ص1       الفهرس  61-70

ظاهرة العولمة بين خيار التبني ومقاربة الرفض

العولمة الاقتصادية نموذجا

                                                                                استيتيـتو عبد الله

I - مفهوم العولمة :

       إن لمصطلح "العولمة" صلة بكل ما هو عالمي، ومعناه تسهيل حركة الناس من حيث نقل المعلومات والسلع وجعل كل شيء عاما بحيث يشمل العالم في مجال السياسة والمال والثقافة والفكر. والعولمة قد تعني تدويل الاقتصاد والسياسة والمجتمع من خلال إقرار الليبرالية وفرض الديموقراطية والسلوكات الفردية: وعليه فالعولمة تفيد نقل العالم إلى وحدة اقتصادية واجتماعية وسياسية واحدة، وذلك بخلق "سوق استهلاكية عالمية واحدة توفر المنتوج نفسه في كل مكان بأسعار متقاربة وبالتالي توحيد أذواق وعادات جميع البشر وإشاعة نمط عيش موحد على نطاق عالمي "


[1]. ونقرأ في معجم ويسترز:  " إن العولمة تعني إكساب الشيء طابع العالمية وخاصة جعل نطاقه وتطبيقه عالميا "، بتعبير آخر جعل الشيء في مستوى عالمي؛ أي نقله من المحدود المراقب إلى اللامحدود الذي ينأى عن كل مراقبة".

       ويرى البعض أن العولمة تعني النزعة السوقية الكونية وظهور السوق الاقتصادي بوصفه بداية الموقف ومنتهاه[2]. وبذلك فهي تعبر عن السياسة الرامية إلى إلغاء القيود التي تعوق حركة السلع والأفراد والمنتجات ودمج جميع الأسواق في سوق رأسمالية واحدة مفتوحة. ويرى عبد الصبور فاضل أن العولمة " هي مجموع العمليات التي تغطي الكوكب أو التي تتسع على مستوى العالم، ومن ثم فالعولمة لها بعد مكاني لأن السياسة والأنشطة الاجتماعية الأخرى أصبحت تبسط واقعها على كل أنحاء المعمور، وساعد في ذلك التقدم الهائل في وسائل الاتصال وقدرتها على اختراق الحدود من خلال الفضائيات التي حولت العالم إلى غرفة عالمية صغيرة بل" القرية العالمية ". في حين يرى الدكتور المهدي المنجرة أن العولمة تعني الإدماج اقتصاديا وثقافيا وسياسيا بل حتى اجتماعيا[3]. وقد تفيد العولمة النظام العالمي الجديد الذي يتميز بسقوط الأيديولوجيات ونهاية التاريخ والإنسان الأخير كما " بشر" بذلك الياباني الأصل والأمريكي الجنسية فرانسيس فوكوياما[4]، وبذلك تتحول العولمة إلى "أيديولوجيا حديثة في زمن انهيار الأيديولوجيات ونهاية التاريخ والجغرافيا والإفلاس العام لكل الأنشطة التاريخية وتجارب الذاكرة الوطنية والتاريخ والوعي بالتفاوت الطبقي والانتماء القومي والتبعية والإمبريالية والشيوعية والفاشية والأصولية والوحدة والتضحية والقتال "[5]، ويرى أحد علماء السياسة الأمريكان وهو روزاناوا أن العولمة تقيم علاقات بين مستويات متعددة للتحليل الاقتصادي والثقافي والسياسي والأيديولوجي، وتشمل إعادة  تنظيم الإنتاج وتداخل الصناعات عبر الحدود وانتشار أسواق التمويل إضافة إلى تماثل السلع المستهلكة لمختلف الدول. أما يحيى اليحياوي في دراسته الجادة "العولمة الموعودة " فعرف العولمة بأنها " مجموع العوامل التي تجعل عددا متزايدا من السلع والخدمات يصمم ويطور وينتج ويوزع ويستهلك ويستصلح ويقيم وفق منطق عالمي دون أن يكون للبلد الذي تمر فيه هذه العمليات من قيمة كبرى تذكر "[6]، ويضيف أن العولمة تعني الضحك على ذقون العالم الثالث ما دامت هذه الدول محكوما عليها بالخضوع للنظام العالمي الجديد الذي يكرس الهيمنة والتبعية، وما دام الاقتصاد العالمي محكوما من طرف ثلاث مؤسسات دولية كبرى وهي صندوق النقد الدولي، البنك العالمي، والمنظمة العالمية للتجارة، وهي كلها قنوات أرهقت كاهل العالم الثالث بمديونية ثقيلة وجعلته خاضعا للشمال ولمؤسساته وخاصة الهيمنة الأمريكية إلى درجة أن العولمة قد تعـني" أمركة العالم "[7].

ومن جهة أخرى فهناك إشكالية تداخل مفهوم العولمة ومفاهيم أخرى مثل العلمنة، الكوكبة، الكونية والشوملة، إذ نجد أن إسماعيل صبري عبد الله يعرف الكوكبة بأنها " التداخل الواضح لأمور الاقتصاد والاجتماع والسياسة والثقافة والسلوك دون اعتداد يذكر للحدود السياسية للدول ذات السيادة أو انتماء إلى وطن محدد أو لدولة معينة "[8]، أما صاحـب"العولمة الموعودة"فقد حاول التفريق بين مدلول هذه المفاهيم معتبرا العولمة ( mondialisation ) هي الواقع السائد الحالي اقتصاديا وماليا وسياسيا وتكنولوجيا ومؤسساتيا، أما الكوكبة أو الشوملة (globalisation) فهي مآل هذه الظاهرة ونطاقها المستقبلي، بمعنى أن العولمة خطوة في اتجاه الشوملة ، والعولمة لا تحقق - في رأيه – الكوكبة إلا إذا توفرت لها الشروط  الأربعة التالية[9] :

1-              تدويل الاقتصاديات الوطنية وأنماط الإنتاج والتسويق وفرض الاقتصاد الحر، مما يفضي إلى السوق المعولم الذي يصير فضاءا كونيا واحدا موحدا.

2-             تحقيق الديموقراطية السياسية والليبرالية الاقتصادية كمرتكز للتباري وتوحيد الشأن العام.

3-             تحقيق المجتمع الاستهلاكي الكوكبي، أي تحويل الأفراد من فضاء الوطنية إلى فضاء الاستهلاك عبر الرفع من قدراتهم الشرائية ومستوياتهم المعيشية.

4-             تحقيق عولمة الثقافة وجعلها عالمية مثل :ثقافة اقتصاد السوق، ثقافة ديموقراطية السوق وثقافة المجتمع الاستهلاكي الكوكبي، كما أن هناك من اعتبر العولمة هي قمة ما تصبو إليه البشرية كما يتضح ذلك من خلال الدراسات المستقبلية كالدراسة الهامة لراسل جاكوبي حول نهاية اليوتوبيا[10]، كما أن هناك من ربط مفهوم العولمة  بالعالمية متحدثا عن عولمة الإنسان وذلك بالارتكاز على المرجعية الدينية باعتبار أن كل الناس لآدم وآدم من تراب[11].

وعموما يبدو أن هناك شبه إجماع بخصوص صعوبة إعطاء تحديد معين ودقيق للعولمة إلى حد أن هناك من اعتبرها وهما، بل أسطورة وأباطيل كما نجد ذلك عند الاتجاه الإسلامي من خلال نموذج حسن حنفي[12]. ويعبر أحمد هوزلي عن هذا التضارب في الأراء بخصوص العولمة قائلا :"فهل هي ظاهرة حياتية جديدة مرشحة للاستمرار والبقاء، أم هي مجرد موضة فكرية عارضة مصيرها الزوال والنسيان ...وهل هي حالة صحية أم مرضية، وهل هي حركة استعمارية جديدة ،أم تحررية ثورية "؟؟ [13]، الإشكال نفسه عبر عنه  المفكر السوري الدكتور جلال صادق العظم حين رأى أن العولمة ظاهرة مبهمة وأن تشكيلها النهائي لم يحن بعد؛ إذ وجد نفسه حائرا عندما أراد الرد على التساؤل : هل العولمة قدر ومصير حتمي للمجتمعات الذيلية و الطلائعية ؟ فما كان له إلا أن ترك الجواب معلقا ومفتوحا حتى لا يتخندق في هذا الاتجـــاه أو ذاك [14]،  الأمر نفسه نجده عند بعض الباحثين الغربيين أمثال هار دشومان و بيير مارتين في دراستهما "فخ العولمة : الاعتداء على الديموقراطية والرفاهية ؛ عند ما اعتبرا أن مفهوم العولمة يتسم بالكثير من الغموض نظرا لحداثة البحث فيه وللاختلاف في ضبطه[15]. وحتى ننهي أمر الخلط المصطلحي في تعريف العولمة نشير إلى أن الباحث التونسي الحبيب الجنحاني أحصى مفاهيم العولمة لدى حسن حنفي من خلال 28 صفحة فقط من كتابه فوجد 20 مفهوما، مما يبين الخلط الكبير لدى بعض المثقفين العرب في فهمهم للعولمة[16].

للاعتبارات السابقة، وتمشيا مع الهيكلة العامة لهذه الدراسة نشير إلى أن المفهوم الذي سيشكل القاعدة الأساسية لهذا العمل هو كون العولمة تعني تحديدا تدويل الاقتصاد العالمي على مستوى الأسواق المالية والمناطق التجارية والأنظمة النقدية والشركات الإنتاجية والقوانين والتشريعات الدولية مع تطويع الأنظمة السياسية والمنظومات الفكرية وفق نظرة معولمة للبشرية.

