الشعر الحداثي بين الإنتاج الفني والتلقي
الجمالي
قراءة لقصيدة "ليت للبراق عينا!" لعلال الحجام*
"للعمل
الأدبي قطبان، قد نسميهما القطب الفني والقطب الجمالي، الأول هو نص المؤلف،
والثاني هو التحقق الذي ينجزه القارئ"
فولفكانك إيزر W. Iser
محمد
مساعدي
1- ليلى والحجام
قالت ليلى (الرمل)**
|
ليت للبراق عينـا فتـرى |
|
ما ألاقـي من بـلاء وعـنا |
|
ياكليـبا وعقيلا إخـوتي |
|
ياجنيدا أسـعدوني بالبكـا |
|
عذبـت أختكم يا ويلكم |
|
بعذاب النكر صبـحا ومسا |
|
غللوني، قيدوني، ضـربوا |
|
ملمس العفـة مـني بالعصا |
|
يكذب الأعجم ما يقربني |
|
ومعي بعض حشاشات الحيا |
|
فاصطبار أو عزاء حسـن |
|
كل نـصر بعد ضر يرتـجى |
|
أصبحت ليلى تـغل كفها |
|
مثل تغـليل الملوك العظمـا |
|
وتقـيد وتكبل جـهـرة |
|
وتطـالب بقبيحات الخـنا |
|
قل لعدنان هديتـم شمروا |
|
لبني مبغوض تشمير الـوفا |
|
يابني ثغلب سيروا وانصروا |
|
وذروا الغفلة عنكم والكرى |
|
واحذروا العار على أعقابكم |
|
وعليكم ما بقيتم في الـدنا . |
قصيدة
ليلى بنت لكيز شفافة تسفر عن مضمونها بسهولة، أما صاحبتها فإنها متمنعة وتمنعها هو
الذي جلب لها شتى أشكال المعاناة، فهي إذن تصور تجربتها المأساوية الناتجة عن تمنعها
في قصيدة تستسلم للقارئ بسهولة وكأنها مولود لم يرث عن أمه صفة التمنع التي تعتز
بها. ومع ذلك فإن هذه القصيدة تحمل في أحشائها إحدى السمات المميزة للشعر في العصر
الجاهلي أي التصوير الحسي الذي يراهن على الإصابة في وصف أبعاد الصور وهيئاتها
بشكل يستطيع معه المتلقي تمثلها بسهولة
وكأنه يراها. ولو تنكرت لهذه السمة وتمنعت
مثل صاحبتها لانعكس ذلك على علاقتها بالجمهور الأول وخصوصا القراء
المستهدفون الذين تراهن عليهم الشاعرة لإنقاذها من الأسر وفي مقدمتهم خطيبها
"البراق": فقد تتجاوز القصيدة أفق توقع هذا الجمهور الذي اعتاد على
التصوير الحسي والشفافية وتنتظر حتى يظهر جمهور جديد قادر على التفاعل معها في زمن
قد يطول وقد يقصر، لكن هذا يتنافى واستراتيجية ليلى التي تعاني من الأسر وتسعى إلى
إثارة حماسة محبوبها وقبيلتها للدفاع عن شرفها وشرفهم جميعا. إن الأسر الذي فرق
بين الشاعرة و حبيبها وجعله عاجزا عن رؤية حجم مأساتها ومقدار وفائها لحبه، تتخطاه
القصيدة وتطوي تلك المسافات الشاسعة لتفتح عينه على معاناتها وتؤجج فيه الرغبة في
الانتقام. وهذا معناه أن القصيدة مجرد قناة مزخرفة بالوزن والقافية تنقل رسالة
مأساوية، أي أنها ليست مهمة في ذاتها بقدر ما هي مهمة بمحتوياتها وما ينتج عن تلك
المحتويات من ردود فعل من جراء الانفعال السريع بها وليس التفاعل المتأني معها.
إن
تمنع ليلى بنت لكيز " وتفضيلها الموت على أن يغشاها عجمي" [2] واعتزازها المفرط بجسدها التي حرصت على
عدم الكشف عن أي جزء منه للمغتصب رغم ما تعرضت له من ترغيب وترهيب[3]، هذا التمنع يماثله عند الحجام تمنع
قصيدته على القراءات الاستهلاكية المتسرعة، وهذا معناه أن التباين الواضح بين
قصيدة الحجام وقصيدة ليلى يقابله تماثل واضح بين قصيدته وليلى نفسها في صفة
التمنع. فكيف تشتغل معطيات مستوحاة من نص غير متمنع داخل نص متمنع؟ هل ستحتفظ بامتداداتها المرجعية أم أنها تتخلص
منها لتحتمل مدلولات أخرى؟
2- الرؤية و الرؤيا
قال الحجام في مطلع قصيدته:
(ليت للبراق عينا)
فترى بعض جروح الياسمين
وترى ما قد رأت في عتمة الطعنة عيني
وترى عاصفة تكبو من المهد إلى اللحد
على حد رماح أولمت حبي لصحبي،
شقت الصدر سكاكين لعل السر من قلبي يطل
ويبوح الدم بالدمعة ثكلى
كاتما أنفاس قنديل نحيف النور يغفو،
ويئن…
(ليت للبراق عينا) فترى جرحي …
إن
انتقاء الحجام لعبارة "ليت للبراق عينا" من قصيدة ليلى لم يتم ضمن تصور
مسبق لفعل
الانتقاء وإنما قام على مبدإ خرق الحدود الموجودة لإنتاج شكل جديد يكسب فعل
الانتقاء بعدا إبداعيا تحريريا، هذا الشكل، استنادا إلى فولفغانغ إيزر W.
Iser ، " يميز الحقول المرجعية عن بعضها البعض
ويحولها إلى أنساق مختلفة بشكل واضح، وهذه الأنساق تزال علاقاتها الموجودة، وتمتد
عناصرها المختارة إلى نماذج جديدة لأن الحدود بينها تتجاوز، وبالتالي تقاس هذه
العناصر بطريقة مختلفة عما كانت عليه في مواقعها داخل أنساقها المناسبة"[4].
ومن
هذا المنطلق فإن "البراق" في قصيدة ليلى اسم علم إنه ابن عمها وحبيبها الذي تتوسم فيه القدرة
على تخليصها من الأسر لأنه رمز الشجاعة والرجولة والتضحية والحب والقرابة، لذلك
استهدفته بالدرجة الأولى بقصيدتها حين افتتحتها بقولها:
ليت
للبراق عينا فترى ما ألاقي من
بلاء وعنا
هذه
القصيدة تعد بمثابة ثقب تطلع من خلاله عين البراق على مأساة حبيبته ومعاناتها
وتمنعها على الأعجمي إخلاصا لحبيبها وصونا لشرف قبيلتها مما يؤجج حبه لها وتوقه
للقاء بها مجددا.
