ص1       الفهرس  61-70

مفكرو المغرب وقضية الحداثة

قراءة في ستة مشاريع فكرية تحديثية مغربية

                                                                               محمد الشيخ

لربما كنا بحاجة إلى أن نذكر بأن نهاية السنة الماضية ـ 2004 ـ صادفت مرور نصف قرن على إصدار المغاربة لأول كتاب فلسفي مغربي في الزمن الحديث[1]. ولا شك أن المطلع على هذا التذكير سرعان ما يهجس بخاطره السؤال : وهل يكفي نصف قرن لتأسيس تقليد فلسفي راسخ أو تقاليد بحث محترمة؟ ولعله يتقدم فيستنكر : وهَلَّا تحسب ثقافة الأمم إلا بالقرون! غير أننا نود لفت انتباه هذا القارئ المتشكك إلى أنه على قصر هذه المدة، فقد أنجز مفكرو المغرب مشاريع فكرية جليلة عظيمة. هذا وقد تقلب الفكر الفلسفي المغربي في هذه العقود الخمسة بين بنى فكرية ثنائية عدة (الأصالة/المعاصرة، الرأسمالية/الاشتراكية، العلم/الإيديولوجيا، الواقع/الوعي، الإصلاح/الثورة، التبعية/الاستقلال، الدين/الدولة، المحلية/العولمة...) إلا أننا نزعم أن لهذه البنى أصلا ثابتا راسخا ـ وهو النظر في مسألة "الحداثة" التي هي مسألة المسائل في زماننا هذا.

 فلننظر في هذه المشاريع الفكرية التحديثية مشروعا مشروعا.

1- مشروع عبد الله العروي : الدعوة إلى الأخذ بأسباب الحداثة

أ- مفهوم "الحداثة" في فكر عبد الله العروي

ما فتئ الأستاذ عبد الله العروي ينبه إلى أن: «الحداثة [صارت] تكتسح كل المجالات»، وأن «لا أحد [صار] بمكنته أن يوقفها»[2]، وذلك بحيث هي أخذت تنتقل من "المعمل" إلى "المدرسة" إلى "الأسرة" فإلى "الروح" نفسها تستأثر بها، واستحالت هي تغزو في أوان متخالفة وبإيقاعات متباينة مختلف دوائر المجتمع بلا استثناء. كيف يكون الأمر بخلاف ذلك والشأن في آلية الحداثة ـ التحديث ـ أن تنهض على ضرب من "التنميط" و"التوحيد"، وأن لا تترك لأمور "التفرد" و"التوحد" و"التأصل" مجالا؟ والحال أنه ما كانت حالنا عن حال شعوب أخرى بمعزل. لا ولا كنا بدعا من الأمم في اجتياح الحداثة لنا واجتراحها لذواتنا واجتثاثها لماضينا. فلسنا بأول أمة تواجه موجة الحداثة العاتية العارمة لا ولا بآخر أمة يحدث لها ذلك. هذا وقد عبر الأستاذ العروي، منذ البدء، عن اختياره المبدئي الحاسم : جعل هو من "تحديث الفكر والمجتمع العربيين" مشروعه الفكري الأول بامتياز وبلا مدافع[3]. وقد وجد أن "روح الحداثة" تثوي في أمور ثلاثة : العلم والاقتصاد والسياسة. وهكذا فإن تجلي الحداثة في العلم وتبدي الإنسان الحداثي العالِم إنما هو أمر تشهد عليه سمة " القضية العلمية"؛ إذ صارت هذه القضية "موقوفة" و"نسبية" غير "مطلقة" هي ولا "يقينية"، وذلك لأنه صار يمكن في أي وقت من الأوقات أن تفندها الوقائع وتدحضها، ولا تبقى هي "تامة" أو "نهائية"، بل إن القضية التي لا تقبل أن يجري عليها "إمكان التفنيد" ما استحالت تعد قضية علمية البتة. أما في مضمار الاقتصاد، فإن تجلي الأمر الحداثي فيه يبين لنا أنه صار اقتصاد السوق الذي أضحى من شأنه أن يفقد دوما توازنه بلا توقف، ومن ثمة يضطر دوما إلى تجديد ذاته. وفي مجال السياسة، فإن الواضح أن حقيقة الديمقراطية أنها نظام سهل الانعطاب، بحيث يسرع إليه الكسر ويحتاج دوما إلى الجبر. ها قد تحصل لنا تحديد معنى "الحداثة" عن طريق السلب. إذ تحقق أن الثابت المتكرر ههنا، إن حدد سلبا، هو القطع مع "الشأن المطلق" و"الأمر الدائم" و"الاعتبار النهائي"، فلا "إطلاقية" في منطق الحداثة ولا "ديمومة" ولا "نهائية" ... وأمر الحداثة، إن هو حدد إيجابا، دأبه "الشأن المؤقت" وديدنه "الأمر المتغير" وشأنه "الاعتبار الزائل"، أو قل بالجملة : إنما الحداثة كل الحداثة في الانتقال من ضرب من تصور الأشياء قائم على "الإطلاقية" إلى ضرب آخر ناهض على "التاريخانية"؛ أي على ربط الوقائع بأصلها التاريخي النسبي المؤقت الحدثي ... والحال أن الناظر في تحديد "الحداثة" هذا يجد أنها، من حيث هي "شكل" سيال بلا مضمون مقرر أو معطى مؤكد، إنما نهضت على رؤية للأمور "جمالية" شأنها الاحتفاء بالإبداع والابتكار. ومن ثمة، فإن اكتشاف الفن ما كان هو نتيجة لحركة الحداثة، وإنما هو التحديث نفسه كان، بل هو الحداثة ولا فرق. هو ذا سر الحداثة المكنون : ففي كل يوم تغزو الحداثة ركنا من أركان المجتمع المتوارية الركينة المنزوية، فتسيل بذلك "المطلقات" التي تخشبت واستحجرت. وفي الجملة، هي ذي "الحداثة" وهذه "أعمالها". معقد معنى توسيم العروي للحداثة أن معناها التأم من مياسم "النسبية" و"الإبداعية" و"الشكية" و"التجديدية" : إذا ما هي اجتمعت تحققت، وما نقص منها نقص من الحداثة.

ب ـ نحن والحداثة : مقومات الحداثة

أوجز الأستاذ عبد الله العروي "مروية الحداثة الكبرى" وبناها على عصب مفاهيم ثلاثة : أول مقومات الحداثة إعمال العقل. وحقيقة العقل الحداثي أنه والعمل سواء. إذ كلما اتسع نطاق تدخلات العقل الحديث : في ميدان الزراعة والطب والبيطرة والملاحة والحرب... ازدادت حداثة "العقل" و"العقلانية" وتوارت قدامتهما الموروثة. ذاك هو الأصل الذي تأصل عليه المفهوم الحداثي الغربي للعقلانية. أما عندنا فقد ظل العقل محدودا دوما بأمرين : أولهما؛ أن هذه الثقافة اعتبرت أن فوق كل "عقل" ثمة "عقل أعلى" هو "المطلق" أو "العلم" أو "اليقين" بالمعنى المطلق. فلا مجال هنا لإعمال "الفحص" و"التأمل" و"الحيرة" و"الشك". هنا يكون اليقين حاصلا قبل النظر[4]. فالعقل بهذا "تأويل"؛ بمعنى عود إلى "الأول" وإلى "النص"[5]. وبهذا ندرك كيف أن هذا العقل افتقد إلى أهم مقومات الحداثة : التجريب، الفن، التوهيم ... ثاني الحدود التي وقف عندها العقل العربي القدامي ولم يتجاوزها حتى يصير هو عقلا حداثيا، أنه ظل على الدوام عقلا تأمليا فرديا؛ أي أنه بقي "مفهوما نظريا" محضا[6]. فما تجاوز هو أمر النظر إلى العمل، وبالتالي ما كان من شأنه أن يؤدي إلى تطوير المجتمع عن طريق تعميم النشاط الصناعي وما يترتب عن ذلك التعميم من تحولات في ميدان التربية والتعليم والتنظيم[7] ... وبالجملة، ما صار هو عقلا اجتماعيا مجسدا في سلوك جماعي قار ومنتظم[8].

ثاني مقومات الحداثة مقوم "الفرد". إذ يرى الأستاذ العروي أن لا حداثة بدون نزعة فردية. والذي عنده أن : «الحداثة تنتصر ومعها تنتصر النزعة الفردانية»[9]. وهو يؤكد على أن "بادئة الحداثة" هي تسلل مفهوم "الذات"، ذي الأصول الفلسفية، إلى الفكر الغربي برمته. وفي مرحلة ثانية صارت هذه "الذات" "فردا"، بالمعنى الاجتماعي والسياسي للكلمة؛ عنينا الفرد العاقل الذي أسهم في إنشاء التاريخ المعقول والاقتصاد العقلي والسياسة العقلية التعاقدية. ذاك كان مفهوم عصر الأنوار لمعنى "الفرد"[10]. وفي عهد ثالث اقترن مفهوم "الفرد" بمعنى المبادرة الخلاقة حيث صير إلى التخلي عن "تجريدية الأنوار" ـ الفرد العاقل الذي لا وجود له في الواقع التاريخي ولا قيام ـ واستعيض عنها بتبني مفهوم "الفرد الفاعل"؛ قصدنا الفرد الفاعل الواقعي لا الفرد الخيالي[11]. وهذا المفهوم هو الذي يقف عنده العروي مرتضيا إياه، ويجد أنه يلائم وضعنا الاجتماعي والاقتصادي ويؤهلنا لتبني الحداثة. أما العهد الرابع، فهو عهد "الفرد المغاير" المخالف. وهو عهد لا يجد الأستاذ العروي أنه يناسب ما لدينا لأنه يعكس الروح النخبوية المتمردة على الديمقراطية والاشتراكية.

أما عندنا فإن الفرد ما كان هو نتاج المبادرة وإنما «الفردانية [كانت] ثمرة الاستبداد وثورة سلبية عليه»[12]. إذ كانت تجربة الدولة الإسلامية هي تجربة "التخارج بين قانون الجماعة ووجدان الفرد"[13]. فما ألفي الفرد في أثناء هذه الدولة إلا "إِمَّعَة" "مستعبدا" "مستتبعا" "ملحقا" عبدا مؤتمرا ومملوكا ملبيا : «الفرد داخل الدولة [الإسلامية القديمة] مستعبد بالتعريف، فلا يعرف الحرية إلا إذا خرج منها أو عليها»[14]. وإنه للفرد المتوحد النابتة الذي «فردانيته [هي] نتيجة جدلية للسلطنة القائمة»[15]. والحال أن في دولة هذا شأنها ـ الدولة السلطانية ـ يصير الفرد العاقل يرى فيها، قبل كل شيء، أنها "جهاز قمع"، وأن له الحق في أن ينجو بنفسه، كما أن له الحق في أن يحقق حريته عن غيره بمعزل، فيكون أن يطلب الطوبى التي لا تتحقق : دولة الحكمة (الفيلسوف النابتة)، أو دولة الخلافة (الفقيه المقهور)، أو دار السعادة (الصوفي). الحل عنده حل فرداني طوباوي لا يستهدف "تأنيس الدولة" وإنما هجرها والفرار. وما من سبيل إلى تحقيق هذا المبتغى الانعزالي إلا بتخيل يوطوبيا فرارة. والحال أن من شأن هذا الحل الفرداني أن يناقض العقلانية السياسية والاجتماعية . إذ لا أمر من هذه الأمور بمكنته أن يتحقق بالفرد الأوحد الأعزل وعن الدولة بمنأى ومبعد ومعزل[16].

ثالث مقومات الحداثة مقوم "الحرية". إلا أن هذا المقوم مضبوط عند الأستاذ العروي بضوابط. فهو، أولا، ما كان كل مفهوم يكون، وإنما هو "مفهوم الحرية الأوربي"[17]؛ أي الحرية الاقتصادية والاجتماعية والسياسية الليبرالية. والحال أننا إن نحن نظرنا إلى حالنا وجدنا أن : «المجتمع العربي الإسلامي كان لا يفهم من كلمة حرية ما تفهمه أوربا الليبرالية»[18]. فما كان عهدنا بالحرية استعمالا، وإنما نحن عهدناها ترجمة، وما تمثلناها بيسر ودقة، وإنما بضرب من التشوش شديد نحن استبطناها. والسبب في ذلك، أن القدامة العربية ما شهدت قط على "الحرية"، وإنما هي شهدت على "طوبى الحرية". ولذلك لما هي جوبهت بواقع الحرية كما تحقق زمن الحداثة ما تمثلته خير تمثل ولا استدمجته بأفضل استدماج. لقد تمت تجربة الحرية العربية من حيث هي "يوطوبيا"، أو "طوبى" بلغة العروي؛ أي "الحرية الوجدانية" أو "الحرية الأصلية"، لا "الحرية العاقلة" أو "الحرية المسؤولة" أو "الحرية الفاعلة". ولئن هو كان الأصل في هذه أن تمارس "داخل" الدولة، فإن الأصل في الحرية العربية أنها مورست "خارج" الدولة. إذ كانت تدور كلها على الفرد وعلاقته بذاته وبخالقه وبالمشارك له في الخلق من بني البشر. فكانت هذه "الحرية مفهوما قانونيا وأخلاقيا بالدرجة الأولى، وما كانت هي مفهوما اجتماعيا وسياسيا؛ أي مفهوما متعلقا بالفرد الاجتماعي؛ عنينا به الفرد بوصفه "المشارك في هيئة إنتاجية"[19].

وبعد، هي ذي سلسلة "مقومات الحداثة" تختتم. غير أنه ما كانت هذه المفاهيم الحداثية عن بعضها البعض بمنأى ومعزل ومبعد. إذ هي "مفاهيم" الشأن فيها أن : «تدرك بعضها بواسطة البعض الآخر وتشير كلها إلى ذلك المفهوم المهيمن عليها [مفهوم الحداثة]»[20]. فشأن "العقل" أن يحيل إلى الفرد والحرية، والأمر بالضد. وأمر العقلانية أن ترد في سياق الحديث عن الفردانية. وهذه دأبها أن ترد ورودا في أعطاف الكلام عن الحرية ...

ج ـ نحن والحداثة : حتمية القطيعة مع الماضي

كتب الأستاذ عبد الله العروي ذات يوم من سنة 1975 معبرا عن مدى خوفه على مستقبل العرب : «مخيف هذا التعلق بالماضي»[21]، ملاحظا بذلك أن «الأهمية التي تعطى للتقليد، باعتباره قيمة، تبدو مقلقة»[22]. هذا مع تقدم العلم، أنه كان قد نبهنا إلى أن «الماضي لا يمكنه أن يخدمنا في حل مشاكلنا»، لا و لا حتى «في إعادة إعطاء [هذا] الماضي [نفسه] قيمته الحقيقية»[23]، نافيا بذلك ـ ضدا على من أسماهم التقليديين ـ «أن يكون التقليد أحسن حل لمشاكل الحاضر»[24]. ولئن هو كان منطق هؤلاء الحفاظ على الماضي ولو أدى ذلك إلى التضحية بالحاضر، وذلك بوفق شعارهم الذي أخرجوه إلى الناس : «فليمت الناس لتبقى فكرة ما حية عن الماضي»، فإن العروي ضادهم بالشعار : «فلتمت الأفكار الميتة لكي يحيا الناس»[25]. وتلقاء هذا الداء العضال، حيث لا ينفع ترقيع، ما وجد إلا العلاج الصادم : أن نجب الصلة بالماضي جبا. وليس يعني هذا أن نضرب الصفح عن الماضي فلا نهتم به بالمرة، وإنما معناه ألا نعتبره معيننا على ما نحن عازمين عليه من تحديث. أما دراسته دراسة أكاديمية فهذا شأن آخر. والعروي نفسه بدأ مساره الفكري مهتما بالتراث : «لست أنكر التقليد بوصفه حدثا، فأنا أدرسه كظاهرة، ولكني أنكره كقيمة»[26]. لا خفاء إذن أن يشتهر الأستاذ عبد الله العروي بين الدارسين العرب بجرأته على طرح مسألة "القطيعة" طرحا صريحا. وقد قامت دعواه، لا على ضرورة إجراء هذه القطيعة "الحيوية" للثقافة العربية المعاصرة وحسب، وإنما على ضرورة "الحسم" في هذه القطيعة حسما. إذ ثبت عنده أنه : «لا بد من الاختيار، من الفصل والحسم والجزم، إذ في الجزم يكون رفض كل ما هو تقليدي من جميع النواحي»[27]. ثمة إذن أمران أساسيان ومتلازمان عنده : "الاختيار" ـ وهو اختيار "النفعية" و"العقلانية" و"الليبرالية"؛ وباختصار اختيار "الحداثة" ـ و"الحسم" ـ وهو القطع مع الماضي قطعا بلا مطمح عودة أو ترجية رجعة أو تأميل أوبة.

وقد عبر العروي عن فهمه لأمر "القطيعة" هذا بإعمال "توريات" كثيرة. منها تعبير "طي الصفحة"[28] بما هو عنى به ما سماه "القطيعة المنهجية"؛ أي "القطيعة مع مضمون التراث"، أو تعبير "القطيعة مع التراث"[29]، أو عبارة "القطيعة بين القديم والحديث"[30]، أو بيان "القطيعة الجوهرية بين القديم والحديث"[31]؛ وذلك بسبب المخالفة الحادثة بين "منطق العصر" و"منطق التقليد"[32]. وهذه "القطيعة" عنده هي "الشرط الضروري لكل تقدم"[33]، وعلى الفكر العربي أن يعي بضرورتها ويقدم عليها بلا تلكؤ. أكثر من هذا، لا سبيل إلا إلى الاعتراف، بلا مواربة، بأنه : «انقطعت الصلة بيننا وبين إنجازات ومنطق تراثنا الثقافي»[34]. إذ القطيعة صارت "واقعة" حالة بنا شاهدة علينا، وما كان من شأنها أن "تنكر" أو "تهمل". وهي قطيعة "قد حصلت وتكرست" بالفعل، بل إنها «المسألة الوحيدة التي تهم المسلمين، وغير الأوربيين الغربيين على وجه العموم، منذ عهد النهضة». ومن ثمة، فإنه لزم لهذه "الواقعة" أن تتحول إلى "مسلمة"[35].