II  - الظروف التاريخية لظهور العولمة :

إن مسألة التأريخ لظهور العولمة يشكل أيضا إحدى المقاربات التي لا تخلو من صعوبة على مستوى الضبط ، حيث تشير بعض الأقلام إلى كون العديد من الشعوب عاشتها في فترات تاريخية مختلفة مثل العولمة اليونانية والعولمة الرومانية والعولمة العربية الإسلامية[17]، وعليه فالعولمة كفكرة " ومحتوى ليست بالشيء الجديد في حياة الإنسان ولا في العلاقات بين الشعوب والدول، فهي قديمة قدم الحضارات والمجتمعات البشرية وتتمثل في التبادل التجاري وتنقلات السكان وانتشار الأفكار والتقنيات والأوبئة وتكوين الأسواق وتنمية الرأسمال وتوسيع شبكات النقل. فهذا المؤرخ الإغريقي بوليت الذي عاش في القرن الثاني ق. م يقول :"من قبل لم تكن الأحداث التي تجري في العالم مرتبطة فيما بينها، غير أنه بعد ذلك أصبحت هذه الأحداث جميعا تابعة بعضها للبعض الآخر"[18]، كما نجد فريقا آخر من الدارسين يصعدون في السلم التاريخي إلى نهاية العصور الوسطى وبداية التاريخ الحديث مؤكدين أن إرهاصاتها الأولى بدأت في " التبلور منذ أكثر من أربعة قرون دون أن ينتبه إليها الملاحظون. والواقع أنها بدأت في التوسع مع الاكتشافات الجغرافية ونمو الاقتصاد الرأسمالي " [19].كما نقرأ في الدراسة الجادة التي أنجزها كل من بول هيرست وجراهام طومبيون تحت عنوان" ما العولمة : الاقتصاد العالمي وإمكانيات التحكم " أن ظهور العولمة كان في القرن 14 م. بدليل ظهور الشركات المتعددة القومية بأوربا الغربية كما نجد ذلك عند كل من ألمانيا من خلال العصبة الهانزية وعند إيطاليا التي بلغت شركاتها التجارية متعددة القومية عند نهاية ق. 14 م نحو 150شركة تربط أوربا بالشرق، وإن كان للدولة حضور قوي في هذه الشركات، وأيضا بالنسبة إلى هولندا من خلال شركة الهند الشرقية الهولندية وشركة الهند الغربية الهولندية، ثم شركة الهند الشرقية الإنجليزية وشركة إفريقيا الملكية التابعة لبريطانيا وغيرها من الشركات التي توالت منذ القرن 14 م. إلى القرن 18م. والتي توجتها الثورة الصناعية كأقوى تجل لظاهرة العولمة الحقيقية نظرا إلى انتشار الشركات التصنيعية التحويلية العملاقة ذات أصل إنجليزي أو فرنسي أو هولندي أوإيطالي...، والتي باتت تسيطر على خيرات العالم الجديد وخيرات إفريقيا وآسيا. ويؤكد هذان الدارسان أن الشركات متعددة الجنسيات اكتمل نضجها قطعا في النصف الثاني من القرن 19م. وأصبحت عملاقة مع الحرب العالمية الأولى حيث نما النشاط التجاري العالمي في تلك الفترة بوثيرة سريعة، لكنه تباطأ في الثلاثينات بفعل الأزمة الاقتصادية العالمية 1929، وليتبعثر خلال الحرب العالمية الثانية لينطلق ما بعد الخمسينات بشكل قوي

 وهائل ومذهل[20]. وهو ما حدا بالبعض إلى إرجاع ظهور العولمة إلى مشروع مارشال في شقيه الأوربي والياباني انطلاقا من 1947م[21].

وكل ذلك جعل غلاة العولمة من الأكاديميين والباحثين يؤرخون لها بفترة ما بعد الحرب العالمية الثانية وما واكبها من هيكلة جديدة للعالم في ظل نظام القطبية الثنائية الشرقية الاشتراكية الشيوعية والغربية الرأسمالية الليبرالية التي خلقت جوا دوليا جديدا عرف بالحرب الباردة التي استمرت لأزيد من أربعين عاما لتنتهي بانتحار المنظومة الشرقية وانتصار الرأسمالية الغربية التي تحولت إلى عقيدة للعالم وأنموذج يحتذى، سيما بعد احتضار الاتحاد السوفيياتي وإقباره في دجنبر 1991. وأيضا بعد سقوط جدار برلين وانهيار حلف وارسو مما سمح لأوربا الغربية والولايات المتحدة الأمريكية بإعداد شروط جديدة للنيوليبرالية المتشبثة بالسوق الحر هذا الأمر أدى إلى استفراد الأمريكيين بالعالم في إطار ما سمي بالنظام العالمي الجديد الأحادي القطب؛ إذ أصبحت أمريكا تنسج ما سمته ببيت العنكبوت أو العملة العالمية الجديدة الموحدة وهي العولمة من خلال خلق مؤسسات مالية عالمية سوف تكون لها الكلمة الفصل في صهر العالم وفق الاستراتيجيات الأمريكية مثل صندوق النقد الدولي والبنك العالمي والمنظمة العالمية للتجارة، دون إغفال التغلغل الأمريكي في هيئة الأمم المتحدة والتحكم في هياكلها وأجهزتها وجعلها تشرعن السلوكات الأمريكية تجاه العالم اقتصاديا وسياسيا وعسكريا.

في ظل هذه التغيرات الخطيرة والانقلابات التاريخية الحاسمة، اعتبر عقد الثمانينات محطة هامة لإنتاج الأدوات والوسائل اللازمة لدعم المشروع الأمريكي الجديد، حيث أصبح العالم مندهشا للتطورات الهائلة في تكنولوجيا الاتصال والإعلام وتقنيات الحاسوب. وهو ما جعل العالم يعدل من سلم الأولويات، إذ لم تعد أولويات الشعوب هي الغذاء والطاقة، بل تحولت إلى المعلوميات كرهان للمستقبل. وهذا التحول في التصور الدولي للأولويات الوطنية هو الذي ولد مفهوم العولمة ليكون مرادفا على وجه الخصوص لهذه الثورة الهائلة في المعلومات والاتصال وتوصيفا لانعكاساتها على أسواق المال وحرية انتقال رؤوس الأموال بصورة تتجاوز الحدود الوطنية والإقليمية، وبذلك يكون مفهوم العولمة وظهورها قد ارتبطا بالمجالين الإعلامي والمالي وله صلة بمجموعة من المرتكزات كالابتكار التكنولوجي وانتشار عولمة الإنتاج والتبادل ثم التحديث .

  وعموما فإن الاختلاف في التأريخ لظهور العولمة يعود أساسا إلى "طبيعة العولمة نفسها إذ تختلف عن كل الظواهر الكونية التي طبعت العالم خلال قرون عديدة: فإذا كان المنظرون عادة ما يؤسسون وينظرون للتمكين لظواهر مستقبلية كسقوط الفيودالية ونجاح الرأسمالية وانطلاق الإمبريالية والاستعمار وحركات التحرر وغيرها، لذلك تحمل الظاهرة تاريخ منظريها والمتنبئين بها  - فإذا كان ذلك كذلك – فإن العولمة سبقت التنظير وتجاوزت المتكهنين والمحللين الذين وجدوا أنفسهم مرتمين في أحضان ظاهرة أخطبوطية لا أول ولا آخر لها فباتوا يتهافتون على دراستها وتحديد تاريخ ظهورها "[22].

III - العولمة بين خيار التبني ومقاربة الرفض :

العولمة وخيار التبني : تجليات إيجابية ومظاهر واقعية حقيقية

 إن لخيار التبني للعولمة حججا وأطاريح غاية في الأهمية تستقي موثوقيتها من كنف الواقع والمتجسدة في العديد من التجليات والتمظهرات الحقيقية التي فرضت نفسها على العديد من الباحثين والمهتمين بالعولمة في شقها الاقتصادي تحديدا، إذ يعتبر الباحث المصري السيد يسين أن العولمة حضارة عالمية جديدة شعارها وحدة بني آدم، وهي بذلك ظاهرة إيجابية جدا تنقل الإنسان إلى ما بعد الحداثة عبر الثورة المعلوماتية العارمة[23]، وهو  الطرح نفسه الذي أشار إليه المفكر المغربي عبد الإله بلقزيز عند معالجته لإشكالية العولمة والممانعة[24] فشدد على قضية تعايش الحضارات وألح على الدول العربية والإسلامية بأن تتمسك في ظل العولمة بخيار المثاقفة. هذا في الوقت الذي ركز فيه الباحث السوري جلال صادق العظم في "نقد العولمة " على إيجابيتها باعتبار انتقال الإنتاج من المتربول إلى الهامش مما يؤدي إلى تدويل الإنتاج والاستهلاك معا، وبذلك تكون العولمة ظاهرة مهمة للإنسانية، منوها بتجربة النمور الأسيوية التي استطاعت في وقت قياسي أن تلتقي بالكبار وتنازعهم في الوليمة العالمية[25].

ومن مزايا العولمة نقل الخبر العاجل، حيث أصبحنا نعيش " الميكرو- عالم " أو العالم الصغير، إذ أصبحت الأحداث والوقائع تعاش في لحظتها وآنيتها في مختلف بقاع العالم، فلم تعد هناك الآن إشكالية نقل الخبر صوتا وصورة، عكس ماكان عليه أسلافنا في الماضي حيث كان العالم كبيرا " ماكرو – عالم " والزمن ثقيلا؛ ويكفي أن نشير إلى أن " نقل خبر موت نابليون بونبرت قد استغرق ستة أشهر ليصل من سانت هيلاكة إلى باريس "[26]، بل خبر وفاة  ابن تومرت زعيم الموحدين في المغرب الذي استغرق حوالي ثلاث سنوات لينقل من إيلغ إلى تامسنا وفاس[27] .نظرا إلى هذه الاعتبارات فإن هناك من رأى أن العولمة فرصة تاريخية للدول الفقيرة، كما هو الشأن بالنسبة إلى الأستاذ أحمد هوزلي في دراسته القيمة حول " تحديات العولمة للدول النامية والمغرب " إذ أوضح أنه " مهما كان للعولمة من سلبيات وأخطار فلن تفوق مصائب وآلام الواقع المعاش – في الدول الثالثية – فهي تعاني في معظمها من الفقر والأمية والبطالة وهشاشة البنية التحتية وأجهزة الخدمات والتعفن الإداري والحجر الفكري إضافة إلى خضوعها لاستبداد الحكام وإلى تنظيمات اقتصادية واجتماعية عقيمة وتقاليد بالية مكبلة لحيوية الشباب،  وقد أضاعت فرصا وزمنا طويلا في اجترار تجاربها الفاشلة والإشادة بعظمتها الفارغة وأمجادها المزورة ... فمهما بلغت سلبية العولمة فلن تفوق آلام هذا الوضع "[28]. لذلك يرى الحبيب الجنحاني  أنه لا مفر لدول العالم الثالث من العولمة و "لاعاصم اليوم من أمر العولمة ولا مناص لها (الدول النامية ) من ركوب قطارها، إذا أرادت ألا تهمش ويتركها القطار واقفة في محطة نمو التخلف ، وينبغي عليها الاعتراف أن المركز هو الذي يحدد اليوم اتجاه القطار وسرعته والمحطات التي يقف فيها "[29].