وإذا كان الأمر كذلك بالنسبة لليلى، فإن علال
الحجام أفرغ "البراق" من هذا المدلول وجعله دالا يساهم القارئ في إنتاج
مدلولاته المحتملة.كما أنه فتح دال "العين" على احتمالات شتى:
وفي
ظل السياق العام لقصيدة الحجام فإن عبارة (ليت للبراق عينا) تحيل على علاقة
المتلقي بالنص الشعري الحداثي من خلال أفقين للقراءة:
الأفق الأول تختزله كلمة "البراق" التي
تحيل هنا على القراءة المتسرعة التي تقف عند ظاهر النص ولا تنفد إلى أعماقه
استنادا إلى بعض ما أورده ابن منظور في " لسان العرب" [5]:
"برق بصره: لألأ به.. برق فلان بعينيه تبريقا: لألأ بهما من شدة
النظر. وبرق عينيه تبريقا إذا أوسعهما وأحد النظر"
"شيء براق.. ذو بريق، تبرق أسارير وجهه أي تلمع وتستنير كالبرق،
برق السيف… لمع وتلألأ"
يتضح
من هذه الدلالات أن كلمة "براق" وإن كانت تحيل على الإفراط في الرؤية،
فإن هذه الرؤية تظل حسية مباشرة تقف عند سطح الأشياء ولا تغوص في أعماقها: فالبريق
واللمعان والتلألؤ أشياء مرتبطة بالمظهر وليس بالجوهر وتحيل على التسرع والانخطاف،
ورؤية من هذا القبيل من شأنها أن تكون مضللة لأنها لا تستند على أسس تسوغها ويؤكد
ذلك ارتباط فعل برق في لسان العرب أيضا بالتلويح بشيء ليس له مصداق.
إضافة
إلى ما تقدم، ارتبطت كلمة "براق" في لسان العرب بالدهشة التي تحول دون
الرؤية: "برق بصره برقا… دهش فلم يبصر،
وقيل تحير فلم يطرف". واستنادا إلى هذا التأويل، فإن كلمة "براق"
قد تحيل أيضا على القراءة الأولية
التي تقف عند الدهشة التي يحدثها النص ولا تتعداها إلى مرحلة التأويل، في هذه المرحلة
الأولى يضل القارئ عنصرا منفعلا مأخوذا بسحر النص[6].
وإذا
كان الشاعر يتحفظ من الأفق الأول الذي تختزله كلمة "براق" ويسخر منه من
خلال صيغة العنوان: "ليت للبراق عينا!"
التي وردت مشفوعة بعلامة تعجب وتكررت في القصيدة ثلاث مرات، فإنه في
المقابل يحتفي بأفق آخر تختزله كلمة "عينا"، وافتقاد البراق للعين معناه
افتقاره لتلك الرؤية الثاقبة المتأنية أو بالأحرى "الرؤيا" التي تخترق
سطح النص وتغوص في أعماقه للكشف عن بعض أسراره الخفية. هذه الرؤية هي التي تكسب
النص حيويته وتجدده المستمر لأنها تفتحه على نطاق الممكن من خلال قناعة مؤداها أن
كل قراءة هي مجرد تفاعل ظرفي مع النص لا تنفي إمكانية تفاعله مع قراء محتملين، وهو
ما قد يسوغ ورود كلمة "عينا" نكرة خلافا لكلمة "البراق" التي
وردت معرفة والتي قد تحيل إلى القراءة الوثوقية التي تؤمن بوجود معنى وحيد للنص.
وإذا
كان القارئ في الأفق الأول مجرد عنصر سلبي منفعل، فإنه في الأفق الثاني عنصر
إيجابي يدخل مع النص في حوار مفتوح قد يؤدي إلى خلخلة قناعاته وتغيير أفق توقعه[7]
وعلى
العموم، فإن عبارة "ليت للبراق عينا" تفتح أفق القارئ على توقع قد تصبح
بموجبه القصيدة إجابة شعرية عن ذلك السؤال الملح عن سر تراجع جمهور الشعر الحداثي،
وكأن الشاعر يريد أن يقول بأن الشعر لازال يؤدي رسالته ولكن بطريقة مختلفة وأسلوب
جديد يحتم على الجمهور تغيير أفق توقعه والتسلح برؤية ثاقبة لإدراك أسراره.
3- ثقافة الأذن وثقافة العين[8]
إضافة
إلى ما تقدم، فإن قصيدة ليلى بنت لكيز أنتجت في ظل ثقافة تعتمد على السماع
والشفوية، وترتبط أشد الارتباط بالمنبر والخطابة، هذه الثقافة المتجذرة في الذهنية
العربية منذ القديم ترفع من شأن المتكلم الذي يمتلك من خلالها مقاما يمكنه من
التأثير في المستمع الذي يظل مجرد عنصر منفعل مأخوذ بسحر الكلام، وهو ما يسوغ
الطابع الخطابي المهيمن على قصيدة ليلى التي نجحت فعلا في إثارة حماسة محبوبها
"البراق" الذي " احتال حتى خلصها"[9].
أما
قصيدة الحجام، فقد انتجت في ظل ثقافة تحتفي بالعين وبالثقافة البصرية، ويدل على
ذلك الحضور المكثف للعين وما يدور في فلكها في القصيدة من خلال تكرار فعل "
ترى" خمس مرات و "العين" ثلاث مرات في المقطع الأول فقط. هذا
الحضور المكثف هو بشكل من الأشكال إقصاء ضمني لثقافة الأذن لصالح ثقافة العين وهو
ما يؤكد رهان الشاعر على جمهور جديد قادر على التفاعل مع نصوص شعرية حداثية تستفز
العين من خلال فراغات النص وطريقة تأثيث الصفحة، وتحفز القارئ على تفكيك لغة الرمز
والإيحاء بطريقة تمكنه من تمثل أبعاد تلك الصور الخيالية التي تشكل لحمة القصيدة
في اتجاه التأليف بينها لتشكيل تأويل متسق[10] تصبح بموجبه القصيدة لوحة تشكيلية
متناغمة يتخذ العالم في ضوئها أبعادا جديدة.
