنذ سنة 1970[5]. بانتقالنا إلى الضفة الآسيوية وبالضبط في شقها الجنوب-شرقي الذي شكل بؤرة لما تسميه اليوم الأدبيات الاقتصادية بالتنين الأسيوي، نجد دراسة ذات أهمية لـ [تيري بافوي ] تتحدث عن ولادة "فرق توتاليتارية" قام مرشد قائد اسمه [مون] بتجميع جماهير غفيرة منها في العاصمةالكورية (سيول) سنة 1975 مليون شخص من الأتباع في تظاهرة رهيبة قاموا بنقش اسم المرشد (مون) بالدم البشري على بطونهم[6].

أما بأمريكا اللاتينية، فترتفع أصوات منادية بلاهوت التحرير منذ زمن، وهي الشكل الأبرز لاستلهام شعبي للمعتقد المسيحي بهذا الصقع من العالم. ولأهمية الحدث في حينه (1987): خصصت له مجلة فرنسية عددا خاصا تحت عنوان: "المنجل والصليب: مسيحيون غريبو الأطوار يريدون إحراق العالم". ومنه نقتطف هذه الشهادة:

" نحن إزاء تيار ديني عام يبتغي أن يكون تحريريا ويلجأ إلى نوع من المقاومة جديد: إنها المقاومة المسيحية-الماركسية[7]. يرى واحد من الذين استجوبتهم "المجلة" من المنتمين لهذا التيار أن جماعته هي "طريقة أخرى للتعبير عن وجود الكنيس"، إنها "الكنيسة الشعبية". وهما صيغتان تنطويان على صورة موحية كفاية، تكثف هذه "الهرطقة" التي شرعت تطال المشهد الديني بهذا الصقع. إن هذا "التحريري" صاحب هاتين العبارتين كان يمسك الإنجيل بيد وكتب (ماركس) باليد الأخرى ويضع بندقية رشاشة على كتفه[8].

2 ـ الجماعات الإسلامية بالمجتمعات العربية-الإسلامية:

حسب [جان بول شارنيي ]، الكلمة المتداولة، بالغالب، للإشارة إلى الجماعة الدينية خارج دائرة الأشكال المؤسسية والرسمية للإسلام هي "الفرقة"، وهي من فعل: "فرق" الذي يحتوي فكرتان أساسيتان.

الأولى: ذات طابع ملموس إذ تحيل على الانفصال، التميز والمفاصلة من الناحية المادية، كما تحيل على القطيعة وابتداع طرائق جديدة، افتراق، فرقة شعر الرأس، البدايات الأولى لمخاض أو حتى الأشعة الأولى المؤذنة بولادة الفجر وخروج النهار من أحشاء الليل (…) والثانية: ذات طابع مجرد، فقد تعني "الفرقة"، إسلاميا، جوابا على الاضطرابات السوسيو-اقتصادية بعد نقلها من مجالها المحصور والتصعيد من حدتها عن طريق خطاب ديني. غير أنه تعني، أساسا، طريقة تلجأ جماعة دينية لإثبات ذاتها[9].

في مواجهتها لمقتضيات التحديث المتسارع الخطى الذي شهدته مجتمعات قبلها ولا زالت تشهده أخرى قرينة لها في وتيرة التطور، فإن المجتمعات العربية الإسلامية بدورها، ليست أقل تعرضا لظاهرة تزعزع المعنى الديني عن مركز مداره. فالوحدانية الدينية تبدو كما لو أنها تخلي المكان بـ "بوليتيزم" ديني يأخذ، بالتدريج، في احتلال واجهة المشهد الديني ويحصل التعبير عنه من خلال تعددية في التصورات والمسلكيات التي أخذ الانتماء إلى المعتقد الإسلامي يصطبغ بتلاوينها في الحياة اليومية للناس.

فبجانب أشكال أخرى ليست أقل قيمة من شكل الاستلهام الإسلاموي للمعتقد، وبالتالي لا تقل دراستها واستكشافها أهمية من الشكل إياه (الممارسات الطرقية التقليدية: ظاهرة التعلق بالأولياء والصلحاء، استدامة "المواسمية" المرتبطة بإحياء ذكرى وأسماء أولياء محليين، بروز ضرب من "التدين الملحد"..[10]، نجد ظاهرة الجماعة الإسلامية الداعية والساعية إلى إحياء "العصر الذهبي" للنموذج الإسلامي الديني. هذه الظاهرة التي أدهشت، بحجم انتشارها وسرعته –بالقياس إلى حداثة ظهورها- حتى أكثر العارفين بالحراك الديني والسوسيو-اقتصادي للمجتمعات العربية الإسلامية[11].

وإذا استثنينا تيار "التجديد الإسلاموي الإيراني" الذي تحرك بتنسيق –إن لم يكن بتأطير- مع "هيئة الملالي"، فإن باقي الجماعات الإسلامية وبأغلب المجتمعات العربية الإسلامية أخذت شكل أقليات دينينة، حسب تعبير [ إميل بولا].

أكيد أن المجال ليس لمقارنة، لن تكون إلا متسرعة وارتجالية. إلا أننا نسجل، مع ذلك، أن مقارنة من هذا القبيل لن تكون خلوا من فائدة. فقد تفضي إلى صياغة الأجوبة الدينية للعصر على مشكلات الحداثة والتحديث ونسيجها الطبيعي: التمدن: (انقلاب الكفة على مستوى الفضاء التساكني لصالح الحواضر على حساب البوادي).

1 – حيث وجدت، فهي في الهامش الديني وحتى شكلها الإيراني الأغلبوي في موطنه، أقلوي في علاقته بمحيطه العربي-الإسلامي.

2 – تنطق بمواقف انتقادية-أو نقدية قد تنقلب إلى "مسلكيات عدوانية" إذا تدخلت، ما أسميناه فوق، بالمثيرات الخارجية البافلوفية، إزاء نظامي الدين والسياسة.

3 – تتخذ طابعا مهدويا أي تبشيريا بنمط جديد للمدينة الموعودة (ثابت المدينة الفاضلة في المتخيل السياسي)[12] يحبكها متخيل أدلوجي ديني وتجسده نواة: الفرقة-الجماعة.

بعد تسجيلنا لهذه القواسم، نرى القيام بإطلالة-مسح للظاهرة في أطرافها الإسلامية المختلفة نحصرها في:

ـ نموذج "الثورة الإسلامية"

ـ "الحالة المصرية"

ـ "النمذجة المغربية"

أ ـ نموذج "الثورة الإسلامية":

إن نموذج "الثورة الإسلامية" الذي يقوده النموذج الإيراني الإسلاموي هو مثال، في هذا المنحى، لخاصية الهامشية التي أشرنا إليها قبل، فرغم الترحيب المحاذر الذي لاقاه في أوساط المفكرين الحداثيين بالعالم العربي، فقد ظلت المؤاخذة المركزية عليه طابعه اللاهوتي الغالب وتعبئته الشارع بمفاهيم ملؤها التشيع المذهبي الذي كان ولا يزال ينظر إليه في تاريخية وسيرورة اللاهوت الإسلامي كهامش أقلوي وفوق ذلك لا عقلاني في طروحاته العقدية والسياسية سواء بسواء (مبدأ العصمة، الإمامة، المهدوية..). لقد نظر إلى النموذج إياه، من هذا المنظور، كظلامية جديدة، كحامل لثورة، كأنها نيزك أتانا من القرن الأول الهجري[13]. ونعت هذا النموذج في الثورة أو في التعبير عن ثورة عند ظهوره الأول في هذه الأوساط، بالماضوي لتوظيفه، غير المسبوق، للأسطوري الديني في تظاهرة محسوبة على الحقل السياسي: الثورة.

إلا أن ما تم إغفاله في هذه التحاليل الفكرية، الحداثوية جدا، هو أن هذا النموذج في التظاهر السياسي للديني كان، بالأصل، ثمرة لممارسات دينية شعبية في العمق. فأشكال الإنسية التي تخلقها الجماهير الحاشدة حول مزارات ومدافن الأئمة الشيعة والتماهي مع كاريزماتهم الدينية ومساراتهم السياسية الاستشهادية في غالبها كما التخليد التليد السنوي لروح "الحسين-الشهيد" بكربلاء في مختلف الأقاليم الشيعية ضمن طقوس تعبوية تحميسية بالغة هي كلها أشكال مؤسطرة على مستوى المتخيل الديني والسياسي الشيعي إلى الحد الذي ارتقت فيه إلى مستوى الوعي السياسي الشعبي النقيض والبديل.

الوعي السياسي المسنود بخلفية ذلك المتخيل الذي لا يفتأ يتجدد هو الذي شكل في مجموعه "ثقافة دينية موازية" للإيديولوجيا الدينية الرسمية وأصابها بالإخفاق القاتل. وهو ما دفع أحد الدارسين لظاهرة الثورية الإيرانية إلى تسجيل معطى مفاده أن جزءا هاما من الملالي أنفسهم لم يلتحق، إلا متأخرا، بموجة هذا الوعي الديني الموازي الشعبي مخافة أن تتجاوزه الأحداث! يقول جعفر عطاري في دراسة وجيهة بعنوان: "تحولات التدين الشعبي الإيراني"(1986): "هناك رجال دين (ملالي) إيرانيون يعملون لصالح الدولة، في واقع الأمر، من تلقاء أنفسهم إلا أنهم وهم يفعلون ذلك يقوون جهاز الدولة [بما في ذلك جهازها الإيديولوجي ذي المحتوى الديني (م)]. أما آخرون فمنهم من يعارض السلطة السياسية لأنهم أدرى من غيرهم كم هو مسؤول[14] تعاون رجال الدين مع السلطة السياسية، في جعل الملالي ممقوتين من الشعب".