إن جل الأقلام المؤيدة للعولمة يحصل لها شبه إجماع بخصوص التجليات الحقيقية لهذه الظاهرة من خلال ست نقط أساسية كالتالي :

·                   فتح أسواق أمام الاستثمار الأجنبي المباشر وتزايد الضغط الذي تفرضه المؤسسات العالمية الدولية على دول الجنوب لفرض الليبرالية الاقتصادية والتمكين للسوق الحرة كما يبدو ذلك من خلال الأبعاد التنموية التي عرفتها بعض جهات العالم مثل دول جنوب شرق آسيا منذ مطلع السبعينات إلى الآن والتي حققت السوق المعولم.

·                   ظهور التكتلات الإقليمية الكبرى كما هو الحال بالنسبة إلى دول الشمال ودول الجنوب وما يطبعها من تنافسية عالمية، ويعني مفهوم الشمال كل البلدان المنتمية لمنظمة التعاون والتنمية الاقتصادية (O.E.C.D) ، بينما يعني مفهوم الجنوب كل الدول الخارجة عن هذه المنظمة حسب التصور الذي قدم في الدراسة "ما العولمة " لبول هيرست وبول طومبسون. وهذه التكتلات الاقتصادية تتميز بالتكامل على المستوى التجاري من حيث الصادرات والواردات : فالشمال ينتج المواد المصنعة والجنوب ينتج المواد الخام بل منذ التسعينات فإن هذه المعادلة بدأت تفقد بعضا من توازنها حيث بدأ الشمال يستورد مصنوعات الجنوب كما أن الصناعات التحويلية واليد العاملة الماهرة بدأت تهاجر من الشمال إلى الجنوب في إطار الباب المفتوح .

·                   القدرة التنافسية: التي أصبحت من بين مكونات العولمة الاقتصادية وخاصة بعد نهاية الحرب الباردة التي ألغت المقاربة الجيو- سياسية وعززت المقاربة الجيو- اقتصادية التي أصبحت المحك الحقيقي لتصنيف الدول والكتل حيث برز الاتحاد الأوربي كأقوى كتلة، ليس فقط بفعل تعملقه الاقتصادي ولكن أيضا بفضل ترسانته المؤسساتية ونظمه وتشريعاته القانونية عكس كتلة نافاتا الخاصة بأمريكا الشمالية (كندا + و.م.أ) ودول جنوب شرق آسيا المتمحورة حول اليابان والتي لازالت على عتبة الاقتصادي ولم تنتقل بعد إلى حيز المؤسساتي والقانوني حاشا بعض المعاهدات الموقعة بينها.

·                   منظمات الضبط والحاكمية والإدارة الاقتصادية العامة: وهي منظمات حكومية بدأت تتحكم في اقتصاد العالم بعد الحرب العالمية الثانية مثل :                                                                                                

- منظمة الكات (G.A .T.T) .

- منظمة التجارة العالمية (O. M.C) .

- صندوق النقد  الدولي   (F.M.I) .

-                     البنك العالمي (B.M) .

  وتوضح الأدبيات الاقتصادية أن قضية الحاكمية أو التحكم والضبط فيما يخص الاقتصاد العالمي يمكن رصدها من خلال خمسة  مستويات نعرض لها على النحو التالي:

أ- الحاكمية بواسطة الثلاثة الكبار (G.3) : اليابان ثم الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد الأوربي. عن طريق الاتفاقيات والمعاهدات سواء على مستوى معدلات صرف العملات أو على مستوى تنسيق السياسات المالية والنقدية والتعاون للحد من صفقات المضاربة المالية قصيرة الأجل.

ب- الحاكمية المرتبطة بالتكتلات الاقتصادية والسياسية كالاتحاد الأوربي ونافاتا، هاتان الكتلتان تمتلكان قدرا من الضخامة يكفي للسعي لتحقيق أهداف اجتماعية وبيئية على نحو لا قبل للدولة القومية متوسطة الحجم تحقيقه منفردة، كما بإمكانهما أيضا فرض العديد من المعايير والمقاييس الخاصة بسوق العمل والحماية الاجتماعية والتصدي للضغوط الكونية.

ت- الحاكمية بواسطة هيئات عالمية تشارك فيها دول عديدة مثل منظمة الكات ومنظمة التجارة العالمية.

ت-أ  التحكم عن طريق السياسات المتبعة على الصعيد القومي الوطني.

ت-ب التحكم عن طريق السياسات المتبعة على صعيد الأقاليم المحلية لدعم المناطق الصناعية وإكسابها مناعة ضد المؤثرات الخارجية.

·                   ظهور الشركات المتعددة القوميات: وهي الشركات المتعددة الجنسية، مقرها ومنشأها في البلد الأم، لكن فروعها ممتدة في مختلف أنحاء العالم، وهي التي تهيمن على الاقتصاد العالمي، وتنتمي في غالبيتها الساحقة إلى دول الشمال، لذا تقدر الدراسات الاقتصادية أن حوالي 200 شركة متعددة القومية تهيمن على 30% من الناتج العالمي ، كما يسيطر على هذه الشركات كبار أغنياء العالم. إذ نقرأ في التقرير الذي قدمته هيئة الأمم المتحدة سنة 1998 أن 20% من أغنياء العالم يقتسمون فيما بينهم حوالي 80% من الإنتاج العالمي الإجمالي بفعل هذه الشركات المتعددة الجنسيات.

·                   ظهور مفاهيم جديدة تؤسس لقضية العولمة خارج الحقل الاقتصادي، مثل التأكيد على قضية الديموقراطية والحريات العامة والمجتمع المدني وعدم التمركز واللامركزية ومفهوم الجهوية، وهي كلها مفاهيم تبين ميل العالم الآن إلى التخلص من الأنظمة البيروقراطية والأساليب التقنوقراطية واقتصاديات الدولة،  والتمكين لمجتمع مفتوح خاضع لشروط اللبرلة والخصخصة وغيرها من تجليات العولمة التي أصبحت كبديهيات في الكتل الثلاثة: اليابانية والأمريكية والاتحاد الأوربي والتي أضحت تنحو نحوا أعمق وذلك بالدعوة إلى جعل الدولة ومؤسساتها في الهامش،  كأدوات مساعدة لتحقيق مفهوم العولمة؛ إذ لم تعد الدولة هي المركز وصاحبة الحاكمية والضبط، بل ستؤول الكلمة الفصل إلى هذه التكتلات وهذه المؤسسات وخاصة الشركات العابرة للقارات التي لا تعترف بمكان النشأة ولا بالموطن الأصل بل هي أخطبوط ونسيج عنكبوتي يغطي كل العالم .

ونظرا إلى هذه الاعتبارات، فإن العولمة صارت ظاهرة ذات أبعاد إيجابية بالنسبة إلى الشمال والجنوب، بل هي فرصة تاريخية للدول النامية لتحطيم منظومة الفكر التقليدي وإعادة التوازن الاجتماعي والسياسي الهشين[30] ؛ على اعتبار أن تجار التقليد وسماسرة الفكر الماضوي لازالوا يحاولون إقناع الناس بأن آفة الدول المتخلفة هي الغرب / الآخر الذي جسد الظاهرة الاستعمارية التي استنزفت خيرات الشعوب والآن يعاودها بقناع آخر وهو قناع العولمة كظاهرة إمبريالية حديثة . لكن أصحاب هذا الرأي يصطدمون بحقائق ساطعة عندما يسألون : منذ كم مدة رحل المستعمر؟ وبالتالي ماذا حققتم في ظل الاستقلال ؟ ألا يمكن إرجاع تخلف الشعوب الثالثية إلى حكامها  والساهرين عليها ؟ كم من بلد خرج حديثا من الاستعمار والآن يعد من دول العالم الأول ؟ فلننظر إلى النمور السبعة جنوب شرق آسيا، وإلى بعض من دول أمريكا اللاتينية بل حتي في إفريقيا كما هو الشأن بالنسبة إلى بلد نيلسون مانديلا. لعل مثل هذه الدول يغرق العديد من حكام وقادة الدول الثالثية في كثير من الخجل إن كان لهم أن  يخجلوا! ![31]. إن المهتمين بحركية التاريخ لا شك أنهم سيلاحظون أن النموذج الثقافي الاجتماعي للمجتمعات المتخلفة ظل دوما يلاحق كل لزيق وغريب باعتباره مشوشا ومزعجا وخاصة لدى المجتمعات العربية والإسلامية التي طالما عادت الحداثة والانفتاح والليبرالية والرأسمالية والديموقراطية والاشتراكية والشيوعية والعلمانية، بل كم من فتاوى وأحكام صدرت في حق شاربي الشاي ولابسي الملابس العصرية بما فيها الرياضية، والمتعاطين للمسرح والسينما، بل هناك من لا زال يغط في نومه عندما يرفض إدخال جهاز التلفاز إلى منزله، فما بالك بالصحن المقعر وشبكة طرق المعرفة السيارة التي تنقل" الفواحش"إلى البيوت وتدمر الأخلاق الاجتماعية وتمس النواحي العقدية !!. ولذلك فهو يدعو إلى التصدي لكل هذه المتغيرات السلبية ! . لكن – وهذا هو المضحك والمؤسف معا – فإن هؤلاء يعودون إلى أحضان العولمة والحداثة كأدوات نظام لإيصال خطابهم ونشر فكرهم من خلال الأسلحة الدفاعية والتكنولوجيا الإعلامية الأجنبية التي يجدون فيها الوسيلة الناجعة لإقرار الواقع وترسيخ الاستقرار والقمع والقهر، ولذلك فإن هؤلاء  في الحقيقة لا يرفضون العولمة وإنما يرفضون بحماءة وعنف " حرية الفكر والديموقراطية التي تهدد بنسف مواقعهم وسلب امتيازاتهم.ولاستئصالها يقطعون عليها طرقها الطبيعية وهي حرية الفكر والثقافة العلمانية وحقوق الإنسان وينشئون خطوط الدفاع المحصنة بعيدا، بتشجيع وإنشاء منظمات أصولية تناهض باللجاج أو العنف كل مظاهر الحرية الفكرية والسياسية مجندين أفواه وحملة أقلام الثقافة التقليدية لإقناع الناس بفضائل حياة التقشف والخضوع والتحرر من عرض الدنيا ورذائلها "[32].                                                                             