4- الرؤية المأساوية
بناء
على هذا التمييز بين ثقافة الأذن وثقافة العين يمكن الوقوف عند الاختلاف الواضح في
الرؤية المأساوية بين قصيدة ليلى وقصيدة الحجام: فهذه الرؤية في قصيدة ليلى رؤية
حسية مباشرة تقف عند ظاهر الأشياء ويدل على ذلك مؤشرات من قبيل: عذبت - غللوني -
قيدوني - ضربوا… - تكبل - تطالب
بقبيحات الخنا -… هذه المؤشرات
تؤكد حرص ليلى على وصف معاناتها وصفا ظاهريا فقط، وهو ما نلمسه بشكل مباشر في
قولها :
غللوني،
قيدوني، ضربوا ملمس العفة
مني بالعصا
فأيادي
المغتصبين لا تلمس المنطقة الحساسة من جسدها بشكل مباشر ولكنها تضربها بالعصا،
والضرب بالعصا رغم عنفه أهون من اللمس باليد رغم لطفه لأن العصا هنا تقوم بدور
الحاجز الخالي من الإحساس بين جسدها وأيادي المغتصبين، وهذا يعكس قمة تمنعها لأنها
تحرص على منع الأعاجم من التلذذ بلمس جسدها بأيديهم وتفضل العذاب والموت على تدنيسهم
لشرفها:
يكذب
الأعجم ما يقربني ومعي بعض
حشاشات الحيا
أما
الرؤية التي ألح عليها الحجام فهي الرؤيا الحلمية التي تخترق سطح النص لتصل إلى
أعماقه: فإذا كان "الياسمين" في قوله:
ليت
للبراق عينا
فترى
بعض جروح الياسمين
مرتبطا
بالمظهر البراق الخادع ويختزل في الآن نفسه قيمة الجمال، فإن هذا المظهر الذي تقف
عنده الرؤية الحسية يخفي " جروحا" لا تدركها إلا العين الثاقبة. وهكذا
فإن "الرماح" و "السكاكين" توحي برغبة جارفة في اقتحام أعماق
الذات الإنسانية الحساسة لاستكشاف أسرارها الخفية وهو ما تختزله مؤشرات تحيل على
الباطن من قبيل: الجروح-عتمة الطعنة-القلب -السر-الدم … هذه المؤشرات
وغيرها وإن كانت توحي برغبة مأساوية تسيطر
على القصيدة، فإن هذا لا يعني أن الحجام اقتصر على إعادة إنتاج التجربة المأساوية
لليلى بنت لكيز، ولكنه تمثل هذه التجربة وصهرها في قالب جديد فقدت معه طابعها
الحسي واكتسبت بعدا رؤيويا، أي أنه أعاد نسجها وفق علاقات جديدة تسفر عن هموم
الذات الشاعرة وغليانها الداخلي وحرارة انفعالها بمأساة الإنسانية بشكل عام. وهكذا
فإن الرؤية المأساوية في قصيدته تتجاوز مستوى المحسوس لتصل إلى مستوى الرؤيا
الناتجة عن تلك المعاناة التي تؤرق الشاعر من خلال تأمله في كينونته وفي الوجود
بشكل عام. إنها وليدة رغبة دفينة في تحقيق حلم يولد معه عالم جديد تحل فيه الحيوية
والخصوبة محل الموت والقحط. فالشاعر وإن كان يحترق ويتألم ويعاني على الدوام فما
ذلك إلا لينقد الأشياء من الرتابة والموت ويزرع فيها بذرة الحياة من جديد من خلال
إبرازها في حلة جديدة تثير انتباه القارئ. وبصنيعه هذا "يولم حبه لصحبه"
أي أنه يمتن صلته بتلك الفئة من القراء التماميين (نسبة إلى أبي تمام) الذين
يفهمون ما يقال ولا يتهمون الشاعر بالتكلف والغموض والإحالة ويطالبونه بقول ما
يفهم[11].
إن تركيز الرؤية في بداية المقطع الشعري الأول
على جروح الياسمين
(ليت
للبراق عينا)
فترى
بعض جروح الياسمين
إنما
هو تركيز على النص الشعري بوصفه جسدا يبحث عن التفرد والتميز من خلال مجموعة من
الخصائص الفنية التي تغري القارئ وتستفزه وتدعوه لمغازلته لعله يبوح له بشيء من
أسراره، لكن النص الشعري الأصيل يمتاز بتمنعه، وهذا التمنع يستدعي من القارئ تطوير
أساليب مراودته ليجد نفسه في الأخير أمام مفارقة صارخة تكمن في أن هذا الجسد
المغري الذي توحي به كلمة "الياسمين" يخفي في أعماقه رؤية مأساوية أو
بلغة الجسد "جروحا"، هذه الرؤية المأساوية لا تسفر عن نفسها دفعة واحدة
لأنها رؤيا متعددة المظاهر يدركها كل قارئ بطريقته الخاصة حسب موسوعته، وهو ما
يسوغ تركيز الشاعر على نسبيتها، فهناك:
فعل الرؤية (فترى) + التبعيض (بعض) + صيغة الجمع
مسندة إلى الياسمين (جروح الياسمين)
أما إسناد الجرح في نهاية المقطع الشعري الأول
إلى الذات الشاعرة:
(ليت للبراق عينا) فترى جرحي…
فإنما
يوحي –من بين ما يوحي إليه- إلى أن القصيدة
رموز وحركات ينطق بها الجسد، إنها نزيف من الرغبات والأحاسيس والانفعالات، أو
بالأحرى لغة دموية تختزل تجربة الألم والمعاناة وتعيد تشكيل الأشياء وفق هذه
التجربة بطريقة تكتسب معها القصيدة تفردها وارتباطها الوطيد بهوية الذات الشاعرة.
5- معانات الإنتاج والتلقي
إن
حرص "الحجام" على تجاوز الرؤية الحسية إلى مستوى "الرؤيا" هو
بمعنى آخر دعوة للقراءة لتكون محاكية،
بشكل من الأشكال، لعملية الكتابة:
بيد
أن هاجس إلغاء الحدود الفاصلة بين الذات الشاعرة والذات المدركة لا يحمل معنى
التماثل في إدراك مدلول النص بالمعنى الذي يختزله مفهوم "المقصدية"،
ولكنه يعبر –كما سلف- عن رغبة الشاعر في تجاوز القارئ لمستوى الرؤية وامتلاكه لرؤيا
تمكنه من "الاشتغال تأويليا على غرار الاشتغال التوليدي للمؤلف"[12]. ولا يمكن بأي حال من الأحوال لإدراك
الشاعر أن يتطابق مع إدراك القارئ للنص، لأن الشاعر يواجه الأشياء في العالم بشكل
مباشر ويعيد تشكيلها بطريقة تبث فيها الحيوية والنشاط من خلال نسيج لغوي متفرد
ينزع الألفة عنها ويفتحها على نطاق الممكن، أما القارئ فإنه يدرك هذه الأشياء من
خلال اللغة أي من خلال طريقة فكه لخيوط هذا النسيج وبناء تأويل متسق للقصيدة ناتج
عن إدراكه الخاص لتلك الرؤيا التي تحكمت في بنائها واستوائها. وإذا كان فضاء
الرؤية: "عتمة الطعنة" يستبعد هذا التطابق من خلال اختزاله للغموض
والألم، فإنه يوحي في الوقت نفسه بعمق التجربة الشعرية التي تقود إليها البصيرة
والخبرة بأسرار اللعبة الشعرية. وبهذا المعنى فإن التماثل بين رؤية الشاعر ورؤية
القارئ هو في الواقع تماثل في المعاناة والمكابذة، وكأن الشاعر يريد للقارئ أن
يعاني بدوره أثناء تأويله للقصيدة مثلما عانى الشاعر في ارتياد مجالات وعوالم
غريبة، وتنضيد الكلمات والجمل لتأليف صور تعبر عن رؤيته الخاصة للعالم، إنه يريد
للقارئ أن يجول في فضاء اللغة الفسيح وينقب في ذاكرة الكلمات عن معان منسية تمكنه
من ملء فجوات النص وإدراك العلاقات الخفية بين الإشارات والرموز لاستخلاص معنى من
المعاني المحتملة، حينئذ يصبح القارئ عنصرا منتجا على غرار الكاتب إذ لولاه لظلت
النصوص كامنة ولما تجددت بتجدد وعي قرائها.