وحتى بعد تمكن هذه الثورة من السلطة وتحولها إلى دولة، استمرت في تمثيل إسلام الأطراف مقابل إسلامات المركز في العالم الإسلامي والذي تمثله الدول الإسلامية القائمة. وإن الإجماعات "الإسلامية" التي تحصل ضد تظاهرات الحجيج الإيراني بموسم الحج السنوي تؤكد هذا الوضع. فلقد وصفت هذه بكل الأوصاف التي تحيل على الهامشية الدينية والأقلوية المذهبية لدعاة خلق طقس جديد أسموه: طقس البراءة. ومن هذه الأوصاف نجد: البدعة، الهرطقة، الفتنة، الخروج على الجماعة = (الرأي الغالب دينيا ولكن عدديا).

باعتبار تفرده المذهبي والخصوصية الأدلوجية لثورته السياسية، يعتبر النموذج الإسلاموي الإيراني الشكل الأجلى لاستلهام شعبي للمعتقد في المجتمعات الإسلامية، تليه في درجة الجلاء وليس في أقدمية الوجود، بالضرورة، تمظهرات أخرى أحصت إحدى الدراسات الحديثة من بينها أربعين جماعة نشطة[15].

ديناميكية هذه الجماعات وتأثيرها المتزايد في أوساط الشبيبة الحضرية بالأخص، دفعا ثلة من الباحثين، محليين وأجانب، إلى البحث في أبعادها ودلالاتها الدينية والسوسيولوجية والثقافية والسياسية المختلفة.

ب ـ "الحالة المصرية":

يفوق عدد الأبحاث والدراسات التي خصت هذه الظاهرة بمصر كل الأبحاث المماثلة في بلدان أخرى توجد بها ذات الظاهرة بنسب متفاوتة ومواقيت تاريخية بهذا القدر أو ذلك.

نخص بالذكر هنا الدراسة الرائدة لـ[جيل كيبيل] الذي أقام لمدة تزيد عن أربع سنوات بالقاهرة بغرض إنجاز بحث عن ظاهرة الإسلاميين التي صعد نجمها وعلا على غيرها، وتبدو لنا دراسة [ كيبيل ]، في هذا المنحى، الأكثر شمولية وإحاطة. تكمن أهميتها، بالمقام الثاني، في كون مصر بمثابة القاعدة التاريخية والإيديولوجية للظاهرة الإسلاموية الأولى. بها مسقط رأس نواتها الأولى أي جماعة "الإخوان المسلمون" الجماعة الأولى التي خرجت من عباءتها كل التنويعات الأخرى للجماعات الإسلامية المتناسلة منذ عام الولادة 1927.

أما السؤال الذي نبحث له عن إجابة في بحث [ كيبيل] هو الآتي: إلى أي حد يمكن اعتبار ظاهرة الإسلاميين بمصر شكلا من أشكال الاستلهام الشعبي للمعتقد الديني الأصل؟

بعد قراءة فاحصة لهذا البحث، لن نتردد في الإجابة بالإيجاب على هذا الفرض البدئي الذي وضعناه في مقدمة ما كتبناه، سجلنا أربعة اعتبارات لإسناد ذلك الفرض-الإقرار:

1 – الاعتبار الأول: كل محاولات تأسيس جماعة إسلاموية كانت تأتي من شخص يتموقع، كشخص، خارج الهيئة الدينية والهيئات الدينية الرسمية. فمنذ التجربة-الأم لحسن البنا [معلم ] مرورا بسيد قطب [شاعر وكاتب] ومصطفى شكري [مهندس زراعي ] حتى الجماعة العسكرية للإسلامبولي وعبود وخالد الزمر، لا أحد من هؤلاء يحمل لقبا دينيا ولا كان مرشحا لمنصب ديني رسمي.

2 – الاعتبار الثاني: بفعل ذلك نفسه، اعتبرت دائما هذه الجماعات من الوجهة الرسمية –كجماعات اختارت التموقع والتموقف- ثيولوجيا خارج دائرة الإجماع الديني الرسمي والمعترف به. وهو ما أمد بالغطاء الديني "الضروري" الاضطهادات المختلفة الحدة التي كانت عرضة لها عبر التاريخ السياسي المصري الحديث.

– الاعتبار الثالث: تنتج هذه الجماعات لحسابها رؤى خاصة عن الإسلام سواء على مستوى ماضيه وما سيكون عليه مستقبله وتتحرك بمقتضى هذه الرؤى وفي قطيعة متفاوتة النسب والدرجات مع النظام الديني المهيمن لا المسيطر حسب تدقيق [غرامشي].

4 – الاعتبار الرابع: نسيجها السوسيو-بشري دال في هذا الاتجاه أيضا. ذلك أن سوادها هو من شباب تلاميذي أو طلابي ترعرع في الوسطين القروي والحضري وتلقن تعليما عصريا (بالأخص التخصصات العلمية). وهو ما أكده، بدوره، عالم اجتماع مصري في دراسة ميدانية (1984)، ومنها نقتبس الخصائص السوسيولوجية المائزة لبروفيل الجماعة الإسلامية النمطية بمصر:

يتعلق الأمر بالنسبة لهذه الدراسة:

ـ بشباب منحدر من أوساط قروية أو مدن صغيرة،

ـ بشباب منتم إلى طبقات متوسطة أو دنيا،

ـ بشباب يحركه طموح قوي نحو الترقي الاجتماعي،

ـ بشباب في قلب حراك اجتماعي صاعد،

ـ بشباب له تكوين علمي بدرجة أساسبة ومهيأ لمهن مهندسين[16].

نفس المضامين أكدها بحث ثالث من خلال مجموعة من "قصص الحياة" ضمنها كتابا بعنوان الإسلام حرب ضد الغرب[17] ومنه نستنتج، بشكل تركيبي نفس الخصائص تقريبا:

1 ـ إن الجماعة الإسلامية النمطية ليست، إطلاقا، صنيعة مباشرة للكهنوت ولا تحوز على رضاه، بل هي تعارضه في احتكاره لشرعية إصدار الفتاوي الدينية وهي بمثابة الأحكام الشرعية التي يعتد بها بإجماع.

2 ـ إن الجماعة الإسلامية النمطية يقودها أفراد من فئات سوسيو-مهنية لا علاقة لها بنظام المشيخة الأزهري كما أن نواتها الصلبة تتشكل من شبيبة متعلقة تعليما عصريا وطموحة إلى الترقي الاجتماعي.

3 ـ تعيد الجماعة الإسلامية النمطية قراءة الديني لتتأوله تأولات غالبا ما تتموقع على الضفة الأخرى للهرمينوطيقا الدينية السائدة "أزهريا" وسياسيا. وختم هذه المعاينة دال جدا في هذا الاتجاه. يقول صاحبها [أوليفيي كاري ]: "مع صعود نجم هذه الجماعات تكون الثقافة الشعبية، في واحد من أشكالها، هي التي تنحو إلى التعبير عن نفسها وتفرض فرضا، على الزعماء التقليديين للإمامة الدينية والسلطة السياسية، نظرتها إلى العالم للقوانين التي يجب أن تسود"[18].

ج ـ "النمذجة المغربية":

أصبحنا نميز في الجماعات الإسلاموية، بعد البحث الذي قام به محمد طوزي[19] ،بين أربع فئات أساسية:

1 – الفئة الأولى: تدعي مارستها للسياسة المباشرة وتحصر نشاطاتها في التعريف بالإسلام. تعرف معظم الجماعات الصغيرة التي تقول بهذا الطرح تحت التسمية العامة شيئا ما للدعوة، إذا اعتبرنا أن الجماعات الصغيرة تلك لا تحمل دائما اسما مميزا تعرف به من خلالها.

2 – الفئة الثانية: تقول بأنها إصلاحية وتستلهم أفكار وأدبيات شخصين إصلاحيين بارزين وعدوين لدودين للممارسات الطرقية وهما: أبو بكر الجزائري وتقي الدين الهلالي.

3 – الفئة الثالثة: تشمل الجماعات المتأثرة، بشكل خاص، بأدبيات "الإخوان المسلمين" لكل من حسن البنا وسيد قطب بدرجة أولى. وتتشكل، أساسا، من متعلمين وجامعيي التكوين والمستوى وتنتظم داخل شبكات سرية.

4 – الفئة الرابعة: تعرف بالسلفيين المجددين. طرحها الأساسي يكمن في البحث عن الأصول: أصول الدين بغرض تكييفها مع متطلبات العصر مع الحفاظ على جوهرها الإسلامي الأول. وهي جماعات مفتوحة للجميع، يتحدث أعضاؤها بتلقائية عن أفكارهم وينزعون إلى التحاور. وهدفها القصي هو الاستعانة بمعطيات الدين للتأثير على المجتمع. وفي كل هذه الفئات، لم يسجل بحث [طوزي ] حضورا للهيأة الدينية الرسمية أو توجيها كيفما كان نوعه لها. وهو ما يؤكد، مرة أخرى، انغراساتها الشعبية.

IV ـ منطوق الإشكالية المطروحة:

إذا نحن وضعنا جانبا الاختلافات التنظيمية والتسميات المختلفة والفروقات المتباينة، بهذا القدر أو ذاك، في البرامج والستراتيجيات العامة لهذه الجماعات، فهل سيكون بإمكاننا بلورة متخيل إيديولوجي منعكس على معيشاتها يتمحور حول تمثلات العودة إلى الأصل-النموذج؟ ألن تكون الإيديولوجيا المقولة أو المنقولة من المكتوب، الفضاء-الزمن، الجسد هي بمثابة التيمات الأكثر تطابقا لبلورة تمثلات من هذا القبيل؟

V ـ في اللغة الإيديولوجية:

1 ـ الاصطلاحات/المداميك: جاهلية – طاغوت – جهاد – جماعة: يمكن أن نعتبر الإيديولوجيا الإسلاموية بمثابة المجال الأول الذي يمارس فيه الإسلاميون تميزهم ونبادر إلى القول، منذ الآن، إن الكثير من الجاذبية التي يمارسها خطابهم الدعوي على المتلقين من مختلف الفئات الاجتماعية راجع إلى خصوصية هذه اللغة.