وخلاصة القول إن العولمة أصبحت حقيقة معيشة أحب من أحب وكره من كره، بل الانخراط في موجاتها بات من نافلة القول، إذ لم يعد السؤال: هل سنندمج في الفضاء العالمي حقا ؟ مطروحا بل السؤال الذي أصبح يطرح هو : كيف سنندمج ؟ وما هي استعداداتنا ومقوماتنا لهذا الاندماج ؟؟

2 – العولمة ومقاربة الرفض :حركات الاحتجاج والمناهضة لوهمية العولمة:

إن أهمية تمحيص العولمة من حيث أسطوريتها ووهميتها تكمن في البرهنة والتدليل على عدم واقعية مرتكزاتها وأسسها وخاصة على المستوى الاقتصادي. وهذا يدفعنا إلى طرح التساؤلات التالية: هل يشهد العالم الآن بالفعل عهد الشركات المتعددة القوميات، بل الشركات العابرة للقارات ؟ وهل صحيح أن هذه الشركات تجاوزت كل التحالفات الاستراتيجية والسياسات القومية ؟ وهل توصلت حقا إلى تدويل نشاط الأعمال ؟ ومن جانب آخر، هل تعد تكنولوجيا المعلوميات فعلا وجها آخر من وجوه العولمة وهل هي تجربة غير مسبوقة في تاريخ البشرية ؟ ثم هل النمو التجاري الذي عرفه العالم بعد الحرب العالمية الثانية يعد مظهرا حقيقيا من مظاهر العولمة ؟ وبالتالي هل العولمة  حقا وجه من وجوه الرفاه الاقتصادي للعالم ووسيلة فعالة لتجنب الأزمات والنكسات وخاصة الاقتصادية حفاظا على دول الرفاه الاقتصادي ؟ ثم ما حقيقة توفر سوق حرة عالمية أو سوق مفتوحة مبنية على سياسات نقدية صارمة معولمة ومكوكبة ؟

 إن الإجابة عن هذه التساؤلات كفيل بالإجابة إن سلبا أو إيجابا عن مدى واقعية العولمة  أو أسطوريتها وزيفها من خلال عدة نقط يمكن طرحها كالتالي :

أ- وهمية أطروحة الشركات العابرة للقارات والقوميات المتعددة الجنسية: 

إن الشركات العابرة للقارات هي التي لا وطن ولا منشأ لها، فهي شركات كونية مبنية على سوق عالمية واستهلاك عالمي. وهي خارج مراقبة الدولة القومية تجسد شبكة مترابطة عالميا لدعم اقتصاد مترابط وتعتمد أساسا على الطرق الإلكترونية السريعة والاتصال الإلكتروني الذي يمكن أيا كان أن يشارك في هذه الشركات إنتاجا واستهلاكا لذا فهي حقل منبسط ومعولم، وهذا التصور له العديد من المناصرين مثل كنيتشي أوهيميه في دراسته حول " النظم القومية "، الصادرة سنة 1993 ، وأيضا صاحب " تحديات العولمة لدول العالم الثالث " الذي يعتبر هذه الشركات الأداة الرئيسة للعولمة لأنها تعمل على عولمة وتدويل رؤوس الأموال والإنتاج والصرف ومجمل العمليات المالية والتجارية ، كما أنها تهيمن على المفاصل الرئيسة للاقتصاد العالمي" وتعرف فيما بينها حركة واسعة للإنتاج والصهر والابتلاع لتكوين مؤسسات عالمية ضخمة متعددة الأنشطة ، تكون أقوى من دولتها . أحيانا يسمي البعض هذه الظاهرة التكامل المعولم والبعض الآخر وليمة المفترسين" [33]، والتي باتت تنهش خيرات العالم منذ وقت مبكر بل تحولت إلى أداة تتحكم في توجيه الحياة العالمية اقتصاديا وسياسيا كشركة الهند الشرقية التي "استعمرت أندونيسيا وشركة الهند الشرقية الإنجليزية التي استعمرت الهند واستخدمت الجنود والإداريين الحكوميين لصالحها ثم منحتها للدولة كمساهمة في تكوين الإمبراطورية الإنجليزية، وأدى ذلك إلى تغيير جوهري في طريقة المعاملات وحجم الإنتاج والنقل والتسويق وتعميم نمط استهلاك عالمي " [34] . ويرى الدارسون أن 15 مجموعة عالمية مندمجة تعتبر الفاعل الحقيقي في الهيمنة على السوق العالمية وأن "170 شركة من أصل 200 شركة عملاقة تسيطر عمليا على الاقتصاد العالمي تنتمي لخمس دول هي الولايات المتحدة الأمريكية واليابان وألمانيا وفرنسا وبريطانيا [35]". أما الحبيب الجنحاني فقد حدد توزيع هذه الشركات على الدول القوية كالتالي " اليابان 62 شركة، الولايات المتحدة 53 ، ألمانيا 23 ، فرنسا 19 بريطانيا 11 ، سويسرا 8 ، كوريا الجنوبية 6 ، إيطاليا 5 ، هولندا 4  "[36] . ويضيف هذا الباحث قائلا :" وكي يدرك المرء القوة المالية لهذه الشركات يكفي أن نذكر الأمثلة التالية : يفوق رقم معاملات "جنرال موتور " الدخل الوطني الخام للدنمارك، ويفوق رقم معاملات فورد الدخل الوطني لجنوب إفريقيا، ويفوق رقم معاملات شركة تيوتا الدخل الوطني للنرويج ... هل نستغرب بعد ذلك أن يتحول قادة الدول إلى خدم في بلاط أممية رأس المال " [37]. أما يحيى اليحياوي فقد قارن هو الآخر بين عدد من الدول وبعض الشركات المتعددة الجنسيات على مستوى رقم معاملات هذه الشركات والناتج الداخلي الخام للدول الوطنية كالتالي : إندونيسيا 147،6 ؛ تركيا 149،8 / جنرال موطورز 168،8 ؛ الدانمارك 146،1 / فورد 137،1 ؛ أفريقيا الجنوبية 123،3 / طويوطا 111،1 – إيكسون 110،0 –رول دوتش شال 109،8 ؛ النورويج 109،6 ، بولونيا 92،8  / أي . بي.م 72،0 / ماليزيا 68،5 ؛فنيزويلا 59،0 ؛ باكستان 57،1 ؛ مصر 43،9 / أونيليفر 79،7 ؛ نستلي47،8 ؛ سوني [38]47،6 .  وهذه الشركات بفعل تعملقها وتسرطنها استطاعت في العقد الأخير من القرن الماضي خلخلة أولويات الاقتصاد العالمي، عندما باتت الغلبة لأنشطة القطاع الثالث ، فتحول المجتمع الدولي إلى منظومة تجارية محضة وهذا واضح من خلال استقراء تطور نسبة المشتغلين به منذ عام 1878 والتي كانت 24% فقط لترتفع سنة 1950 إلى 39% ثم 63.5% سنة 1987 لتبلغ عند نهاية عام 2000 حوالي 70% ، وقد حققت و.م.أ أكبر معدل في نمو أنشطة القطاع الثالث حيث قفز من 17% سنة 1850 إلى 77%  عام 1992[39] .

يتبدى من خلال هذه المعطيات أن هذه الشركات العابرة للقارات قد طوت العالم بين فكيها وصارت تفبرك منظوماته وتهندس كيانه ومستقبله بالشكل الذي يثبت وجودها ويرسخ هيمنتها عليه.  لكن هذا التصور في رأي الكثيرين يعتبر لونا من الطوباوية لا علاقة له بالواقع، بحجة أن النظام الاقتصادي العالمي لا يستطيع لحد الآن تجاوز مسألة التحالفات العالمية، وإن كان ثمة وجود لاقتصاد معولم، فإنه منظم على أساس احتكار القلة، وليس وفقا لمقتضيات النموذج التنافسي التام، بل حتى مفهوم التنافس لا يعني الترابط والاندماج بل يفيد الإقصاء والابتلاع والتجاوز والهيمنة. كما أن هذه الشركات ليست كونية في كل نشاطاتها بل في بعض منها فقط. مثلا، نجد ألمانيا واليابان لا تشجعان على جعل التكنولوجيا عالمية،  بل قومية صرفة. لكنهما تشجعان على عولمة الإنتاج التكنولوجي وليس إنتاج التكنولوجيا وخلقها. ونفس الشيء مع و.م.أ . لذا فإن حقيقة العولمة الاقتصادية ترتبط إلى حد بعيد بمغالاة الأكاديميين والباحثين في هذا المجال، وانبهارهم بقضية الانتشار السريع والواسع للشركات المتعددة القوميات، لكنهم ينسون أن الأعمال الاقتصادية العالمية لا تزال مقصورة إلى حد بعيد على وطن النشأة من ناحية النشاط الإجمالي،  أي أنها لا زالت قومية المركز.

ومن جهة أخرى فإن هذه الشركات بقدر ما هي مظهر من مظاهر العولمة فهي أيضا تشكل عاملا من عوامل تقويضها، مثلا، هذه الشركات لا تشتغل في بلد ما إلا بشروط قانونية وسياسية وتجارية لحماية استثماراتها، لذلك فهي تخضع للمشروطية والمحدودية ولا تقف خارج نطاق الإقليم بالكامل، وبذلك فإن الدول / الأمم لا زالت تحكم قبضتها على هذه الشركات سياسيا، فتجعلها مرتبطة ببيئة المؤسسات المحلية. بل إن هذه الشركات نفسها تعطي للاقتصاد العالمي طابع المحلية والخصوصية، وهو ما يستفاد من تحليل المعطيات الإحصائية التي أوردتها الأمم المتحدة سنة 1997 حول هذه الشركات التي يبلغ عددها حوالي 54 ألف شركة تسيطر على نحو280 ألف شركة تابعة، وهذه الشركات يوجد 90% من فروعها الأصل في دول الشمال مثل: و.م.أ التي تبلغ مساهمة هذه الشركات في تجارتها قرابة 80%. ويلاحظ أيضا أن 75% من أرصدة هذه الشركات محصورة في ثالوث الاتحاد الأوربي، اليابان ثم و.م.أ. منشأ ومستقرا، في حين يتوجه الباقي نحو الدول السريعة النمو كما هو الحال في دول جنوب شرق آسيا مثل هونغ كونغ ، طايوان سنغفورة، كوريا الجنوبية، أندونيسيا وماليزيا، أو بعض دول أمريكا اللاتينية كالبرازيل والمكسيك والأرجنتين .