2 ـ مشروع عبد الكبير الخطيبي

النقد المزدوج : نقد التراث ونقد الحداثة

أ- نقد التقليد

أ-1- التقليد ميتافيزيقا مكتملة

يطلق الأستاذ عبد الكبير الخطيبي لفظ "ميتافيزيقا" ـ أو "لاهوت" ـ على مجمل الإنتاج الثقافي العربي الإسلامي. فهو يرى أن الحضارة العربية حضارة "مكتملة" في "عنصرها الميتافيزيقي" المؤسس. "مكتملة"؛ لا يعني أنها "منتهية" أو "ميتة" في الواقع الحاضر، وإنما يعني أنها "عاجزة"، من حيث هي "فكر واحد"، عن أن "تجدد" نفسها التجديد ـ اللهم إلا بأيد من انتفاضة "فكر مغاير". وهو فكر شأنه أن يكون "في أدوم حوار" مع التحولات الكونية الجارية[36]. فحال الثقافة الإسلامية إذن، من حيث هي "مشروع لاهوتي كوني" أفلس في القرنين الرابع عشر والخامس عشر الميلاديين، أنها أرادت أن تهيمن على الناس بتوسل ناموس واحد، وتاقت إلى أن تخضع الزمن الذي ما يفتأ يمضي. لكنها فشلت في ذلك أيما فشل وعجزت عنه أشد العجز[37]. والحال أن هذه الميتافيزيقا بنيت على "لاهوت الأمة"، وادعت أنها كانت "خالصة" و"نقية" و"طاهرة". والحق أنها كانت، أولا، تشمل في ذاتها "هوامشها" المشغبة على وحدتها وهويتها المزعومتين : "الهوامش" (البربر، الأقباط، الأكراد ...)، و"هامش الهوامش" كلها : الأنثى. ثم إنها، ثانيا، صارت تشهد على انقسام إلى بلدان وشعوب وطوائف وطبقات ... ومن ثمة، فإنه لئن هو كان ثمة تعالق بين فكرة "الوحدة" وحكم "اللاهوت"، فإنه ما أن تتلاشى الأولى حتى يتلاشى الثاني : من "التعالق المزدوج" إلى "التلاشي المزدوج". كلاهما صار في عداد الماضي. ولا حياة لهما اليوم إلا من حيثما هما صارا "فكر موتى"[38]. والحال أن العرب لا زالوا لم يفكروا بعد في هذا الأمر تفكيرا جذريا : مأخوذون هم اليوم بحنين إلى "هوية" كليانية أو إلى "اختلاف" هش لم تتضح معالمه بعد ولا زال أمرا عن فكرهم بمبعد ومنأى. وسادرون هم عن أمر سقوط وأفول الميتافيزيقا التي أظلتهم وضللتهم لقرون طويلة ...

أ – 2- الصلة بالتراث

يؤكد الأستاذ الخطيبي على أن لا سبيل إلى طلب "أصالة" لا تكون سوى "تكرار تقليدي" للأمر القدامي إياه ... وبدل الحديث عن "أصالة" Originalité يفضل الحديث عن "أصلية" Originarité ـ تلك الأوبة التي تجعلنا نعود إلى "الأصل"، لا العودة المشابهة له والمماثلة، بله المستنسخة "المطابقة" l'identique، وإنما العودة عودة المغايرة والمخالفة والمباينة إلى الشيء نفسه المباين لنفسه le même؛ أي إلى ذاك "المنبع" و"المورد" و"المنهل" و"المشرب" الذي ما يفتأ يغاير نفسه المغايرة[39]. فلا وجود لأوبة إلى التراث دعية مماثلة للأصل المفترض، ما ثمة سوى تحويلات للتراث تجديدية. إنما الشأن في التراث أنه "سيال بدال"، والشأن فينا نحن أن نكون سيالين معه بدالين، ولا إمكان للجمود عليه. وما ثمة كائن تراثي بالتمام. وشأن مثل هذا الكائن ـ إن هو وجد، ولن يوجد ـ أن يكون كائنا منفصما ممزقا. فما من كائن اليوم، حتى وإن هو احتمى بالتراث احتماء، إلا وشأنه "التمزق" وأمره "الانفصام". ما دام هو حيا، فإنه لن يحيا إلا على مزقة.

والحال أن قدرنا هو أننا : «كلنا ورثة التقليد الفاسد منه والحسن»، وعند العرب أن الأقدار لا تدفع وإنما يسكن تحت مجاريها. والحق أنه ما كان هذا التقليد الموروث على مستوى واحد. إذ ثمة إمكانات قامت لتشاغب على تقليد "الوحدة" و"الكلية" و"المطابقة" ـ والذي انتهى هو إلى "الضم" و"الاستكراه" و"التعنيف" و"العزل" و"الإقصاء". من هنا تتبين ضرورة استعادة "منسي" التراث و"مهمله" و"متلاشيه" : فكر الكينونة والمفازة، وفكر الوجد الصوفي، والخط والرقم والعشق ... فهذه الموضوعات، التي صارت هي مكبوتات التقليد المعاصر، يلزم أن تستعاد اليوم وتحيى، وأن تصير جزءا من ميراث النقد المزدوج[40]. إذ ما من قراءة للتراث أو إعادة قراءة له، وما من نظرة إلى مجد الماضي التليد، إلا والشأن فيها ألا تكسب قيمة حامية بالنسبة لنا إلا إن هي صارت رافعة لنقد مزدوج[41].

وجملة القول في هذا الأمر : ما هذه "الأصالة" التي يسممونا بها إلا "سم اللاهوت" الذي نفثوه فينا[42] ... وما هذه "الهوية" التي ما يفتئون يهللون بها أمامنا ويلوحون بالهوية النهائية المغلقة، ولا ينبغي لها أن تكون كذلك. إنما الهوية أثر للزمن. فهي أمر في صيرورة دائمة[43]. ولطالما أنا حي، فإني صيرورة، وبمجرد ما أن أدير رأسي وأوليه صوب الماضي، فإني أصير إلى السويداء وإلى عبادة الموتى[44]، وقد سدرت عن الإصغاء إلى نداء الحداثة الذي يقول لي : "أبك عمى؟ أبك صمم؟ أبك بله؟ أبك جنون؟" ويهمس في أسماعي : "وأنت أيها الإنسان الحي هنا، باعد نفسك عن هؤلاء الموتى"!

ب- نقد الحداثة

ب-1- مفهوم "الحداثة"

لا نكاد نعثر على مقال من جملة المقالات التي كتبها عبد الكبير الخطيبي أو فصل من الفصول التي خطها أفرده للحديث عن "الحداثة"، اعتبارا وتوسيما واستشكالا، وأوقفه عليها وقفا. ومع ذلك، فإن منعم النظر في أعماله يستشعر، في كل مقال أو فصل يقرأه، أن الحداثة ثاوية خلفه حاضرة. فهي وإن لم تحضر بالاسم، حضرت بالرسم، لاسيما حضور حوار لا حضور إظهار. ولربما من أندر المناسبات التي حدد فيها الخطيبي تعريفه للحداثة تلك التي أورد فيها أن "الحداثة" هي "إبداع المستقبل وبناؤه"[45]، وقد جرى على هذا المجرى حين كرر التعريف نفسه ـ "إبداع المستقبل" ـ في مكان آخر[46]. ثم إنه لمن المناسبات القليلة التي دعا فيها إلى الحداثة الدعوة الصريحة قوله : «على العالم العربي أن يساهم في سيرورة الحداثة؛ أي في إبداع المستقبل»[47]. فلئن هو كان وضع المغرب العربي وضعا قداميا، وذلك بالنظر إلى "ضعف المجتمع المدني" و"إذلال المرأة" و"تصلب السلطة السياسية" و"غموض الصلة بين الشأن الديني والشأن السياسي"، و"عدم الدراية بعلوم التقنية وتملك ناصيتها"، يضاف إلى ذلك "الارتشاء" و"المحسوبية"[48] ـ بما هو جعل من هذه المجتمعات "مجتمعات التحكم والعبودية" ـ فإن "الإسهام في سيرورة الحداثة" يعني، أول ما يعنيه، "تحديث العوائد"، بما في ذلك "إعادة النظر في المدونة وفي وضع المرأة الدوني" و"تشجيع التعددية الديمقراطية" و"محاربة كل نزعة استبدادية تحكمية" شرعية كانت هي أو غير شرعية[49].

والحال أن هذه الندرة مؤذنة بأمرين : أولا؛ إن هو غاب الاسم فما غابت علامات الحداثة، لا ولا غاب هو النظر في أمرها، فلا ينبغي أن ننفي عن الخطيبي اعتبار الحداثة، بل واستشكالها، بشبهة عدم إكثاره من ذكرها. ثانيا؛ إن فهم الحداثة انبنى عند الأستاذ الخطيبي على فهم خاص للزمن : الحداثة هي المستقبل لا الماضي، وبالتالي فإن حداثتنا منفتحة على مستقبلنا مشرعة، وليست هي كامنة في ماضي الغرب متضمنة، فضلا عن أن تكون بوادرها متضمنة في ماضينا. فما هذا الماضي المجيد المدعى سوى ماضي الميتافيزيقا لا شيء آخر : هي هو وهو هي. هذا وإننا لنجد للحداثة مياسم كثيرة. منها؛ حضور "المجتمع المدني" حضورا قويا وفاعلا، والعمل بمبادئ "حقوق الإنسان"، مع تمشيتها على الواقع لا الاكتفاء بمعاملتها على أنها واقع افتراضي لا حقيقي، والاهتمام بشأن "العمل الجمعوي والحياة المشتركة"[50].

والحقيقة التي ينبغي أن تعلم لدى الأستاذ أن المسألة ما كانت مسألة تعارض بين القداميين والحداثيين، والتراث والحداثة، وإنما الرجل سعى، أصلا، إلى الخروج من هذه المجابهة التي طالت وألهت ودامت وأغرت : تقليد/حداثة. إذ الحال أن ثمة مجابهة بين مجتمعات تتسم بضعف المجتمع المدني، واستبدادية النظام السياسي، وعدم الدراية بأبجديات التقنية، وثقل السلطة اللاهوتية الذي يمنع من التمييز بين الدولة والدين، وضعف صورة العالم العربي عن نفسه ـ كل ذلك في مواجهة، لا الحداثة، وإنما هذا "الخليط العجيب من الميتافيزيقا والعلم" الذي أتانا به الغرب، والذي يسميه الخطيبي : "التقليد الجديد". وهو "التقليد" المكون من مكتشفات ووقائع ومخترعات وقيم ـ هي ما به نهضت حضارة تقنية عتيدة عنيدة ـ ما تفتأ تغزونا الغزو أشده، فتعيد بناء علاقتنا بماضينا وتقاليدنا، وذلك بعزلها لهذه التقاليد وغربلتها والرمي ببعضها في مزبلة التاريخ.

والحاصل مما تقدم، أن ثمة مواجهة "داخل" رحم الميتافيزيقا نفسها لا "خارجه" بين "تقليد قديم" (التراث) و"تقليد جديد" (ما يسمى "الحداثة"). هذا مع سابق العلم، أن "الحداثة الحقة" هي تلك التي تختمر في عداد "المستقبل" لا تستكين في حساب "الماضي". ولذلك، فإن "النقد المزدوج" نقد موجه إلى الحداثيين والتقليديين معا، وتجاوز للانقسام "المانوي" بين الحداثة والقدامة الذي لا يأخذ بعين الاعتبار تعقد عالمنا الحاضر[51]. بل إن الخطيبي يذهب إلى حد القول : «يمكن القول، بمعنى ما من المعاني، إن النزعة الحداثية والنزعة الإسلامية يعضدان بعضهما الآخر ويستوحيان بعضهما البعض ويغذيان : الواحد منها يعد الآخر شره، وأخاه العدو في الآن ذاته»[52]. فمن باب "الواقعية" إذن أن ننظر إلى الأمر القائم ـ التخالس بين قديم التقليد وجديده ـ لا الوقوف عند "استيهامات الأصل" ـ النزعة الأصولية ـ أو "استيهامات قطيعة جذرية مع ماضينا"[53] ـ النزعة الحداثية.

 

 3 ـ مشروع محمد عابد الجابري : التراث والحداثة

أ ـ نحن والحداثة

ما فتئ الأستاذ محمد عابد الجابري يذكر أن مشروعه الفكري كان هو دوما "خدمة لمسألة الحداثة". إلا أن هذه "الخدمة" ما كانت لتمر عنده إلا بواسطة "التأصيل للحداثة في ثقافتنا العربية". وما كان يمكن لهذا "التأصيل" أن يتم إلا بتوسل "تحديث التعامل مع التراث" . يقول الأستاذ الجابري : «إن "الحاجة إلى الاشتغال بالتراث" تمليها الحاجة إلى تحديث كيفية تعاملنا معه خدمة للحداثة وتأصيلا لها. وهذه وجهة نظر عبرنا عنها منذ بداية اشتغالنا بالتراث مع منتصف السبعينيات»[54]. والحال أن الأستاذ يقر، بداية، أن "سؤال الحداثة" سؤال "متعدد الأبعاد". لكنه يختار أحد أشد وجوهه "اشتكالا" ـ وهو وجه صلته بالتراث. ومن ثمة كان السؤال حول أمر "الحداثة"، عنده، "سؤالا موجها إلى التراث بجميع مجالاته"، وذلك مثلما هو "سؤال موجه إلى الحداثة نفسها بكل معطياتها وطموحاتها"[55]. وبهذا تصير "القضية" عند الجابري، لا قضية "الحداثة" بمفردها، وإنما قضية مثنوية : "الحداثة والتراث". وسبب ربط الأستاذ الجابري بين "الحداثة" و"التراث"، أن الحداثة الغربية المنشأ تبقى، بالرغم من ادعائها العالمية، منتظمة في التاريخ الثقافي الأوربي. ومن ثمة كانت «لا تستطيع الدخول في حوار نقدي تمردي مع معطيات الثقافة العربية لكونها لا تنتظم في تاريخها»[56]. والسبب في ذلك أن الحداثة : «إذ [هي] تقع خارجها [=خارج الثقافة العربية] وخارج تاريخها [فإنها] لا تستطيع أن تحاورها حوارا يحرك فيها الحركة من داخلها»، وإنما هي تكتفي بأن «تهاجمها من خارجها». مما يترتب عنه رد فعل "حتمي" هو رد فعل "الانغلاق والنكوص". فقد ترتب عن هذا، أن "طريق الحداثة" عندنا لا يلزم أن يكون طريقا استكراهيا، وإنما يلزم أن يكون سبيلا حواريا نقديا. وهو طريق حواري ونقدي مع التراث؛ أي أن عليه "أن ينطلق من الانتظام النقدي في الثقافة العربية نفسها"، وذلك بغاية "تحريك التغيير من الداخل". من هنا تصير "الحداثة" تعني "حداثة المنهج" في اعتبار التراث، و"حداثة الرؤية" في النظر إلى التراث ... واللازم عن هذا القول "خصوصية الحداثة عندنا"، وذلك بما يجعل منها "حداثة عربية" وليس ادعاء "عمومية الحداثة عندهم" ـ وهي "حداثة غربية". إذ ما كانت ثمة أبدا "حداثة مطلقة، كلية وعالمية"، وإنما كل ما ثمة أن هناك "حداثات" على التحقيق. وهي "حداثات" شأنها أنها "تختلف من وقت لآخر ومن مكان لآخر". وكيف للأمر أن يكون بخلاف هذا، وهذه الحداثة، إن هي فتشت، وجدت أنها "ظاهرة تاريخية"، وما من ظاهرة تاريخية، أيان كان شأنها، إلا وكانت "مشروطة بظروفها، محددة بحدود زمنية ترسمها الصيرورة على خط التطور"؟ خذ بنا، مثلا، إلى "الحداثة الأوربية" نقارنها مع "الحداثة الصينية"، لا محالة تجد أن هذه خالفت تلك. والأمر بالأحرى أن يصدق على "الحداثة اليابانية"[57]. وهو حكم بالأولى أن تتم تمشيته على "الحداثة العربية". وفضلا عن هذا وذاك، لئن هي ولدت الحداثة في الغرب ولادة تكاد تكون طبيعية ـ من "عصر النهضة" إلى "عصر الأنوار" فإلى "عهد الحداثة" ـ فإن الأمر ما كان على هذا النحو من الانتظام في العالم العربي. إذ أن "النهضة" و"الأنوار" و"الحداثة" لم تشكل عندنا حقبا "متعاقبة" يتجاوز فيها اللاحق السابق، بل كانت عندنا حقبا "متداخلة" متزامنة انضغطت في ما يقل عن المائة عام انضغاطا.

والظاهر أن للحداثة سمتين أساسيتين : الأولى هي "العقلانية"؛ إذ لا يمكن تحقيق حداثة بدون سلاح العقل والعقلانية. والثانية هي "الديمقراطية"؛ إذ فيها وبها يتم تجاوز السلوك القدامي : سلوك القطيع وعصا الراعي. فقد تحصل، أن الحداثة عند الأستاذ الجابري هي «قبل كل شيء :العقلانية والديمقراطية»[58]. مما يجعل منها بالدرجة الأولى "حداثة سياسية"[59]. وهو يرى أن «العقلانية والديمقراطية ليستا بضاعة تستورد بل لهما ممارسة حسب قواعد»، ويضيف فيما يجري مجرى هذا الكلام : «نحن نعتقد أنه ما لم نمارس العقلانية في تراثنا وما لم نفضح أصول الاستبداد ومظاهره في هذا التراث فإننا لن ننجح في تأسيس حداثة خاصة بنا، حداثة ننخرط بها ومن خلالها في الحداثة المعاصرة "العالمية" كفاعلين وليس كمجرد منفعلين»[60]. والبادي أن الأستاذ الجابري لا يرى من سبيل إلى "الكونية الحقة" إلا "الخصوصية العاقلة". فالخصوصية عنده هي مدخل الكونية الأكيد. إذ علينا أن نطور حداثتنا مثل مجرى ماء ثم نصب به في نهر الحداثة العظيم. إنما التأكيد على الخصوصية "فعل". وهو فعل شأنه أنه "فعل خلاق". أما الانضباط إلى العمومية فهو "انفعال". وهو انفعال أمره أنه "انفعال مقلد" و"انطباع مستلب".