6- الكتابة والذاكرة
يعمد علال الحجام إلى إلغاء المسافة بين الموت
والحياة بشكل يصبح معه الموت فضاء خصبا تنبثق منه الحياة. يقول:
عصافير تغنت بالربيع الغض
في مقبرة الأهل،
لميلاد الأغاني لحظة
تمتد في عمق التراب
ولطوفان النزيف الثر عمر
يغرق الأبنوس في جب اليباب
وأنا
أبحث في أشلائها
عن بعض أفنان حروفي
أسرج الريح وأختار رحيلا
لاحتمالات العذاب
كيف أنجو من جنون الكلمات،
وركوب البحر مسكون بميعاد الحياة
ومواعيد الحتوف…!؟
إن "مقبرة الأهل" وإن كانت فضاء يوحي بالموت،
قد تحولت في القصيدة إلى مجال يفيض بالحيوية تتغنى فيه العصافير بالربيع الغض، وهو
ما يحيل إلى قدرة الشعر على بث الحياة والنشاط في فضاءات الموت والحزن. كما أن
امتداد الأغاني في عمق التراب يعطي معنى جديدا لهذا العمق الذي يبدو للوهلة الأولى
مرتبطا بالموت لأنه يستدعي في أذهاننا "المقبرة" ويخلق من ثمة مسافة بين
الميلاد والموت، هذه المسافة تتلاشى إذا استحضرنا امتدادات النص في الذاكرة
والموروث: فالنص –كما هو معلوم- لا يولد من فراغ وإنما ينبثق من نصوص وتجارب لا حصر لها
تختزنها ذاكرة المبدع بشكل واع أو غير واع (التناص)، وبموجب هذه النظرة فإن عمق
التراب من شأنه أن يحيلنا إلى الموروث الذي نما في أحضانه الشاعر وترعرع. وإذا
استحضرنا تصوير الشاعر للكتابة الشعرية بوصفها جرحا، يمكننا أن نتمثل قوله:
ولطوفان النزيف الثر عمر
يغرق الأبنوس في جب اليباب
من
خلال تشكيلنا لمعالم تلك الصورة الخيالية التي يصبح بموجبها "طوفان النزيف
الثر" تصوير لذلك العدد الهائل من النصوص والتجارب والمعاناة…إلخ
الذي يشكل ذخيرة المبدع. هذه النصوص والتجارب والمعاناة لا تحتفظ بمعالمها
مع مرور الزمن لأن بعضها يتلاشى تدريجيا لينتقل من مستوى الوعي إلى مستوى اللاوعي،
وغرقها في هذا المستوى لا يعني موتها وفقدانها إلى الأبد لأنها تختمر في هذا الجب
لتشكل مرجعية من بين مرجعيات عدة تحث الشاعر على ركوب المغامرة لارتياد آفاق جديدة
في اتجاه تشكيل ملامح مولود جديد يكف عن أن يكون استنساخا لنماذج سابقة ليصبح مولودا
أصيلا يحمل معالم مرتبطة أشد الارتباط بهوية الذات المنتجة.
إن
اعتبار النصوص والتجارب والمعاناة المترسبة في لا شعور الشاعر مرجعية من بين
المرجعيات التي يعتمد عليها في عملية الإنتاج، معناه أن النسيان ليس خاصية سلبية
تدل على فقدان الذاكرة، وإنما هو وسيلة إيجابية لإعادة تشكيل المكبوت المتراكم عبر
الزمن وإنطاق المسكوت عنه وفق علاقات جديدة تستفز المتلقي وتفتح النص على احتمالات
شتى. وبهذا المعنى فإن قول الحجام يجعلنا نستحضر قول موريس بلانشو M.
Blanchot: "إن الشاعر يتحدث وكأنه يتذكر، لكن تذكره
ناتج عن نسيانه"[13]، ويجعلنا نستحضر كذلك مواقف مماثلة في
التراث العربي الإسلامي: من ذلك رواية أبي نواس مع خلف الأحمر وحاصلها أن قول
الشعر يتطلب حفظ عدد كبير من الأشعار ونسيانها بعد ذلك[14]. وإذا كانت هذه الرواية تحصر الذخيرة
في مجال الشعر، فإن من القدامى من وسعها لتشمل الثقافة بشكل عام:
قال
الأصمعي: "لا يصير الشاعر في قريض الشعر فحلا حتى يروي أشعار العرب، ويسمع
الأخبار، ويعرف المعاني، وتدور في مسامعه الألفاظ"[15]
وقال
ابن رشيق: "فقد وجدنا الشاعر من المطبوعين المتقدمين يفضل أصحابه برواية
الشعر ومعرفة الأخبار والتلمذة لمن فوقه من الشعراء"[16].
إن
استحضارنا لهذه المعطيات لتأويل قول الحجام ناتج عن إيماننا بأن الاستعارة لا تقف
عند حدود المناسبة بين المستعار منه والمستعار له لأن "التأويل الإستعاري –كما يقول إيكو- ينبثق من التفاعل بين
المؤول والنص، لكن نتيجة هذا التأويل تفرضها طبيعة النص وطبيعة الإطار العام
للمعارف الموسوعية لثقافة ما. وفي جميع الحالات، فإن هذه النتيجة لا علاقة لها
بقصدية المتكلم. فبإمكان المؤول أن ينظر إلى أي ملفوظ نظرة استعارية، شريطة أن
تسعفه في ذلك الموسوعة"[17]
بناء
على المعطيات السابقة يمكننا تمثل صورتين متداخلتين لدرجة التوحد الأولى صريحة
والثانية ضمنية: فهناك من جهة امتداد الربيع في عمق التراب ومن جهة ثانية امتداد
الشعر في الموروث الذي تختزنه الذاكرة: فعمق التراب بما هو مصدر للربيع والحياة هو
في الآن نفسه مجال تفاعل لأشياء فقدت الحياة وتحولت إلى مادة خصبة تمنح الحياة لكائنات
جديدة. والذخيرة بما هي مجال خصب يغتني على الدوام وأفق يتسع باستمرار بما استجد
من تجارب ومعارف وخبرات، تعد في الآن نفسه مرجعية يبحث الشاعر في أشلائها
المتناثرة عن بعض أفنان حروفه لبناء كيان جديد يحمل بعض ملامح ذاته، حينئذ يكون
الشاعر قد كسب الرهان لأنه ساهم في تطوير التجربة الشعرية بإضافة لبنة جديدة إلى
صرح الكتابة الشعرية.
7- مغامرة الكتابة
عن كسب رهان
الكتابة: "ميعاد
الحياة" لا يتيسر إلا لفئة قليلة من الشعراء لها من التجربة وتحمل المكابدة
ما يمكنها من النجاح في هذه المغامرة المحفوفة
بالمخاطر:"مواعيد الحتوف":
أسرج الريح وأختار رحيلا
كيف
أنجو من جنون الكلمات،
وركوب
البحر مسكون بميعاد الحياة
ومواعيد الحتوف…!؟
"إن عنصرا واحدا قد تكون له دلالات متعددة.
تعدد الدلالة لا ينبع من الكلمة في حد ذاتها وإنما من ارتباط الكلمة بكلمات قريبة
أو بعيدة، كلمات تكون في النص المدروس أو في نصوص أخرى. إن تعدد الدلالات ينتج من
تعدد العلاقات. فالنص يصير "غنيا" عندما يفلح القارئ في تركيب علاقات
خفية بين عناصره وعناصر نصوص أخرى"[18].