ويتبين من خلال تقرير هيئة الأمم المتحدة المشار إليه أن هذه الشركات تتميز بالمحلية وعدم الانفتاح على العالم، وذلك إذا علمنا أن عدد السكان المستفيد منها قليل مقارنة مع عدد السكان الإجمالي للعالم: فإذا اعتبرنا الثالوث الياباني، الأوربي والأمريكي يمثل سكانه حوالي 14,5% من سكان العالم ويستفيد من 60% من تدفقات الاستثمارات الأجنبية المباشرة، وإذا أضفنا عشر دول نامية أولى في العالم الثالث والتي يمثل سكانها حوالي 32% من سكان العالم والتي تتلقى زهاء 73% من مجموع التدفقات الاستثمارية الأجنبية المباشرة  خارج الثالوث المذكور ، علمنا أن طابع هذه الشركات هو محلي ولا يمكن وصفه بالمعولم  والمكوكب؛ لأن هذه المعطيات تفيد أن 30% فقط من سكان العالم يحظون بأزيد من 84% من تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر في حين ما بين 50% و 70% من ساكنة الأرض لم يتلقوا سوى 16% من التدفقات الكونية للاستثمارات الأجنبية المباشرة إلى غاية نهاية القرن العشرين . أي ما يقارب الثلثين من سكان العالم مشطوب عليه عمليا من الخريطة الخاصة بهذه الاستثمارات الأجنبية المباشرة، كما يوضح بقوة عدم المساواة على مستوى الانتفاع من ظاهرة التعميم والعولمة[40]. ومن جانب آخر فإن هناك من يرمي هذه الشركات بالكثير من السهام اللاذعة على مستوى الكينونة والصيرورة من خلال واقع الصراع الذي تحياه وتتخبط فيه سواء مع محيطها الاجتماعي والسياسي أو فيما بين بعضها البعض وأحيانا مع دولها؛  كما أن لها قابلية للإفلاس والابتلاع بفعل شراسة المنافسة إلى حد التكهن بانتهاء مسلسل الذوبان في آخر المطاف إلى شركة واحدة عملاقة، وهو ما ستكون له انعكاساته السلبية حيث سيفضي إلى" الاحتكار والقضاء على المنافسة من جهة،  وإلى تقليص فرص الشغل والإلغاء المنهجي للطبقة العاملة من جهة أخرى، كما يؤدي إلى إضعاف السيادة الوطنية للدول إذ تتقلص قدرات الحكومات على ممارسة الرقابة والمحاسبة وتقضي بعنف على قوة النقابات وإمكانية تأثيرها، فينتقل القرار بشأن تقرير مصير المؤسسة إلى أيدي أصحاب الأسهم خاصة الكبار منهم وإلى المديرين والرؤساء العاميين"[41].  

ب-نقد عولمة التكنولوجيا : 

  إن عولمة الاقتصاد والتكنولوجيا تعتبر المظهر الأقوى للعولمة الاقتصادية والثقافية وغيرها، لكن ذلك يحتاج إلى امتحان واختبار، لأنه لا يعدو أن يكون سوى امتداد لثورة مماثلة عرفها النصف الثاني من القرن التاسع عشر وخاصة عام 1870م بعد اختراع التلغراف الكهربائي، فأرسى التبادل الآني للمعلومات والأخبار بين كل مراكز المال والأعمال العالمية الكبرى على غرار ما يفعله الانترنيت الآن، خاصة وأن العالم كان قد تم ربطه بشبكة تلغرافية وهاتفية في اليابس وعبر قعور البحار والمحيطات، كما أنه لا فرق بين نطام تجاري تتحرك فيه السلع والمعلومات بواسطة السفن الشراعية، ونظام تجاري آخر تتحرك فيه هذه السلع بواسطة السفن البخارية والكهربائية. وعليه فإن هذا الانبهار الشديد والإعجاب الكبير بالثورة المعلوماتية بعد الحرب العالمية الثانية إلى الآن يعتبر في نظر الكثيرين لونا من عدم استيعاب الواقع والحاضر في إطار فهم عميق ورصين للماضي.

ت- نقد النمو التجاري العالمي واستمرار دولة الرفاه:

*  نقد النمو التجاري العالمي :  يمكن رصد تطور النمو التجاري العالمي بناء على مقاربتين أساسيتين هما:

  -  مقاربة الإحصاءات المتوفرة عن الاقتصاد العالمي:

-                     مقاربة إحصاءات مؤسسة الأعمال التجارية المتوفرة في العالم :

حيث، نجد مثلا المملكة المتحدة وصل استثمارها الخارجي المباشر عام 1914 إلى 8,172 مليار دولار في حين وصلت صادراتها المصنعة إلى 1,928 مليار دولار سنة 1913، في الوقت الذي نجد فيه  أن الاستثمارات الخارجية ل. وم.أ.  بلغت إلى 8 ملايير دولار وصادراتها المصنعة ناهزت 2,652 مليار دولار.

  وتوضح بعض الدراسات " ما العولمة " أن التجارة العالمية سنة 1870 كانت نسبة نموها تصل إلى 3,4% في حين بلغت بعد الحرب العالمية الأولى – بفعل القيود الكمية وضوابط التبادل والظروف السياسية والحربية – إلى أقل من 1% لترتفع بعد 1950 إلى 9% سنويا  إلى غاية 1973 ( فترة أزمة الطاقة ) لتنزل إلى 3,6% سنويا ما بين أعوام 1974 و1985 . هذا النمو في التجارة العالمية والتذبذب الذي عرفه كان يمس بالولايات المتحدة الأمريكية وأوربا ودول جنوب شرق آسيا التي بدأت الأزمة الاقتصادية تستشري في هياكلها في نهاية التسعينات وخاصة عند سنة 1997 حيث هزت هذه الأزمة اليابان وتايلاند وكوريا الجنوبية وإندونيسيا.

·                   نقد استمرار دولة الرفاه:  بما أن العولمة ظاهرة تعمل على خصخصة  الربح وتعميم الخسارة والأزمة، فإن دول الرفاه نفسها سوف لن تفلت من هذه المعادلة كما هو ملحوظ الآن، حيث يرى جون كراي أن تسابق دول الرفاه نحو القاع ( نحو الأسفل ) له المؤشرات التالية :

-                     استمرار المستويات العالية من البطالة في كثير من الدول الغربية.

-                     شيخوخة الهرم السكاني وما لها من انعكاسات على التوازنات الماكرو- اقتصادية لهذه الدول الغنية.

-                     ازدياد التكاليف والمخصصات التقاعدية والرعاية الصحية.

-                     ارتفاع معدلات انهيار العوائد وتدهور الرفاه الرسمي المعتمد على العائلة.

-                     تنامي الطلب على تحسين الرفاه والخدمات الاجتماعية عموما.

-                     الكساد والركود الاقتصادي وتذبذب صرف سعر العملات.

  وهذه المعطيات تظهر الآن من خلال العديد من الأمثلة التي تبين بالملموس مظاهر سقوط دولة الرفاه، وهنا نقف على العديد من الدول التي استشرت فيها الأزمة مثل:

+ أزمة ألمانيا في منتصف التسعينات وخاصة بعد العملية الوحدوية وانضمام ألمانيا الشرقية إلى ألمانيا الغربية، ثم أزمة السويد عام 1998 .

+  أزمة فرنسا في منتصف التسعينيات عندما عجزت حكومة ألان جوبي عن الحفاظ على دولة الرفاه تحت وطأة موجة هائلة من الاضطرابات والاحتجاجات خلال العامين 1995 و1996 ، تماما كما انتهت حكومة بيرلوسكوني في إيطاليا إلى نفس المصير أواخر 1994 وذلك لكون العمال والموظفين وجميع المواطنين رفضوا القبول بتقليص حقوقهم المكتسبة بعد محاولة رئيس الحكومة الإيطالية تمرير قانون مرونة الشغل الجديد .

+ أزمة الولايات المتحدة الأمريكية التي عرفتها سنة 1985 حيث انهارت صادراتها وشهدت عجزا في ميزان مدفوعاتها وفي ميزانيتها لولا تدخل الاتحاد الأوربي واليابان لتمويل هذا العجز المزدوج.

+ أزمة اليابان التي عرفتها عامي 1997 و1998 حيث انزلق الاقتصاد الياباني بدرجة أكثر خطورة فأصابه الركود، مما أثار مخاوف كثيرة في الأوساط الاقتصادية من تفشي أزمة اقتصادية عالمية مشابهة لأزمة 1929.

ث – نقد السوق المفتوحة وسقوط الدولة القومية : قضية الحاكمية

إن أوضح تجليات العولمة هي التي تتبدى على مستوى الأسواق المالية الحرة وما يرتبط بها من سياسات نقدية موحدة، إضافة إلى أنظمة صرف سعر العملات، ناهيك عن رؤية موحدة فيما يرتبط بسوق العمل وخاصة بالنسبة إلى اليد العاملة العالمية الماهرة في إطار تكتلات اقتصادية لم يسبق للعالم أن عاش مثيلا لها.ترى ما مدى صحة هذه الأطاريح  وهل بالفعل هناك سوق معولم وسوق عمل كونية وكتل اقتصادية فريدة؟

   إن القول السائد بكون النظام النقدي العالمي الآن صار مظهرا من مظاهر العولمة، بدليل هيمنة الدولار الأمريكي كمقياس أساس لصرف سعر العملات العالمية ، قول مردود  لأن العالم لحد الآن يعرف أنظمة متصارعة بما فيها الدولار الأمريكي والين الياباني واليورو الأوربي. إذ نجد أن الين الياباني حقق سنة 1995 انتصارا ساحقا على الدولار الأمريكي الذي صار يصرف بناء على سعر الين الياباني. كما أن اليورو الآن يعد منافسا قويا للدولار الأمريكي كما يتوقع ذلك المحللون الاقتصاديون وخاصة بعد أن دخل مرحلة التطبيق كعملة موحدة لدول الاتحاد الأوربي منذ بداية سنة 2002 ، سيما وأن أوربا حققت قدرا كبيرا من الاستقرار السياسي والأمني الملحوظ عكس و.م.أ التي فقدت أسطورة الأمن الدائم بعد أحداث 11 أيلول/ سبتمبر 2001 بضرب وخلخلة رموز سيادتها الأمنية والاقتصادية والسياسية والعسكرية، فأصبحت بؤرة خطيرة للاضطرابات وانعدام الأمن الداخلي مما سيؤثر مستقبلا على الاستثمار فيها وعلى التوجه إليها وهو ما يشكل ضربة موجعة لعملتها: الدولار.

