ص1       الفهرس  71-80

التاريخ والمؤرخون في الوطن العربي

نظرة مجملة

 

حماه الله ولد السالم

مقدمة:

يعرف العالم اليوم جملة تحولات عميقة متلاحقة، بوتيرة تصل إلى حد التسارع. الأمر الذي أدى إلى قصر أعمار المنظومات المعرفية المختلفة بحيث لا تكاد تمر شهور أو سنوات إلا ويبدأ أحد الأبنية العلمية في الانهيار أو التلاشي، بعد أن كان بالأمس مليء السمع والبصر. وقد أدت هذه التطورات المتسارعة إلى انفجار معرفي مبهر فاقم من اتساع الهوة العلمية القائمة بين الوطن العربي و العالم المتقدم.

وإذا كان الأمر مفهوما بالنسبة إلى المعارف البحتة والتطبيقية لأنها مجال صراع للمصالح المادية، ثم لكون البحث فيها قد يفضي إلى تطوير بعض التقنيات التي توصف بالحساسة، فإن الأمر يصبح غريبا إزاء العلوم الإنسانية والاجتماعية، بفعل انتفاء المراقبة داخل حقل الأبحاث في هذه العلوم. وبالرغم من ذلك لم يستطع الباحثون العرب، ومنذ عقود، أن يصلوا إلى مرحلة تأصيل للإنسانيات بمستوى يبشر بقيام علم اجتماع عربي، أو مدرسة تاريخية عربية مثلا.

1- عوائق مبدئية:

وإذا قصرنا النقاش، لاعتبارات ذاتية ومنهجية، على حقل الدراسات التاريخية، فإنه يمكننا القول إنه لم تفلح أية مؤسسة جامعية عربية، وإلى اليوم، في إرساء قواعد مكينة للمدرسة التاريخية العربية المرتقبة، وهو أمر يرجع إلى اختلاف المسالك والاتجاهات التي سلكها البحث التاريخي العربي، في مختلف الأقطار العربية شرقا ومغربا. كما يرجع إلى طبيعة المعارف التاريخية نفسها. وما يطرحه البحث فيها من عوائق ايبستمولوجية مختلفة. يتمثل أبرزها في كون التاريخ يندرج في حقل العلوم الإنسانية، كما يسمونها، وهي علوم يجد فيها الباحث نفسه جزءا فعالا في السياق الذي يتتبعه، لأنه يتعامل مع موضوعات ناطقة وواعية تشاطره في حدود معينة اللغة نفسها مما يضيق من هامش المسافة البنيوية "النظرية"التي يجب على كل مقاربة "إنسانية" أن تحافظ عليها إزاء مجالها المدروس


[1]. وعلى المستوى المؤسسي البحت، كان البحث التاريخي العربي، ومنذ البداية، رهينا لمختلف المؤثرات في بداية عهد الاستقلالات، عاقته عن التقدم مثل ضعف الوسائل و ندرة الباحثين المتمرسين و تشتت المصادر فضلا عن أن التوجه كان لتصفية آثار الاستعمار و العمل على تركيز البناء المادي للمجتمع المنهك.

وبالرغم من ذلك فقد عرف البحث التاريخي العربي تطورات هامة، سيما في الجامعات المغاربية التي كانت أكثر انفتاحا على التقنيات التاريخية الحديثة من الجامعات المشرقية التي حافظت على الدرس التاريخي التقليدي الذي يعطي الأولوية للتاريخ السياسي الذي يكرس تقاليد الثقافة الأبوية والمفاهيم المتأسسة عليها هذا مع بعض الاستثناءات البارزة في المشرق[2].

يمكن القول إن حصيلة البحث التاريخي في الوطن العربي خلال النصف قرن الماضي الأخير كانت متواضعة لكن التزايد الكمي والنوعي فيها نما بصورة ملحوظة لاسيما في العقود الأخيرة من القرن العشرين،  لكنها في الغالب ثمار مجهودات فردية تمت وتتم في غياب الظروف المطلوبة من حيث التجهيز والاعتمادات المطلوبة[3].

ثم إن المستوى الكمي والنوعي يتفاوت بشكل بين حسب الحقب والمناطق والمواضيع المطروقة لجملة أسباب ذاتية وعملية.