نحذر، بشكل خاص ها هنا، من أن تفهم كلمة "إيديولوجيا" كبناء نظري محكم التشييد منطقا ونظاما لا يمنح نفسه ولا يفتح مغاليقه إلا لفئات المتمدرسين والمتعلمين وبالأحرى المثقفين. أقصى ما نعنيه بهذه الكلمة هو مجموعة من التمثلات ذات طبيعة أسطورية أو مؤسطرة في سياق ديني تم تحيينها وبعث الحياة فيها. تستمد جزءا بالغا من "قوتها الإقناعية" من بساطة وعتاقة مفرداتها مما يفسر هذا التأثير الذي تمارسه على فئات واسعة وغير منسجمة فكرا وانتماء طبقيا داخل المجتمعات العربية الإسلامية كما وقفت على ذلك دراسات ميدانية شتى.

ونجد أن هنالك جملة من اصطلاحات-مفاتيح تكثف هذا المنحى الإيديولوجي الإسلاموي حصرناها، على ما قد يكون في ذلك من اختزال موعى به، في أربعة: الجاهلية – الطاغوت – الجهاد – الجماعة.

إن أول ما يستلفتنا في هذه اللغة الإيديولوجية طابعها المقولاتي  (الأركيتيبي) أي تكثفها ضمن مقولات ذهنية لازالت راسخة بالذاكرة الجماعية للجماعات اللاهوتية المعنية بها. ولقد استجبنا في اختيار هذه الاصطلاحات-المداميك كما سميناها، لدواعي التواتر والاسترسال والتكرار التي تجعل منها الأكثر بروزا في هذا الخطاب الإيديولوجي.

هكذا يستعمل الخطاب إياه اصطلاح "جاهلية" لينعت بها الواقع الراهن برمته للمجتمعات الإسلامية. وتحيل الكلمة في اللغة الإسلامية العارفة، على الأزمنة السابقة على ظهور الإسلام في حين ترمز بالمتخيل الشعبي إلى لائحة المحرمات الدينية وفي القلب منها صورة صلدة: الوثن وصورة سيالة: الخمر. الصورة الأولى تكرسها، باستحضارها الدائم، صورة سمعية-بصرية أخرى تتمثل في "المسلسلات الدينية" التي تتكشف بها الرمزية الجاهلية عبر الأوثان المنتصبة والمنبثة بكل مكان والمتعبد بها جهارا والمعتقد بفاعليتها.

إن مصدر الإخبار المادي الأوحد اليوم، عن جاهليي أمس هي تلك المسلسلات التي نجد بها الشخوص النمطيين لـ"الرسالة الجدية" محاطون، دائما، بتماثيل من مختلف الأحجام في حين ينصب "الجوهر" في رسالة "الدعاة الجدد" على مهمة تحطيم هذه التماثيل المشخصة واستبدالها بالإله الواحد المفارق للحواس البشرية: الإله المجرد. أما الصورة السيالة للخمرة فتحضر بقوة أكبر للإيحاء بما هو جاهلي أو من تمظهراتها الأكثر جلاء. تكثف الخمرة، لوحدها، انتهاكا للتشريعات الدينية وتحضر، بمخيلة الناس، في قمة الممنوعات قبل الممارسات الجنسية الغير زواجية التي تحيل، بدورها على محرم ديني بامتياز.

يقوم الخطاب الإيديولوجي الإسلاموي باستعادة هذه الرمزية المشحونة بالصور، على اختلاف مرجعياتها المحايثة منها والاستيهامية، والتي لا زالت تختزنها هذه الكلمة لتنعت بها، بدورها، في توظيف جديد، كل المظاهر الاجتماعي لانتهاك الديني أو "روحه" (الحانة، قاعات الفرجة، ملاعب، فضاءات ترفيهية مختلفة..) ورفقتها الأشكال الدخيلة أو الوافدة على الحياة اليومية للناس من ذلك "الغير الديني": (اختلاط جنسي، عري جسدي، تناول المشروبات الروحية، التدخين، العهر، التفريط بالصلوات اليومية) تلك المظاهر الاجتماعية للانتهاك الديني أو لروحه وتلك المسلكيات المختلفة الوافدة في مجملها، هي التي ينطلق منها الخطاب إياه لتبرير نزعة نضالية يعمدها بالجهاد الحاملة أيضا لدلالات متخيلة خاصة سنعود إليها بعد. لكن الجهاد ضد من؟

هنا تحضر استعارة أخرى هي: الطاغوت. هذا الذي تشخصه السلطة السياسية القائمة المسؤولة عن تعطيل الأحكام الشرعية.

تقول مقالة إسلاموية بهذا الصدد: "كنا ننتظر بعد أن فك الله رقبة البلاد من ربقة الطواغيت المستعمرين أن تسلك الطريق القويم وذلك بعودتها إلى الشريعة الإسلامية، لكن لا شيء من ذلك حدث"22.

تحيل كلمة "طاغوت" في الاستعارة القرآنية على خصوم الدعوات النبوية ومضطدي النبوات. إلا أن الصورة الأبرز للطاغوت مشخصا هو فرعون بشقيه التاريخي والأسطوري في ذات الوقت، تماما كشخصية جحا في الأدب العالمي. يستحضر المتخيل العام للناس هذه الشخصية، بشقيها معا كلما أراد تكثيف وتجسين تعبيره عن سلطة قوامها القمع والعسف والممارسة التجاوزية والنرجسية للسلطة في جميع مجالاتها. ونود الإشارة هنا إلى أن عنوان كتاب [جيل كيبيل ] ما فاته توظيف هذه الرمزية الثنائية القطب: النبي وفرعون عن الحركة الإسلامية بمصر.

إنهما الصورتان النمطيتان (البراديغميتان) لعلاقة تنابذ ندية، ضدية تجمع بين الشيء ونقيضه، بين القائم من أوضاع وبديلها. النبوة كرمز مطلق عنوان الذهنية النهارية النورانية، والفرعونية كرمز للشر المطلق: سمة ذهنية ليلية ظلامية. كلما أراد المتخيل الشعبي كالعارف التنديد الكلامي بعسف ما في ممارسة علاقة سلطوية (الأب داخل نسق الأسرة، رب العمل في معمله، السياسي عند مزاولته لمهامه في القيادة والتسيير..) فإن الاصطلاح يكاد يحضر آليا. كأن مصير الشخصية التاريخية، لكن المؤسطرة بعدئذ، هو الغرق المستديم في البحر الأحمر. قلنا المؤسطرة لأنه لا زال هنالك من الحجيج العائدين من الشرق من يتحدثون عن الطائرة التي أحسوا بها وهي تهتز عند مرورها من المكان الذي افترض أن شخص فرعون غرق به!

فبالإضافة إلى فكرة العسف السلطوي (السلطة عندما تتحول إلى تسلط) التي تتضمنها الكلمة المؤسطرة تحضر تراجيديا الغرق الأزلي، كالعذاب السيزيفي تماما، التي كان من نصيب كل الأقوام التي قابلت الرسالات الرسولية بالصدود والجفاء إن لم يكن بالعداء. الغرق كرمزية للاجتثاث الكلي المؤشر لإعادة بناء جديد من عدم مطلق!

هنا عينة من الشهادات القرآنية الناقلة لتراجيديا الغرق مع ما يصاحبها من رمزية فائض الماء، الماء الطوفاني، الماء الهالك23:

ـ "وأمطرنا عليهم مطرا، فانظر كيف كان عاقبة المجرمين" (عن قوم لوط) "الأعراف" آية 84.

ـ "فانتقمنا منهم فأغرقناهم في اليم بأنهم كذبوا بآياتنا" (عن قوم فرعون). الأعراف 136

ـ "فأرسلنا عليهم الطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم آيات.." (عن قوم فرعون) الأعراف 133.

ـ "فكذبوه فأنجيناه والذين معه في الفلك وأغرقنا الذين كذبوا (…) إنهم كانوا قوما عمين" (قوم نوح) "الأعراف" آية 64.

ـ "فلما جاء أمرنا جعلنا عاليها سافلها وأمطرنا عليها.." سورة هود آية 82.

ـ "ولا تخاطبني في الذين ظلموا، إنهم مغرقون" "هود" آية 37.

ـ "وهي تجري بهم [سفينة نوح ] في موج كالجبال…" آية42.

ـ "وحال بينهما الموج، فكان من المغرقين" آية 43.

ـ "وقيل يا أرض ابلعي ماءك.." آية 44.

وبالنظر إلى حمولاتها العارفة والدارجة المتجذرة بتربة متخيل مشترك، فإن استعارة الطاغوت أقرب إلى الامتزاج بمجرة الفهم الشعبي للامشروعية السياسية بمعيباتها الأخلاقية الآنفة، هي أقرب من لغة الخشب للإيديولوجيا العلمانية اللائذة بمقولات موغلة في التجريد (طبقة مسيطرة، بورجوازية استغلالية، وسطاء كومبراديوريون..) للتعبير عن ذات الوضع أو الموقف المماحك للمشروعية السياسية السائدة.