  ولهذا يمكن القول إننا نعيش عهد القوميات والاقتصاديات البينية ولم نحقق بعد درجة من العالمية والكونية كما كان – على الأقل – قبل عام 1973 على مستوى النظام النقدي العالمي الذي كان شبه موحد عندما كانت أسعار العملات تصرف على أساس الذهب. أما فيما يرتبط بانفتاح الاقتصاد العالمي، فإن العديد من الدارسين يرونه نسبيا إلى أبعد الحدود كما نجد ذلك عند كراساه الذي لاحظ أن درجة هذا الانفتاح ما بين الدول السبع الكبار ما بين 1885 و 1985 لم تتغير كثيرا بل بقيت مستقرة. وهي الخلاصة التي خرج بها أيضا كل من لويس وتورنير سنة 1991. كما يشير هؤلاء الاقتصاديون إلى القول بأن التكتلات الاقتصادية هي سمة من سمات العولمة قول فارغ، لأن هذه التكتلات كانت موجودة في القرن 19م مثل: 

-                     تكتل دول الكومنويلث (الإمبراطورية الإنجليزية ).

-                     تكتل المجر والنمسا

-                     تكتل الدول الفرانكفونية

-                     تكتل الدول المساعدة للإمبراطورية العثمانية.

تماما كما هو الآن لكن في حلة جديدة مثل :

*  مجموعة  نافاتا الخاصة بأمريكا الشمالية ( الولايات المتحدة الأمريكية وكندا ).

·                   إبيك (A.P.E.C )الخاصة بالتعاون الاقتصادي لمنظمة آسيا  والمحيط الهادي.

·                   الاتحاد الأوربي(U.E) .وغيرها من التكتلات، لكن الفرق الوحيد بينها هو أن العالم يتوفر الآن على مناطق حرة للتجارة. حيث يعلق كل من بول هيرت وطومبسون كراهام على قضية الانفتاح العالمي وعولمة السوق قائلين: "إن الاقتصاد العالمي في فترة ما قبل 1914 كان من نواحي عدة أكثر انفتاحا من أي وقت...وأن التجارة العالمية وتدفقات رأس المال سواء بين الاقتصاديات سريعة التصنيع ذاتها أو بينها وبين مختلف مناطق مستعمراتها كانت من ناحية تناسبها مع مستويات إجمالي الناتج المحلي، أهم في الفترة السابقة للحرب العالمية الأولى عما يحتمل أن تكون عليه الآن. وإذا زدنا على ذلك قضية الهجرة العالمية المبحوثة توا لوجدنا في بداية القرن العشرين ثمة اقتصاد عالمي مذهل في تطوره وانفتاحه وتكامله، وعليه فإن الوضع الحالي ليس بنظير بأي حال "[42].

  ويستفاد من هذا النص أن قضية الانفتاح في القرن 19 م كانت أكثر رحابة مما هي عليه الآن، لكن النص يلمح إلى قضية جوهرية في الاقتصاد العالمي إلى جانب النمو التجاري وتطور الإنتاج؛ ألا وهي النطقة الثالثة الأكثر فساحة ونعني بها قضية الهجرة كمظهر من مظاهر العولمة الاقتصادية والتي انطلقت بشكل مبكر منذ الاكتشافات الجغرافية في القرن 15م إذ وصل عدد العبيد المهجرين إلى العالم الجديد وحده إلى غاية 1850م حوالي 15 مليونا فردا كما يشير إلى ذلك كل من كاستلير وميلير (42 ). أما عدد المهاجرين في الفترة الممتدة ما بين 1815 و 1915 في العالم فوصل زهاء 100 مليون مهاجر (ومهجر)، فصلهم سيكال في دراسته التي أصدرها سنة 1913م حول هذه الظاهرة كالتالي:

-                     10 ملايين نسمة من روسيا إلى آسيا الوسطى

-                     12 مليونا مهاجرا من الصين و6 ملايين من اليابان نحو شرق وجنوب آسيا

-                     1,5 مليونا هنديا نحو شرق آسيا وجنوبها وجنوب أفريقيا

-                     60 مليونا مهاجرا من القارة الأوربية كأضخم هجرة في العصر الحديث نحو الأمريكيتين والأوقيانوس وجنوب أفريقيا وشرقها.

 وقد لاحظ سيكال أن هذه الهجرة توقفت خلال ما بين الحربين العالميتين بسبب تدهور الاقتصاد العالمي والوضع السياسي المتوتر، لكن ظاهرة جديدة انطلقت بعد الحرب العالمية الثانية وهي ظاهرة العمال الضيوف ( guest workers) التي بدأت تنطلق من الجنوب نحو الشمال متحدية كل الصعوبات إلى درجة ركوب قوارب الموت والانتحار داخل البحار والمحيطات [43].

   والخلاصة أن الهجرة لا تبرهن عن وجود سوق عمل معولم  بل المهاجر يبقى مغتربا وهامشيا مما يؤكد أن سوق العمل سوق قومية بحتة عكس السلع والخدمات التي هي عالمية وكونية على مستوى الاستهلاك وليس على مستوى الإنتاج والخلق. وهو ما يعني في النهاية أن صعوبات النظام الكوني تكمن في كيفية وضع سياسات تنسيق وتكامل بين مختلف الدول، لذلك فإن أقوى عقبة أمام الاقتصاد المعولم هي صعوبة التحكم فيه لأن السوق بمفهوم العولمة ستصبح خارجة عن سيطرة حتى أقوى الدول، هذه الدول التي ستقع تحت رحمة السوق المفتوحة لا محالة، وهو ما تحاول العديد من الأقلام الترويج له بشيء من الاحترافية لتبرز أهمية هذا التوجه في عالم المال والأعمال والإنتاج [44]، وهذا الوتر هو الذي ينشد من خلاله العديد من الباحثين معزوفة الحاكمية في ظل العولمة، إذ أشار مارك بلوندال (Marc Blondel) الزعيم النقابي الفرنسي في منتدى دافوس سنة 1996 قائلا:" إن السلط الرسمية لم تعد تمثل في أحسن الحالات سوى مقاولة داخلية تابعة للمؤسسة: السوق يحكم والحكومة تسير "[45]. وهو الأمر الذي يشاطره فيه أحمد هوزلي الذي يرى أن الدولة تتعرض في " عصر العولمة إلى ضغوط داخلية وخارجية متزايدة قلصت هيبتها  ونفوذها، فالخوصصة تسلبها ممتلكاتها، والشركات المتعددة الجنسية تقفز على سلطتاها، والمؤسسات الدولية تنازعها في كثير من اختصاصاتها وسيادتها، كما أن شيوع السلم والحوار يضعف جيوشها وقوتها الردعية، والنتيجة تقليص قدرات حكومات الدول على ممارسة الرقابة والمحاسبة والتخطيط وضبط الشؤون العامة " [46]، وهذا يعني أن العولمة والخصخصة هما معا عاملان من عوامل تجاوز حاكمية الدولة، " فالخوصصة تتمثل أساسا في تحويل ملكية الدولة إلى الخواص سواء كانوا مواطنين أو أجانب فتتحول الدولة إلى جهاز يحكم ولا يملك ومن لم يملك لن يراقب ولن يوجه كما يريد، وبهذا تفقد الدولة أحد أهم عناصر القوة. أما العولمة فتتمثل في نقل اختصاصات الدولة وسلطاتها في المجال الاقتصادي والإعلامي وكذلك السياسي والثقافي إلى مؤسسات عالمية. فأهدافها واضحة تتلخص في إضعاف الدولة بل إلغاء دورها في كثير من المجالات الحيوية ليحل محلها إمبراطورية العولمة " [47]. ويؤكد المفكر المغربي محمد عابد الجابري أن "نموذج الحكم الذي تبشر به "الليبرالية الجديدة" يهدف إلى تقليص دور الدولة بحيث تكون مهمتها القيام بالتسيير تحت توجيه ومراقبة أولئك الذين يوازي وضعهم إزاءها وضع حملة الأسهم بالنسبة للمديرين في الشركات الكبرى "[48].

  إن تحكم العولمة في الدولة يحصل من خلال العديد من الأنسجة والروابط والالتزامات تترسخ بسبب الكثير من العوامل مثل:

-  الشركات المتعددة الجنسية التي تتولى التسيير عوض الدولة.

-                     العمل على خلق المواطن الاستهلاكي الداعم للعولمة.

-                     تكثيف منظمات المجتمع المدني وتنميتها عالميا بشكل قوي ومستمر.

-                     خلق فضاء سيبيرنيتي لدراسة طرق تنقل المعلومات ومراقبتها داخل الأجهزة والمنظومات التقنية والاقتصادية. 

  وفي إطار هذا التوجه وما له من انعكاسات وأبعاد خطيرة تتعاظم موجة التيار المناهض للعولمة الذي يكيل لها سيلا من الانتقادات اللاذعة ما دام توجهها يصب في تكريس الفردية والعزلة واللاإنسانية، إلى درجة أن هناك من يتكهن بوصول يوم يكون فيه الحدث البارز الذي يشد الاهتمام هو التقاء إنسان بإنسان آخر، كما أن هذه الظاهرة تخدم القلة وتثبت نظام الإقصاء والابتلاع بدليل احتكار القلة لثروات العالم إلى حد أن " المختصين في الدراسات المستقبلية  في اجتماع نخبة قيادة العالم بفندق فيرمونت بمدينة سان فرانسيسكو في خريف 1995 تحدثوا عن مجتمع العشرين، أو مجتمع الخمس في القرن المعولم الجديد أي أن عشرين في المائة سيكون لهم عمل يذر عليهم دخلا يسمح بمستوى معيشي محترم أما بقية المواطنين الفائضين فسينظمون إلى جحافل العاطلين "[49]، وهذا البعد الإقصائي هو الذي جسدته بدقة إحدى الدراسات الجادة مبرزة أن 200 شخصا يملكون 1000 مليار دولار أي ما يعادل دخل 41%  من ساكنة العالم، أي أن كل ثري يحوز على  دخل  12 مليون شخص، كما أن ثلاثة أغنياء العالم تفوق ثروتهم الدخل القومي لـ 48 دولة فقيرة[50]، بل إن تقرير التنمية البشرية لبرنامج الأمم المتحدة لسنة 1998 أشار إلى أن عدد أثرياء العالم بلغ حوالي 225 فردا ثروتهم الإجمالية تقدر بحوالي تريليون دولار أمريكي أي ما يعادل الدخل السنوي لأفقر 47% من سكان العالم البالغ عددهم 2،5 مليار نسمة. كما يشير تقرير التنمية البشرية لعام 1999 الصادر عن برنامج الأمم المتحدة الإنمائي إلى أنه في سنة 1820 كان الفارق في الدخل بين خمس سكان العالم في الدول الأكثر غنى وأمثالهم الأكثر فقرا هو 1 إلى 3 دولارات فقط، لكنه اتسع عام 1913 من 1 إلى 11 دولارا ليصل سنة 1950 من 1 إلى 35 وفي 1973تزايد من 1 إلى 44 ثم في سنة 1993 من 1 إلى 72 ليتعمق عام 1997 من 1 إلى 74 دولارا. وهذه المعطيات من ناحية أخرى تعطينا فكرة عن مدى حجم هول كارثة الفقر والحاجة في العالم، حيث نقرأ في دراسة : " عولمة النضال صد عولمة الاستغلال " أن مساحة الفقر في العالم تزداد بشكل مرعب ومذهل وأن لغة الأرقام أضحت تدق ناقوس الخطر المحدق بالإنسان الذي بات  يرى أضلاعه تتكسر من جراء ليه من طرف  الأنكوندا الجديدة : العولمة، التي تغرق المجتمع البشري في بالوعة الفقر كما تجسد ذلك الأرقام التالية : 1,3 مليار لا يتوفرون على الماء الصالح للشرب ، 1,8 مليار لا يتوفرون على خدمات طبية ؛ 500 مليون يعانون من تغذية جد سيئة ؛ 850 مليون أمي؛ 100 مليون طفل مستغل استغلالا بشعا؛ 2,8 مليار من سكان الأرض يعيشون بأقل من دولارين في اليوم  و 1,2 مليار بأقل من دولار واحد؛ الولايات المتحدة الأمريكية لوحدها 34,5 مليون فقير أي بدخل لا يحقق عيشا كريما؛ في إنجلترا 12 مليونا محروما (Démunis) وفي فرنسا 6 ملايين من  المحرومين[51].