من هذا المنطلق يحتمل هذا المقطع الشعري –علاوة على ما تقدم- تأويلات ثلاث على الأقل
بحسب الدلالات التي نسندها للريح:
* فإذا أسندنا للريح معنى الروح استنادا إلى قول
ابن منظور: "وسمي الروح روحا لأنه ريح يخرج من الروح"[19]، فإن قول الشاعر:
أسرج الريح…
قد
يحمل معنى أمتطي صهوة الشعور والمعاناة لأنجح في نفخ الروح في القصيدة، لأن الشعر بالدرجة
الأولى تجربة شعورية "وكل تجربة شعورية- حسب الطريسي- تستدعي تشكلا جديدا في
الصياغة والبناء."[20] فالشعور وما يختزله من معاناة ومكابدة
هو روح الشعر وبغيابه تظل القصيدة مجرد هيكل تنقصه الحيوية. ومادامت المعاناة
ملازمة للإنسان ومأساته تتزايد يوما بعد يوم، ومادام هاجس الشعر هو اقتفاء عطر
الرياحين لتغيير رائحة الكون وطعم الحياة المر، ومادام التحدي ملازما للشعراء في
التعبير بصدق عن معاناة الإنسان مهما كلف الثمن، فإن الشعر سيظل حيا على الدوام
وسيراهن على إحلال الخصوبة محل الجدب باستمرار:
دمعة أخرى تغذي حسراتي
كل يوم، طعنة في الصدر رعناء
تبز الطعنات،
وشهيد يقتفي عطر الرياحين
ويرنو لشهيد …
هو ذا يشطح في الجدب الربيع.
* وقد يحتمل الريح –بصيغة المفرد- معنى العذاب والتدمير: "ففي الحديث: كان يقول إذا
هاجت الريح: اللهم اجعلها رياحا ولا تجعلها ريحا… يريد اجعلها
لقاحا للسحاب ولا تجعلها عذابا، ويحقق ذلك مجيء الجمع في آيات الرحمة والواحد في
قصص العذاب: كالريح العقيم، وريحا صرصرا"[21]. واختيار الشاعر لاحتمالات العذاب
مصيرا لرحلته على بساط الريح يسوغ هذا التأويل، كما تسوغه أيضا هيمنة النزعة
التدميرية على القصيدة من خلال مجموعة من المؤشرات من قبيل: "وترى عاصفة تكبو
من المهد إلى اللحد"، ولطوفان النزيف الثر…"، "كل
يوم طعنة في الصدر رعناء تبز الطعنات"… إلخ. والتدمير
هنا ليس معطى سلبيا يحمل معنى الهدم فقط، ولكنه معطى إيجابي مرتبط بصميم التجربة
الشعرية لأنه يحمل في داخله أيضا نقيضه: البناء، وقد تبين لنا أن الشاعر يعمد إلى
إلغاء المسافات بين المتناقضات ويؤلف بينها في بنية تركيبية تتجاوز الظاهرة وتغوص
في أعماق الذات الإنسانية بشكل يصبح معه التدمير لونا من الولادة الجديدة للحياة،
ولادة ناتجة عن إدراك خاص للوجود يستوقف القارئ ويحتم عليه النبش في ذاكرة الكلمات
واستعمالاتها المنسية للبحث عن علاقات خفية تمكنه من الرسو على معنى من المعاني
المحتملة للنص الشعري.
* أما إذا استحضرنا مؤشرات أخرى مثل معنى
الفروسية الذي يفوح من فعل "أسرج" ومعنى الحرية والانطلاق والترحال
"وأختار رحيلا"، فإننا قد نشم من "الريح" رائحة الصحراء التي
نشأ في أحضانها الشعر العربي القديم وحولها من فضاء قاحل إلى مجال يفيض بالحيوية
على مر العصور. هذا التأويل يضعنا أمام فضاءين متباينين:
فضاء
البر: الصحراء # فضاء البحر (وركوب البحر …)
هذان الفضاءان المتعارضان يوحيان معا بالمغامرة
واحتمالات العذاب، واستحضارهما قد يجعل الريح جسرا خفيا بينهما خصوصا إذا نظرنا
إليها من زاوية أخرى أي في علاقتها بالسحاب، حينئذ يصبح معنى قول الشاعر:
أسرج الريح…
أمتطي
صهوة الغيم وأختار رحيلا إلى فضاء الجدب والقحط لأحوله إلى فضاء خصب يرويه النجيع
ويشطح فيه الربيع. ويسوغ هذا التأويل قول الشاعر:
هو ذا يشطح في الجدب الربيع
عم صباحا…
أيها العاشق تربا
يجتني غلته القحط فيصدا
ثم يرويه النجيع…
مدن آثمة تقتات أثمار الذهول
وهنا
مكرا
رمادا،
ودخانا…
من يعافيها فيشفي قلبها الغض الطفولي…
مر من أدربها يوما أحباء فؤادي
تسأل الأشجار عنهم مطرا
صاحب غابات أغانيهم وولى عن ربانا
هل يعودون من الموت سبايا
ومن البيد هشيما
هب فيه اللهب الضاري سنينا
ومن الخوف مرايا للذي ينكر سحناته
يوما
بين سحنات العباد…!؟
إن "الربيع"، "التراب"،
"الجني"، "الغلة"، "الرواء"، "النجيع"،
"الأمطار"، "الأثمار"، "الأشجار"
و"الغابات" ألفاظ مستوحاة من معجم "الزراعة" وتحمل معاني
الخصوبة والرواء والاخضرار، ورغم ورود ألفاظ أخرى توحي بالجفاف من قبيل
"الجذب" و"القحط"، فإنها مستبعدة من عالم القصيدة: وحجة ذلك
أن الربيع يقصي الجذب حين يشطح فيه، والنجيع ينفي القحط وما يترتب عنه من صدإ حين
يروي التراب. وإذا كان هذا السياق يدفعنا إلى استحضار "الفلاح" من خلال
الكناية عنه بـ"العاشق تربا" وتمثل التدهور الذي ينتاب نفسيته حين يأتي
القحط على علته ثم الانتعاش الذي يراوده حين يرويها النجيع، فإن السياق العام
للقصيدة يجعل صورة الفلاح مجرد صورة عرضية نتمثل من خلالها صورة أخرى ضمنية تنسجم
وعالم النص هي صورة المتلقي العاشق للشعر والواعي بقدراته التحريرية: ففعالية
الشعر وقدرته على تحرير جمهوره وتخليصه من روتين المألوف، لا تقل أهمية عن فعالية
الأمطار وقدرتها على إنقاذ الفلاح من التذمر وإدخال البهجة على نفسيته.
إن ملازمة المطر والخصوبة للشعر معناه أن وظيفة
الشاعر هي تطهير القلوب من الآثام وإحلال الحب والعدالة في المجتمع محل الحقد
والظلم، وهذا يجعل رحلة الشاعر محفوفة بالمخاطر لأنه مطالب على الدوام بالدفاع عن
القضايا الإنسانية الكبرى، أما إذا عدل عن ذلك واحتوته السلطة بجبروتها وأرغمته
على إنكار سحناته بين سحنات العباد، فإن شعره سيفقد لا محالة روحه وخصوبته.
8- الشعر والحلم:
أيقظوا الشمعة من غفوتها
آه عليها، الليل قد راودها منذ ليال
وارتدى برد الخطايا
شاذن العشق تجلى
صورا مكسورة السحنات في المرآة
من يجمع أشتات سناها حين هلا ؟
إن الليل بارتدائه برد الخطايا ومراودته للشمعة
يعلن انتماءه لحقل الشر أي المدن الآثمة وما يدور في فلكها من وهن ومكر ورماد
ودخان…
وهي خطايا تنتعش في غياب الشعر. أما الشمعة فإن ارتباطها بالنور وبالتضحية بالنفس
من أجل الآخرين يسوغ إيقاظ الشعراء لها.