 ب ـ نحن والتراث

يلاحظ الأستاذ الجابري أنه اليوم صارت : «الحياة المعاصرة، الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والثقافية، وبكلمة واحدة الحضارة الراهنة، تختلف اختلافا جذريا عن نمط حياة السلف، وبالتالي فالاحتكام إلى "الأشباه والنظائر" لا يكفي، بل ربما لا يجدي، لأن معظم معطيات الحضارة المعاصرة لا أشباه لها ولا نظائر في الماضي»[61]. إلا أنه يدعو إلى "إعادة تأصيل" التراث، لا "الرجوع إلى الأصول" وإنما "إعادة تأصيلها بفكر متفتح"[62]. "إعادة تأصيل الأصول" بوفق "شروط عصرنا" ومن موقع "الفاعل" وليس من موقع "المنفعل الهارب" : ذاك هو مشروع الأستاذ الجابري. والسبب الرئيس الذي حمل الجابري، وقد لاحظ الجدة غير المسبوقة التي أتت بها الحداثة، على أن يسعى إلى التأصيل للحداثة في الفكر العربي، قائم على اعتبارات : أولا؛ لوحظت ظاهرة ما وجد لها مثيل، قديما ولا حديثا، في أية ثقافة : الحمولة الوجدانية والإيديولوجية لمعنى "التراث" في ذواتنا نحن معشر العرب. فلا أمة انفردت بمثل هذا الفهم الكلياني للتراث. يقول الجابري : «إن "التراث" بمعنى الموروث الثقافي والفكري والديني والأدبي والفني، وهو المضمون الذي تحمله هذه الكلمة داخل خطابنا العربي المعاصر ملفوفا في بطانة وجدانية إيديولوجية، لم يكن حاضرا لا في خطاب أسلافنا ولا في حقل تفكيرهم، كما أنه غير حاضر في خطاب أية لغة من اللغات الحية المعاصرة التي "نستورد" منها المصطلحات والمفاهيم الجديدة علينا»[63]. بل الأنكى من ذلك، أن الأمة العربية صارت تستسلم له الاستسلام كله وذلك إن على مستوى الوعي أو اللا وعي. وبالتبع، ما عاد هذا التراث هو "بقية" ثقافة الماضي، بل استحال هو "تمام" هذه الثقافة و"كلية" : هو العقيدة والشريعة، واللغة والأدب، والعقل والذهنية، والحنين والتطلعات. ثانيا؛ ما هي الثقافة العربية المعاصرة إن لم تكن هي التراث نفسه؟ لئن أنت بادرت إلى هذه الثقافة فنزعت منها التراث ما ظفرت بشيء ولا بطائل، بل صارت هي كالهباء في الكوة إن فتش لم يوجد بشيء! فقد تحصل مما تقدم، أننا إذا ما نحن سحبنا التراث ووضعناه جانبا فإنه لا يبقى هناك شيء يسمى "الثقافة العربية". ثالثا؛ يعتقد الأستاذ محمد عابد الجابري اعتقادا جازما بأن الثقافة، أيا كانت عربية أو غير عربية، لا يمكن أن تتجدد إلا من داخلها. ولئن هو حق إمكان أن يقع التجديد الثقافي بتأثير عوامل خارجية، إلا أنه يحق، من هذه الجهة ذاتها، أنه ما كان قط من شأن التأثيرات الخارجية أن تنشئ ثقافة أصيلة حقة. وإذا ما هي ساعدت آليات هذه الثقافة الغيرية فإنها قد تسعفنا في "تجديد" ثقافتنا ونظرتنا إلى تراثنا فحسب لا غير. ذلك أن : «تجديد الفكر لا يمكن أن يتم إلا من داخل الثقافة التي ينتمي إليها، إذا هو أراد الارتباط بهذه الثقافة والعمل على خدمتها. وعندما يتعلق الأمر بفكر شعب أو أمة فإن عملية التجديد لا يمكن أن تتم إلا بالحفر داخل ثقافة هذه الأمة، إلا بالتعامل العقلاني النقدي مع ماضيها وحاضرها»[64].

وما فتئ محمد عابد الجابري يسجل أننا نحيا "عصر نهضة عربية". إلا أنه لا يرى هذه النهضة إلا وهي ناهضة على التراث : «إننا سنبقى نتحرك داخل تراثنا بوصفه تراثا. وأعتقد أن شيئا من "النفي" أو "الغربة" لن يترتب عن ذلك (...)»[65]. والحال أن «النهضة لا تنطلق من فراغ بل لا بد فيها من الانتظام في تراث. والشعوب لا تحقق نهضتها بالانتظام في تراث غيرها بل بالانتظام في تراثها هي. تراث "الغير" صانع الحضارة الحديثة، تراث ماضيه وحاضره، ضروري لنا فعلا، ولكن لا ك"تراث" نندمج فيه ونذوب في دروبه ومنعرجاته، بل كمكتسبات إنسانية، علمية ومنهجية، متجددة ومتطورة، لا بد لنا منها في عملية الانتظام الواعي العقلاني النقدي في تراثنا. إن من الشروط الضرورية لنهضتنا تحديث فكرنا وتجديد أدوات تفكيرنا وصولا إلى تشييد ثقافة عربية معاصرة وأصيلة معا»[66]. وبهذا فإنه «ما لم نؤسس ماضينا تأسيسا عقلانيا فلن نستطيع أن نؤسس حاضرا ولا مستقبلا بصورة معقولة»[67].

والآن إذ تأسست "مشروعية" التعامل مع التراث، فإن ما يطرح هو "حيثيات" هذا التعامل :

يرفض الأستاذ الجابري الانصراف بالكلية إلى التراث، كما يرفض الانسلال عنه بالكلية. فمن جهة أولى، يؤكد أنه : «من الناحية المبدئية لا يمكن تبني التراث ككل لأنه ينتمي إلى الماضي ولأن العناصر المقومة للماضي لا توجد كلها في الحاضر، وليس من الضروري أن يكون حضورها في المستقبل هو نفس حضورها في الحاضر»[68]. وإن لمن شأن أولئك الذين يفكرون في حاضر ومآل الأمة العربية بدءا من الماضي العربي الإسلامي، أنهم، على التحقيق، "يعيشون المستقبل في التراث". وإن الجابري ليعجب لمثل هؤلاء الذين يدعون أنهم يكتشفون في كل يوم في هذا التراث "كل علوم الغرب وكل تقدمه"، وذلك دونما أن «يكلفوا أنفسهم مشقة تحديد مضمون هذا التراث، ولا حتى ربطه بالزمان والمكان»[69]. هؤلاء حقيقتهم أنهم «فريق يعيش المستقبل في ماضي العرب وتراثهم». ومن جهة ثانية، يرفض الأستاذ الجابري موقف ذاك الفريق من المفكرين الذي يدعو إلى الانسلال بالكلية عن التراث. إذ التراث عنده، شئنا ذاك أم أبيناه، "مقوم" أساسي من مقومات الحاضر. وإن "تغيير" الحاضر لا يعني البدء من "الصفر". وهل هناك بداية من الصفر في أي مجال من المجالات؟ فقد استحال ما رامه هؤلاء. ولئن هو كان الفريق الأول يعيش المستقبل في ماضي العرب القديم وأمجاده المفترضة، فإن هذا الفريق "يعيش المستقبل في تراث الغرب وفلسفته". والحال أن هؤلاء «الذين يلغون التراث، هكذا بجرة قلم أو بشطحة فكرية، واهمون. لأن إلغاء التراث لا يمكن أن يتم إلا بتحقيقه. والذين يطالبون بتحقيق التراث، هكذا بجرة قلم أو بموعظة حسنة واهمون أيضا، لأن تحقيق التراث لا يتم إلا بإلغائه»[70]. والحق الذي ينبغي أن يعلم، هو أن كلا الفريقين يحيا على "وعي مقلوب" أو "وعي مغترب" : وعي التراثيين المؤسس على "الاغتراب" الذي يقرأ في التراث العربي كل إيجابيات الحضارة الغربية الحديثة من علوم وتقنيات ومؤسسات سياسية واجتماعية، ووعي الحداثيين المؤسس على "الاغتراب" الرافض للتراث نتيجة الاستلاب الثقافي الحضاري الذي رسخه فينا الغرب المتقدم والمستعمر[71]. يبقى أن المسألة المطروحة علينا هي : "كيف نصحح هذا الوعي؟" أو "كيف نقوم اعوجاجه؟"

لا شيء أقوم من القراءة النقدية العقلانية الاستملاكية للتراث التي هي وحدها من شأنها أن تجيب عن السؤال : "كيف نتعامل مع تراثنا بموضوعية ومعقولية؟" "بمعقولية"؛ أي بطريقة تجعله "معاصرا" لنا كل المعاصرة، وذلك عن طريق "وصله" بنا. "بموضوعية"؛ أي بجعله معاصرا لنفسه، بما يقتضي فصله عنا[72]. وإن هذا الأمر لن يتحقق إلا بإجراء "حوار نقدي" و"حوار عقلاني" مع التراث. وهو حوار يقودنا لا محالة إلى ملاحظة أنه : «لا شك أن في هذا المجموع التراثي عناصر قابلة للحياة والتطوير، وأخرى انتهى أمرها بانتهاء لحظتها في سلسلة التطور. إن التراث خزان للأفكار والرؤى والتصورات تأخذ منه الأمة ما يفيدها في حاضرها أو ما هو قابل لأن يعين على الحركة والتقدم. لا بد إذن من الاختيار. ومعيار الاختيار هو دائما اهتمامات الحاضر والتطلعات المستقبلية»[73].

"استملاك" يقود إلى "تحرر" : هو ذا مشروع قراءة الأستاذ محمد الجابري للتراث الذي يعبر عنه بلفظي "الوصل" و"الفصل". فما كان التراث "صندوق عجائب" لنصله بنا كل الوصل، وإنما هو "خزان إمكان". ولئن كنا من التراث نستملي، فإن علينا أن نكون من التراث نستلهم : «إن تعاملنا مع التراث يجب أن يمر في آن واحد بلحظتين متلازمتين : لحظة الفصل ولحظة الوصل : أن نفصل عنا هذا التراث ونضعه في مكانه التاريخي وننتقده ونرتبه في نظام الحياة التي عاشها، ولكن أيضا نعيده كشيء لنا»[74]. تلك آليات التعامل مع التراث : بالاستيعاب والفهم والانتقاد والحوار والترتيب التاريخي ... ومردها عند آخر البحث إلى السؤال المجمل :"كيف نتحرر من سلطة التراث علينا ؟ كيف نمارس نحن سلطتنا عليه؟"[75] أي كيف نحقق الاستقلال التاريخي إيجابيا؟ إلا أن الجابري يتنبه إلى أن جل ما كتبه في التراث كان يتم بوفق منطق "الفصل" وأن الوصل ظل دوما "وعدا" أو "مشروعا" لم يتحقق لحد الآن : كيف نفيد من ابن رشد "الآن" و"هنا" مثلا؟ هذا مع تقدم العلم، أن خصوم الجابري ناقشوا أمر الوصل مناقشة مبدئية وكأنه أمر متحقق، مع أنهم ما ناقشوا سوى "وعد" أو "نوايا"! يقول الأستاذ الجابري : «عندما استعدت في يوم من الأيام الأخيرة هذه القضية، قضية الفصل والوصل، تبين لي أن المسألة لا تخص منهجية التعامل مع النص وحده، لقد بدأت أشعر، بل أنا واع فعلا، بأن ما قمت به لحد الآن يندرج كله في لحظة "الفصل"! أما لحظة "الوصل" فلم أبدأ فيها بعد». معنى هذا أن سؤال الاستقلال التاريخي الذي وجه مشروع الجابري واستفتح أنظاره ما عاد سؤالا أوليا وإنما «أصبح الآن هو الأخير؛ أي أصبح فقط مشروعا»[76].

4- مشروع علي أومليل : "الحداثة الديمقراطية"

نحو "فكر عربي حداثي ديمقراطي"

أ- مفهوم "الحداثة" في فكر علي أومليل : الأواني والمعاني

الغالب على مفهوم "الحداثة" عند الأستاذ علي أومليل ألا يظهر إلا بالسلب. وذلك لا بمعنى ما ليست الحداثة تعني إياه ـ التقليد أو القدامة ـ وإنما بمعنى، أولا، ما سعى العرب المحدثون إلى تحقيقه تحقيقا جزئيا ـ الحداثة السياسية ومعالمها من دستور وقانون وبرلمان وديمقراطية ـ أي الحداثة المرجوة. وبمعنى، ثانيا، ما لم يهتم العرب به ولا هم راعوه حق رعايته ـ الحداثة الاقتصادية والاجتماعية والسياسية ... بيد أن قرن الحداثة بالمسألة الاقتصادية والاجتماعية والسياسية ـ وهي مسائل ملحة في واقع العرب الحاضر ـ لا يمنع الأستاذ أومليل من استشكال أمرها. وهو لا يستشكل أمرها في واقع الغرب ـ اللهم إلا فيما ندر ـ وإنما هو يستشكل أمرها في واقع العرب اليوم. إذ أنه يؤكد على أننا فيما يتعلق بمسألة "الحداثة" ـ أو ما يسميه تارة "قضية الحداثة"[77] وتارة أخرى "إشكالية الحداثة"[78] ـ ما كنا بدعا بين الأمم. والحال أن هذه المقارنة قادته إلى تجلية أمر "مفارقات الحداثة" التي تنشأ عند نخبة مثقفة تعي "تخلف" بلدها التاريخي عن اللحاق بركب الدول التي حققت حداثتها. وهي عنده في عداد الأربع : أولها؛ عادة ما تصير الحداثة في أذهان الدول المتأخرة تاريخيا عن ركب الحداثة الأوربية الطلائعية مجرد "صورة في الفكر المجرد" ـ ما يسميه العروي "طوبى" ويسميه أومليل "إيديولوجيا"؛ بمعنى الجمع بين "الرغبة" (الطموح إلى الحداثة) و"الواقع" (التخلف الحادث) ـ وليست "واقعا تحقق في تنظيم واقع الاقتصاد والاجتماع والسياسة". هذه حال خبرها الألمان بالأمس ونحن خابروها اليوم، ولا عجب. فما كنا بين الأمم متفردين. ثانيها؛ غالبا ما يشهد حال الدول المتخلفة على "ثقل" التقليد الذي يعارض "جاذبية" الحداثة. إذ لا تكون الحداثة آنها من القوة ولا يكون لها من الأيد ما يقدرها الاقتدار على أن تستمد شرعيتها من ذاتها وتستقوي بنفسها على منافسها الاستقواء، وإنما هي تضطر الاضطرار إلى إحداث "تسويات مع الماضي" و"ترضيات" و"مساومات" و"مفاوضات" ـ مما تنجم عنه "تنازلات" و"تثاقلات" حتى لو تمت هي باسم "جدلية التجاوز". هذه أيضا حال خبرها الألمان وما كنا لهم بمخالفين. ثالثها؛ في زمن التخلف عن ركب الحداثة عادة ما يحدث أن يقع الانفصام بين "واقع الحال" ـ التخلف المعيش ـ و"متعلق الآمال" ـ الحداثة المرجوة. والأمر أوضح ما يكون عند المثقفين "الحداثيين" و"ما بعد الحداثيين" في زمن التخلف. فهؤلاء تتضخم ذاتيتهم التضخم الذي يفصمهم عن واقع لا يتحكمون فيه، فيحدث آنها أن "تقوم مداولتهم الوهم مقام تحكمهم في مجرى الأمور" ـ وذاك أمر شاهد على حال انفصام غريب. رابعها؛ يحدث آنها ـ والوضع وضع مفارقة ـ أن يحتمي الأدباء والفنانون بمملكة "الإستطيقا" ويلوذون بالتعبير الفني الجمالي، جاعلين منه ما به تستعلم الحداثة وتستعرف ... هذه كلها، في رأي علي أومليل، "أوضاع مفارقة". وهي أوضاع تعيشها الحداثة العربية بكل مخاضاتها ومآسيها مثلما عاشها قبلنا الألمان[79].

هذا، ولقد تنبه الأستاذ علي أومليل مبكرا إلى أن "الحداثة" لا تعني "الأواني" وحدها وإنما تفيد كذلك "المعاني" الثاوية خلف تلك الأواني والقيم الراكنة وراء الآليات.

 

 1 ـ أواني الحداثة

آنيتان من أواني ـ مؤسسات ـ الحداثة أولاهما الأستاذ علي أومليل أشد العناية : مؤسسة "المجتمع المدني" ومؤسسة "الدولة الوطنية". من جهة أولى، عادة ما قابل هو بين "المجتمع الحديث" و"المجتمع التقليدي" أو "المجتمع القديم". والحداثة عنده هي بنت الطبقة التي "أقامت" المجتمع المدني، وهي التي "فصلت مجتمعها تماما عن الماضي"؛ أي أحدثت القطيعة مع "المجتمع الإقطاعي". وقد أفلحت في إقامة هذا المجتمع بالتخلي عن فكرتين وجهتا المجتمع القدامي وتحكمتا فيه : فكرة "التعالي" وفكرة "المعيارية". من جهة، كان القدماء يعتقدون على خلاف المحدثين أنه لا يجوز بأي حال من الأحوال أن يعد "المجتمع" "مصدر" و"منبع" و"منشأ" قواعد تنظيمه، بحيث تكون قواعد إدارته وإيالته من عندياته؛ أي تكون محايثة له نابعة منه مباطنة له ملازمة، وإنما عليه بالضد من ذلك أن يستمدها من "الأعلى"، من "الغيب". إنما الله هو خالق المجتمع وهو مشرع ضوابطه. ذاك كان رأي القدماء الذي عليه بنوا تصورهم لروح المجتمع، أما المحدثون فمالوا إلى اعتبار أن «المجتمع نفسه وهو يتغير يمكن أن تستقى منه نفسه ـ وعلى نحو متجدد ـ مبادئ ضبطه وتسييره». إذ ما عاد المجتمع يقوم على الغيب ـ التعالي ـ ولا على حكم الموتى ـ الماضي ـ وإنما هو صار بشأنه أقدر وعلى إدارة أمره أقوى، استنادا إلى مبادئ مباطنة له لا مفارقة ومحايثة لا متعالية؛ بمعنى أن المجتمع صار شأن أفراده لا شأن الغيب، ومن أمر مجتمعيه لا من شأن لاهوتييه. ومن جهة أخرى فإن المجتمع القديم حكمته دوما "معيارية دينية" قامت على فكرة «الحكم المستمر على المجتمع بحسب ما يجب أن يكون عليه شرعا»، وليس بحسب "سنن الحياة الاجتماعية" و"متغيرات" العمران البشري التي هي عن المعيارية الدينية ـ الشرع ـ بمعزل ومنأى ومبعد. ومن ثمة، لئن تصور القدماء استحالة وجود اجتماعي حقيقي خارج الدين، فإن المحدثين ما أعجزهم تصور ذلك، بل وإقامته [80]. والحال أنه ما كان للطبقة الوسطى أن تنهض بمبدأ المجتمع الحديث وأن تديره على مداره الذي سار عليه لولا أنها أقامت "أسسه القانونية والأخلاقية والمعرفية" على ضرب من "الفلسفة البرجماتية" : أنطلوجيا؛ تم وصل الإنسان بهذا العالم وفصله عن العالم المتعالي (إحلال الدنيوية محل الدينونة). أخلاقيا؛ استحالت الأخلاق دنيوية لا دينونية شأنها أن تبنى على فكرة "المنفعة العامة" لا على أفكار من نظير "الاستخلاف" و"الاستئمان" و"الاستعهاد". قانونيا؛ ما عادت القوانين التي يتعامل بها البشر دينية أو شرعية وإنما صارت دنيوية أو وضعية. سياسيا؛ ما بقيت السلطة ترتكز على فكرة "حق إلهي" وإنما صارت إلى "التعاقد" الاجتماعي تنسب ومنه تكتسب مشروعيتها[81].

وسمة أخرى ثبتت للمجتمع الحداثي وما كانت هي موجودة في المجتمع التقليدي، هي سمة "التعدد" وما يتبعه من الإقرار به وحسن تدبيره وحفظ حقوق الأقليات. أما المجتمعات القدامية فكانت مجتمعات "الوحدة" التي غالبا ما فرضت بالحديد والتار. وحتى لئن هي اضطرت المجتمعات التقليدية للاعتراف بالاختلاف، فإن الاختلاف الجوهري عندها كان هو "الاختلاف الديني" أكثر مما كان هو الاختلاف اللغوي أو العرقي أو اختلاف العوائد أو طرق المعاش[82].

وثالث سمة من سمات المجتمع الحديث، إذا ما هو قورن بالمجتمع القديم، أن الأول صار مجتمع "الرأي العام" وأن الثاني كان مجتمع "العوام"، إذ ما كانت فيه "العامة" معترفا بها، وذلك على خلاف ما هو شأن "الشعب" اليوم مثلا. ولهذا البون اندمغ المجتمع القدامي بصفة "الاستبداد"، بينما تحلى الثاني بخلة "الديمقراطية".