يفهم بالتالي وتأسيسا على هذه الرمزية المشحونة بالمتخيل، بأن الخلاف بين السلطة السياسية والجماعات الإسلاموية ليس ذو طبيعة زمنية صرف فهو في أسه مسنود بخلفية روحانية-عقدية، إنه ليس سياسيا خالصا بل ودينيا بدرجة أولى، وبالتالي فهو جذري طالما تمارس السلطة فعل تعطيل العمل بالأحكام الشرعية: تقول مقالة بهذا الصدد:

"أين توجد تمظهرات الإسلام المعترف به دستوريا كدين دولة؟ حصرت السلطة السياسية الإسلام في شكل التعبد وبمدونة الأحوال الشخصية ونحن نريده نظاما شاملا"24.

إذا كانت استعارة الطاغوت ترمز إلى سلطة سياسية غير مشروعة دينيا وتنتهي دائما برسم ّسنة" –قانون ميتافيزيقي إلى الأفول والهلاك، فإن الإسلاميين يعتبرون ذواتهم كـ"مجاهدين". أولئك الذين يتولون مهمة اسمها "الجهاد" والتي تندرج بدورها، ضمن أفعال تلفها قدسية. فالجهاد، في سياق هذه الرمزية لا هو بكفاح ولا هو بنضال وهما مصدران لفعلين ذوي دلالة إيتومولوجية ترشح بلائكية البراكسيس (كافح، ناضل).

قبل أن يحيل اصطلاح "الجهاد" على دلالته المادية الخارجية، بشكليها الردعي الدفاعي أو الهجومي الفاتح، فإنه يصرف الذهن إلى ممارسة لمقاومة نفسية داخلية تتغيى ضبط الذات والتحكم بها وهو ما تنطوي عليه الكلمة ذات الصيت الصوفي بعدئذ، ومن ذات الجذر، المجاهدة أو "الجهاد الأكبر" حسب تعبير رسولي. فإذا كانت استعارة الطاغوت في المساق النصي والمتخيلي، يرمز، بتكثف وجسامة، إلى الاندفاع الغرائزي في وضعه الجامح، فإن "المجاهد"، وضمن لعبة أضداد مانوية، هو المتحكم أولا بنوازع نفسه (الجزء اللعين فيه، شقه الإظلامي) مجسدا بذلك مثلا أعلى في ممارسة السيادة على الذات تماما كما فهمت هذه في سياق التفلسف الهلنستي وضمن المعطيات الفلسفية البوذية. منذر هو الطاغوت، بفعل ضعفه أمام جموح نوازعه وعسفه على الآخرين وبرسم حتمية ميتافيزيقية، إلى هلاكه الشخصي في حين أن غريمه "المجاهد" مبشر، برسم ذات الحتمية، للانتصار على الآخر المختلف المطلق (الغير الديني) لأنه بغلبته على جزئه اللعين (تعبير باتاي) فيه فإنه غالب عليه في الآخرين، المجتمع موضوع الإصلاح: مجتمع الجاهلية الجديدة.

هذا في حين أن الدلالة المادية ("الجهاد" تصرفنا إلى "الحرب ذات القدسية"، "حرب على الإله وفي سبيله") مسنودة بحدين: حد بلاغة الكلمة وحد سنان السيف. يتماهى "الجهاد" في الإيتومولوجيا الإسلاموية مع فكرة الواجب الديني الذي لا يختلف عن الواجب الكانطي إلا في كونه نقليا آمرا [ كتب عليكم: هي صيغته الأثيرة] وفي كونه عقليا أي قابل للبرهنة والتبرير المنطقي-الأخلاقي. فإذا كانت العبادات تعود إليها وظائف سيكولوجية محض (أن تجعل من المجاهد عفيفا، زاهدا، منضبطا)، فإن الوجه المادي لفعل الواجب ذاك يتمثل في مواجهة "شخص المجاهد" لسلطة الطاغوت، تلك السلطة السياسية اللامشروعة لأنها بجوهرها، تلك التي تقف في وجه النموذج الديني –كما يستعيده الإسلاميون على مستوى المتخيل لا على مستوى التاريخ الوقائعي ويعايشه ضمن اشكال استيهامية- حتى لا يشمل كل مرافق الحياة الاجتماعية للناس.

أما إذا نظرنا في الاستعمال "الدارج" للكلمة فإننا نجد أن "المتخيل الإسلامي" استلهمها، في شقها الثاني أي المادي منه، في حروبه التحررية المختلفة: ضد الأشكال المتعددة المشارب للمستعمر (النصارى). وظفها، بعد ذلك، بشكل محايث أكثر، للتدليل على أفعال "الخير والتطوع والإيثار (الغيرية بمعناها الإنسانوي). وهي أقرب ضمن هذا التوظيف المحايث إلى الصيغة القرآنية الأثيرة: ما أسالكم عليه من أجر، إن أجري إلا على الله" ونجد أن الإسلاموي يتماهى معها، اعتقادا منه بدوره الطليعي الراهن في إحياء الدين وبعثه (الحقيقة: بعث وإحياء النموذج الذهبي المتخيل التاريخي).

يتحدد الإسلاموي ذاتيا كمدافع عن إسلامية المجتمع المضيعة ويرى في "جماعة انتمائه" التي يتماهى معها طليعة المضيعين لإيمانهم، لإسلامهم الأول، إسلام "الأليد تومييس" الزمن حسب تعبير (ميرسيا إيلياد)26.

لذا نجد أن المتواتر في التعميد الذاتي للمجتمع الإسلاموي هو اصطلاح "الجماعة" (جماعة الدعوة، جماعة المسلمين، جماعة الإخوان..) وهي تعني أصلا ما "يجمع ويجمع" يحتوي بداخله، وتعبر، بشكل عام، عن التجمع"27.

إن الخطاب الإسلاموي يستبعد بل ويقصي في عملية تعميده الذاتي لتجمعه البشري عدة تسميات كـ: حزب إلا إذا كان مرفقا بالله (استلهاما للثنائية القرآنية الأثيرة: حزب الله-حزب الشياطان)، إلا أنه يقصي، بشكل خاص، كلمة "فرقة" المشحونة بسجل حافل من دلالات التفرقة، الانشقاق، شق عصا الطاعة، كسر بيضة الإسلام. بالعكس، لا يمانع في التعميد الذاتي إياه في استعمال كلمتي: "دعوة"، "جماعة" اللتان تستحضر الدلالات الدينية لـ "تجمع من أجل العبادة والتبشير برسالة"28.

تكثف كلمة "جماعة" بصورتيها السمعية والبصرية مشهدا لتجمع بشري ينزع إلى الانغلاق على نفسه والتميز عن كل ما يتموقع خارجه. ذات الكلمة تحضر بالمتخيل الشعبي لتحيل على أفراد حصل بينهم إجماع حول شيء ما وهي ذات لحمة وجدانية وفعلية داخل بنية القبيلة [تاجماعت المعروفة]. تنضح كذلك بمعاني التضامن والتكافل الضروريين لنجاح ونجاة فـ "يد الله مع الجماعة" لا تزال على أغلب الألسن.

وهو ما يعني أن "التحيين" الإسلاموي للمصطلح من شأنه أن "يوقظ" كل هذه الدلالات النصف الغافية والنصف اليقظة في متخيل مخاطبيها المحتملين. وإذا اعتبرنا [ كما خلصت إلى ذلك أبحاث أشرنا إليها أعلاه ] أن الإرسالية الإسلاموية تلقى آذانا صاغية وليس فقط مستمعة وبدرجة أولى، بالمراكز الحضرية للمدن العربية الإسلامية الكبرى (القاهرة، البيضاء، الجزائر العاصمة..) حيث وتيرة التحضر المتسارعة تنتج أشكالا "مختلفة" من التباعدات "القسرية" بين افراد الجماعة اللاهوتية الواحدة وتفككا تدريجيا لروابط الجوار والقرابة والزمالة في صيغتها (أو صيغها المعهودة)، فإن إعادة الحياة إلى "فكرة التجمع" حول "جماعة" وبداخلها من شأنه أن يبعث الحياة في مكبوت "الوجود-مع-الآخرين" الطابع الغالب لنمط العيش الشرقي (هنا بجزئيه المشرقي والمغربي، ذلك أن الغرب الإسلامي غرب جغرافيا شرق ذهنيا من هذا المنظور حصرا).

من الوارد أن تكون الجماعة بالمعنى ، تعبيرا جمعيا آنيا عن نزوع اجتماعي عارم إلى إرادة العيش مع الآخرين الذين لم يعد من الممكن التعرف عليهم إلا من خلال تطابقنا اللاهوتي، الواقع أو المتخيل، معهم وتثبيت هوية لاهوتية جماعية في الوقت الذي تتساقط فيها، واحدة بعد الأخرى، كل أشكال الهويات الجماعية وبالأخص في زمن عمد بالعولمة. كما أن مفهوم الجماعة، بهذا المنحى قد يعبر عن رغبة ملحامة في عدم القطع المطلق الخاطف مع نمط العيش الما-قبل حضري-مديني، وليكن ذلك، هذه المرة، على أساس ديني "محدث"‍

انتهت أغلب الدراسات المعاصرة حول الظاهرة الإسلاموية إلى كون مفهوم الجماعة أكثر انسجاما مع الفهم والإدراك الشعبيين للتجمع البشري، للاجتماع والتوحد بالآخرين، وهو ما جعل الجماعات الإسلاموية بمثابة ملتقى لشرائح اجتماعية يصعب حسب الفهم الوضعي لمعايير الانتماء السوسيو-اقتصادي أن تبرر تلاقيها داخل وحدة أو كتلة بشرية صراعية من منظور مصالحها الطبقية الآنية، مندمجة من منظور مصائرها القدرية والوجودية وردة فعلها إزاء الرديف الفرداني لسيرورة التحضر المديني.