  وكل هذه الأوضاع أصبحت الآن مجسدة في العديد من المظاهر التي باتت واقعا معاشا في كثير من الدول، وخاصة على مستوى التبعية والمديونية التي حولت الكثير من الحكومات والمجتمعات إلى رهائن تحتجزهم المؤسسات المالية العالمية الكبرى كالبنك العالمي وصندوق النقد الدولي على الرغم من الثروات الطبيعية التي تزخر بها هذه البلدان كما هو الشأن بالنسبة إلى المغرب الذي وصلت مديونيته الخارجية سنة 1994 إلى 22 مليار دولار،  والدين العمومي الداخلي حوالي137 مليار درهم أي 12 مليار دولار، وهو ما مجموعه 34مليار دولار، علما أن هذا البلد يتوفر على مقومات طبيعية هائلة لتحقيق إقلاع اقتصادي سليم إذ يتوفر على أول احتياطي عالمي من الفوسفاط قدر سنة 1993 بحوالي 69,9 مليار متر مكعب، وهو ما يعادل 75% من الاحتياطي العالمي، ونفس الشيء بالنسبة إلى الجزائر التي قدرت مديونيتها الخارجية سنة 1993 بأزيد من 26 مليار دولار والتي أنهكت ميزانية الدولة بسبب ارتفاع نسبة خدمة الدين الخارجي بشكل خيالي إلى 73% من قيمة صادرات البلاد، علما أن الجزائر رابع منتج للغاز الطبيعي عالميا كما تحتل الصف السادس عشر دوليا على مستوى إنتاج النفط. وهذه الحالة تنطبق على كثير من البلدان سواء في أفريقيا أو في أمريكا اللاتينية وآسيا وغيرها.

وأمام كل هذه الحقائق الملفتة للانتباه فإن العديد من الباحثين أصبحوا يتشاءمون من التوجه الذي رسمته العولمة لنفسها متسائلين: هل العالم سينحو نحو حضارة الفوضى؟، راسمين لوحة قاتمة تتنبأ بازدياد البطالة وانعدام الأمن وتدهور الوضع البيئي وتفشي الأمراض الفتاكة المعدية [السيدا ] وانتشار الرشوة بالإضافة إلى الحروب الإثنية والطائفية وشيوع ظاهرة العنف مما سيغرق المجتمع الدولي في فوضى عارمة تضرب  مؤسساته ونظمه[52]، سيما في دول العالم الثالث التي ستجني الويل والدمار من جراء هذه الآفة الجديدة؛ لكونها لا تملك المناعة الكافية لمقاومتها، وخاصة على مستوى بنيتها التحتية الهشة التي تجعلها غير قابلة لتقبل أطروحة المنافسة ورفع الحواجز الجمركية؛ لأن ذلك سيؤدي إلى إغراق أسواقها بالسلع الأجنبية الرخيصة وانصراف الزبائن عن البضاعة الوطنية  الأقل جودة والعالية الثمن مما سيتولد عنه إفلاس وإغلاق المعامل المنتجة لها والدفع بعمالها إلى التسريح والفقر والبطالة مما سيغذي نمو الصراعات الاجتماعية والدينية والعرقية وانتعاش الهويات القومية الإقليمية المكبوتة  خاصة بعد ارتفاع نسبة التعلم وانتشار ثقافة الاتصال وتكنولوجيا الإعلام التي تعتبر الآن مستنبتا حقيقيا لكل الهويات المطموسة والثقافات المقموعة التي ستستغل جو الانفتاح والتعددية وثقافة الحوار والطبيعة الديموقراطية وحرية الرأي والمجتمع المدني العالمي لتنتقم لنفسها من كل من سلبها ماضيها وأسكنها زاوية الظل مما سينجم عنه انهيارات خطيرة في البنى والتوازنات الاجتماعية المستقرة والهشة  في عدد من الدول والقارات كما لوحظ ذلك في السنوات الأخيرة في دول أوربا الشرقية وكل الدول المنبثقة عن انهيار الاتحاد السوفياتي وتحديدا في شبه جزيرة البلقان كالانفجار العنيف الذي حدث في يوغوسلافيا والذي طال العديد من مكوناتها مثل الجبل الأسود، كوسوفو، البوسنة، الهرسك وصربيا والذي ما زال لحد الآن يفرز الكثير من التداعيات الخطيرة، علاوة عن  الغليان الذي تمثله الحركة الكردية في تركيا وشمال العراق، زيادة عن الحركة الباسكية في إسبانيا،  ناهيك عما شهدته – ولا زالت – القارة السمراء من انتفاضات إثنية هزت حوض الكونغو بأكمله وطالت دولا فقيرة أخرى كالصومال، الموزمييق، أثيوبيا، إريتيريا، والسودان وأنغولا وغيرها، دون إغفال التململ الملحوظ في دول شمال أفريقيا... ، كما أن آسيا هي الأخرى لم تسلم من هذه الصحوة العرقية، كما يلاحظ ذلك المراقبون من خلال الإفرازات التي تلوح بها الساحة الأفغانية بين الفينة والأخرى، إذ إن معظم التحاليل تتكهن بانتعاشة عرقية مدمرة رغم تواجد القوات الأمريكية والإنجليزية " لحفظ" الأمن و" تثبيت" الاستقرار.

ومما سلف يمكن فهم الأبعاد العميقة لمناهضي العولمة من خلال المعارضات والاحتجاجات الصاخبة في مختلف القارات والدول، كما جسدته أحداث سياتل، دافوس، واشنطن، براغ، ملبورن، غوتنبرغ، ساليزيوري، جنيف، برشلونة؛ والتي شهدت بعضها أحداثا دامية كما تم في جينوة الإيطالية.  بل مناهضة العولمة بدأت الآن تتخذ منحى أكثر عقلانية بعد إخضاعها للهيكلة ووضع العديد من المؤسسات كما نلمس ذلك من خلال المرصد الدولي لمقاومة الجوانب السلبية لظاهرة العولمة، إضافة إلى المنتدى الاجتماعي العالمي في بوركو أليغري عاصمة ولاية ريو غراندي في أقصى جنوب البرازيل، ثم ظهور برامج الأحزاب الخضر (البيئيون) في الاتحاد الأوربي وبروز حركات نقابية عمالية تحاول التنسيق بين جميع النقابات في الأقاليم والدول المؤثرة في الأمم المعولمة كالاتحاد الأوربي واليابان و و. م . أ . بل بدأت تسمع صوتها حتى في الدول التابعة كالمغرب وغيره من خلال حركة  أطاك التي ترمي إلى "عولمة جديدة بعيدا عن كل منطق انغلاقي، مبنية على التضامن بين الشعوب حتى يكون الغد مبنيا للعدالة الاجتماعية والديموقراطية والكرامة، والتنمية والتضامن في عالم يكون شيئا آخر غير عالم الأسواق"[53] . وحركة أطاك هي الجمعية التي تكونت أواخر التسعينيات وذلك منذ أن كتب " إكناسيو راموني " مدير تحرير صحيفة " لوموند ديبلوماتيك" الشهيرة المنتصرة لقضايا العالم الثالث افتتاحية تدعو لتضريب المعاملات المالية التي تضخمت دائرة حجمها فبلغت حوالي 1800 مليار دولار مقارنة بالحجم الحقيقي للاقتصاد الحقيقي المنتج وذلك لأجل تحويلها لفائدة الدول المتخلفة. في نفس التاريخ راجت فكرة الاقتصادي الأمريكي المعروف " توبين "الحائز على جائزة نوبل للسلام في الاقتصاد[54]. فحملت اسمه وأصبحت تعرف بـ " جمعية تضريب المعاملات المالية من أجل مساعدة المواطن"[أطاك ] التي تعتبر الآن من أهم الحركات العالمية المناهضة للعولمة[55].

IV –استنتاجات عامة :

  من خلال ما سلف يمكن الخروج بالاستنتاجات التالية:

1-             إن العولمة لا يمكن أن تفرض نفسها على العالم ما دامت شروط تحقيقها غير قابلة للتعميم عالميا وذلك لاعتبارت أساسية ثلاثة : 

أ-أ اعتبار أخلاقي: وذلك لعدم قابلية الإنسان فطريا إلى الانصهار في بوثقة  واحدة، بل هو مفطور على الاختلاف الذي يحقق له التكامل، وهو ما أفرزته التجربة التاريخية للإنسان منذ ظهوره إلى الآن .