وقد ترتب عن مجتمع هذا شأنه أن ما عاد هو ضعيفا وإنما صار قويا. وذاك أساس نهض عليه المجتمع المدني بمعناه المخصوص؛ أي بوصفه "مجتمعا مدنيا متطورا ومنتجا" لا يشكل "عالة على المجتمع"، وإنما أساسه اللعبة الديمقراطية المشتركة بين المنظمات السياسية والنقابية والمهنية من جهة والدولة من جهة أخرى، وذلك في إطار "مؤسسات متعاقد عليها". والحال أنه في مجتمع هذا شأنه فإنه «حتى النقابات وأحزاب المعارضة تجد أنها تستطيع أن تتطور وتحقق مطالبها داخل هذه المؤسسات التي تفسح المجال لتداول السلطة»[83]. هذا ويعدد أومليل سمات "المجتمع المدني" فيجده قائما على مبادئ ثلاثة : ارتباط أفراده ارتباط مصالح لا ارتباط دم أو طوائف، وقيامه على مبدأ المشاركة لا على مبدأ الإقصاء أو الاستثناء، واتفاق أهله على التراضي حول الأهداف البعيدة[84].

والحق أن لا وجود لمجتمع مدني "حقيقي" إلا بدولة وطنية "مستقلة"[85]. وعادة ما تحدث الأستاذ علي أومليل عن "الدولة الوطنية" بوصفها إحدى معالم ومؤسسات الحداثة. وعنده أن هذه الدولة وليدة العصور الحديثة : «إن الدولة الوطنية حديثة النشأة نسبيا، ظهرت مع بداية العصور الحديثة في بلدان كإسبانيا وفرنسا وانجلترا (...)»[86]. وفي العالم العربي لم يتم الانتقال بيسر. إذ كانت "الدولة التقليدية" تنتصب على رأس مجتمعها باسم "الإمامة العامة"، أما الدولة الحديثة فصار المطلوب منها أن تنهض بوظيفة "الكفالة العامة" لأفراد المجتمع. وإذ لم تكن الأولى مطالبة بتعميم المرافق والخدمات والمصالح، صارت الثانية مطالبة بذلك؛ أي بات المطلوب منها أن تصير شاملة الحضور في المجتمع فعالة. يقول أومليل : «إن ما يميز الدولة الحديثة عن الدولة التقليدية هو تغلغلها داخل المجتمع، وتوسيع قاعدة الفئات المرتبطة بها. وإن الدولة الحديثة أصبحت حاضرة حضورا شاملا في حياة الناس، وذلك باتساع المجال العمومي على حساب الحياة الشخصية من جهة، والروابط والتنظيمات الجماعية للمجتمع التقليدي وما كانت توفره للأفراد من حماية وتعاضد من جهة ثانية. إن تفكيك الروابط الجماعية التقليدية التي كانت تؤطر حياة الأفراد والجماعات صيرهم أكثر فأكثر عالة على الدولة»[87]. فمن سمات الدولة الحديثة الثابتة لها إذن أنها تكتسح الوحدات الاجتماعية التقليدية وتفككها وتحل محلها مؤسسات منظمة؛ شأن الدستور والهيئات المنتخبة والأحزاب ... وتقوم تنظيمات ومؤسسات الدولة الحديثة هذه على تعاقد بين مواطنين متساوين في الحقوق والواجبات، والمبدأ هو الفرد المواطن الذي يدعى إلى استفتاء أو انتخاب. والأحزاب والنقابات والجمعيات هي أيضا تعاقد بين أفراد على أهدافها ووسائلها وقانونها الأساسي، لا على أساس انتماء عرقي أو ديني أو قبلي، وذلك على خلاف بنيات المجتمع التقليدي، والتي هي سابقة على الفرد، فهو لا يختار عشيرته أو طائفته[88].

 2 ـ قيم الحداثة

خلف هذه "الأواني" ـ أو المؤسسات ـ تكمن "المعاني" أو "القيم"؛ أي "المنطق الذي تأسست عليه الحداثة". والحال أن الناظر في أعمال الأستاذ علي أومليل يستطيع أن "يؤلف" منها "توليفة" حول المفاهيم التي نهضت عليها الحداثة. منها؛ "العقلانية". وهي تنحل عنده إلى عقلانية طبيعته من جهة، وعقلانية اجتماعية واقتصادية وسياسية من جهة أخرى. ثمة إذن "المفهوم الحديث للعقل" سواء في مجال "العلم" أو "الأخلاق" أو "السياسة". ها هو العقل الحديث يتنشأ ويتخلق في صلته بمفهوم جديد للطبيعة. ما عادت الطبيعة تابعة ـ أصلها مفهوم "الخلق" الذي عليه تتأصل ـ بل باتت هي مستقلة؛ أي صارت لا تنبني عليها "موضوعية المعرفة" و"دقة القوانين" وحسب، وإنما أيضا استحالت هي "خلاقة" وليست "مخلوقة". والحال أنه إذا ما نحن استحضرنا هذا المعطى الجديد الذي طبع صلة الإنسان في الزمن الحديث بالطبيعة، تبين لنا كيف أنه استحال لدى أهل القدامة "تعقل" الطبيعة، على وجه التحقيق. إذ هم بنوا فكرتهم عن الطبيعة على مبدأين : أولهما؛ أنها مسخرة لإرادة إلهية، ومن ثمة فلا سبيل إلى معرفة كنهها ولا حيلة، إنما "الناموس الإلهي" وحده حق، ولا حق للناموس الطبيعي. وثانيهما؛ حتى لئن نحن سلمنا باستقلال الطبيعة في اعتبار القدماء، فإنه كان الاستقلال النسبي المؤسس لمعرفة نسبية وحسب ولمحدودية العقل البشري. أَوَ ما كان شعار القدماء : أَلَا إن للعقول حدودا تقف عندها!؟ والحق أن العقل إذ انطلق على عهد الحداثة صار لا يوقفه موقف. ها هو الآن يتجاوز النظر في أمر الطبيعة إلى النظر في شأن الإنسان وعوائده وسننه؛ أي إلى اعتبار شأن المجتمع وتنظيمه. ما عاد المجتمع والحق والسياسة سننا شرعية، وإنما صارت هي سننا إنسية. ها قد تعممت العقلانية الطبيعية لتشمل النظام الاجتماعي أيضا[89].

وقد تعلق بسمة "العاقلية" هذه أن تم إطلاق عنصر "الإبداع" من قمقمه الذي حبس فيه طوال زمن القدامة. إنما الحداثة "الإبداع"، وإنما "البدعية" سمتها الدالة. ههنا بعد تحقيق النقلة من مجال المعرفة إلى مجال الأخلاق والسياسة تحققت النقلة من جديد إلى مجال الجماليات. ولهذا قال الأستاذ أومليل : إن الإستطيقا "مظهر أساسي من مظاهر الحداثة". وما زالت الحداثة تعني الإبداع حتى كاد أن يصير لفظ "حديث" أو "عصري" حكرا على الدلالة الإستطيقية. ثمة قام التفاعل بين العقلانية الطبيعية والاجتماعية من جهة والبدعية الجمالية والفكرية من جهة أخرى.

ثاني سمات الحداثة التي يفرد لها علي أومليل قولا هي سمة "الحرية". إنما الحرية فكرة حداثية، لا "الحرية المجردة" موضوع المناظرات اللاهوتية (الجبر والاختيار) أو الفلسفة السياسية الكلاسيكية (الحرية الانعزالية المثالية) أو التصوف الإسلامي (الحرية بالله وفي الله = العبودية الحقة)، وإنما "الحرية بمعناها الاقتصادي والاجتماعي والسياسي"؛ عنينا "مبدأ الحرية كقيمة فردية يترتب عليها نظام من العلاقات المدنية والاقتصادية والسياسية". والسبب في إفراد أومليل هذا الفهم بالتخصيص الخلط الذي عادة ما يحدث في أذهان الناس بين "الحرية الميتافيزيقية" و"الحرية الموضوعية" فيحدث أن يلفوا الحرية في عهد ما كنت فيه حرية على التحقيق : عهد القدامة. والحق أنه «لا يستطيع أحد أن يثبت أن هذا المبدأ [مبدأ الحرية الحقة] بهذه الدلالة قد عرفه الأسلاف، ولا أدل على ذلك من ردود الفعل السلبية التي ووجه بها هذا المبدأ من قبل الكتاب الإسلاميين المحدثين أول ما عرفوه في القرن الماضي»[90]. هذه الحرية الدينية مثلا : «قد اقتضت ذهنية ربما لم توجد قبل العصور الحديثة، وترجع إلى ما أسفرت عنه الحروب الدينية الدموية الطويلة التي عرفتها أوربا طوال القرن السادس عشر، على أثرها استقر القوم على تسوية عامة، فبرز التسامح كقيمة قبلتها الذهنية وضمنته أعراف "التسامح" وقبلت "الحرية الدينية" قبولا عاما ضمنته أعراف ودساتير وقوانين وأوفاق دولية»[91].

والحال أنه ما عادت الحرية عرفا وإنما هي تجسدت في شرعة هي الشرعة العالمية لحقوق الإنسان. وهكذا بعدما لم يكن تفكير القداميين من الفقهاء لينصب على الإنسان من حيث هو إنسان ذو حقوق، وإنما انبروا هم ناظرين في أمر الإنسان من حيث هو عبد؛ أي أجالوا هم النظر في "حقوق الله" لا في "حقوق الإنسان" ـ أي ما صارت هذه الحقوق حقوقا للإنسان بم هو إنسان لا بم هو مخلوق ـ ما استحالت هذه الحقوق كونية عالمية، على التدقيق، إلا على عهد الحداثة[92]. وبهذا صرنا أمام حقوق مترتبة عن مبدأ "الحرية" الحداثي شأن حرية الرأي والتعبير والحق في التعليم والصحة والشغل.

 ب ـ نحن والتراث

ينفي الأستاذ أومليل أن يكون ماضي العرب قد شهد على الحداثة، وينبه إلى ما اعتور صورة الحداثة لدى عرب الحاضر من ابتسار وتجزيء وقلق عبارة وتشوش. وهكذا، فإنه عادة ما ينفي أن يكون التراث قد "تضمن" الحداثة أو "وشى" بها أو "مهد" لها، منبهنا إيانا في غير ما مرة إلى الحقيقة التالية : «إني لا أعتبر التراث منجما استخرج منه معادن نفيسة تصلح للتبادل النافع في عالم اليوم. إن إحياء التراث لكي نحيا به اليوم هي قضية التراثيين وليست قضيتي»[93]. والحال أنه لا أدل على مذهب أومليل هذا في استبعاد استلهام التراث بغاية تحديث الفكر والمجتمع العربيين من أنه اعتاد عند تناول كل قضية من قضايا العرب أن يطرح السؤال : وما عسانا أن نفيد من التراث في هذه المسألة؟ وكان جوابه في كل المسائل التي طرحها بالنفي : وهكذا ففي كتابه "شرعية الاختلاف" طرح السؤال : «إن السؤال المركزي الذي دار عليه هذا البحث هو التالي : إننا ونحن ندعوا اليوم إلى إرساء الحق في الاختلاف، كحق من حقوق الإنسان، وكأساس للنظام الديمقراطي، فإلى أي حد نستطيع أن نجد في ميراثنا الثقافي سندا لهذه الدعوة؟»[94] وحين طرح هو مسألة "دور المثقف" وقضية "الالتزام"، فإنه تساءل : «ما هو السند الذاتي للمثقف العربي في تراثه الثقافي حين يدعي لنفسه دورا أو حين يطمح إليه؟»[95] وقال في موضع آخر : «إلى هنا، وطوال هذه الفصول السابقة، كان السؤال الذي يتخللها هو التالي : إن الدعوى التي يدعيها المثقف العربي اليوم ـ من أن له رسالة، ومن أن المنتظر منه هو أن يغير واقعه بأفكاره، الأمر الذي يفترض [أن] له مكانة في المجتمع، أي أن هناك سلطة ثقافية متميزة من غيرها من السلطات ـ هل يستطيع أن يجد لدعواه هاته سندا في تراثه، أي في الماضي الذي ورثه عن أسلافه من مداولي الثقافة العالمة بأصنافها : فقهاء ومتكلمين وفلاسفة وأدباء؟ أم أن هذه دعوى جديدة تسعى إلى إنجاز دور ينبغي على مثقفينا اليوم أن يكونوا في مستواه، وإلى الاعتراف لهم بمكانة عليهم أن يستحقوها، وأنهم لن يمتلكوها إلا بتضحيات وصراع مرير؟»[96] وحين طرح هو مسألة "الاختلاف" فإنه قال : «يتناول هذا الكتاب قضية الاختلاف : كيف كانت مواقف مفكرينا القدامى من الآخر المختلف أو المناقض؟ وكيف تعاملوا فكريا معه، وكيف جادلوه؟ وهل تحصل من هذا كله رصيد يمكن أن يسند دعوانا الآن إلى مشروعية الاختلاف في الرأي، وإلى ترسيخ قواعد الحوار وتقاليده؟»[97] متسائلا بذلك «عما إذا كان [تراثنا الثقافي] مساعدا ـ أو عائقا ـ على تكوين عقلية قابلة بشرعية الاختلاف»[98]. وعن كل هذه الأسئلة على اختلاف مواضيعها التي عبرت عن مختلف اهتمامات مفكرنا كان جوابه واحدا ووحيدا : ليس وراءنا سند من تراث نتعزز به وتستقوي فيما نحن نرومه من التأسيس لشرعية الاختلاف وإيجاد سلطة للمثقف معنوية وبناء مجتمع ديمقراطي ... وهكذا ففيما خص مسألة "الحق في الاختلاف" أو "شرعيته" يجيب علي أومليل : «إن هناك مواقف في تراثنا (...) حصل فيها القبول بالرأي المختلف والمخالف، وأنتج مناظرات أغنت الفكر العربي. إلا أنها حالات قليلة طابعها الانقطاع. نعم، علينا أن نعيد الاعتبار لمثل هذه المواقف الفذة، وأن نحاول تفهم أسباب ظهورها وانقطاعها ونحن ندعو إلى إرساء تقاليد الحوار وحرية الرأي والتعبير، إلا أنه على الرغم من هذا كله علينا أن نسلم أيضا بأن هناك مبادئ وقيما فكرية وحقوقية جديدة لم يسبق لها نظير عند الأسلاف. فقد نعثر هنا أو هناك فيما تركه هؤلاء على أقوال مأثورة تدعو إلى التسامح، أو تشجع على إبداء الرأي، إلا أنها لم تكن ترجمة لواقع الأمور، ولا تدل على بنية عامة للتفكير»[99]. وفيما خص مسألة "الالتزام" و"دور المثقف" أجاب مثقفنا : «إن السلطة العلمية الوحيدة التي استقرت في تراثنا الثقافي هي سلطة الفقيه أو صاحب العلم الديني (...) من هنا التحدي الذي يواجه الكاتب العربي اليوم وهو يطمح إلى أن يؤسس سلطته الفكرية، ولا سيما إذا كان حاملا الحداثة الثقافية وداعيا إلى التحديث الاجتماعي والسياسي، إذ ليس وراءه سند من تراث يتعزز به، وليس أمامه سوى نضال طويل ومرير لتجديد العقل العام لكي يتقبل القيم الديمقراطية»[100].وقس على ذلك مدى إمكان إفادة مفكري اليوم في مجال "السياسة" من مفكري الأمس : «إذا بدأنا من المفكرين العرب المحدثين وهم يفكرون سياسيا في قضية الدولة ومؤسساتها، فإننا نجد أن الرصيد الذي يلجئون إليه من الفكر السياسي العربي-الإسلامي القديم هو رصيد هزيل، لا لأنهم تخلوا عنه عن قصد وإنما لأنهم لم يجدوا فيه كبير فائدة. خاصة إذا كان التفكير في دولة مدنية هو المطلوب»[101]. ومثل لذلك أيضا بمسألة "الديمقراطية"؛ لا محالة أنت واجد آنها أن «النظام الديمقراطي كفلسفة وكمبادئ وقوانين وأعراف تؤسس علاقات اجتماعية وسياسية هو نظام حديث نسبيا. هناك طبعا في تراثنا بعض المبادئ والقيم الديمقراطية، ولكننا لا نستطيع أن نتحدث في تاريخ نظمنا السياسية عن نظام ديمقراطي بمعناه المحدد»[102].

ولئن هو تقرر بهذا أن جواب علي أومليل على إمكان "توظيف" أو "تحديث" أو "تحيين" التراث كان دوما بالسلب، فإن لذلك أسبابا منهجية. منها؛ أن ثمة ما يسميه "البنية العامة للتفكير" والتي تؤالف بين أفكار زمن ما وتخالفها عن أفكار زمن آخر. وهو يقصد بهذه العبارة أن للتراث بنيته الفكرية المخصوصة، وبالمثل للحداثة بنيتها المفردة المميزة، ولا مساغ للمقايسة بينها والمقابسة.

لكن، لماذا الاهتمام بالتراث وقد ثبت أنه لا يجدي في أمر الحداثة فتيلا؟

ما كان الاهتمام بالتراث عند الأستاذ أومليل بغاية إثبات "الإمكان"؛ أي إمكان توظيفه في عملية التحديث، وإنما بالضد من ذلك كان الاهتمام حادثا بغية إثبات "الحد"؛ أي حدود التراث. والحال أن ما كان يستحضه على الاهتمام بالتراث هو سيادة ما يسميه "قراءة التراث بعقل تراثي". وهو نهج في القراءة يتغيا "إحياء التراث" بإلغاء المسافة بيننا وبينه، غير معتد بحكم "تغير الأزمان" و"تجدد القراءات". يقول الأستاذ عن متبعي هذا النهج في قراءة التراث : «التراث عندهم جوهر باق مستديم، لا تنال منه أعراض الزمان وتبدل أحوال المجتمعات. يعتقدون أن الحقيقة كامنة فيه، وأنها منذ أن حلت فيه تجردت عن الزمان. فالمقدس لا زماني، يخترق الزمان وأعراضه، فلا يمسه بتغيير يذكر. قراءتهم النص هي قراءة يريدونها أن تكون شرحا وحسب، فالمعنى قد تحدد وتجمد، فلا مجال لتعدد القراءات، أي تعدد المعنى. همهم الكبير هو أن لا ينفلت الزمان وتبدل أحوال الإصلاح عندهم، فهو لا يأخذ الزمان بالحسبان، بل يسقط الماضي في المستقبل، ويعتبر أن مستقبل المسلمين هو في ماضيهم، أو في حقبة من الماضي خارجة عن الزمان كانت السماء فيها قريبة من الأرض»[103]. والحال أن لدى هؤلاء "التراثيين بعقل تراثي" : «التراث جزيرتهم البدئية، يخشون المغامرة في بحار المعرفة والعقل لاكتشاف العوالم الجديدة (...) يلوكون معارف الموتى، يلتمسون عندهم المعرفة والهداية، ينفضون الغبار عن خرائطهم القديمة للاسترشاد بها في عالم تغيرت خرائطه. يصارعون لفرض سلطة التراث، أو سلطة الأموات، لأنهم يستمدون منها سلطتهم المعرفية ويستعملونها للدعوة إلى نظام ديني شمولي»[104]. أولئك أناس شأنهم أنهم «يقدسون التراث تقديسا»[105]. وبالمقابل، يقف الأستاذ علي أومليل موقف الريبة ضد من سماهم بهذا الإسم المفارق : "التراثيون الحداثيون"؛ أي أولئك الذين يسقطون رغباتهم "التقدمية" على التراث، فيدعون العثور على الحداثة في القدامة، ويحاولون أن يوجدوا لأنفسهم في التراث فكرا "تقدميا" يزعمون أن بعض القدماء قد سبقوا إليه؛ وذلك شأن ادعائهم أن الغزالي سبق هيوم في نقده لمبدأ "السببية" مثلا[106]. والحال عند أومليل أن هذه المقارنة باطلة لتباين نظامي التفكير القدامي والحداثي واختلاف الإشكالية : هذا الغزالي كانت الغاية من نقده مبدأ "السببية" إنقاذ فكرة "المعجزة"، أما هيوم فما كان قصده من ذلك إثبات معجزة ولا نبوة، بل إبطال فكرة "فطرية" مبدأ "السببية" وإحلال مبدأ "التجربة" محل ما أبطله[107]. وفي ذلك فارق لمن اعتبر.