الجماعة، لا هي بحزب ولا بنقابة: الشكلان الضيقان للتجمع والتعبير عن انتماء والتوحد في جماعة قدر. إنها ضرب من المرابطية الجديدة تضم بداخلها كل هؤلاء الحائرين الفاغرين أفواههم أمام عجائب التحديث وطلاسمه.

بالأمس، وأمام غرائب العولمة وألغازها اليوم تماما كما كان "الأسلاف" يلجؤون إلى المرابطيات القديمة لفك ما استعصى عليهم من ألغاز الطبيعة والناس، بل إن أحد الدارسين ذهب إلى حد القول أنه "لا يمكن أن نفهم هذه التراجعات البائنة للانتماء والتأطير الحزبي الوضعي في المجتمعات العربية-الإسلامية مقابلة "تدفق بشري" على هذا الشكل العتيق لتجمعات "الجماعة الإسلامية" إلا لكون هذه الأخيرة تلجأ إلى رمزية لغوية دينية، من ضمنها اصطلاح الجماعة الذي مارست به التعميد الذاتي"29.

وهو ما يتأكد من خلال طبيعة الاستقطاب الإسلاموي لأعضائها المحتملين. فالجماعات الإسلاموية تستقطب أعضاءها في قطيعة تامة مع متغيرات الطبقة الاجتماعية والسن أو مقولة "الفئة السوسيو-مهنية"، الأثيرة.

الجماعة الإسلاموية هي ملتقى لفئات ثلاث بارزة:

1 ـ الطلبة وبالأخص ذوي التكوين العلمي

2 ـ المحاسبون والموظفون بالقطاع العام

3 ـ التجار والحرفيون والسائقون من القطاع الخاص30.

إن الجماعة الإسلاموية، بهذا المعنى، ملتقى لكل الشرائح المقحمة في دواليب حداثة عامة (وبعدها عولمة إنزالية) لم يختاروها مع إحساس بتوجس كبير تجاهها، شرائح قد تريد حداثة دونما تحديث يواكبها في الرؤى والذهنيات وطرق العيش وإعادة ترتيب الزمان والفضاء.

إن الجماعة الإسلاموية بالأقطاب الحضرية هي استعارة لسفينة نوح يلجأ إليها من دوخته أمواج الطفرات التحديثية والعولمية المتلاطمة والإنجرافات الهائلة لسلاليم القيم والمقاييس والموازين المعهودة، هي "خشبة نجاة"، ليس بالضرورة من النار الإسكاتولوجية، بل من فقدان عن تصدع المرجعيات التي كانت ترفد الوعي الجمعي بأجوبة جاهزة، مطمئنة، بيقينيات، أي الشكل المخفف للحقائق المطلقة.

ويمكن أن نعتمد كخلاصة هنا ذلك الربط الذي قام به عالم الاجتماع المصري [سعد الدين إبراهيم ] بين السداد الإسلامي في اختيار "الكلمات" والمراهنة على شحناتها التخييلية وخلفياتها المؤسطرة والنجاح البين الذي حققه شيوع الخطاب الأدلوجي الإسلاموي والتجاوب معه من قبل كشكول فئوي، طبقي يقوم بفعل ذهاب وإياب بين تنافراته الدنيوية وتناغماته الوجودية! يقول [سعد الدين ] بهذا الصدد: "إن نصف العمل الذي كان يجب على الإسلاميين القيام به وجدوه ناجزا من طرف وظائف فاعلة في الحياة الاجتماعية منذ الطفولة [يقصد مختلف أشكال التنشئة الاجتماعية (م)]. كل ما تبقى لهم هو التوعية السياسية وفرض انضباط داخل الجماعة. هذا في حين يتعين على حركة ذات حساسية يسارية ذات قرابة بالأدلوجة الماركسية أن تبدأ عملها هكذا:

1 ـ إزالة القوالب الذهنية والثقافية المعششة في رؤوس الأفراد

2 ـ تسييسهم

3 ـ إفهامهم عناصر النظرية التي تدعو إليها31.

إن هذه المقولات الذهنية-اللغوية التي تسم الخطاب الأدلوجي الإسلاموي، وهي مداميكه، نقاط ارتكازه، تمثل، بحق كما عبر عن ذلك [برونو اتيان ]" طريقة في تمثل الواقع وتحقق، بعد ذلك، إشباعات ذات طبيعة أسطورية"32. ورمزية هذه المقولات، بحد ذاتها، ليست لا نتاجا خالصا للغة العارفة النصية [ القرآن واستعاراته وقصصه ] ولا محض ابتداع ذاتي. إنها ثمرة لتفاعل وجدل لا يكف بين الحدين. إنها من قبيل اللغة التي يموقعها [جيرار نمر] في "منتصف الطريق بين المفهوم والصورة الفردية"33.

بالوسع استجلاء  الخاصية الثانية فيما نعتبره عناصر أولية مؤسسة لمتخيل إيديولوجي إسلاموي من خلال كتاب توازن قيمته الرمزية والحركية ما لكتيب "ما العمل"؟ لـ(لينين) عند النشطاء الماركسيين اللينيين، نقصد "معالم في الطريق" للمنظر الإيديولوجي "الإخواني" المصري [سيد قطب]34.

لم يفت [جيل كيبيل ] في دراسته عن الحركة الإسلامية المصرية الآنفة الذكر، التوكيد على الأهمية "الإيديولوجية" التي لا تجادل ولا تضاهي لهذا الكتاب، وقد خصص له فصلا خاصا في الدراسة إياها. إنه بمثابة بيان-الجهاد لعموم الإسلاميين النشطاء وكل باحث توخى الإمساك بالعوالم الذهنية الخلفية المحركة للمتخيل الإيديولوجي الإسلاموي ليس بوسعه الاستغناء عنه، بل إنه حسب تعبير [ كيبيل ] "الطريق الملكية لمن أراد التوغل في شعاب وشغاف الحركة الإسلامية المعاصرة"35. كان للمنتوج الفكري الأدلوجي الإسلاموي [سيد قطب ] تأثير بالغ على العوالم الذهنية للإسلاميين إلى الحد الذي تم التماهي مع رمزية اسمه لتعميد جماعات إسلاموية سميت بـ"القطبيين" للتدليل على الالتزام الحرفي بالمنطوق النظري والحركي لهذا الداعية.

لا يسعنا بدورنا من خلال ما توفر لدينا من معطيات حول "المكتوب الإسلاموي" إلا أن نسجل ما لهذا المنتوج الإسلاموي القطبي في عموميته، و"للمعالم" بشكل خاص، من أهمية مركزية في مقاربة التمثلات الإيديولوجية الإسلاموية، مع تسجيلنا،… الآن، إلى أن صنافة أكثر شمولا وأكثر جدة، لتحقيق نفس الهدف، واردة ووجيهة [ انظر الهامش(35) من هذه المقالة]. إلا أن هذه القيمة المركزية التي أمست رمزية باعتبار خصوصية [سيد قطب ] نفسه الذي برهن في شخصه بأن "أسمى أنواع الأفكار هي التي نسقيها بدمنا"، كما يقول [نيتشه ]، أقول: إن هذه القيمة لا يجب أن تخفي عنا إسهامات نظرية إسلاموية أخرى تصوغ، كل واحدة من موقع اهتمامها، العالم الذهني الإسلاموي المعاصر. نذكر منها:

ـ سعيد حوى [ السوري ]: في ما يخص التربية الروحانية،

ـ فتحي يكن [ اللبناني ]: في ما يخص الطرق الأليق لممارسة دعوية استقطابية،

ـ محمد قطب [ المصري ]: بخصوص "التقويم الإسلاموي"، للنتاجات الأساسية في الفكر المعاصر، صاحب جاهلية القرن العشرين الكتاب المثير بعنوانه،

ـ سيد سابق [ المصري ] وأبو بكر [ الجزائري ]: بخصوص تعميق المعرفة بالممارسة التعبدية المطابقة للسنة "الحق".

إلا أن المنتوج الأدلوجي لـ [سيد قطب ] ينفرد بوضع التنظير الأدلوجي، بامتياز، للنزعة الإسلامية، وبالأخص في شعبها النشطة. إن ما يقدمه لنا هذا المنتوج هو، بواقع الأمر، عناصر تفصيلية، مصاغة صياغة لغوية آسرة حبلى بالبلاغيات المعبئة، المستنفرة الآسرة للوجدان و"الحس السليم". إنه يصيغ بنظرنا الطوبى الإيديولوجية [ مع الإشارة إلى أن كل طوبى إيديولوجية بالضرورة] للإسلاميين.

ضمن هذه الطوبى (يوتوبيا)، يتعامل الإسلاموي مع الكلمات وكأنها وقائع أو كأنها منذورة، بفعل الفعل الإرادوي، لأن تكون كذلك بشكل قدري. تمسي الكلمات في سطور هذه الطوبى حاملة لشحنات تخييلية تسقطها عليها الذات المتفاعلة معها، وهو ما حاولنا لفت الانتباه إليه من خلال رمزية اللغة المستعملة عبر مداميكها الأربعة والتي تتلاقى فيها دلالات متداولة "مخدومة" مع معاني عارفة لا زالت فاعلة، مبلورة بذلك شكلا من التلاقي الخصيب بين المعنى المتعالم والمعنى العام.

بالخطاب القطبي [مكثف ها هنا بالمعالم ] يستوقفنا وجه آخر في هذه اللغة الإيديولوجية الناحتة لمتخيل أدلوجي إسلاموي. وجه هو بمثابة "المنطق الداخلي" أو (Ratio Seminalis) لمكونات اليوتوبيا الإسلاموية.