هذه الصورة تضعنا في صلب قيمة من القيم
الإنسانية الخالدة (الجمال وما يرتبط به من تضحية) يتنازع حولها قطبان:
-قطب
الشر: ويمثله الليل الذي اختار أسلوب الاغتصاب مادام أنه ارتدى برد الخطايا.
-وقطب
الخير: ويمثله الشعر الذي اختار أسلوبا آخر يليق بمقام "شاذن العشق"،
إنه أسلوب التلميح المعتمد على الرمز والإيحاء الذي تجلى من خلاله شاذن
العشق/الشعر صورا متناثرة تغري القارئ وتحتم عليه تشغيل قدراته الخيالية لتجميع
تلك الصور بشكل متناسق يمكنه من إدراك جمالها الخفي. وهكذا فإن الشعر بارتدائه برد
الإغراء يكون بذلك قد نهج استراتيجية فعالة تمكنه من كسب الرهان والانتصار على
الليل الذي ارتدى برد الخطايا. هذا التأويل يجعلنا
نستحضر قصة ليلى بنت
لكيز بشكل ضمني: ففي قصيدتها أيضا صراع حول الجمال (الذي ترمز إليه ليلى) بين قطب
الخير الذي يمثله البراق رمز الحب، وقطب الشر الذي يمثله الأعجمي الذي اختار أسلوب
الاغتصاب، وقد انتهى هذا الصراع -حسب الروايات- بانتصار الحب على الاغتصاب حيث
تمكن البراق من تخليص حبيبته من الأسر فكسب بذلك الرهان. فهل سيظل الليل مرتديا لهذا البرد، على
غرار الأعجمي في قصيدة ليلى، أم أنه سيتجلى بمظهر آخر؟:
آه يا ليل المراثي
بيننا شيء رهيب لا يقال
بيننا ما يصل النهر بنبع في الأعالي
يصل البسمة تختال
على فجر بهيج
يصل الحلم بتاريخ المحال…
كيف تنسل لوجه ثمل الوجد
تجاعيد الخريف!؟
إن مناجاة الشاعر لليل واعترافه بوجود
شيء مسكوت عنه بينهما يخلخل بنية توقعات القارئ الذي انتهى فيما سبق إلى ارتباط
الليل بالشر والشعر بالخير، بيد أن تخصيص الليل بصفة المراثي يجعلنا نميز بين
الاستعمال المطلق "الليل" والاستعمال المقيد "ليل المراثي".
وتقييد الليل بغرض من أغراض الشعر العربي القديم "الرثاء" يخرجه من حقل
الخطايا إلى حقل الفضائل مادام الرثاء مرتبطا بتعداد المحاسن. واختيار الرثاء دون
غيره من الأغراض صفة لليل ينسجم والرؤية المأساوية المهيمنة على القصيدة.
إضافة
إلى ذلك، فإن ورود "الحلم" في هذا المقطع يقربنا من ذلك الشيء الرهيب
المسكوت عنه بين الشاعر وليل المراثي: آية ذلك أن الليل من منظور التحليل النفسي
فضاء تستغل فيه المكبوتات غياب الرقابة لتطفو على السطح وتعلن عن نفسها على شكل صور
خاطفة لا يربط بينها رابط منطقي اصطلح عليها "الحلم" أو
"الرؤيا"، و ما دام الشعر بدوره أحد متنفسات اللاشعور فإن ذلك يوطد صلته
بالحلم لدرجة أصبحت معها الأحلام أهم
روافده، وهو ما قد يسوغ ورود كلمة "نبع" نكرة في قوله:
ومادام
الليل يتوج بفجر تحل فيه ابتسامة الضوء محل كآبة الليل وغياهبه، فإن الشعر بحمله
مشعل التطهير والتحرير و دفاعه عن القضايا الإنسانية الكبرى يؤكد حرصه على شفاء المدن الآثمة من خطاياها
وإحلال فجر بهيج يسود فيه نور المحبة والعدالة محل ظلام الحقد والظلم.
إن
الشعر لا يجسد حقائق ولا يخلد مآثر، ولكنه على غرار الليل "يصل الحلم بتاريخ
المحال" أي أنه ينفتح على الممكن والمحتمل. فالشاعر بإنتاجه لنص شعري يكون
بذلك قد بدأ مسارا يتكفل القارئ بإتمامه في منعرجات وتشعبات شتى، ولن يتوقف هذا
المسار إلا إذا كف الشعر عن الإجابة عن أسئلة القراء اللاحقين. وبهذا المعنى فإن
انفتاح الشعر على الممكن يكسبه حيوية حيث يتجدد على الدوام بتجدد أفق توقع قرائه.
ومادام
الحلم والحب والبسمة والفجر البهيج خصائص ملازمة لشاذن العشق/الشعر، فإن ذلك يحول
دون تسرب تجاعيد الخريف/الشيخوخة إلى عالم الشعر الذي ارتبط في القصيدة بالربيع
والخصوبة وهو ما يسوغ السؤال الاستنكاري الذي اختتم به الشاعر هذا المقطع:
كيف تنسل لوجه ثمل الوجد
تجاعيد الخريف!؟
هذا
السؤال الاستنكاري يجعلنا نستحضر مواقف في التراث العربي تعتقد بأن مجال الشعر
يضيق كلما تقدم الزمن ويقترب من الشيخوخة : من ذلك حديث ابن طباطبا العلوي عن محنة
شعراء زمانه[22]، ومن ذلك أيضا ما روي عن أبي عمر بن
العلاء: "ختم الشعر بذي الرمة والرجز برؤبة بن العجاج"[23]…إلخ. هذه المواقف فقدت مشروعيتها عبر
الزمن لأن الشعر برهن عبر مساره عن تحديه للشيخوخة مادامت الأسئلة تتجدد على
الدوام والأجوبة تتعدد باستمرار:
أسأل الساحة عن جرح "الرصيف"
فيجيب العندليب،
عشه يقرأ آيات احتراقه
أسأل الزيتونة الصفراء
عن سر النزيف
فيشير
الغصن مذعورا لآثار انشقاقه
ولزيت يطعم النار
يشير
الورد للعطر مسجى في دماه
كيف تنسل تجاعيد الخريف!