والحال أن أومليل لا يريد تقديس التراث، ولا بالضد تدنيسه، وإنما كل غايته أنه يريد فحصه وتمحيصه. وتمحيصه يقتضي إجراء أمرين اثنين : أولا؛ عدم الوقوع في خطأ الحديث عن التراث وكأنه "كل منسجم". إنما التراث "خليط"، وهو مستويات لا مستوى واحد : فلئن هو كان هناك قد حدث تقدم في ميدان العلوم البحثة ـ وهذا الإقرار لا يعني أنها لا زالت صالحة اليوم ـ شأن الطب والكيمياء والفلك والدراسات اللغوية، فإن الفكر السياسي ظل دوما ضحلا هزيلا حتى بشهادة القدماء أنفسهم من أمثال ابن خلدون[108]. ثانيا؛ الاهتمام بما يسميه أومليل "تاريخية الأفكار"؛ وذلك بمعنى أن للأفكار التي احتوى عليها التراث زمنها الخاص، فلا مجال لإسقاطها على الحاضر، ولا مساغ للإعراض عن "تاريخية منطق الأفكار". والحق أنه لئن نحن أدركنا هذين الأمرين أدركنا آنها لماذا اهتم أومليل بالتراث مع زعمه أنه ما عاد صالحا في زماننا ولزمننا. إنما «القدماء شكلوا بنية الفكر الموروث، وأي تجاوز لها يشترط معرفة جيدة بها، لذلك لا بد من معرفة أصول الفكر العربي التراثي حتى يمكن فحصه وتقويمه عن بينة، وأن يكون تجاوزه ممكنا»[109].

 ج ـ نحن والحداثة

عادة ما نبه الأستاذ علي أومليل إلى أن فهم عرب اليوم لفكر الحداثة كان فهما "تجزيئيا" و"ابتساريا" و"انتقائيا" و"قلقا" و"مشوشا". وقد بحث في أسباب هذا الأمر وأجال وعاود، فأوقفه نظره على أن الفكر العربي ـ منذ القرن الماضي ـ يفكر في تحولات صنعها الغير .فهو بهذا "رد فعل" لا "فعل". وشتان ما بين فكر يفكر في تحولات صنعها بنفسه وتشهد مجتمعاته عليها، وفكر شأنه أنه يفكر فيما يصنعه الغير ويفعله. وإن فكرا هذا أمره لمن شأنه أن يضطرب ويرتبك وتشوش عبارته وتقلق. ولطالما نبه علي أومليل إلى هذا الأمر. خذ مثلا مفهوم "الدولة الوطنية". هؤلاء العرب لم يتعرفوا على أصول وأسس وحيثيات هذه الدولة، ومن ثمة لجؤوا هم إلى "قراءات جزئية، اقتطافية"، فكان أن ما فكروا هم في نظام الدولة من حيث هي "كل" أو "نظيمة"؛ أي نظريات ومؤسسات مترابطة، وإنما هم اهتموا بهذا الجانب الجزئي أو ذلك من نظام الدولة الحديثة : الدستور، الحريات العامة، المجتمع المدني، الخدمات، التجهيزات ... [110] وما كان تفكيرهم في الدولة الحديثة "تفكيرا متكاملا"؛ أي تفكيرا قانونيا ومؤسساتيا، وإنما كان هو "تفكيرا بالتقسيط"؛ أي تفكيرا في الدستور مثلا أو التمثيل النيابي أو التعليم ... ومن تم، فإنه يبقى المفتقد في فكر الإصلاحيين هو مفهوم متكامل لنظرية الدولة[111].

إلا أن القارئ المتعجل من أمره قد يخطئ في فهم فكرة أومليل هذه فيعجل عليه ليحكم بأن الرجل يعيب هذه السمة على الفكر العربي. والحال أنه لا "يعيب" ولا "يذم" ـ وما كانت تلك خصلة الباحث ـ بل هو يحاول أن يتفهم .. وتفهمه لهذا الأمر مرده إلى ظروف تعرف الفكر العربي على فكر الحداثة : إذ العرب تعرفوا على مؤسسات الحداثة وقيمها "تحت ضغط الاستعمار"، ومن شأن المفكر تحت الضغط أن يختلف وضعه عن وضع المفكر بلا ضغط. ومن ثمة وجب التفهم. يقول أومليل : «إن المسألة الأساسية فيما يخص هذا الفكر الإصلاحي الإسلامي لا ينبغي حصرها في عدم فهمه الدقيق للأفكار التي اقتبسها واستعملها في دعواه. فإذا اعتبرنا أن هذا هو المشكل، فسيكون الحل هو إرجاع هذه الأفكار المستعملة من قبل مفكري العالم الإسلامي إلى "أصولها" الغربية، لمعرفة مدى "الأمانة" للأصل ودرجة "التحريف"، وسنقع فيما نبهنا إليه من اتخاذ مصدر خارجي مطلق للمعنى، يقابله خطأ آخر وقع فيه هؤلاء المفكرون المسلمون وهم يؤكدون الأصل الإسلامي المطلق للأفكار التي روجوا لها»[112].

- 5 - مشروع طه عبد الرحمن : نحو تخليق الحداثة

 أ ـ مفهوم الحداثة : الشأن في الحداثة ألا تقلد

للأستاذ طه عبد الرحمن قول مفرد في الحداثة : وهو قول للحداثة ناقد مستشكل. إذ لما كانت الحداثة تعني الإبداع لا الإتباع فإنه لَأَن يكون المرء "حداثيا" معناه ألا يقلد الحداثي في شيء من أمره، وإلا انقلب هو إلى "مقلد". إذ الحداثة لا يمكن أن تكون إلا إبداعا، وأن ما من تقليد لها إلا وهو نسخ، وما من نسخ لها وإلا وهو مسخ. والإشكال عند الأستاذ طه عبد الرحمن أنه لئن نحن سلمنا أن للحداثة شرطين : التطبيق الداخلي لا الاستيراد، والتجديد لا الإتباع، فإن : «المشكل أن واقعنا لا يستوفي هذين الشرطين. فلا هو تطبيق داخلي لروح الحداثة، ولا هو تطبيق مبدع فيها. واقعنا الحالي ليس تطبيقا لروح الحداثة، وإنما تطبيق لتطبيق آخر لروح الحداثة (أي نسخ لتطبيق غربي لها)، ولا يمكن أن نسمي ذلك واقعا حداثيا، أو حداثة، وإنما يمكن أن يوصف بشبه الحداثة أو مسخ للحداثة»[113]. فما "الحداثة" الحقة لا الشبيهة والمبدعة لا المقلدة إذن؟

لاحظ طه عبد الرحمن أن الغالب على تحديد "الحداثة" التباين. وهو، أولا، تباين في "التحقيب" لها. فمن قائل إنها حين من الدهر أتى على الناس منذ عهد التنوير ولا زال يفعل، إلى قائل : إن لا حداثة إلا بعد الثورة الصناعية. وهو، ثانيا، تباين في "توسيمها" ما بين قائل : إنها عهد استياد الإنسان على الطبيعة وجعلها له ذلولة، وقائل : إنها عهد محو صفة "القداسة" عن العالم بتعقيله التعقيل كله الذي لا يترك حظا للسحر أو الأسطورة أو الدينونة، وذلك بخروج للعالم ـ مطلع الحداثة ومفتتحها ـ من "عالم مسحور" ـ أي عالم تخفى فيه المقاصد الإلهية على الإنسان وتتدخل في حياته ومصيره ـ إلى عالم يصير لا سحر فيه؛ أي خال من كل مقصدية متعالية خفية، وذلك بحيث صار هو مقتدرا على معرفة العالم والتنبؤ بأحواله وإخضاعه لغاياته؛ إلى قائل : إنها عهد سيادة الديمقراطية، وقائل : إنها انسلال العالم عن الدين بالكلية، وقائل : إنها مشروع لا يكتمل ... إلا أن الأستاذ يرى أن المشترك بين هذه التعاريف، على تباينها، إجماعها على "التهويل" من شأن هذا "الشيء العجب" الذي يسمونه "الحداثة".

يدعونا الأستاذ طه عبد الرحمن ، أولا، إلى التمييز في أمر الحديث عن "الحداثة" بين "الأواني" و"المعاني"، أو قل : الابتدار إلى المباينة بين "تطبيقات الحداثة" أو "واقع الحداثة" و"روح الحداثة" أو "كنه الحداثة". أَلَا إن الحداثة روح، وهي روح إبداع. أَلَا إن لهذه الروح تطبيقات لا تطبيق واحد. وما "الحداثة الغربية" ـ التي يجعل منها البعض المرجع والأنموذج والقدوة والحذية إلا "إحدى تطبيقات روح الحداثة"، لا روح الحداثة ذاتها. وليس يفترض أن يكون هذا التطبيق تطبيقا مطابقا بالتمام والكمال لروح الحداثة. ومن ثمة لزم "تنسيب الحداثة" : إذ يمكن أن تكون لكل أمة حداثتها المخصوصة؛ بمعنى تطبيقاتها الخاصة لروح الحداثة، على شرط أن تكف هذه الأمة عن الإتباع وأن تنشد الإبداع. أكثر من هذا، ما كانت تطبيقات الحداثة الغربية واحدة، ولا ينبغي أن تكون، بل المشهود به أن «"واقع الحداثة" تحقق بصور مختلفة في الدول الغربية التي يختلف تطبيق كل دولة منها لروح الحداثة». فالأمم الحضارية تستوي في الانتساب إلى روح الحداثة بينما يختلف واقع الحداثة فيها. مما أفاد إمكان سلك طريق للحداثة غير هذه الطرق المقررة، على شرط أن يكون التطبيق تطبيقا مبدعا، وهو لا يكون كذلك إن هو قام على تقليد تطبيق آخر، بحيث صار تطبيق تطبيق، أو تقليد تطبيق، أو مسيخ تطبيق، لا فرق. إنما يلزم الانطلاق من روح الحداثة، من حيث هي روح إبداع، وتطبيقها من "الداخل" لا إنزالها من "الخارج". إذ ثبت لدى المحققين بما لا يدع المجال لشاك شاك أن : «الحداثة لا تنقل»، وأن : «كل أمة [واقعة] بين أمرين : إما أن تنتصر حداثتها داخليا، وإلا لا تتحقق لها الحداثة أبدا».

ثانيا؛ إن هي فتشت روح الحداثة، لا تطبيقاتها، لوجد أن لها ثلاث "سمات". وهي سمات تتخلص في ثلاثة مبادئ : 1 ـ "مبدأ الرشد"؛ ويقتضي هو أن تخرج الحداثة الإنسان من حالة "القصور" إلى حالة "البلوغ"، وذلك بتحريره من اتباعيته وتحقيقه لابتداعيته. مما أفاد أن هذا المبدأ انبنى على فكرتين: "الاستقلال" أو "التحرر"، و"الإبداع" أو "التفنن". 2 ـ "مبدأ النقد"؛ وهو المبدأ الذي يسمح للإنسان بالانتقال من "الاعتقاد الخالي من الأدلة" إلى "الانتقاد المبني على الأدلة". وهذا مبدأ نهض بدوره على ركنين : "إعمال العقل" (التعقيل) و"التمييز بين الأشياء" (التفصيل). 3 ـ "مبدأ الشمول"؛ ومداره على الخروج عن حال "الخصوص" إلى حال "العموم". وقد استند هذا المبدأ بدوره إلى إرادة التوسع والتعميم. هي ذي عند الأستاذ طه عبد الرحمن "روح الحداثة" : الرشد والنقد والشمول. إنما الروح الحداثية الروح الراشدة الناقدة الشاملة. هذا مع سابق العلم، أن الأصل في روح الحداثة التعدد، وأن هذا التعدد انعكس في المظاهر، مثلما هو تأدى إلى تنوع التطبيقات. كما أن بين هذه المستويات الثلاثة ـ الروح والمظاهر والتطبيقات ـ تفاوتات. إذ المظاهر غير الروح بالضرورة، والتطبيقات غير المظاهر بالقوة، فضلا عن أن تكون هي الروح. ثم إن الواقع الحداثي غير الروح الحداثية وإن كان هذا الواقع ناتجا عن تطبيقات هذه الروح. ثم إن واقع الحداثة واقع مخصوص بما هو تطبيق ممكن من بين تطبيقات أخرى ممكنة لروح الحداثة.

والحال أنه لو هو أمكن لطه عبد الرحمن أن يلخص كل سمات الحداثة هذه في واحدة، لما كرر هو غير هذه الكلمة ـ وأية كلمة هي ـ "الإبداع".

بهذا ينجلي أن الأستاذ طه عبد الرحمن أجرى على مفهوم "الحداثة" آليات نظر ثلاثة : "التنسيب" وهو المتجلي في قوله : إنه يمكن أن تكون لكل أمة الحداثة التي تنسب إليها نسبة. و"التعديد"؛ إذ يمكن أن ندخل "التعدد" إلى قلب سيرورة الحداثة بحيث نصير أمام "حداثات" لا حداثة واحدة؛ وذلك شأن أن نصير أمام حداثة أولى وثانية وثالثة ... وهكذا دواليك «إذا وجد [الإنسان العربي المسلم] أن الحداثة الأولى فشلت، يمكن أن يبدع حداثة جديدة، ليست من صلب الحداثة ذاتها. فالحداثة ليست سوى ظاهرة تاريخية عارضة، والظواهر كما تأتي تفنى، أما همة الإنسان فهي حقيقة باقية ببقائه»[114]. و"التمكين"؛ إذ تصير الحداثة أمرا "ممكنا" لا "قدرا منزلا"؛ ذلك أنه إذا حدث أن تكلم المفكر العربي في أمر "الحداثة"، مثلا، فإنه «ليس من الضروري أن يأتي حديثه عنها على الوجه الذي أتي به عند المنقول عنه [الغرب]، فيجوز أن يستحدث بصددها قيما ومعاني توجه خروجنا من التخلف من غير أن تكون هذه القيم والمعاني هي التي أخرجت الغرب إلى الحداثة، ولا أن يكون معمولا بها في مجتمعاتهم»[115].

-- نقد الحداثة الغربية :

بيان مناقضات حداثة الغرب

يفاجئنا الأستاذ طه عبد الرحمن لما هو يذكر أن ثمة "تحريفا" طرأ على وجه الحداثة في التطبيق الغربي. ذلك أن هذا التطبيق، بحسبه، "أضمر" مسلمات "خفية وباطلة" على سمات الحداثة الأساسية أدت إلى أن ينقلب مقصود "الحداثة" إلى ضده. فهذه الحداثة التي انبنت على رفض مبدأ "الوصاية" صارت تفرض الوصاية على غيرها. هذا مع سابق العلم، أن لا حداثة بالوصاية. إذ الحداثة تعني أصلا أن لا وصاية. وهذه الحداثة الغربية التي انبنت على مبدأ "الإبداع" إذ هي قطعت مع ماضي الغرب الوسيط المظلم عندها صارت تطالب الغير بالقطع مع ماضيه وإن كان هو منيرا وإن شهد على إنتاج بديع. وهذه الحداثة التي أتت لإزهار الذات وتفتحها أزهرت ذات أهلها وأذبلت ذات الغير بحيث صارت ذات أهلها مزهرة متفتحة وذواتنا ذوية ذابلة. فلم تسع هي إلى "الإزهار المعي" قدر ما سعت هي إلى "الإزهار الأناني". وهذه الحداثة التي سعت إلى إشاعة روح النقد نقدت كل شيء إلا أداة النقد نفسه : العقل، وعقلت كل شيء إلا بما به عقلت : العقل، وانتقدت كل شيء إلا أنها لم تبن حدود النقد ولا هي نوعته ولا هي انتقدت بالأحرى ذاتها. وهي التي ادعت الانسلال عن الدين بالكلية توسلت العديد من المفاهيم الدينونية بحيث صارت أخلاق الحداثة (كانط) الدنيوية أخلاقا ديانية خفية لا جلية، بما دل على استحالة الفصل المطلق بين الدنيوية والدينونة وإمكان الفصل الوظيفي بينهما. وهي التي تأتت للغرب وتصنعت بإرادته صارت تدعي أنها قدر حتمي لا مرد له ولا دافع وأن لا مخلص سوى بالسكون تحت مجاريها وأن أقدارها لا تدفع، وصارت تطلب من الناس السكون تحتها سكونهم تحت مجاري الأقدار. هذا مع العلم المتقدم، أن من شأن الإنسان ـ صانع الحداثة ـ أن يكون أقوى من صنيعته. وهذه التي جاءت لخدمة الإنسان ـ توسلت إلى مبادئ شأن "الحرية" و"العقل" و"الكرامة" و"العدل" و"التسامح" ـ استعبدت الإنسان للحاجة المادية الصرفة دون الروحية المعنوية واستتبعته وألحقته. وهي التي أحدثت التنمية وسيلة لتحقيق القيم صيرتها غاية وأحالت القيم وسيلة.