يمر متخيل العودة إلى النموذج الإسلامي الخالص [ الموضوع التاريخي-اللاتاريخي في ذات الوقت للنوستالجيا الإسلاموية]، من قناتين-رؤيتين ذهنيتين لواقع الناس ولمآلهم، لما هو كائن ولما ينبغي أن يكون. هاتان الرؤيتان هما: القيامية والمهدوية.

1 ـ الرؤية القيامية:

إن طقس العبور إلى الإسلاموية وإعادة التعميد بصفة "إسلامي" تقتضي التسليم بالتقريرات الآتية:

*بخصوص العالم بكامله:

ـ التسليم الأول يقول: "تقف البشرية اليوم على حافة الهاوية(…) بسبب إفلاسها في عالم القيم(…) فالعالم الغربي لم يعد لديه ما يعطيه للبشرية من القيم بل لم يعد لديه ما يقنع ضميره باستحقاقه للوجود(…) كذلك العالم بالمعسكر الشرقي نفسه. فالنظريات الجماعية [وفي مقدمتها الماركسية] قد تراجعت هي الأخرى تراجعا واضحا(…) [ الكلام هنا في أواسط الستينات ]" معالم في الطريق، ص5.

"إن العالم يعيش اليوم كله في جاهلية من ناحية الأصل الذي(…)" (ص10).

*بخصوص كل مجتمع على حدة: التسليم الثاني:

"تدخل في إطار المجتمعات الجاهلية جميع المجتمعات القائمة اليوم في الأرض فعلا(…) المجتمعات الشيوعية، المجتمعات الوثنية في الهند واليابان والفليبين وإفريقيا والمجتمعات اليهودية والنصرانية في أرجاء الأرض جميعا [ وحتى] تلك المجتمعات التي تزعم لنفسها أنها "مسلمة". وبالطبع، يسرد (قطب) مسوغاته حول هذه الأحكام تجاه كل المجتمعات، حذفناها لأنها لا تهم بهذا المقام بقدر أهمية النزعة القيامية التي تعبر عنها هذه الصياغيات، نفس المرجع [معالم في الطريق ]، صص96-101.

*بخصوص إمكانية التواصل والحوار:

ـ التسليم الثالث: "إن الإسلام يرفض الاعتراف بإسلامية هذه المجتمعات كلها وشرعيتها"، ص103، كما أن "الإسلام لا يعرف، إلا نوعين اثنين من المجتمعات: مجتمع إسلامي ومجتمع جاهلي" [ وطبيعي أن الأول يعترف به والثاني لا يعترف به ]، ص116.

لإبراز تميزه الإيديولوجي الجديد في حلته القشيبة القطبية وكذا طهرانيته الدينية، على الإسلامي المعمد حديثا على أنه كذلك والناجز لطقس المرور من لا إسلام مطلق إلى طور إسلام مطلق، أن يسلم، بشكل أسطوري، بأن كل الحقب التالية لزمن النموذج النبوي حصرا في الحكم والتدبير إن هو إلا إفساد ديني، لا اكتمال أخلاقي، "تحريف" للنموذج الأصل المصعد إلى مستوى الأنموذج [الباراديغم] اللاتاريخي.

إلا أنه، وعلى مستوى التقويم الواقعي المضبوط شيئا ما وخارج هذه الصياغات الفضفاضة الحالمة الضرورية لكل متخيل أدلوجي طهراني، نرى أن الإسلامي يتجه "نقده" الأخلاقي في جوهره بدرجة أساس إلى ما أفرزته التطورات العامة لحركية البشر من مظاهر مسلكية وعقدية أكثر مما يتجه إلى "فواكه" التطورات إياها والتي يجنيها الإنسان من خلال مزايا التقنية وغيرها من الإبداعات الميسرة ماديا للوجود الإنساني.

فالمطلوب فقط هو "تبيئة" هذه "الفواكه" مع سياقها الإسلاموي الجديد حول هذه الانتقائية، نجد جملة من مسلمات أخرى يمر منها التعميد نحو الإسلاموية منها:

ـ "جاء دور الإسلام الذي لا يتنكر للإبداع المادي [ التقانة] في الأرض لأنه يعد من وظيفة الإنسان الأولى منذ أن عهد الله إليه بالخلافة في الأرض ويعتبره تحت شروط خاصة (عملية التبيئة) – عبادة الله وتحقيقا لغاية الوجود الإنساني" نفس المرجع، ص7.

وللتطابق مع أخلاقيات هذه الانتقائية الإسلاموية، تنسحب اللغة القيامية بنبرتها الهجومية فاسحة المجال للهجة أخف هي: التسامح، يقول: "إن الإسلام يتسامح في أن يلتقي المسلم من غير المسلم [ الجاهلي البعيد] أو من غير التقي من المسلمين [الجاهلي القريب ] في ميادين الكيمياء، علوم الطبيعة، علم الفلك، الطب، الصناعة، الزراعة أو الأعمال الإدارية والكتابية(…)"، ص143 ذلك "أن  العلم ليس مقصورا على علوم العقيدة(…) فالعلم يشمل كل شيء ويتعلق بالقوانين الطبيعية وتسخيرها في خلافة الأرض(…)"، ص147.

بل وتعبر هذه الانتقائية المادة يدها –تحت شروط (التبيئة)- للمغاير الجاهلي البعيد والقريب، عن نفسها بنفسها عندما تقول بضرورة الفرز والاختيار والانتقاء، وهو ما يعني الانتقال اللاشعوري من نزعة إطلاقية قوامها التهويل القيامي إلى تنسيب قوامه الاعتراف بالضعف والحاجة المعرفية إلى الآخر، يقول:

"ولا ينبغي أن يفهم من هذا تحريم الآداب الأوروبية على الناشئة المسلمة – فالذي نعنيه هو مجرد الاختيار والانتقاء. ففي هذه الآداب ما تلتئم روحه مع الروح الإسلامية" (سيد قطب): العدالة الاجتماعية في الإسلام، ص208.

نرى إذن من خلال هذه السكيزوفرنيا الإسلامية كيف يتمزق المتخيل الإيديولوجي الإسلاموي بين قطبين متنافرين، تجعل منه شخصيتين في واحدة: إحداهما تستعلي بما عندها في إطلاقية، استعلائية تعبر عنها بعبارات قيامية والثانية تنسيبية، قابلة للتتلمذ على يد المغاير المطلق، تتلمذ لا تنجم عنه وبالذات أي إعادة نظر في ما لديها من معارف على المستوى الكوسمولوجي والإناسي [استحالة التثاقف ].

نحن هنا بصدد متخيل إيديولوجي يتحايل على الحداثة ومستتبعاتها ويتخذ منها موقفا "براغماتيا"، النقيض التام لدوغمائيته في شقه الآخر. يعكس هذا المتخيل، من خلال تجلي الانتقائية هذه، إرادة في العيش وفق الأنموذج المفترض أول وأصلي مع "الاستفادة" من كل ما ينظر إليه على أنه "محايد أكسيولوجيا" في المنتوجات الآلية والتقنية والمعلوماتية للعصر. وهو ما يدفع القول بأنه، وعلى الرغم من التماثل البين بين إيديولوجيا الإسلاميين وإيديولوجيا "الخضر" [ المدافعون عن البيئة] والذي وقف عنده [سمير أمين ] بنباهة36 – بخصوص تحفظاتهم تجاه الحداثة ككل، فإن الطرحان ينفصلان بخصوص "الابتكارات التكنولوجية".

فبالرغم من تمسك الخطاب الأخضر بنبرة قيامية مثيلة للنبرة القطبية، فإنه لا يتردد في تقرير كون التقنية تتحمل الجزء الأكبر من المسؤولية في هذا التدهور الأخلاقي العام للمجتمعات المعاصرة. وشعارهم الأساسي العالمي بهذا الصدد: "Stop the system, I want to get off!".

بجانب هذه القيامية اللافتة في الخطاب الإيديولوجي الإسلاموي وقفها "الانتقائية"، توجد خاصية أخرى هي: المهدوية أي ذلك التعبير المكثف عن التبشير الأدلوجي بنموذج جديد آت وموعود به.

2 ـ المهدوية:

المرحلة الثانية في طقس العبور المفضي إلى حفل التعميد بعد الإقرار المطلق بحصيلة الإخفاق الكامل للحضارة المعاصرة –على مستوى "القيم"- هي مرحلة التبشير بالوعي الجديد أي ممارسة ما أصبح يعرف في الدراسات الأنتربولوجية والسوسيولوجية بالثابت الذهني:المهدوية37 Le messianisme  . بإيعاز من المتخيل "المهدوي" يجعل الإسلامي من نفسه فردا في طليعة الإسلامي الجديد الغازي، والمصلح والمغير. وهي صورة ذهنية عن الذات (Imago في التحليل النفسي) تضع المسمين العاديين [الجاهلي القريب ] في مرتبة دنيا، في وضع المحجر عليه الذي يمارس عليه الإسلامي وصاية [مشروعة ومبررة في متخيله الإيديولوجي ]، "القابلة" لمخاض النموذج الجديد الموعود به.

ومن تجليات الوعي المهدوي ذاك هذه الإقرارات:

ـ"ولا بد من قيادة للبشرية جديدة"… معالم في الطريق، ص6.

ـ "ولقد جاء دور الإسلام (الإسلاموي) ودور الأمة (طليعتها: الإسلاميون) في أشد الساعات حرجا وحيرة واضطرابا"، ص7.

ـ "لا بد من إعادة وجود هذه الأمة"، ص8.

ـ "لا بد من "بعث" لتلك الأمة التي رواها ركام الأجيال"، ص8.

ـ "وإننا، دون شك، نملك شيئا جديدا جدة كاملة، شيئا لا تعرفه البشرية ولا تملك هي أن "تنتجه""، ص11.