أ-ب اعتبار اقتصادي: حيث يتوقع المحللون الاقتصاديون غير المنفعلين ولا المغالين حصول مشكلات صعبة الحل بالنسبة إلى النظام الاقتصادي العالمي بسبب طبيعة الترابط الكوني من جهة وبسبب بقاء أكبر نسبة من سكان العالم خارج الاستفادة منه، مما يعمق قضية اللامساواة ويؤجج تنامي الحاجة والفاقة في الهامش والتي ستطال مخلفاتها وانعكاساتها المركز وكل دول المتربول التي ستستورد عواقب الفقر كما هو ملحوظ الآن في الولايات المتحدة الأمريكية وأوربا الغربية حيث يتدفق عليها اللاجئون وكل النازحين والهاربين من الفاقة والنزاعات، وهو ما يصعب احتواؤه الآن، مما يزيد من إعادة إنتاج اللامساواة والفقر في العالم.

أ-ج  اعتبار سياسي:  ذلك أن ثالوث الرفاه: اليابان، و.م.أ والاتحاد الأوربي يراهن على نشر الديموقراطية كقاعدة أساسية لاستمرار الليبرالية والرأسمالية الحالية المعولمة، لكن هذا المسعى صعب التطبيق، ما دامت الديموقراطية تعني حكم الشعب وتقدس مبدأي الحرية والمساواة . فكيف يطلب من الشعوب الثالثية أن ترعى المساواة والديموقراطية في ظل نظام العولمة الذي يقدس الروح الإقصائية ويدعم التفاوتات، لذلك فإن ثلثي العالم لن يستطيعا استبطان واستشراب هذه المتناقضات، هذا دون إغفال أن أكبر معوق للعولمة الآن هو حتمية ظهور تعددية قطبية سياسيا واقتصاديا وعسكريا، إذ ترجح التكهنات الاقتصادية أن تكون الصين أقوى وأعظم دولة عالميا في عام 2020 بناء على المؤشرات التالية :

-   توفرها على أعلى معدل للادخار المحلي في العالم بنسبة 39,3% من إجمالي الناتج المحلي حسب إحصاء عام 2003 ( في حين يصل عند و.م.أ إلى 30%).

-  توفرها على أعلى معدل نمو في العالم منذ سنة 2003 بنسبة 10,1% ( يبلغ في الولايات المتحدة ما بين 7و8 % )

-                     ثاني بلد عالميا بعد الولايات المتحدة يستقبل الاستثمارات الخارجية التي وصلت قيمتها سنة 1996 إلى 42،3 مليارا دولارا أمريكيا .

ويبقى على الصين أن ترفع من وثيرة التمدين والتقليص من حجم الأرياف حتى تحقق فعلا قطبية ثنائية منافسة للولايات المتحدة ولا تكرر تجربة اليابان في السبعينيات والاتحاد السوفياتي في الثمانينيات.

2- العولمة كظاهرة اقتصادية بشرية كانت موجودة منذ عدة قرون، لكن صياغة مفهومها وبلورته لم يظهر إلا مع نهاية الحرب الباردة.

3- العولمة إذا كانت ظاهرة إمبريالية مقنعة، فهي ليست سلبية في كل مكوناتها ونتائجها، بل تتضمن العديد من الجوانب الإيجابية كما هو ملحوظ الآن على مستوى تكنولوجيا الإعلام.

 

4-ظاهرة العولمة تحتمل ثلاثة مستويات للتحليل والدراسة:

-  مستوى المغالاة في مدحها وتمجيدها والدعوة إليها (المؤيدون ) .

- مستوى المغالاة في مقتها ورفضها والتحذير منها( المعارضون).

- المستوى المعتدل: الذي يرصد إيجابياتها وسلبياتها ويتعاطى معها كطاهرة عادية.

 



-[1] أحمد ؛ هوزلي ؛ تحديات العولمة للدول النامية والمغرب، دار وليلي للكتابة والنشر ، مراكش ، 2000 ، ط 1 . ص :16.

[2]- الحبيب؛ الجنحاني ؛ العولمة من منظور عربي ، سلسلة المعرفة للجميع ، ع . 19 . 1998 ، ص:103

[3]- المهدي ، المنجرة ؛عولمة العولمة، كتاب الجيب ، منشورات الزمن ، البيضاء، 1999.

[4]- فرانسيس ؛ فوكوياما ؛ نهاية التاريخ والإنسان الأخير ،[ ترجمة د.فؤاد شاهين و د.جميل قاسم و د. رضى الشابي] ، مركز الإنماء القومي ، بيروت ، 1993

[5] - أحمد ؛ هوزلي ؛ تحديات العولمة ، م .م. س .ص : 63

[6]- يحيى ؛ اليحياوي ؛ العولمة الموعودة : قضايا إشكالية في العولمة والسوق والتكنولوجيا ، منشورات عكاظ  ، الرباط ، 1999 ، ص . 96

[7] - نفسه .

[8] - إسماعيل  صبري عبد الله ؛ الكوكبة الرأسمالية العالمية في مرحلة ما بعد الامبريالة ، مجلة الطريق ،ع . 4 ، بيروت ، 1997.

[9] - يحيى ؛  اليحياوي ؛ م . س .

[10] - راسل ؛ جاكوبي ؛ نهاية اليوتوبيا : السياسة والثقافة في زمن اللامبالاة  ، [ ترجمة فاروق عبد القادر ، سلسلة عالم المعرفة ] ، ع . 269 ، الكويت ، ماي ، 2001 .

[11] -  تحديات العولمة ، م .م. س .ص. 70 .

[12]- حسن حنفي، جلال صادق العظم: ما العولمة، دار الفكربيروت 1999، 11- 50 .

[13] - أحمد ؛ هوزلي ؛ م .م. س . ص . 16

[14] -  جلال صادق العظم ، ما العولمة ، م .م. س . ص . 42 .

[15] - هار؛ دشومان وهانس ؛ بير مارتين ؛ فخ العولمة  : الاعتداء على الديموقراطية والرفاهية ، [ ترجمة عدنان عباس علي ، مراجعة وتقديم د. رمزي زكي ] ، سلسلة عالم المعرفة ، ع. 238 ،الكويت ، 1998 .

[16] - الحبيب ؛ الجنحاني ، م.م. س . ص.ص.164-165 .

[17] - انظر ، العولمة والعرب ، م.م.س . ص . 10

[18] - تحديات العولمة ، م .م. س . ص . 17 .

[19] - نفسه ، ص .ص.13-14 .

[20] - بول ؛ هيرست و جراهام ؛ طومبسون ؛ ما العولمة : الاقتصاد العالمي وإمكانية التحكم [ ترجمة د. فالح عبد الجبار ] ، سلسلة عالم المعرفة ، ع .273 ، الكويت ، 2001 .

[21] - عبد النبي ؛ رجواني ؛ عصر المعلومات : جموع تكنولوجيا المعلومات في ظل العولمة ، سلسلة المعرفة للجميع ، ع. 9 ، ص. 17 .

[22] - بول ؛ كينيدي ؛ القوى العظمى ، [ ترجمة عبد الوهاب علوب ] ، مركز ابن خلدون ، القاهرة ، 1993، انظر أيضا ، العولمة من منظور عربي ، م . س . ص.28 .

[23] - السيد ؛ يسين ؛ العولمة والطريق الثالث ، القاهرة ، 1999 ، ص. 77 .

[24] - عبد الإله ؛ بلقزيز ؛ العولمة والممانعة ، سلسلة المعرفة للجميع ، الرباط ، 1999 .

[25] - جلال ؛ صادق العظم ؛ ما العولمة ، م.م.س. ص . 30 .

[26] - الحبيب الجنحاني ؛ م. م.س. ص . 15 .

[27] - روجي  لوتورنو ؛ حركة الموحدين في المغرب قي القرنين الثاني عشر والثالث عشر [ تعريب د. أمين الطيبي ]، الدار البيضاء 1996  ص.44 . وانظر أيضا ، هويثي مراندا ، مجموعة مصنفات تاريخية عربية، ج2 ص.207-211.  ثم ابن عذاري المراكشي ، البيان المغرب في أخبار الأندلس والمغرب ، ج3.ص.206-209 .

[28] - تحديات العولمة ،م.س. ص.ص.112-113 .

[29] - العولمة من منظور عربي ؛ م. م.س.

[30] - تحديات العولمة لدول العالم الثالث والمغرب ، م.م. س. ص.114 .

[31] - نفسه ، ص.114

[32] - نفسه ، ص .115 .

[33] - نفسه ، ص.ص.44-45

[34] - نفسه ، ص .14 .

[35]-نفسه ، ص. 16 .

[36]- العولمة من منظور عربي ، م. م.س. ص .72 .

[37] - نفسه ، ص.72 .

[38] - يحيى، اليحياوي ؛ في عولمة الاحتجاج على العولمة ، مجلة فكر ونقد ،ع.45 ، ص.ص. 17-26

[39] - تحديات العولمة ، م.م. س. ص.44

[40] - ما العولمة : الاقتصاد العالمي وإمكانية التحكم . م.م . س .

[41] - تحديات العولمة ، م.م. س. ص . 54 .

[42] - نفسه ، ص .48 .

[43] - حالة بلدان شمال أفريقيا ، وخاصة المغرب ؛ حيث تعتبر هذه القوارب مقبرة لمئات المغاربة سنويا بسبب الأوضاع الاقتصادية ولاجتماعية الخطيرة التي يعرفها هذا البلد .

[44] - فخ العولمة ، م . س

[45] - العولمة من منظور عربي ، م .س . ص .71

[46]- تحديات العولمة ، ص. 49 .

[47]- نفسه ، ص .107 .

[48] - محمد عابد؛ الجابري ؛ وهم الليبرالية الجديدة : مجلة فكر ونقد ، ع.25 . 2002. ص.5-16

[49] - الحبيب ؛ الجنحاني ؛ العولمة من منظور عربي ، م .م. س. ص.59 .

[50]- Agternatives économhques ;n°177 ,Janvier , 2000 .

[51]- مجموعة من المؤلفين ؛ عولمة النضال ضد عولمة الاستغلال ، منشورات النهج الديموقراطي ، ط1 ، 2000 .

[52] - العولمة من منظور عربي ، م.م.س. ص.ص.31-32

[53] - عولمة النضال ضد عولمة الاستغلال ، م .س .ص.115 .

[54] - في عولمة الاحتجاج على العولمة ، م.م. س. ص.ص.17-26 .

[55]- انظر الحوار الذي أجرته نادية بن سالم مع رئيس جمعية " أطاك"  المغرب السيد إسماعيل كريمي والذي نشر بيومية العلم ع.18955 ،9 أبريل ،2002 .