هذا وعلى مستوى آخر، رأى طه عبد الرحمن أن للحداثة الغربية وجهين : وجه "عقلي" ووجه "قولي". فهي، من حيث هي حداثة عقل، فإنها حداثة ناقصة. وهي، من حيث هي حداثة قول، فإنها حداثة ظالمة. من الجهة الأولى، الناظر في عقل الحداثة يجده مجردا. خذ بنا إلى "عقل" ديكارت ـ أبي الحداثة ـ تقف بنظرك عن أن معناه هو : «استخدام المنهج العقلي على الوجه الذي يتحدد به في سياق ممارسة العلوم الحديثة، ولا سيما الرياضية منها»[116]. لكن أجل النظر ثانية في هذا العقل، لا محالة تدفعك شبهته إلى وضع السؤال : هل هذا العقل الحداثي يستجيب حقا لشرط "النفع في المقاصد" ولشرط "النجوع في الوسائل" الذين هما شرط كل "عقلانية سديدة"؟ يجيب طه عبد الرحمن بالسلب :فهذا التصور الحداثي للعقل يخل بمبدأ "النفع" من حيث أنه يفضي إلى الوقوع في النزعة النسبية، ويؤدي إلى استعباد الإنسان للتقنية، وذلك ما دام هو يستند إلى مبدأين : "كل شيء ممكن" لدى التقنية بلا وازع ـ مما يؤدي إلى أن "تستبيح الآلة كل شيء في الإنسان"، و"كل ما كان ممكنا وجب صنعه" مما يتأدى عنه استباحة حرمة الطبيعة ـ وبالتالي يترتب عن الأمرين، بالضرورة، التحلل من كل الموانع الخلقية. كما أن هذا العقل الحداثي يدعو إلى سيادة النزعة الفوضوية في النظريات العلمية وإلى تهافت هذه النظريات لا إلى تكاملها. وبه فقد تحصل، أنه : «يتضح لنا من النظر في مقاصد المنهج العقلي العلمي الحديث أن هذا المنهج قد يطلب النسبية والتفاضل بدل الوحدة والتكامل، ويطلب الاسترقاق بدل التحرير، ويطلب الفوضى بدل النظام»[117]. فقد تلخص، أن عقلانية الحداثة الغربية "عقلانية ضارة" الشأن فيها أنها تخالف مبدأ "النفع". فهلا هي كانت ناجعة في اصطناع الوسائل المناسبة؟ كلا، إنها منهج يتكلف "الموضوعية" تكلفا ولا يتحقق بها تحققا، ويجمد على الأمر الظاهر المقيد بالزمان والمكان جمودا فلا ينفتح هو على "ما لا يظهر" ولا يستشرف هو أمر "ما لا ينكشف بكاشف آلي"، ويكثر من الوسائط المادية ويُحكِّمها في كل شيء شيء. فإذن، لا نفع في منهج الحداثة ولا سداد فيه أيضا. إنما عقلانية الحداثة عقلانية تخلو من اليقين في نفع المقاصد ومن السلامة في إعمال الوسائل. وعقلانية هذا شأنها لا بد أن تنقلب ضررا على الإنسان.

ومن جهة "قولانية" هذه الحداثة، فإن الملاحظ أن الحداثة أورثت الإنسان "طوفانا من الأقوال". وهو طوفان غطت هوله وأخفت فداحته أسامي مختلفة أغرت بظاهر دلالتها؛ شأن "انفجار المعلومات" و"ثورة الاتصال" و"انعتاق الكلمة" و"سيادة القلم" و"سلطان العقل" و"تداول المعرفة" و"عولمة الإعلام" ... إلا أن هذه الحداثة ظلمت الإنسان. و"ظلم الحضارة الحديثة للإنسان" ضرر ثلاثي : ففيه توسيع لمجال القول مع تضبيق لميدان الخلق، وفيه توسيع لمجال القانون العام وتضييق على مجال الخلق الخاص، وفيه التهويل من الفعل السياسي مع التنقيص من الفعل الخلقي .. إنما الخلق بالحصر كان أكبر المتضررين من الحداثة : ضيق عليه وجمد، بل نقص من شأنه[118].

والحال أن لهذه الحضارة الحداثية ذات الوجهين (العقلي والقولي) شقين اثنين (معرفي وتقني). وذلك بحيث لم تكتف الحداثة بفتنة العقلانية، بل تأدت إلى فتنة التقنية. ومن حيث هي كانت الحداثة حضارة معرفة فإنها "حضارة متأزمة"، ومن حيث كانت هي حضارة تقنية فإنها "حضارة متسلطة". ذلك أن النمط المعرفي الحديث قام على أصول داحضة لا تستقيم : "لا أخلاق في العلم"، و"لا غيب في العقل". وقد ترتبت عن هذا أزمة في الصدق، ما دام أن لا أخلاق في العلم. كما ترتبت عنه أزمة في القصد، وذلك ما دام أن لا قصد وراء العلم. ومن حيث هي كانت الحداثة حضارة نظام علمي-تقني، فقد قامت على تحصيل القدرات الإمكانية والتمكينية ـ "التجريب" و"الترويض" ـ طلبا للسيادة على الكون، فتأدت بذلك إلى سيادات ثلاث خطيرة : سيادة التنبؤ وما رافقه من سلطان السطوة، وسيادة التحكم وما ترتب عنه من سلطان البأس، وسيادة التصرف وما أورثه من سلطان البطش. وجماع القول في أمر الحداثة: إنما الحداثة ساطية بأساء باطشة.

والشيء بالشيء يذكر، فهذه الحداثة رامت ما رامته من شؤون وقد توسلت إلى مشاريع تأدت إلى أمور ثلاثة : الانفصال عن التراث، والمقصود به إلغاء حرمة التراث أكان تراثا دينيا أو ثقافيا أو سياسيا أو اجتماعيا، والانفصال عن الطبيعة واستعبادها وجعلها للإنسان ذلولة، والانفصال عن الحيز الجغرافي والفيزيائي معا. فكان أن لم تحفظ الحداثة لا حرمة التراث ولا حقوق الطبيعة ولا خصوص المجال الجغرافي والفيزيائي ـ وهي الامتدادات التي بها يتقوم وجود الإنسان ويتحدد.

ج- نحن والحداثة الغربية

يبسط الأستاذ طه عبد الرحمن تعقد علاقتنا بالحداثة الغربية في مفهومين أساسيين : مفهوم "الاستدراج" ومفهوم "التقليد". فالشأن في الحداثة الغربية أنها "تستدرجنا"، وقد مارست علينا "الغواية" حد "الفتنة". ونحن "نستجيب" لفتنة الحداثة الغربية هذه بالابتدار إلى "تقليد" الغرب. وكأننا بالإنسان العربي صار يتبدى حاله كحال من أقبل بوجهه على ظله واستدبر الشمس ويجري ليلحق ظله فلا هو يلحق ظله وقد فاته حظه من الشمس! لنعرض قول الأستاذ في هذين الأمرين :

أولا؛ اعتقد أهل الحداثة من الغربيين أن صناعة التاريخ "صناعة مأمونة"؛ بمعنى أن التاريخ "موضوع مأمون". إذ ما سماه الحداثيون "تربية الإرادة" كفيل في اعتقادهم بإيصالهم إلى ما أرادوا وعزموا عليه وليس إلى غيره مما لم يريدوه وإنما هم "استدرجوا" إليه استدراجا. والحال أنهم "يريدون" و"يقرر" التاريخ والتاريخ "أمكر" منهم. إنما شأن التاريخ أنه "يدخله الاستدراج"؛ ومعناه أن تسير الأحداث وفق توجيه غير التوجيه الذي رسم لها، عند البدء، من حيث يظن أنها تسير وفق ما رسم. كما أن التاريخ "يدخله المكر"؛ ومعناه أن تفضي مراقبة الأحداث إلى نقيض المقصود، وذلك من حيث يظن أنها تفضي إلى المقصود؛ أي إلى ما ريم لها. فقد تحصل بهذا، أن التاريخ موضوع غير مأمون. كيف لا يكون الأمر كذلك وهذه الحداثة التي ادعت "تحرير الإنسان" انتهت، من حيث هي لا تحتسب، إلى استعباده، وهي التي ادعت الاستياد على الطبيعة ذاهبة إلى تدمير الطبيعة وتدمير ذات الإنسان نفسه إذ ثبت أن لا عيش للإنسان إلا في رحم الطبيعة؟

غير أن الغربيين إذ هم "استدرجوا" إلى ما لا أمن معه، يعملون هي استدرجنا إلى تقليدهم. ها هم بعد أن انتهوا، من حيث لا يعلمون، إلى أن يتصوروا الإنسان مجرد "آلة مسخرة" ـ أي آلة لا روح فيها ـ لا "آية معبرة"، ويتصوروا التاريخ بما هو مجرد حركة مراقبة لا استدراج فيها ـ مع أن الاستدراج حاصل من حيث لا يدرون والمكر حادث ـ وبعد أن هم استدرجوا إلى التمهيد لإفقار للإنسان بوجه لم يتقدم له في التاريخ من نظير، حتى كأن البشر صور مستنسخة لمثال واحد ... وقد أصبح بضاعة مصوغة في قالب واحد، ها هم بادروا إلى استدراجنا، بل عفوا ها نحن بادرنا إلى التشبه بهم، من حيث نشعر أو لا نشعر، في خلق هذا الإنسان الفقير بل الأفقر[119].

ثانيا؛ ما فتئ طه عبد الرحمن ينبه إلى "التبعية الفكرية" التي صرنا نحيا عليها في صلتنا بالغرب، وما ذاك إلا بسبب أننا صرنا "نستعجل التقدم الحضاري"، وذلك من غير أن نمحص منطلقاته وننظر في مآلاته ونطمئن اطمئنانا على مشروعية المنطلقات وسلامة المآلات ... ولما هو فاتنا جانب التمحيص لسبل التقدم المادية المنقولة عن الغرب، فإننا سارعنا إلى الأخذ بها من غير أن نتزود بنصيب من الطاقة الروحية والقدرة الخلقية يكون كافيا لأن يدفع عن هذه السبل أسباب البطلان والإحباط التي تدخل عليها إن هي بقيت مجردة من "التزكية المعنوية"[120].

ويستشكل طه عبد الرحمن هذا التقليد للحداثة الغربية من أوجه :

أولها؛ لما هو صح أنه «لا وجود لإنسان مجرد من كل لباس تدولي»، وإنه «لا قوم بغير مجال»؛ أي أنه لا وجود لقوم من غير «جملة المبادئ والقواعد العامة التي تضبط العقيدة واللغة والمعرفة والتي يشترك في التسليم والعمل بها كل المنتسبين إلى المجتمع»[121] فقد لزم عن هذا أن الثقافة، والثقافة الحداثية على وجه الخصوص، مهما هي تقلبت أطوارها وتقوى عطاؤها، فإنها تظل "نتاجا نسبيا"؛ أي أنها تبقى "نتاجا لقوم مخصوصين" في "مجال تداوي مخصوص"، وذلك حتى ولو هو "أخذ به غيرهم ، طوعا أو كرها"، بل "حتى ولو شمل أمم العالم كلها"؛ وذلك لأن «الثقافة كسب للإنسان صريح، والأصل في كل كسب أن يكون معلولا بظروف خاصة»[122].

ثانيهما؛ لئن هب مقلدو الحداثة إلى الدعوة، تقليدا لغيرهم، إلى "التصنيع" بغاية ولوج عصر الحداثة، فإن الأستاذ طه عبد الرحمن يخالفهم فيما ذهبوا إليه. كلا، ما كانت حداثتنا المنشودة رهينة بإنشاء المؤسسات الصناعية والمراكز التقنية ووضع البرامج التحديثية وتجنيد الطاقات المادية. فما هدفنا التحديثي هو : «أن نجعل المجتمع المسلم نسخة مطابقة للمجتمع الغربي». إذ الحق أن هذا المسلك في التحديث «لن يؤدي إلا إلى مزيد من التبعية للغرب وإلى مزيد من التقهقر، فضلا عن تعطيل الموروث وتجميد المقدور». إذ لا سبيل إلى حصر "المجتمع المسلم" «داخل الأفق العملي الذي ترسمه له نماذجه الغربية»، اعتاص هو عليه أن يراقب أهل الغرب إلا إن هو تخلى عن هويته. ثم إن مسالك الغرب في التحديث نهضت أصلا على "أسس عقدية" و"قواعد مذهبية" تعارض الحقيقة الشرعية. ولذلك فإن «كل من اتبع هذه المسالك الحداثية من غير تام التبصر بسياقاتها العقدية وكامل التبين لآثارها ومآلاتها القريبة والبعيدة، لا بد من أن يقع في الإضرار بعقيدته الدينية وبعمله الشرعي»؛ وذلك لأن التحديث الغربي قام على أمرين : فصل العقل عن كل دلالة على الغيب، وفصل العلم عن الأخلاق ـ وهما فصلان الإسلام منهما براء[123]. وعلى هذا، فإنه «ما دام التحديث الغربي مقطوعا عن الدلالة الغيبية للعقل لاقتصاره على الدلالة الحسية، ومقطوعا عن الدلالة الخلقية للعلم لاقتصاره على الدلالة المجردة، وجب على المسلم أن يتبين وجوه الاستدراج التي يوقعه فيها هذا النمط الغربي في التحديث، وأن يطلب نمطا تحديثيا مغايرا لا يأتي منه هذا الاستدراج». وفضلا عن هذا وذاك، فإن «الغرب لن ينتظر أبدا المجتمعات الإسلامية حتى تلتحق بركبه في الإنتاجية العلمية والمسار العلماني، بل سيظل ساعيا بكل ما أوتي من عدد وعدة إلى أن يحصل من هذه الإنتاجية ما هو أضعاف ما تقدم، فتتزايد الشقة بينه وبين المجتمعات الإسلامية، ذلك لأن هذه المجتمعات ستفقد من الإنتاجية العلمية ما هو أضعاف لما سلف، ما دامت قد أجبرت على سلوك طرائق تحديثية تتعارض مع توجهاتها المعنوية الأصلية وتضر بإمكاناتها الحقيقية في العطاء والإبداع»[124]. والحل إذن هو «نهج سبيل في التحديث لا يدرون كيف يلحظون مسيرتنا من جهته، ولا كيف يطوون علمنا من جانبه». فما هو هذا السبيل يا ترى؟ إنه سبيل "تخليق الحداثة".

د- تخليق الحداثة

يرى الأستاذ طه عبد الرحمن أن المسلمين «لا يملكون، على ما يبدو في الأفق القريب، إلا ما انطوى عليه الإسلام من القيم الأخلاقية والمعاني الروحية لتثبيت وجودهم وقول كلمتهم في الحضارة العالمية المنتظرة»[125]. وهو ملك "ثمين" في نظره، وذلك لأن «عالم المستقبل سوف يشهد حدثين هامين : أحدهما؛ انهيار النظريات الأخلاقية والأنساق المعيارية والدساتير السلوكية الكبرى التي كانت إلى حد الآن توجه الحداثة الغربية، فيتسبب ذلك في فراغ أخلاقي لا يتحمل؛ والثاني، ازدياد الهروب إلى الحياة الخاصة باعتبارها الفضاء المتميز لممارسة الحرية الفردية، فتنشأ عن ذلك الحاجة إلى أخلاق تأتي من داخل هذا الفضاء الخاص لا من خارجه(...)»[126]. حينئذ لمواجهة الفراغ الأخلاقي نحتاج إلى أخلاق الإسلام.

يواجه طه تحديات الحداثة بلفظ واحد : "الأخلاق". فلا حل عنده لمشاكلنا ولمشاكل الحداثة إلا بكلمة واحدة : "التخليق". وإذ يقف هو على "الآفات" التي تحملها الحضارة الحديثة إلى الإنسان ـ "النقص"، "الظلم"، "التأزم"، "التسلط" ـ بما يجعلها حضارة حداثة ناقصة ظالمة متأزمة متسلطة تؤذي الإنسان في صميم وجوده الأخلاقي بما ييأس معه من الصلاح في حاله والفلاح في مآله، فإنه يرى أن لا مجال لإجراء "تصحيحات" أو "تعديلات" يتم إدخالها على هذا الجانب أو ذاك من جوانب الحياة الحديثة ـ إذ هذه التقويمات تبقى محدودة أمام قوة هذه الآفات، فما أن ينظروا في آفة حتى تتولد آفة أخرى إن لم نقل إن حلهم نفسه يكون جزءا من الآفة. فإذن، لا بد من «الشروع في بناء حضارة جديدة لا يكون السلطان فيها ل"اللوغوس" وإنما يكون فيها ل"الإيتوس" (أي الخُلُق) بحيث تتحدد فيها حقيقة الإنسان، لا بعقله أو بقوله، وإنما بخلقه أو فعله؛ فلا مناص إذن من أن نهيئ الإنسان لحضارة "الإيتوس"، متى أردنا أن يصلح في العاجل ويفلح في الآجل»[127].

والحاصل من جميع ما تقدم، أن ما عمى على الحداثة هو غياب الخلق. فالحداثة ـ وتابعتها العولمة ـ نظرت إلى الإنسان من حيث هو "منظومة من الوقائع والوسائل"؛ أي باعتباره "منظومة آلية"، وإذن يكون الإنسان عندها، عند آخر التحليل، عبارة عن "آلة" وكفى. وليس الأمر كذلك، بل إن الإنسان كان وما زال "مجموعة من القيم والمقاصد"؛ أي أنه "مجموعة معنوية". فإذن يكون الإنسان، في الحقيقة، عبارة عن "آية". فهو، على التدقيق، "آية" قبل أن يكون "آلة"، لا مجرد آلة مسخرة لا آية فيها[128]. وهذه "الآية" كتبت بأحرف "الأخلاق".

هذا بالنظر، وبالتطبيق نقول : لئن هي ادعت الحداثة الغربية الاستياد على الطبيعة حد الاستئساد، فإنه ليس من روح الحداثة الحقة أن الإنسان هو سيد الطبيعة، وذلك لأن «سيد الشيء هو مالكه» . والحال أن «الإنسان ليس مالك الطبيعة وإنما هي مسخرة له». ومن ثمة، فإن "تخليق الحداثة" يعني عدم "التسلط" على الطبيعة وإنما "موادتها"حتى تبوح للإنسان بأسراره. وكلما هي باحت له بأسرارها زاد حنوا عليها. فالذي ينبغي أن يعلم هو أن «الطبيعة أم للإنسان وليست أَمَة له، فقد خرج من رحمها مثلما خرج من رحم أمه، والأم لا يمكن أن تكون أمة لولدها»[129]، وذلك منتهى الخلق في التعلق بالطبيعة.

ه- نحن والتراث

ما كانت دعوة الأستاذ طه عبد الرحمن إلى العودة التراث من جنس دعوة التراثيين : «ليس معنى بقاء التعامل مع التراث هو حفظ كل ما فيه على الوجه الذي كان به من غير اعتبار لمقتضى الماضي ولا لمقتضى الحاضر، نظرا لأن هذا الحفظ ولو سعينا إليه ما سعينا يظل غير ممكن، فلا أحد يستطيع أن يقطع صلته بحاضره قطعا، وأن يعود إلى الماضي ليعيش بقيمه مثلما عاش بها أجداده؛ فمن يدعي ذلك فهو إما مفتر أو غافل، لأنه ليس في وسعه أبدا أن ينزع من جوانحه وجوارحه كل تأثيرات الحاضر المختلفة، حتى ولو دخل في قمقم وأغلق فتحة عنقه دونه، أليس يحتاج إلى صنع هذا القمقم بوسائل وخبرة زمانه!»[130]

وقد أصل طه عبد الرحمن موقفه من الجمود على التراث والاستكانة على ما كان على أصلين :

أولهما؛ أن الماضي ما كان هو على ضرب واحد. وإنما الماضي على ضربين هما : "ماضي الوقائع" و"ماضي القيم" .فأما ماضي الوقائع والأحداث فقد مضى وولى، ومن المحال أن ترجع الوقائع التي مضت أسبابها الزمنية. ومن ثمة، لا مساغ لإحيائها، بل لا إمكان. وأما القيم فليست كلها تتبدل. إذ ثمة من القيم ما لم يطرأ عليه تبدل. وفضلا عن هذا، لا تقبل القيم المبادرة إلى البرهنة عليها «إذ تبقى [هي] دائما موضع تحكم إنساني يزيد أو ينقص، ومواطن المعقولية فيها متفاوتة ونسبية، حتى إن هذه المعقولية لا تكاد تتمحض أبدا». أضف إلى هذا، أن لا سبيل أبدا إلى التجرد من أي قيم شئنا ومتى شئنا[131]. ولا سبيل أيضا إلى الزعم أن ما مضى من القيم شر وما أقبل منها خير ... إذ ثبت لدى المحققين أن «من القيم الحديثة ما شره أسوأ من شر القيم الماضية، ومن قيم الماضي ما خيره أزكى من خير القيم الحديثة، ومن القيم الحديثة ما خيره آت من ماضيها وما شره آت من حاضرها؛ فما لكم والماضي وأهله، حتى تجعلون منه الشر المستطير في كل وقت وحين ؟»[132] وبعد وقبل : «إن قيم الماضي التي تنتج أفضل من قيم الحاضر التي لا تنتج»، و«العمل بقيم الماضي المنتجة أولى من العمل بقيم الحاضر غير المنتجة» و«التحقق بالاجتهاد في ما مضى من القيم أولى من التمسك بالتقليد في ما استجد من القيم»؛ وذلك كله مستملى من القاعدة: «التأصيل أولى من التقليد»[133].