إلا أن هذا الوعي المهدوي المباطن لقيامية "لا بد له" هو أيضا من قاعدة مادية يتجسد فيها، قوة مادية يقاس بها تقدمه على طريق الباراديغم الموعود به. هذه القاعدة وتلك القوة هي "الطليعة". وهذه قد تتشكل من ثلاثة أفراد في بدئها فقط:

ـ "وحين يبلغ المؤمنون [ الإسلاميون ] بهذه العقيدة [بهذا التصور المهدوي للعقيدة]، ثلاث نفر فإنها تقول لهم: أنتم الآن مجتمع، مجتمع إسلامي مستقل، منفصل عن المجتمع الجاهلي(…) والثلاثة يصبحون عشرة والعشرة مائة والمائة ألفا والألف اثنا عشر ألفا ويبرز ويتقرر المجتمع الإسلامي [أي الأنموذج المهدوي الموعود به ]"، ص130.

إلا أن هذه الطليعة متعالية بطبيعة دورها وتصوراتها، لذلك فمطلوب منها أن تمارس الاستعلاء [أي التميز الهوياتي الواثق والدوغمائي ]:

ـ "إن أولى الخطوات(…) هي أن نستعلي على هذا المجتمع الجاهلي وقيمه وتصوراته وألا نعدل نحن في قيمنا وتصوراتنا قليلا أو كثيرا لنلتقي معه في منتصف الطريق. إننا وإياه على مفرق الطريق، وحين نسايره خطوة واحدة فإننا نفقد المنهج كله ونفقد الطريق!"، ص22.

ـ "الاستعلاء على قوى الأرض الحائدة عن منهج الإيمان"، ص178.

ـ "الاستعلاء مع ضعف القوة وقلة العدد وفقر المال كالاستعلاء مع القوة والكثرة والغنى على السواء"، ص178.

ـ "الاستعلاء الذي لا يتهاوى أمام قوة(…) بالإيمان القائم على الحق الثابت المركوز في طبيعة الوجود.."، ص179.

ـ "وينظر المؤمن (الإسلامي) من عل إلى الغارقين في الوحل اللاصقين بالطين(…) وهو الأعلى بمتعة الإيمان ولذة اليقين"، ص185.

ولأن الطليعة بحد ذاتها تزكي صفة النخبة، الصفوة، فإن صفاتها الأساسية غير معطاة ولا ميسرة للجميع، بل هي أيضا ذات طبيعة "نخبوية":

ـ "طمأنينة في القلب ورفعة في الشعور وجمال في التصور وانطلاق من الأوهاق والجواذب وتحرر من الخوف والقلق في كل حال من الأحوال!"، ص195.

يترتب عن هذا الوعي المهدي الإسلاموي المسنود بصور: البدء الأول، فكرة الفتح، الانفراد بالتمثل الصحيح للبراديغم الإسلامي، الصورة الذاتية عن الذات منحوتة وفق المرغوب (IMAGO)، نخبوية الخصال.. وعلى مستوى المعيش الإسلاموي، شيئان أساسيان:

1 ـ الرغبة في الإخلاص لجماعة منقذة من خلال فعل التماهي والتوحد لتقاسم ذات المشاعر، الذكريات واستغلال الفضاء والزمان.

2 ـ الرغبة في التميز الهوياتي المطلق التي تجعل من الإسلامي فردا فريدا من صفوة منقذة، مخلصة، ناجية من "القيامة العامة" الوشيكة والعارفة بالحقائق، وهو ما يجعل الإسلاميين يعبرون عن أنفسهم بتسميات "دعاة الإسلام"، "حماة الإسلام"، "الطليعة الإسلامية"، "جند الله"، "حزب الله" التي تحبل كلها بالمواصفات أعلاه.

انطلاقا من هذه التمثلات الإيديولوجية التي تنهض كأسطورة اجتماعية دينية محدثة38، يخلق الإسلاميون بداخل جماعاتهم معيشا بكامله بغرض التميز الهوياتي المطلق بالمقام الأول ثم معايشة الزمن الأول للإسلام (Illud Tempus) والتعبير بذلك ماديا للبعيد الجاهلي والقريب الجاهلي عن إمكانية قيام الطوبى الإسلامية في واقع العصر، وهو ما يعني أنه من الماكرو-يوتوبيا هذه تنبثق يوتوبيا اجتماعية معاشة هنا والآن داخل حرارة الجماعة ودفء عناصرها.

3 ـ من اليوتوبيا المستعادة إلى اليوتوبيا المعاشة:

غني عن القول بأن اليوتوبيا أهمية خاصة في نسيج الحياة الاجتماعية، ولا يجب أن نفهم، دائما، من الكلمة ما تحيل عليه بالأصل، من بناءات نظرية بالغة التجريد كما احتفظت بها في الأذهان جمهورية أفلاطون، مدينة الفارابي أو جزيرة توماس مور.

إن هناك من اليوتوبيات ما هو من صنف الميكرو، معاش هنا والآن بشكل ملموس ومحايث ذلك "أن معايشة يوتوبيا اجتماعية هي معايشة لخلق مستمر، تشديد على ما هو مكثف شديد الكثافة وعلى صفة اليومي. إن الميكرو-يوتوبيا هي الحاضر معاشا بشكل أفضل"39.

الإسلاميون كالخُضر، كدعاة العودة إلى الطبيعة، ميزتهم هي التقريب والجمع بين هذين الشكلين من اليوتوبيا. إن ما يعايشه الإسلاميون داخل جماعاتهم تشخيص ليوتوبيا ممكنة التحقق أو بعبارة [أوليفي كاري] لـ"نمط عيش أصيل يمزج بين ثقافة شعبية وثقافة التحديث [ المنتقاة]"40.

الحديث عن ميكرو-يوتوبيا هذه هو الذي يدفعنا إلى التساؤل عن نظرة وتصور ومعايشة الإسلامي للفضاءات وتمثله لها وللزمن، للأزمنة التي تتهيكل بداخلها، وتمثله أيضا للجسد كأداة متحركة مالئة لتلك الفضاءات، وللجسد كأداة لنقل التميز من مداره الداخلي إلى تمظهراته المتحركة والبرانية. وتلك جوانب أخرى قابلة للطرح والمعالجة.

I



[1]-  Olivier Roy : (Quel Archaisme ?) In Autrement, n°95, pp211-212, 1987.

[2]- في النص الفرنسي الأصلي لهذه المقالة:

De la polarisation du dogme à sa popularisation voir :  Abdellah ZAROU, Imaginaires et vécus des groupes islamistes, Projet de thèse de doctorat, Sorbone, Paris V, 1989.

[3]-  Jean François Mayer : Sectes nouvelles : un regard neuf, Ed. Serf, p11, 1985.

[4]-  Jean Paul Charnay : Sociologie religieuse de l’Islam, p135.

[5]- Richard Bergeron, Les cortèges des fous de Dieu : un chrétien scrute les nouvelles religions, Ed. Pauline, pp13-14.

ونلاحظ أن نفس النعت "المجنون بالله" لـ(برجرون) أصلا تبناه الإعلام الغربي لوسم الحركات الأصولية المناهضة للوجود الغربي في الشرق الأوسط والخليج.

[6]  Thierry Baffoy : (Sectes totalitaires) in : Esprit, Sectes : Politique et religion, n°1, p56, 1978.

[7] وقد ألهمت في حينها دعاة "اليسار الإسلامي" في العالم العربي بمجلتهم التي لم تعمر طويلا (15-21) كترميز لتأريخ الهجري والميلادي متصالحين في اتجاه المستقبل، والصادرة بتونس. وقد نجحت في أن تستميل إلى خطها الإيديولوجي أسماء بارزة في الفكر العربي المعاصر كما هو شأن الدكتور حسن حنفي.

-[8]  Revue Française : Figaro – Magazine : Enquête exclusive (17/10/87).

-[9]  Jean Paul Charnay : Op.cit, p136.

[10] - قد تبدو التسمية غريبة شيئا ما، لكن ستزول الغرابة كلها أو جزء منها على الأقل إن نحن اطلعنا على أطروحة بكاملها حول هذا الموضوع لـ: Franco Ferraroti: Une théologie pour athées, Ed. Meridiens, Paris, 1986.

[11]- حسب علمنا، أول دراسة حاولت، بشكل مبكر نسبيا، إثارة الانتباه إلى أهمية الظاهرة الإسلاموية الناشئة على هامش المشهد الديني العام الرسمي منه والشعبي التقليدي (طرقية، زوايا..) على حد سواء هي لـ:

Robert Michells : The society of Muslim Brothers, 1969.

وبعدها تلاحقت الدراسات:

Oliviers Carré et Thierry Michard : Les frères musulmans, 1983.

Giles Kepel : Le prophète et PHARAOUN : Le mouvement Islamiste en Egypte, 1984.

Bruno Etienne : L’islamisme au Maghreb, 1989.

[12]- نعلن هنا تأثرنا بالدراسة الرائدة حول المتخيلات والميتولوجيات السياسية التي تتبعتها من خلال مقولات: "العصر الذهبي"، "الوحدة"، "المخلص"، و"التآمر".

Voir : Raoul GIRARDET:  Mythes et mythologies politiques, 1985.

[13] التعبير للصحفي والكاتب المصري (محمد حسنين هيكل) تفوه به بعد لقاء أول له مع الإمام الخميني في مدينة "قم" مباشرة بعد قيام الثورة الإسلامية بإيران.

[14]- انظر جعفر عطاري:

(Transformations de la religiosité populaire iranienne) in : Peuples méditérannéens, n°34, Jan/Mars, 1986, p135. Thème : « Culture populaire ».