إن المؤرخ العربي لازال يفتقر إلى الأدوات النظرية « المنهجية » الضرورية       و التجهيزات المادية الأساسية التي حازها نظراؤه الغربيون منذ عقود من الزمن    و يلخص ذلك المؤرخ المغربي د.الحسين بولقطيب قائلا:"أما تطبيق المناهج الحديثة فهو من المحرمات التي ينصح الباحثون الشباب  بالابتعاد عنها، باعتبارها لا تؤدي سوى إلى الاختلاف،  الذي يعد في عرف القائمين على الأمور السياسية والثقافية [...] تكسيرا لمبدإ الإجماع. وهكذا، ظل المؤرخ اللاحق يجتر خلاصات المؤرخ السابق دون نقد أو تمحيص، و هو الأمر الذي أعطانا ركاما هائلا من الدراسات ذات العناوين المختلفة والمضامين المتشابهة. [...] على أن التجديد، في أي ميدان كان، لا يمكن فصله عن الشرط الديموقراطي. فكيف يمكن تجاوز التقليد، وتثوير الكتابة التاريخية في بلدان لا تزال فيها أقلام الباحثين والكتاب تحذرهم من مغبة كتابة هذه الجملة أو تلك؟ وكيف يمكن تدارك الفوات التاريخي، والذهنية الرسمية العربية لا تعترف بوجوده أصله "[4].

2- اتجاهات البحث التاريخي العربي:

يقسم المؤرخ العربي البارز الراحل د.قسطنطين زريق الأبحاث التاريخية في الوطن العربي إلى أربعة اتجاهات[5]:

- التيار التقليدي:الذي حافظ على نظرة المؤرخين القدامى. يلخص هذا الاتجاه تاريخ الإنسانية في تاريخ الإسلام وينقاد للأنانية القومية. ثم يلجأ في تعليل الأحداث إلى القدر الإلهي ويتورع عن نقد رواية السلف الصالح. ثم ينعته بأنه وسطوي جديد تبعا لتسمية اتجاهات مماثلة ظهرت في الغرب.

-الاتجاه القومي: أكان قوميا عربيا أم قوميا محليا إقليميا، الذي ينغمس في الماضي القومي و يميل إلى التجريد والتزويق على الطريقة الرومانسية. يخضع التاريخ لفكرة سياسية مسبقة و في بعض الأحيان لسلطة سياسية قائمة.

يغالي في تعظيم الماضي القومي و يبخس حق ماضي الإنسانية كجماعة، يستعمل المنهج النقدي لتفنيد أقوال الغير ولا يخضع له فيما يخص أقوال بني جلدته، يمزج دائما التفسير بالغيبيات والتفسير بالقوانين الواقعية.  ثم يلخص المؤلف نقده لهذا الاتجاه قائلا إنه قومي و مع ذلك يرفض أساس القومية العصرية أي العلمانية.

- الاتجاه الماركسي و الاتجاه الوضعي المتماثلان من حيث الأسلوب وطرائق البحث والخلفيات المعرفية. لكن الأول ضيق في نظر المؤلف، متحيز، غير شمولي، يقول بوحدوية العلة (العامل المادي الاقتصادي)، في حين أن الثاني أكثر شمولية، يقول بتعدد العوامل المسيرة للتاريخ، من مادية وروحية، من فردية وجماعية، من سياسية واقتصادية..إلخ. و الاتجاه الوضعي، المدرس في الجامعات، هو الآن ضروري للمجتمع العربي ويكرس د.زريق كل قواه البيانية لاقناع المثقفين العرب يضرورة الخضوع لقوانينه.

وبغض النظر عن خلفيات هذا التقسيم و إجرائيته، فإن د.زريق كان يصف اتجاهات البحث السائدة في زمنه و في المشرق العربي على نحو خاص.

3- تجديد البحث التاريخي بالمغرب الكبير:

أما في المجال المغاربي فقد كانت الحقبة الفاصلة بين عهد الاستقلال إلى الثمانينيات والتسعينيات، مرحلة حاسمة بالنسبة إلى البحث التاريخي المغاربي.

فخلال العقود الأولى بعد الاستقلال، ظهر توجه في التأليف التاريخي اندرج في سياق ما يعرف بـ"التاريخ الوطني" وهو اتجاه يرمي إلى تخليص التاريخ من الأفكار والتوجهات الاستعمارية وما تؤسسه من تصورات مغلوطة حول الدولة والمجتمع في المغرب الكبير[6].

 وكان بذلك مرحلة ضرورية لتصفية الحساب مع إرث المدرسة التاريخية الاستعمارية، وللتمهيد، كذلك، لمرحلة أكثر تطورا هي كتابة التاريخ القطري من الداخل.