ثانيهما؛ «أن التراث ـ بالإضافة إلى ما يشتمل عليه من قيم إنسانية حية ـ قد يتضمن قيما إنسانية ميتة؛ أي قيما إنسانية لم يعد المجتمع الإنساني العام يرغب فيها أو يعمل بها»[134]. إلا أن الأستاذ طه عبد الرحمن لم يوضح هذه "القيم الميتة"، ولا هو مثل لها بأمثلة. وليته فعل!

بناء على هتين المقدمتين، فإنه بقدر ما هو رفض طه عبد الرحمن دعوى "مقلدة الحداثة" فقد رفض دعوى "التراثية" أيضا؛ أي أنه رفض "الاشتغال التراثي بالتراث"؛ أي استنكف بنفسه هو عن أن يكون تراثا يشتغل على تراث وربأ : «لا ينبغي الاكتفاء بتجريد الآليات من التراث من دون التزود بهذه المستجدات المنهجية، لأن هذا التجريد لن يزيد عن اجترار القديم على وجهه القديم، ومثل هذا القديم المزدوج لا يخرج منه أبدا جديد»[135]. فلا تعد كل أداة منقولة من الغرب مذمومة، ولا يعد الجمود على الآلية المأصولة في التراث مقبولة كل القبول ما لم تظهر إجرائيتها.

وبالجملة، فإن موقف طه عبد الرحمن ما كان هو موقف «الانتصار للتراث انتصار من ينكر ضرورة العلم الحديث، ولا هو، على العكس من ذلك، الانتصار للعلم الحديث انتصار من ينكر فائدة الموروث، وإنما هو الأخذ منهما بالقدر الذي يجعل الواحد منهما فاعلا في الآخر، بحيث ينفعه وينتفع به؛ ولا طريق إلى الاجتهاد، ولا تحصيل لهذه القدرة بغير التمكن في العلم الحديث إلى غاية مضاهاة صانعيه من أهل الغرب»[136]. وذلك الأمر المنشود هو ما عبر عنه في عبارة باسم ظاهره مناقضة وباطنه موافقة : "التراث الجديد"[137]. والحال أن لا تراث جديد إلا بالاجتهاد. إذ «ليست قيم تاريخ الأمة التي يتم بها التأصيل مودعة في أوعية محددة يستردها صاحبه منها كما تسترد الودائع من مكامنها، وإنما يستنبطها من هذا التاريخ بمجهود فكري، كثير أو قليل، كما تستنبط الحقائق من ظواهرها»[138].

6 ـ مشروع محمد سبيلا : تقريب الحداثة

1 ـ مفهوم الحداثة

ما فتئ الأستاذ محمد سبيلا يعترف بأن مفهوم "الحداثة" مفهوم "ملتبس"، وما فتئ ينبه هو على ذلك التنبيه. وقد ألح على أمر "التباس مفهوم الحداثة" و"عسر تدقيق معناه" المرار العديدة حتى كاد أن يصير هذا التنبيه "لازمة" له كلما أفتتح الكلام في "الحداثة" معرفا أو واسما أو مستشكلا. ثم إن الرجل إذ تنبه إلى التباس المفهوم ونبه إليه، فإنه عاد إلى التمعن في أسباب هذا الالتباس. وقد وجدها على ضربين : ضرب يخصنا، وضرب يخص أهلها. ففيما يخصنا، فإن الصعوبة في توسيم الحداثة ناجمة عن أننا لا نحيا الحداثة على وجهها الكامل ولا التقليد على وجهه الأصيل، بل نحيا وضعا "بينيا" : بين حداثة خلاسية وتقليد هجين. وأما فيما يتعلق بالتباس الحداثة حتى على أهلها، فإن ذلك عائد إلى "التعددية" التي تطبعها طبعا تنشأ عنها هو أصلا وما لحقها بعدا. وهو ما يعبر عنه الأستاذ أحيانا بدلالة : "بانورامية مفهوم الحداثة". وهي "تعددية" ذات أوجه :

وأول وجوهها؛ ما جاز لنا أن نسميه "التعددية التداولية"؛ أي تعددية "أنحاء تداول" المفهوم بحسب مجالات ومساقات اللغات المتداولة، وذلك ما بين "تداول عربي" للفظ، و"تداول أنجلوسكسوني"، و"تداول قاري" ـ بما هو أفاد، في المجال التداولي العربي الكلاسيكي ـ الذي يظل مع ذلك راسخا في الذهنية العربية ـ معنى "الآنية" و"الراهنية" و"الجدة". إذ في العربية "حداثة الشيء" تعني "فتوته"و"جدته". وهذه الدلالة الأخيرة هي الأرسخ من غيرها في الذهنية العربية لدرجة التسوية القائمة عندنا بين "الحداثة" و"الجدة". أما في المجال التداولي الأنجلوسكسوني فقد علقت بالأذهان وترسخت الدلالة الاقتصادية والاجتماعية والسياسية ـ الفعل التصنيعي ـ وذلك بما صارت معه "الحداثة" تعني "التحديث"، بل تمت، في هذا المستوى من الدلالة، الاستعاضة عن صيغة الإسم "الحداثة" بصيغة الفعل "التحديث". وفي المجال التداولي الألماني والفرنسي ـ القاري ـ صارت تفيد "الحداثة" المعنى الفكري والفلسفي العميق، كما استحالت تتعلق هي بالدلالة الجمالية والفنية.

ثاني وجوه تعدد الحداثة، ما جاز لنا أن نسميه "التعددية الطبوغرافية"، بما أفاد أن الحداثة "مستويات" لا مستوى واحد، و"درجات" لا درجة واحدة، أو قل : إنها، على التدقيق، "حداثات"، أو هي "ذات أبعاد" أو هي حداثة "متعددة الأبعاد". ولذلك هو عد الأستاذ محمد سبيلا الحداثة «مفهوما بانوراميا شموليا يلقي بظلاله على الاقتصاد والفن ...»، وذلك على الرغم من أن «هناك معالم أساسية في كل ميدان» من التخبر عن أمرها يتشكل فيصل التفرقة بين "قدامة" ذاك المضمار أو "حداثته"[139]. وقد سعى محمد سبيلا إلى فهم الحداثة في "مختلف مستوياتها وأبعادها ودرجاتها"، والوقوف عند "مياسم كل مستوى" : ثمة الحداثة التقنية والاقتصادية والاجتماعية والسياسية والقانونية والفكرية والفنية ...

ثالث تعددية تمس الحداثة ما سماه "التعددية الخرائطية" أو "الكارتوغرافية". ولطالما تحدث محمد سبيلا عن "خرائطيات الحداثة" أو "كارتوغرافيا للحداثة"[140] أو "جغرافيا سياسية للحداثة"[141] أو "جغرافيات الحداثة"[142] ولا مشاحة في الألفاظ ما لم تتضمن هي مفسدة. وما عناه بهذه التسمية هو أن الحداثة الأوربية غير الحداثة الأمريكية، وهذه غير اليابانية، هذا فضلا عن أن تكون هي والحداثة الصينية سواء ...

هذا ولقد اتسم إسهام الأستاذ محمد سبيلا الفكري في مسألة الحداثة بتركيزه على مفهومين : صدمة الحداثة ومكر التاريخ.

 ب ـ صدمة الحداثة

الحق أن الحديث عن "الحداثة" في العالم العربي، عند الأستاذ محمد سبيلا، يتم بتوسل مفاهيم نفسية بالدرجة الأولى شأن "الصدمة" و"الجرح" و"الخدش" و"التمزق" و"المزقة" و"الشرخ" و"الندب" و"الانجراح" ... وذلك أكثر مما يتم الحديث عنها بتوسط مفاهيم اقتصادية أو اجتماعية أو تاريخية ... كلا، ما كان عهد العرب بالحداثة عهد "استرضاء" و"استمالة" و"استطابة" ... وإنما كان عهدهم بها عهد "صدمة" تولدت عنها "مزقة". فبالنسبة للعالم العربي اقترنت الحداثة في الأذهان بالاستعمار اقترانا وما زالت. وهذا هو منشأ سوء الفهم الدائر حولها : «الحداثة تلازم الاستعمار. وهذه إحدى مشاكلها»[143] ... إذ لاحظ محمد سبيلا أنه من البدهي أن «يزداد مفهوم الحداثة بلبلة بسبب الصراع المندلع باستمرار بين الحداثة والتقليد، حيث تتولد حداثة مشوهة وهوية هجينة في كافة المجتمعات التي داهمتها الحداثة بعنف، مما تولدت عنه شروخ في الوعي، وتشوهات في رؤية الذات والآخر، وتخرمات في الواقع نفسه»[144].

والحال أنه ما كان الشأن في وصف هذه الصدمة شأن الحديث عنها حديث "المؤرخ" أو "عالم الاجتماع"، وإنما الشأن فيها الحديث عنها حديث "المتطبب النفساني" الذي "يتطبب" للنفس العربية الكليمة : «عندما تصطدم الحداثة بمنظومة تقليدية فإنها تولد تمزقات وتخلق تشوهات ذهنية ومعرفية وسلوكية ومؤسسية كبيرة، وتخلق حالة فصام وجداني ومعرفي ووجودي معمم»[145]. أجل، الحداثة عندما تداهم بلدا ما، لا سيما إن كان هو بلد تقليد راسخ، فإنها «تتسبب في وقوع ارتطام مع النظام التقليدي». وهو ارتطام «اصطلح في الغالب على تسميته صدمة الحداثة»[146]. بل إن الوضع كان أعقد في العالم العربي، وذلك لأن الحداثة دخلته مستعمرة : ارتبطت تجربة الحداثة عند العرب بتجربة الصدمة الاستعمارية. فهما متقارنتان ومتلازمتان[147]. ومن ثمة، انطبعت تجربة الحداثة في العالم العربي بطابع مخصوص : الحداثة العربية هي حداثة "دخيلة متسللة" لا حداثة "أصيلة متولدة"، حداثة مرتبطة بالصدمة والرضة وانكسار الوعي واحتلال الأرض[148]. وبذلك اتخذت الحداثة في العالم العربي "سمات مستفزة"[149] : "برانية" هي لا "جوانية"، وذلك بحكم تعلقها بالاستعمار. و"عنيفة" هي لا "مسالمة" : "عنيفة" هي في طريقة حلولها بربوعنا، و"عنيفة" هي من حيث فعلها التفكيكي في كياننا. ومختلط هو فيها أمل "التحرر" بواقع "السيطرة" : "التحرر" من ثقل التراث والتقليد، و"الاسترقاق" للهيمنة. ثم إنها ما "استأذنت" هي ولا "استشارت"، وإنما كانت أمرا "حتميا" طال كل مستويات الوجود الاجتماعي وضيفا لم يستأذن أحدث في النفوس رجة ورضة. وأخيرا، "هجينة" هي كانت الحداثة لا "أصيلة"، وذلك بحيث امتزج فيها التقليد بالتحديث، فحدثت فيها تمازجات غريبة ... تلك هي السمات الأربع لحداثة العرب[150]. وقد أنبأت جميعها عن "عسر الدخول في مخاض الحداثة العاتي".

والحال أن هذه "الصدمة" أورثت في النفس "مزقة" بين الوعي واللا وعي : إذ ثمة تمزق عنيف وشرخ كريه في العقل العربي الإسلامي، وفي الوعي واللا وعي الإسلامي، شرخ وتمزق وتوتر بين جاذبيتين ومنظورين، وذلك تحت تأثير انصهارنا في تقليدنا وتراثنا وديننا من جهة، ونتيجة اندماجنا في الحداثة في بعض مستوياتها التقنية والفكرية من جهة أخرى ... وبهذا صار وضعنا مذبذبا لا إلى ذاك ولا إلى هذه، وضع من يقلد ويلعن، ويعتقد وينتقد، ويعترض ويقتبس ... وتلك هي "تراجيديتنا الكبرى"[151]. مأساتنا إذن هي هذا المزيج المتوتر بين الأمر التقليدي والشأن الحداثي. وهو مزيج ينطبق على أنظمتنا السياسية حيث المشروعية مشتركة بين التمثيل القبلي والشعبي، وعلاقاتنا الاجتماعية حيث التوتر قائم في تكوين الأسرة وتوزعها بين بنية تقليدية وحديثة وعشائرية ونواتية، ومجالنا الفكري والثقافي والروحي، حيث المزاوجة الغريبة بين القيم التقليدية والعصرية. والحال أننا في كل هذه المستويات نشعر بهذا "التمزق الحاد بين قصور التقليد وجاذبية الحداثة". وهو تمزق "نجده في نفسية كل فرد، وفي ذهنيته، وعقليته" وترافقه دوما "جراحات وخدوش وأزمة ذاتية فكرية"[152].

فقد تحصل، أن الحديث عن مسألة "الحداثة" في الوطن العربي رهان تحدث عنه الأستاذ محمد سبيلا بوفق لغة "التراجيديا والتمزق والتوتر والكآبة"[153]. وأي حديث عن "مجتمع ممزق بين تثاقلات التقليد وجاذبيات الحداثة"[154] غير هذا؟ وأي بيان عن مجتمع تتصارعه قوتان "جاذبية التراث وإغراء الحداثة"[155] غير هذا البيان؟

 ج ـ مكر الحداثة

ذاك كان حديثا عن مسألة "الصدمة" وحيثياتها، أما خبر "مكر الحداثة" فشأن آخر:

بنى أغلب المفكرين المغاربة، سواء أولئك المبشرون منهم بالحداثة أم المناصرون للقدامة، أنظارهم الفكرية في "الحداثة" و"التقليد" على افتراض إمكان، بل حاصل، الفصل بينهما، وحاول بعضهم إيجاد أنحاء من الوصل وعبارات مرور صمدت أم لم تصمد ... ولئن هو أكد الأستاذ محمد سبيلا أن في المجتمعات التي نشأت فيها الحداثة حدث هذا الانفصال بالفعل ـ إذ الحداثة الغربية في عمقها حداثة مناهضة للتراث ـ إلا أنه اعتبر سمة "المناهضة" هذه سمة خاصة بالحداثة الأوربية، وأن هذه الحداثة "مصبوغة بصبغة الصدام مع التراث التقليدي"[156]. غير أنه في العالم العربي حدثت تجربة من نوع آخر. إذ بدل "التصادم" الظاهري، حدث، على التحقيق، ضرب من "التلاقح". إلا أن هذا التلاقح كان أمرا عجبا. إذ ثبت لدى المحققين من دارسي سوسيولوجية الحداثة وسيكولوجيتها أنه : «كلما كان الفضاء والمجتمع تقليديا، كلما كان تلاقح الحداثة والتقليد تلاقحا لغزيا وملتبسا واختلاطا على كافة المستويات»[157]. والحال أنه لئن هو كان لهذا الأمر أن يصدق، فإنه يصدق بالدرجة الأولى على العالم العربي حيث قامت هناك "هذه العلاقة الماكرة والخادعة بين التحديث والتقليد".

وهكذا، فإن محمد سبيلا ما فتئ يؤكد، تلقاء حديثه عن "صدمة الحداثة"، عن "التلاقح" الحاصل بالفعل بين الحداثة والتقليد، لا بناء على "رغبة متبادلة" بين الطرفين في التعاون أو على ضرب من "الاعتراف المتبادل" ... كلا، ما كانت المسألة مسألة "إرادة" و"رغبة" ... إنما المسألة مسألة "ضرورة" و"واقع" ... إذ لئن هو كان هذا التصادم بين منظومتين ثقافيتين ومنظومتي قيم من شأنه أنه يحدث انجراحات وندوبا، بل شروخا في كلا البنيتين ويدفعهما إلى التفاعل إما إيجابا أو سلبا؛ أي إما بالتلاقح أو بالتمانع ـ وفي الحالة الأولى ينفتح باب "التثاقف" و"الاستعارة" و"التأويل المفتوح"، وفي الحالة الثانية ينغلق باب "الاجتهاد" و"التفاعل" وتنطلق آلية "الرفض" و"الإقصاء"[158] ـ فإننا لا نرى سبيلا إلا ذاهبا إلى أن العالم العربي حبذ الطريق الأول ونبذ الثاني، حتى أشد أجنحته تطرفا ـ النزعة الأصولية ـ ما فتئ هو يغازل الحداثة التقنية ويأخذ بها.

ولكي يتسنى للأستاذ محمد سبيلا التعبير، تعبيرا جدليا، عن هذا التفاعل الحادث بالفعل بين الحداثة والتقليد ـ والذي يكاد هو يكون تفاعلا قسريا لا خيار فيه ـ فقد أعمل لفظ "مكر التاريخ" : يريد التقليد أن "يمكر" بالحداثة، وتريد الحداثة أن "تمكر" بالتقليد، والتاريخ أمكر الماكرين. فهو يمكر بهما معا. إنما شأن التحديث ألا ينتصر دفعة واحدة، بل إنه لا يتأتى له ذلك النصر المأمول إلا عبر صراعات مريرة وطويلة. وكذلك هو أمر التقليد، إذ ما كان من شأنه أن يسلم مفاتيحه دفعة واحدة، بل لا يفعل هو ذلك إلا بعد إبداء مقاومات وتلونات. وهو الأمر الذي يرى محمد سبيلا أنه «يمكن أن ندرجه ضمن مكر التاريخ وخداع التاريخ، بمعنى أن التظاهر شيء والأعماق قد لا تعبر عن نفس الشيء»[159]. يقول سبيلا فيما يجري مجرى هذا الاعتبار : «افترض مبدئيا أنه صراع متعثر، مرة تنتصر الحداثة والتحديث، ومرة ينتصر التقليد، ومرات ينتصر مكر التاريخ بتلوناته وتشابكاته، حيث تلبس الحداثة لبوسا تقليديا ويتلبس التقليد لباسا حداثيا ويتشابك المنظر على المرء، فلا يتبين أي العنصرين يحقق الظفر. ولكن مبدئيا، للتاريخ اتجاه ومحددات وحتميات وأقدار إلى حد ما. فإذا كان التقليد راسخا وقويا وضاربا بجذوره في أعماق التاريخ والنفوس والمتخيل، فإن الحداثة أيضا لها مظاهر قوتها وآلياتها الاستدماجية والتكييفية وقدراتها الإغرائية»[160]. ثمة إذن "آلية" أوتوماتيكية داخلية يعمد إليها الطرفان بغاية إحداث ضرب من التكيف مع المقام. وما هذه الآلية، إذا ما هو حقق أمرها، سوى "مكر المكر" نفسه؛ أي "مكر التاريخ" الذي يسمح بحدوث "تمازجات خاصة" بين التقليد والحداثة.