-[15]  Bruno Etienne : L’islamisme radical, op.cit.

-[16]  Saad-Eddine Ibrahim : (Egypt’s islamic militans), in : Esprit, n°4, pp60-61, 1984.

-[17]  Olivier Carré : L’islam : guerre contre l’occident,  1985.

-[18]  Oliviers Roy : op.cit, p190.

[19] أطروحة [محمد طوزي ] الأولى من جنسها في السياق العربي، كانت بالأصل رسالة دكتوراه تقدم بها للمناقشة بجامعة (يكس بروفانس) سنة 1986 تحت إشراف [برنو اتيان ] وتحمل العنوان:

Le croisement du champs politique et religieux au Maroc.

للاطلاع على مراجعة عامة للأطروحة راجع:

(Interférence des champs politiques et religieux au Maroc), in : Horizons Maghrébins, Automne 1985.

22- عبد السلام ياسين: مجلة الجماعة، عدد5، ص13. ونعتذر للكاتب والقارئ على اعتماد النص الفرنسي للمقالة لتعذر حصولنا على الأصل العربي الذي كتبت به في المجلة الآنفة الذكر.

23- استعارة الإسلام أوالطوفان لعبد السلام ياسين دالة في إطار هذه الرمزية، كما أن استعمالات عامية لرمزية الماء الهالك دالة هي أيضا، نكتفي بذكر صيغتين منها: "هزك الماء" المعروفة في القاموس الشعبي أي أصبحت جثة طافية، ألعوبة على سطح الماء دون أن تكون لك القدرة على المقاومة أو الصيغة الرثة، شيئا ما، بـ"تشلحيت": "إسواك لبوض" أي ابتلعك الصنبور باعتبار الأخير مصدرا لمياه "مغرقة، ابتلاعية" بالمتخيل الشعبي.

24- نفس المرجع الآنف الذكر، اعتذار مرة أخرى على اعتماد النص الفرنسي مع تعريبه من لدننا مع الإقرار المسبق باستحالة رقي تعريبنا إلى المتانة والفصاحة اللغوية للأستاذ ياسين.

26  -Traki Zannad : Symboliques corporelles et espaces musulmans, Ed. Ceres Production, p154, 1984.

-27 Mircea Eliade : La nostalgie des origines.

- 28 Bruno Etienne : (L’islamisme au Maghreb), in : Temps Modernes, n°500, p52, 1988.

29- ستجد المعاينة إياها مؤكدة من قبل [ طوزي ] في:

(Monopolisation de la production symbolique au Maroc), in : Le Maghreb Musulman, pp226-234, 1979.

-30 François Burgat, (L’islamisme au Maghreb), in : Temps Modernes, op.cit, pp83-84.

31 سعد الدين إبراهيم، سبق ذكره أعلاه، ص64-65.

-32 Bruno Etienne : (La vague islamiste au Maghreb), in : Pouvoirs, n°12, p168, 1983.

33  Gérard Namer : Mémoire et société, Ed Mérdiens, 1987.

ويمكن الاطلاع  على قراءة ومراجعة عامة للكتاب قمنا بها لجريدة الاتحاد الاشتراكي، الملحق الثقافي، بتاريخ 27 دجنبر 1996.

34 عنصر قيادي ومنظر إيديولوجي لحركة "الإخوان المسلمون" المصرية، أعدم سنة 1966 بسبب أفكاره وبالأخص المتضمنة في بيان الجهاد معالم في الطريق، لاطلاع واف وتركيبي على فكره، نحيل على أطروحة جامعية لـ [ مهدي فضل الله ] سجلت بالسوربون سنة 1973، برسم دكتوراه سلك ثالث بعنوان: La pensée politique et religieuse de Sayyid Quotb.

وصدرت ترجمتها العربية التي تمت "تبيئتها" مع قناعات صاحبها "الإسلاموي" التي نجح في "كبتها" بالنص الفرنسي عن دار الرسالة 1980 بعنوان مع سيد قطب في تفكيره السياسي والديني بصورة لقطب على الغلاف ومقطع شعري تحتها "أنت الذي علمتنا بسمة المؤمن في وجه الردى!" وللاطلاع على طروحاته الإسلاموية حصرا:

Voir : Olivier Carré : Mysticisme et révolution : Sayyid Quotb, frère musulman radical, Ed. Cerf, 1984.

35- نسمح لأنفسنا بأن نقترح صنافة عامة جدا على ضوء التحولات التي يشهدها المشهد الإيديولوجي الإسلاموي في إطار الاهتمام بالمكتوب الإسلاموي ذي التأثير على الأركيتيبات أو العوالم الذهنية للإسلاميين. وهذه الصنافة من ثلاث مجموعات:

ـ مجموعة الرواد: أبو الأعلى المودودي، أبو الحسن الندوي، سيد قطب..

ـ مجموعة المكتشفين (أي اكتشفوا بعد بروز النموذج الإسلاموي الإيراني): علي شريعتي، محمد تقي المدرسي، محمد باقر الصدر، مرتضي المطهري، محمد حسين فضل الله…

ـ مجموعة المتأثرين (متأثرون متفاعلون مع النموذج الإيراني): منير شفيق صاحب الإسلام في معركة الحضارة، رضوان السيد وإلى حد ما الدكتور حسن حنفي.

أما بالنسبة لقوة الكلمة في المتخيل يقول [جيلبر ديران ]: "إن الكلمة وبحسبان قوة الاستنهاض الذي تتمتع به بوسعها أن تكل وظيفة حيوية للمتخيل، فموت الأشخاص يمكن أن يكون أيضا من أجل الآراء، من هذه الرابطة المتخيلة والسرية التي تربط وتعيد الربط بين العالم والأشياء في قلب الوعي(..) إن موت الأشخاص ملفوف بصور(…) فبعيدا عن الاعتقاد بأن المتخيل ضرب من الشغف اللامجدي ليس إلا، فهو حركة متعاظمة ومغيرة للعالم… من "البنيات.." سبق ذكره، ص501.

أما بالنسبة لـ [جان ريمي ] هناك، دائما، في "ديانة" في طور مشروع هذه الأسبقية للكلمة. للكلمة دينامية تفوق دينامية الطقوس..في:

(Revalorisation de la religion populaire et recomposition du champs religieux), in Recherches sociologoques, n°2, p178, Université Cotholique de Louvain, Belgique, 1987.

ضمن نفس السياق، يتحدث [ كيبيل ] عن الجاذبية الفريدة التي تمارسها الأساليب وفي البيان القطبي بشكل خاص: "قطب وأتباعه استهوتهم، لا محالة، الأشكال اللغوية البلاغية التي خلقوها خلقا.." آنف ذكره، ص226.

36-  يدعونا المقام هنا لعقد تقارب بين هذه العبارات القيامية القطبية وعبارات مماثلة في النبرة لحركة أخرى من الحركات الداعية إلى العودة إلى براديغم أصلي: "حركة القرويين الجدد Les néo-ruraux" يقول مقطع في بيانهم: "لا تفتأ الأعداد البشرية المستقرة على هامش نموذج الوجود المقترح من طرف هذه الحضارة الفقيرة [يقصد الحضارة الصناعية] في كل شيء والضيقة، وبعبارة واحدة الفقيرة الدم، تتزايد. أعداد متزايدة يوما عن يوم تختار التموقع خارج "قيم" هذه الحضارة وأساليبها في التعبير والعيش..".

Voir : Daniel Leger : (L’utopie de retour), in : Actes des sciences sociales, p48.

ولمقارنة أوسع بين الخطاب الإسلاموي والخطاب "الأخضر" البيئي:

Voir : Samir Amine : La déconnexion : pour sortir du système mondial, Ed. Découverte, 1986.

37 من (Messie) وتعني في القاموس الفرنسي اليسوع الموعود بظهوره في آخر الزمان حسب نص العهد القديم. يقال: هو منتظر كيسوع. ومن ثمة اشتقت Messianisme التي ترمز إلى كل الإيديولوجيات الواعدة بنموذج، بحالة ستحصل بالمستقبل وهي حالة موجودة أصلا بالديانات: المسيحية تعد بظهور المسيح، اليهودية بأرض الميعاد وإسرائيل الكبرى، الإسلام في صيغته الشيعية، بالأخص، بالمهدي "المنتظر" كما تعد الإيديولوجيا الماركسية بمجتمع بدون طبقات والفوضوية بمجتمع بلا دولة..الخ.

أصبحت المهدوية وعدا دينيا وإيديولوجيا بمستقبل خير يندرج تصوره ضمن نظام المعتقد وليس ضمن نظام التنبؤ العلمي..

38 نضبط حسب الشهادات أعلاه من "العالم" عناصر دالة على وجود جوانب أسطورية في الإيديولوجيا الإسلاموية ذلك أن الإسلاميين، وفق منطوقها، يقرؤون التاريخ البعيد والقريب حتى يتموقعوا بالحاضر. يدرج [ كلود ليفي ستراوس ] هذه "الطريقة في التفكير" ضمن التفكير الأسطوري، يقول: "متى نستعمل التاريخ على طريقة الأسطورة؟ عندما نعيد تنظيمه وترتيبه ليسمح لنا بفهم أفضل لماضينا، لموقعنا الحاضر داخل محيطنا ومن خلال الاختيارات السياسية التي نقدم عليها".

In Carrefour, Antenne 2, 3-9-85.

شريط فيديو بمركز (جورج بومبيدو)، باريس.

39- Michel Maffesoli : La violence totalitaire, p196, Conquête du présent, p75. Et EDGAR MORIN : (sur l’utopie concrète) in : L’esprit du temps, p251.

40- Olivier Carré : Islam Guerre à l’occident, op.cit, p63.