إن أول شيء تثيره هذه الأسئلة والأجوبة هو أن
رؤية الشاعر للوجود رؤية متميزة لأنه يغوص في أعماق تلك الأشياء التي يعتبرها
الإدراك العادي هامشية، فلا شيء هامشي في عالم الشعر لأن ما نحسبه هامشا يبرهن
الشاعر على أنه يحمل بدوره معاني تنبض بالحياة ولا تقل أهمية عن تلك التي يوحي بها
ما نعده مركزيا. إن الإدراك العادي أو الرؤية الحسية لا يمكنها أن تجد مسوغا
لإسناد الجرح للرصيف ولعلاقته بالعندليب وعشه…، بيد أن الرؤيا
التحليلية يمكنها أن تقود القارئ إلى نسج علاقات خفية تمكنه من تمثل تلك الصورة
الخارقة التي تجمع في آن واحد بين النعيم والعذاب: آية ذلك أن سؤال الساحة عن جرح
الرصيف يخلق توترا في البنية الذهنية للقارئ ناتج عن إسناد الجرح للرصيف وجواب
العندليب يؤجج هذا التوتر، لكن ورود العش يفتح أفقا لنسج علاقة خفية لأنه يوحي
بالحضور الضمني للشجرة إذا نظرنا إليه بوصفه مجازا مرسلا تربطه بالشجرة علاقة
الجزئية، ويصبح هذا الحضور صريحا حين يقول:
أسأل الزيتونة الصفراء
عن سر النزيف
إن حضور الشجرة يسوغ إسناد الجرح للرصيف: فلولا
مأساة الرصيف المجروح لما نعمت الزيتونة بالحياة ولما تغنى العندليب بألوان من
الأغاني يؤججها حضور العش الذي قد يحيل إلى صغاره أو رفيق عمره خصوصا إذا نظرنا
إليه بوصفه مجازا مرسلا تربطه بهم علاقة المحلية. أما جواب الغصن عن سر النزيف
بالإشارة لآثار انشقاقه، فإنه تلميح بغزارة الإنتاج/المحصول، لكن ذعره من هذا
الوضع يخفي إحساسا بأنه يؤدي ضريبة استنزاف الزيتونة لجرح الرصيف: لأن ما يخرج من
صلبه لا يؤدي إلى انشقاقه فحسب ولكنه يحمل في داخله أسباب دماره:
إن التأمل في هذه الصورة الخيالية التي حاولنا لم
شتاتها يضعنا في صلب قضية إنسانية كبرى مؤداها أن من يستنزف الآخرين لينعم قد يحمل
في صلبه أسباب شقائه.
إن هذه الصور الخيالية التي استوقفنا
تشابكها وانتهاكها للحدود والمسافات بين المتناقضات تؤكد انتماء الكتابة الشعرية
عند علال الحجام لمستوى من الإدراك الشعري الرؤيوي. وقد حاول الشاعر تقريبنا من
مشارف هذا المقام بقوله:
كل يوم يرسم الصورة ترتيل الأماني
فأراني في التفاصيل سرابا
وأراها كومة من ورق يبتل بالنفط
تراني النار تهفو
لافتتاح الشطح في غاب القرار
وتراها حزنا يعطش حولا للزلال
محض وهم وهراء ما نراه،
نحن
روحان حللنا
نهرا في الصخر تمتد مجاريه،
وتعلو شجرا يانعة أغصانه…
نحو انخطاف النور والغيم وأقداح الظلال…!
هذا هو عالم الشاعر الخفي وهذا هو مقام إدراكه
للأشياء، إنه مقام تنتفي فيه المسافة بين الذات والموضوع، لأن الشاعر يغوص في
أعماق الذات الإنسانية ليصل إلى منطقة الحلم حيث يعيش حالة إشراقية يتحد فيها مع
العالم الخارجي ويحلق في عالم من الإشارات والصور المتنافرة في ظاهرها والمنسجمة
في عمقها.
إن الوهم هو الوجه المناقض للعقل والمنطق، المنطق
يطالب الشاعر بتصوير شيء وقع عليه حسه أو انفعل به بطريقة مطابقة لحقيقته بشكل
يستطيع معه القارئ إدراك أبعاده وهيئاته وتمثل درجة وقعه أو تأثيره في المبدع وهو
ما عبر عنه القدامى بمفاهيم من قبيل: "الإصابة"، "المقاربة"،
"المناسبة". أما الوهم فإنه يعصف بحدود العقل ويهدد المنطق ويقود الشعر
إلى متاهات الجنون والمغامرة (جنون الكلمات ومغامرة ركوب البحر…)
حيث تصبح الرؤيا وما يدور في فلكها من شطح وحلول وكشف وإشراق سيدة الموقف. ولا
يمكن للقارئ أن يدرك أسرار هذا العالم الغامض إلا إذا تخلص من الرؤية المنطقية
وتسلح برؤية كشفية تجول به في دهاليز النص وتتركه يلهث وراء معنى منفلت أو وهم
هارب لعله ينتهي إلى بناء تأويل متسق ظرفي ومنفتح في الآن نفسه على تأويلات ممكنة.
هكذا يتضح أن قصيدة "ليت للبراق عينا"
تعالج قضايا نظرية ونقدية بالغة الأهمية بلغة شعرية حداثية من قبيل: علاقة النص
الشعري الحداثي بالمتلقي، وخصوصية الكتابة الشعرية الحداثية، ووظيفة الشعر
التحريرية في المجتمع والتحديات التي تواجه الشاعر. فإذا كانت وظيفة الشعر هي
تطهير المجتمع من الآثام وإحلال العدالة والحب محل الظلم والحقد والغرابة والتجديد
محل الألفة والتقليد، فإن مصير الشاعر الملتزم بالدفاع عن القضايا الإنسانية
الكبرى والمتمسك بمبدإ التحرير : تحرير اللغة من سلطة الاستعمال اليومي وتحرير
الإنسان من روتين الألفة يظل على الدوام مجهولا ومنفتحا بدوره على احتمالات شتى:
فقد تبتلعه الألفة وروتين الحياة اليومية، وقد يطاله جبروت السلطة فيخمد نوره، وقد
يظل وفيا لمبادئه ملتزما بأداء رسالته ورافعا لشعار التحدي ومراهنا على التحرير
والتطهير:
عم مساء…
فغذ يطويه غيب…
هل ترانا نحتسي قهوتنا صبحا ونلغو!؟
أم ترانا نحتسي في قلعة الغيهب
كأس الوطن المر ونخبو!؟
أم ترانا نقتفي
عطر الرياحين ونرنو لشهيد
دمه يسرح فينا مستهاما
فهو في موالنا المسجور نسغ…!؟
(ليت للبراق عينا)…
ملـحـق
ليت
للبراق عينا! (علال الحجام)
(1)
(ليت للبراق عينا)
فترى بعض جروح الياسمين
وترى ما قد رأت في عتمة الطعنة عيني
وترى عاصفة تكبو من المهد إلى اللحد
على حد رماح أولمت حبي لصحبي،
شقت الصدر سكاكين لعل السر من قلبي يطل
ويبوح الدم بالدمعة ثكلى
كاتما أنفاس قنديل نحيف النور يغفو،
ويئن…
(ليت للبراق عينا) فترى جرحي …
(2)
عصافير تغنت بالربيع الغض
في مقبرة الأهل،
لميلاد الأغاني لحظة
تمتد في عمق التراب
ولطوفان النزيف الثر عمر
يغرق الأبنوس في جب اليباب
وأنا أبحث في أشلائها
عن بعض أفنان حروفي
أسرج الريح وأختار رحيلا
لاحتمالات العذاب
كيف أنجو من جنون الكلمات،
وركوب البحر مسكون بميعاد الحياة
ومواعيد الحتوف…!؟
دمعة أخرى تغذي حسراتي
كل يوم، طعنة في الصدر رعناء
تبز الطعنات،
وشهيد يقتفي عطر الرياحين
ويرنو لشهيد …
هو ذا يشطح في الجدب الربيع.