فقد تلخص إذن، أنه يمكر التقليد، وتمكر الحداثة، والتاريخ أمكرهما ... ومكرهما من جنس واحد : "الاستدراج". كل يستدرج غيره إلى عرينه لينقض عليه، فإن هو لم يقدر غازله.

كيف "يمكر التقليد"؟ يتلبس جزئيا بعض لبوس الحداثة ليتمكن من الاستمرار.

كيف "تمكر الحداثة"؟ تتطور الحداثة في التقليد لتتمكن من أن تنفذ.

كل منهما "يستعير" الآخر ويحاول "احتواءه" و"ترويضه" و"تسخيره" بتوسل أنماط من "الاختلاط" و"التمازج" لا تكاد تنتهي تنوعا وتفننا ومكرا وحيلة[161].

وكيف "يمكر التاريخ"؟ يلبس على التقليد فيحدثه، ويلبس على الحداثة فيلينها.

على سبيل الختم

ها نحن نخلص بعد هذا الاستعراض لأهم مساهمات مفكري المغرب في مناقشة "قضية الحداثة" إلى الخلاصات الثلاث التالية :

أولا؛ إن الحداثة هي الأمر الذي حام عليه هؤلاء المفكرون وداروا حوله وتكلموا فيه. ومنهم من تطرف ومنهم من توسط. وأيا كان الأمر، فإن كل هؤلاء المفكرين المغاربة الذين عرضنا إليهم أدركوا أهمية الدعوة إلى "الحداثة"، هذا وإن هم أبدوا تبرمهم من قصور الجهد المبذول في مجال تحديث المجتمع والفكر المغربيين. مما كان من شأنه أن هو جعل من التفكير المغربي في مسألة "الحداثة" تفكيرا مثنويا : تفكير في حيثيات الأخذ بأسباب الحداثة، وتفكير في أسباب إخفاقها، لا سيما إن نحن علمنا أن النزعة إلى التحديث نجحت في العديد من الأقطار وأنها راكمت الإخفاقات في الأقطار العربية، وذلك بما هو ولد تلازما بين النظر في أمر الحداثة وشأن إخفاق التحديث.

ثانيا؛ إن كل مفكري المغرب هؤلاء، على تباين مشاربهم، دعوا إلى إعمال مبدأ "النقد المزدوج" في شأن "الذات" وأمر "الغير"، بما صار معه هذا "النقد" ـ نقد "الذات" ونقد "الغير" ـ موضعا مشتركا لذاك الفكر. أجل، قد يضعف "نقد الذات" حتى يكاد ينمحي (طه عبد الرحمن) أو يشتد حتى يخشى أن يتضخم (عبد الله العروي)، وقد يهن "نقد الغير" حتى يكاد يغيب (عبد الله العروي) أو يشتد حتى يكاد يظلم ويعتم (طه عبد الرحمن)، وقد يعتدل على "الذات" وعلى "الغير" فلا يؤلم (محمد عابد الجابري، علي أومليل، محمد سبيلا)، وقد يرمي بالذات والغير إلى مهواة العدم السحيقة (عبد الكبير الخطيبي)؛ إلا أن لا أحد من هؤلاء المفكرين جادل في "شرعيته" و"جدواه". بل تكاد هذه الخصيصة تصير للفكر الفلسفي المغربي سيماه التي بها يستعرف. مما هو وشى بالتلازم الذي شهد عليه العالم العربي بين وجهي الحداثة : الوجه الرحماني (التحديث) والوجه الشيطاني (الاستعمار). هذا مع سابق العلم، أن المغاربة عرفوا التحديث مقرونا بالاستعمار، وهم يرومون اليوم تحديثا بلا استعمار. عز المطلوب.

ثالثا؛ إن كل هؤلاء المفكرين نظروا، من حيث يشعرون أو لا يشعرون، في سؤال "الحداثة" الأساسي : «ماذا يعني أن يكون المرء ـ المغربي ههنا ـ "حداثيا"؟» وقد أجابوا إجابات مختلفة. إذ كاد أن يجمع الأساتذة العروي والجابري وأومليل وسبيلا على أن : «معنى أن يكون الإنسان العربي "حداثيا" هو أن يكون "عقلانيا"»، مع تباين في تحديد المقصود بوسم "العقلانية" ودور "التراث" في إمكانية إحداث هذه "العقلانية" إيجابا أو سلبا. وانفرد الخطيبي بجواب مخصوص : «أن تكون "حداثيا" هو أن "تبدع المستقبل"». وتميز طه عبد الرحمن باستشكال أمر "الحداثي" نفسه : «أن تكون "حداثيا" هو أن تكف عن "تقليد" الحداثي»!

 



[1]-  نومئ هنا إلى كتاب المرحوم محمد عزيز الحبابي عميد الفلسفة بالمغرب : من الكائن إلى الشخص. الصادر سنة 1954.

M.A LAHBABI, De l'être à la personne, PUF, 1954.

[2] Abdallah LAROUI : Islam et modernité. Coll. Armillaire. Edit : La découverte, 1987, p.75.

[3] عبد الله العروي :  العرب والفكر التاريخي. دار الحقيقة. بيروت 1973. ص 33.

[4] عبد الله العروي :  المركز الثقافي العربي. الدار البيضاء ـ بيروت. الطبعة الأولى 1996. ص 360.

[5] المصدر نفسه. ص 359.

[6] المصدر نفسه. ص 358.

[7] المصدر نفسه. ص .164.

[8] المصدر نفسه. ص 164.

[9] Abdallah LAROUI, Islam et modernité, op.cit.; p.77.

[10] عبد الله العروي : مفهوم الحرية. دار التنوير، الدار البيضاء ـ بيروت. الطبعة الثالثة 1984. ص 40.

[11] المصدر نفسه. ص 41.

[12] عبد الله العروي : مفهوم الدولة. المركز الثقافي العربي. الدار البيضاء ـ بيروت .الطبعة الأولى 1981. ص 116.

[13] المصدر نفسه. ص 116.

[14] المصدر نفسه. ص 116.

[15] المصدر نفسه . ص 113.

[16] المصدر نفسه. ص 150-149.

[17] عبد الله العروي : مفهوم الحرية. ص 12.

[18] المصدر نفسه. ص 12.

[19] المصدر نفسه. ص 17.

[20] عبد الله العروي : مفهوم العقل. ص 15.

[21] عبد الله العروي : خواطر الصباح. يوميات (1974-1981). المركز الثقافي العربي. الدار البيضاء. الطبعة الأولى 2003. ص. 60.

[22] عبد الله العروي : عن التقليد والتخلف التاريخي (حوار بين عبد الله العروي وعبد العزيز بلال ومحمد جسوس) أجرته مجلة لا ماليف في شهر يوليوز من سنة 1974(العدد 64) ونقله إلى العربية محمد بولعيش ومصطفى المسناوي في بيت الحكمة العدد الأول السنة الأولى أبريل 1986. الطبعة الثانية. ص. 167.

[23] المصدر نفسه. ص. 142.

[24] المصدر نفسه. ص. 163.

[25] المصدر نفسه. ص. 163.

[26] المصدر نفسه. ص. 163.

[27] محمد داهي : عبد الله العروي : من التاريخ إلى الحب. حوارات . منشورات الفنك 1996. الدار البيضاء. ص 56.

[28] عبد الله العروي : مفهوم العقل. ص 10.

[29] المصدر نفسه. ص 12.

[30] المصدر نفسه. ص 14.

[31] المصدر نفسه. ص 358.

[32] المصدر نفسه. ص 34.

[33] Abdallah LAROUI, Islamisme, modernisme, libéralisme, centre culturel arabe. Casablanca : 1997, p.8.

[34] عبد الله العروي : مفهوم العقل. ص 12.

[35] المصدر نفسه. ص 358.

[36] Abdelkébir KHATIBI, Chemins de traverse, Essais de sociologie. Institut universitaire de la recherche scientifique. Université Med V. Souissi. Rabat 2002, p.92-93.

[37] Ibid, p.405.

[38] Ibid, p.93.

[39] Ibid, p.81.

[40] Ibid, p.101.

[41] Ibid, p.98.

[42] Ibid, p.112.

[43] Ibid, p.448.

[44] Ibid, p.448.

[45] Ibid, "Sciences Humaines et multipolarité des civilisations :Programmatique", (1995), p.125.

[46] Ibid, "L'universalisme et l'invention du futur" (2001), p.287.

[47] Ibid, p.290.

[48] Ibid, p.296.

[49] Ibid, p.290.

[50] Ibid, p.306.

[51] Ibid, p.450.

[52] Ibid, p.450.

[53] Ibid, p.450.

[54] محمد عابد الجابري : التراث والحداثة. المركز الثقافي العربي. بيروت ـ البيضاء. الطبعة الأولى 1991. ص 18.

[55] المصدر نفسه. ص 11.

[56] المصدر نفسه. ص 16.

[57] المصدر نفسه. ص 16.

[58] المصدر نفسه. ص 18.

[59] محمد عابد الجابري : العقل السياسي العربي. المركز الثقافي العربي. 1990. ص. 326.

[60] محمد عابد الجابري :  التراث والحداثة. ص 17.

[61] المصدر نفسه. ص 10.

[62] المصدر نفسه. ص 11.

[63] المصدر نفسه. ص 23.

[64] المصدر نفسه. ص 33.

[65] محمد عابد الجابري: العقل الأخلاقي العربي. المركز الثقافي العربي. 2001. ص. 28.

[66] محمد عابد الجابري :  التراث والحداثة. ص 33.

[67] المصدر نفسه. ص 257.

[68] المصدر نفسه. ص 37.

[69] المصدر نفسه. ص 103.

[70] المصدر نفسه. ص 104.

[71] المصدر نفسه. ص 104.

[72] المصدر نفسه. ص 47.

[73] المصدر نفسه. ص 39-38.

[74] المصدر نفسه. ص 257.

[75] المصدر نفسه. ص 47.

[76] «نقد العقل العربي في مشروع الجابري» ندوة مجلة الوحدة عدد 26-27 (نونبر 1986). أعاد الأستاذ الجابري نشرها في سلسلة مواقف. العدد 19. ص. 68-69.

[77] علي أومليل : السلطة الثقافية والسلطة السياسية. مركز دراسات الوحدة العربية. الطبعة الأولى 1996 بيروت . ص. 233.

[78] المصدر نفسه. ص. 233.

[79] المصدر نفسه. ص. 233.

[80] علي أومليل : الإصلاحية العربية والدولة الوطنية. المركز الثقافي العربي.المغرب.  الطبعة الأولى 1985. ص. 63  

[81] أعمال ندوة ابن رشد. كلية الآداب والعلوم الإنسانية. دار النشر المغربية. 1979. ص. 253.

[82] علي أومليل : : في شرعية الاختلاف. منشورات المجلس القومي للثقافة العربية. سلسلة ثقافتنا القومية. العدد 5. الطبعة الأولى 1991. ص. 17.

[83] علي أومليل : في شرعية الاختلاف. ص. 199-200.

[84] علي أومليل : المجتمع العربي بين "الذهن الهاجر" و"تحدي الحداثة" . حوار. مجلة الوحدة. السنة 3. العدد 31/32. 1987. ص. 190.

[85] علي أومليل : الإصلاحية العربية والدولة الوطنية. ص. 200.

[86] علي أومليل : مواقف الفكر العربي من التغيرات الدولية : الديمقراطية والعولمة. ص 33.

[87] علي أومليل : الإصلاحية العربية والدولة الوطنية. ص. 195.

[88] علي أومليل : الليبرالية الحقوقية والسياسية مطلوبة في عملية التحديث. حوار. مجلة المستقبل العربي. العدد 303. مايو 2004. ص. 73.

[89] علي أومليل : السلطة الثقافية والسلطة السياسية. ص. 255-265.

[90] علي أومليل : في شرعية الاختلاف. ص. 95.

[91] علي أومليل : المجتمع العربي بين "الذهن الهاجر" و"تحدي الحداثة" . حوار . مجلة الوحدة. السنة 3. العدد 31/32. 1987. ص. 191.

[92] علي أومليل : في شرعية الاختلاف. ص. 95.

[93] علي أومليل : الليبرالية الحقوقية والسياسية مطلوبة في عملية التحديث. حوار. مجلة المستقبل العربي. العدد 303. مايو 2004. ص. 68.

[94] علي أومليل : في شرعية الاختلاف. ص. 91.

[95] علي أومليل : السلطة الثقافية والسلطة السياسية. ص. 10.

[96] علي أومليل : السلطة الثقافية والسلطة السياسية. ص. 225.

[97] علي أومليل : في شرعية الاختلاف. ص. 7.

[98] المصدر نفسه. ص. 13.

[99] المصدر نفسه. ص. 95.

[100] علي أومليل : السلطة الثقافية والسلطة السياسية. ص. 25.

[101] علي أومليل : المجتمع العربي بين "الذهن الهاجر" و"تحدي الحداثة" . حوار . مجلة الوحدة. ص. 186.

[102] المصدر نفسه. ص. 190.

[103] علي أومليل : الليبرالية الحقوقية والسياسية المطلوبة في عملية التحديث. حوار. مجلة المستقبل العربي. ص. 69.

[104] المصدر نفسه. ص. 72.

[105] علي أومليل : السلطة الثقافية والسلطة السياسية. ص. 139.

[106] علي أومليل : الليبرالية الحقوقية والسياسية المطلوبة. نفس المرجع ص. 79.

[107] أعمال ندوة ابن رشد. ص. 253.

[108] علي أومليل : السلطة الثقافية والسلطة السياسية. ص. 139.

[109] علي أومليل : الليبرالية الحقوقية والسياسية مطلوبة في عملية التحديث. ن، م. ص. 70.

[110] علي أومليل : المجتمع العربي بين "الذهن الهاجر" و"تحدي الحداثة" . حوار . مجلة الوحدة. ص. 185.

[111] علي أومليل : الليبرالية الحقوقية والسياسية مطلوبة في عملية التحديث.ن. م  ص. 73.

[112] علي أومليل : الإصلاحية العربية والدولة الوطنية. ص. 119.

[113] محاضرة الأستاذ طه عبد الرحمن : "روح الحداثة والإبداع" . عرض وتعليق : فوزي منصور. جريدة : "السياسة الجديدة". العدد 442. الجمعة 11 يوليوز 2003. ص. 4.

[114] محاضرة طه عبد الرحمن : "روح الحداثة والإبداع" . جريدة  "السياسة الجديدة" . ص. 4.

[115] طه عبد الرحمن : حوارات حول المستقبل. منشورات الزمن. سلسلة كتاب الجيب. العدد 13. 2000. ص.59.

[116] طه عبد الرحمن : سؤال الأخلاق. مساهمة في النقد الأخلاقي للحداثة الغربية. المركز الثقافي العربي. البيضاء ـ بيروت . الطبعة الأولى 2000. ص 64.

[117] المصدر نفسه. ص 66.

[118]  المصدر نفسه. ص 78- 79.

[119] طه عبد الرحمن : حوارات حول المستقبل. ص 139.

[120] طه عبد الرحمن : سؤال الأخلاق. ص 189.

[121] طه عبد الرحمن : حوارات. ص.60.

[122] طه عبد الرحمن : تعددية القيم : ما مداها؟ وما حدودها؟ منشورات كلية الآداب والعلوم الإنسانية بمراكش. سلسلة الدروس الافتتاحية. الدرس الثالث. أكتوبر 2001. ص 50.

[123] طه عبد الرحمن : سؤال الأخلاق. ص 195-196.

[124] المصدر نفسه. ص 196.

[125] طه عبد الرحمن : سؤال الأخلاق. ص 146.

[126] المصدر نفسه. ص146 و163.

[127] المصدر نفسه. ص 146.

[128] طه عبد الرحمن : حوارات من أجل المستقبل. ص 132.

[129] محاضرة الأستاذ طه عبد الرحمن : "روح الحداثة والإبداع" . جريدة "السياسة الجديدة" . ص. 4.

[130] طه عبد الرحمن : حوارات حول المستقبل. ص. 13.

[131] طه عبد الرحمن : فقه الفلسفة 2-القول الفلسفي (كتاب المفهوم والتأثيل). المركز الثقافي العربي . البيضاء ـ بيروت. الطبعة الأولى 1999. ص. 27.

[132] طه عبد الرحمن : القول الفلسفي. ص. 28.

[133] طه عبد الرحمن : القول الفلسفي. ص. 33.

[134] طه عبد الرحمن : حوارات حول المستقبل. ص . 16.

[135] طه عبد الرحمن : حوارات حول المستقبل. ص . 17.

[136] المصدر نفسه. ص. 29.

[137] المصدر نفسه. ص. 29.

[138] طه عبد الرحمن : القول الفلسفي. ص. 54.

[139] محمد سبيلا : أمشاج (حوارات في الثقافة والسياسة). المطبعة السرية. القنيطرة ـ المغرب. الطبعة الأولى 1999. ص.35.

[140] محمد سبيلا : دفاعا عن العقل والحداثة (حوارات). منشورات الزمن . سلسلة كتاب الجيب العدد 39. 2003. ص. 60.

[141] محمد سبيلا : دفاعا عن العقل والحداثة. ص. 60.

[142] محمد سبيلا : الحداثة وما بعد الحداثة. دار توبقال للنشر. الرباط. الطبعة الأولى 2000. ص. 44.

[143] محمد سبيلا : أمشاج. ص. 38.

[144] محمد سبيلا : أمشاج. ص.22.

[145] محمد سبيلا : الحداثة وما بعد الحداثة. ص. 21.

[146] المصدر نفسه. ص. 91.

[147] محمد سبيلا : دفاعا عن العقل والحداثة. ص. 61.

[148] المصدر نفسه. ص. 61.

[149] محمد سبيلا : الحداثة وما بعد الحداثة. ص.92.

[150] محمد سبيلا : الحداثة وما بعد الحداثة. ص. 92.

[151] محمد سبيلا : دفاعا عن العقل والحداثة. ص. 73-74.

[152] محمد سبيلا : أمشاج. ص. 141.

[153] محمد سبيلا : دفاعا عن العقل والحداثة. ص. 75.

[154] المصدر نفسه. ص. 102.

[155] محمد سبيلا : مدارات الحداثة. منشورات عكاظ. الرباط ـ المغرب. 1988. ص. 174.

[156] محمد سبيلا : أمشاج. ص. 60.

[157] المصدر نفسه. ص. 36.

[158] محمد سبيلا : الحداثة وما بعد الحداثة.. ص. 80 .

[159] محمد سبيلا : أمشاج. ص. 267.

[160] محمد سبيلا : دفاعا عن العقل والحداثة. ص. 103.

[161] محمد سبيلا : الحداثة وما بعد الحداثة. ص. 92.