عم صباحا…
أيها العاشق تربا
يجتني غلته القحط فيصدا
ثم يرويه النجيع…
(3)
مدن آثمة تقتات أثمار الذهول
وهنا
مكرا
رمادا،
ودخانا…
من يعافيها فيشفي قلبها الغض الطفولي…
مر من أدربها يوما أحباء فؤادي
تسأل الأشجار عنهم مطرا
صاحب غابات أغانيهم وولى عن ربانا
هل يعودون من الموت سبايا
ومن البيد هشيما
هب فيه اللهب الضاري سنينا
ومن الخوف مرايا للذي ينكر سحناته
يوما
بين سحنات العباد…!؟
(4)
أيقظوا الشمعة من غفوتها
آه عليها، الليل قد راودها منذ ليال
وارتدى برد الخطايا
شاذن العشق تجلى
صورا مكسورة السحنات في المرآة
من يجمع أشتات سناها حين هلا ؟
آه يا ليل المراثي
بيننا شيء رهيب لا يقال
بيننا ما يصل النهر بنبع في الأعالي
يصل البسمة تختال
على فجر بهيج
يصل الحلم بتاريخ المحال…
كيف تنسل لوجه ثمل الوجد
تجاعيد الخريف!؟
أسأل الساحة عن جرح "الرصيف"
فيجيب العندليب،
عشه يقرأ آيات احتراقه
أسأل الزيتونة الصفراء
عن سر النزيف
فيشير
الغصن مذعورا لآثار انشقاقه
ولزيت يطعم النار
يشير
الورد للعطر مسجى في دماه
كيف تنسل تجاعيد الخريف!
(5)
كل يوم يرسم الصورة ترتيل الأماني
فأراني في التفاصيل سرابا
وأراها كومة من ورق يبتل بالنفط
تراني النار تهفو
لافتتاح الشطح في غاب القرار
وتراها حزنا يعطش حولا للزلال
محض وهم وهراء ما نراه،
نحن
روحان حللنا
نهرا في الصخر تمتد مجاريه،
وتعلو شجرا يانعة أغصانه…
نحو انخطاف النور والغيم وأقداح الظلال…!
(6)
كيف ينجو من دم الطائر قناص غرير
يعرف العشب شذاه
والحصى يحفظ للنهر وصاياه
وتجتاب الفراشات مداه!؟
هل يجف،
مثلما الماء على الأرض يجف؟
هل سيمحوه رصاص
مثلما فجر أعماقه يوما مستخف؟
محض وهم…
فالحمام فزعا من قدح ناره
هجر الأوكار للوكر الغريب
عجبا… كيف يؤاخيه
الرحيل
شاهدا يحمل تحت الأجنح البيضاء
آثار جمار
في
خوافيه أخاديد ماره
عم مساء…
فغذ يطويه غيب…
هل ترانا نحتسي قهوتنا صبحا ونلغو!؟
أم ترانا نحتسي في قلعة الغيهب
كأس الوطن المر ونخبو!؟
أم ترانا نقتفي
عطر الرياحين ونرنو لشهيد
دمه يسرح فينا مستهاما
فهو في موالنا المسجور نسغ…!؟
(ليت للبراق عينا)…
[1] - صدرت طبعته الأولى سنة 1998 عن
مطبعة: المتقي برينتر بالمحمدية
**بشير يموت: "شاعرات العرب في
الجاهلية والإسلام"، تحقيق" عبد القادر محمد مايو،دار القلم
العربي،ط:1/1988،ص:46
[2] -
بشير يموت : " شاعرات العرب في الجاهلية والإسلام " تحقيق عبد
القادر محمد مايو دار القلم العربي ط 1 / 1998، ص: 45.
[3] - أشار بشير بن يموت في كتابه
"شاعرات العرب في الجاهلية والإسلام" إلى أن أبا ليلى " نزل في
ناحية من بلاد الفرس ومعه ابنته وكانت أجمل نساء زمانها فأوصل خبرها إلى ملك الفرس
وقتئذ أحد حاشيته …)) وأرسل الملك فاغتصبها من
أبيها، ثم عرض عليها جميع المشتهيات والمرغبات وخوفها بجميع العقوبات، وعاملها
بالتعذيب ليرى وجهها فأبت وخيرته بين أن يقتلها أو يعيدها لأبيها. ولما يئس منها
أسكنها في موضع وأجرى عليها الرزق، واكتفى برؤية قوامها تحت ملابسها في بعض
الأحيان" ص : 45 - 46.
[4] - إيزر : " التخييلي والخيالي من
منظور الأنطروبولوجية الأدبية " ترجمة : حميد لحمداني و الجلالي الكدية مطبعة
النجاح الجديدة، الدار البيضاء، ط: 1 / 1998.
[5] - لسان العرب مادة "برق"
[6] -تتطابق هذه المرحلة مع ما يسميه
ياوس Jauss
استنادا إلى تصور تأويلي Herméneutique
" الإدراك الجمالي"، انظر ص:357 وما بعدها من كتاب: Gallimard
, 1988 "littéraire
Jauss "pour une herméneutique
[7] - ترتبط هذه المرحلة أشد الارتباط بما
يسميه ياوس "التأويل الاستيعادي"
Interprétation rétrospective،
انظر المرجع السابق، المكان نفسه.
[8] - استوحينا هذا العنوان من عبد السلام بنعبد العلي،وهو عنوان
كتاب له صادر عن دار توبقال للنشر.
[9] - " شاعرات العرب…
" ، ص: 46.
[10] - "التأويل المتسق" Gechtalt
استوحيناه من ايزر Iser الذي استعمله
للتعبير عن حصيلة ذلك النشاط التركيبي الذي تقود إليه "وجهة النظر الجوالة"
حيث ينتهي القارئ إلى استخلاص مجموعة من الترابطات تصبح بموجبها العلامات متناسقة،
"وإذا قام بذلك فسيكون من الممكن جدا أن العلاقات التي يقررها سوف تصبح هي
نفسها علامات من أجل ترابطات أخرى" أنظر كتاب إيزر "فعل القراءة"،
ترجمة: حميد لحمداني والجيلالي الكدية، منشورات مكتبة المناهل فاس 1995،ص:69 و ما
بعدها
[11]-: "أخبار أبي تمام" للصولي،
تحقيق محمد عبده عزام وزملاؤه، دار الآفاق الجديدة بيروت، ط:2/1980، ص: 72
[12] - U. Eco « Lector
in Fabula ». Ed, Bernard Grasset,
[13] -
M. Blanchot :
« l"entretien infini »
Gallimard , Paris 1969, p : 460.
[14] - انظر تفاصيل هذه الرواية في كتاب ابن
منظور "أبو نواس" تحقيق: عمر أبو النصر، دار الجيل بيروت 1975، ص: 50
[15] - ابن رشيق: "العمدة" ج 1،
تحقيق: محمد قرقزان، دار المعرفة بيروت، ط: 1، 1988، ص: 362-363.
[16] - "العمدة" 1/362.
[17] - أمرطو إيكو: "التأويل بين
السيميائيات والتفكيكية" ترجمة: سعيد بنكراد، المركز الثقافي العربي، ط: 1،
2000. ص: 160.
[18] - عبد الفتاح كليطو:
"الغائب" دار توبقال للنشر، ط: 1، 1987 البيضاء، ص: 57.
[19] - لسان العرب: مادة: روح، وذهب ابن
منظور إلى أن الروح هو أصل الريح لذلك أدرجها في هذه المادة.
[20] - أحمد الطريسي أعراب: "التصور
المنهجي ومستويات الإدراك في العمل الأدبي والشعري"، شركة بابل للطباعة
والنشر والتوزيع، 1989، ص:12.
[21] - "لسان العرب" مادة: روح.
[22] - ابن طباطبا: "عيار الشعر"،
تحقيق: طه الحاجري ومحمد زغلول سلام، شركة فن الطباعة 1956 مصر، ص: 8-9.
[23] - "العمدة" 1/195