و لا تزال ظلال هذه المرحلة مسيطرة على جيل من المؤرخين العرب لا سيما في المشرق "حتى لقد أضحى من علامات الوعي لدى المؤرخ العربي المعاصر المناداة بتحرير التاريخ العربي من النزعة الاستعمارية ( décoloniser l"histoire ) "[7]

بينما يعتبر هذا النداء ـ بالرغم من أهميته ـ " أقل أهمية من نداء تحرير التاريخ من الأسطورة [...] فالمجتمع العربي، قبل أن يطالب بتحرير تاريخه من التصورات الاستعمارية، عليه أن يربي أجيال مؤرخيه على استخدام العقلية العلمية في تناول قضاياه. إذ إن هذه العقلية هي الكفيلة بتحريره من جهة، و خلق تصور تاريخي عربي جديد من جهة ثانية"[8].

وابتداء من الثمانينيات سيبدأ البحث التاريخي في تجاوز النزعة الوطنية، وسيحاول المؤرخون الجامعيون الشباب وضع الأسس التي ستسمح بكتابة تاريخ شمولي يهتم بالمجتمع. وخلال هذه المرحلة اهتم المؤرخون المغاربيون بالتطلع للمدارس التاريخية الغربية وحاولوا الاستفادة من منهجها دون إغفال الوثائق الوطنية. كما ظهر عندهم اهتمام بالدراسات المونوغرافية المركزة على جهات أو حقب تاريخية محددة.وكانوا في ذلك متبعين سنن مدرسة الحوليات في فرنسا[9]  ومدرسة التاريخ الاقتصادي الجديد[10] في إنكلترا، في إطار تجديد مفهوم الوثيقة التاريخية وسبل التعامل معها، مع إلحاحهم على ضرورة السير في طريق الدراسات الجزئية ونشر النصوص الغميسة[11]. بوصفه أسلم الطرق لبناء تاريخ شمولي قائم على أسس صلبة تسمح بصياغات من قبيل تاريخ المدة الطويلة وتاريخ البنيات الذي تقدمه مدرسة "الحوليات  école des annalesالفرنسية الشهيرة التي سعت إلى كتابة "التاريخ الشمولي" القائم على مقاربة الحدث التاريخي في مستوياته الثلاثة[12]:

- الزمن السريع: وهو مظنة التاريخ الحدثي الذي يهتم بالأحداث المدوية كالثورات والحروب والدارج من حياة القادة والأعيان والمشهور من الأحداث الطبيعية أو الاقتصادية. وهو زمن قصير "سنوي أو يومي أو شهري" سريع التقلب، لا يعكس إلا جانبا بسيطا من "الحقيقة" التاريخية.

- الزمن الاجتماعي: وهو مصدر الأحداث غير المنظورة وقواتها العميقة ومجاله البنيات الاقتصادية والمجتمعية والفكرية التي تتطور عبر القرون، ولذلك لاتمكن مقاربته إلا في ما يسميه رواد "الحوليات": المدة الطويلة       longue durée

- الزمن الراكد: ومداره تواريخ الحقب المناخية الممتدة لآلاف السنين وملايينها     وما يرتبط بذلك من تواريخ التربة و الشواطئ والأنهار، و هو يؤرخ للمكان عبر فترات موغلة في القدم ولذلك فهو شبه راكد.

كما قامت هذه المدرسة بتطوير مفهوم الوثيقة التاريخية من مقتضاها الدارج إلى مفهوم جديد قوامه شمولية المصدر والمعنى ومرونته بحيث صارت الوثيقة هي كل ما يوصل إلى الحس معلومة أو رمزا عن الماضي،  سواء كان الأمر مبنى أو سكة، نقشا، غذاء، سلاحا، زينة، سلاسل أسعار، نصا مناقبيا، نازلة فقهية، نمط معمار،  أو غير ذلك[13]. ومن هنا اهتم مؤرخو مدرسة الحوليات بتواريخ الأسعار وتواريخ القمح والطرق البحرية والبرية وتطور النظم والتقاليد في الاجتماع والسياسة والفكر، بغية كتابة الحدث في كليته التاريخية بدل النظر إليه من زاوية واحدة كسيحة لا تعكس إلا الجانب الظاهر من جبل الثلج كما يقال [14].

4- نحو تجديد التاريخ في الوطن العربي:

  و بنفس المستوي ترددت دعوات مختلفة تحذر من الاقتباس أو النقل بصورة ميكانيكية عن المنظومة المعرفية التاريخية الغربية. وأكدت وبصورة مختلفة، على أن البداية يجب أن تمر من خلال فك الحصار عن وثائق التاريخ العربي، سيما تلك التي تتسم بكونها لم تكتب من أجل التاريخ الحدثي إبتداء. وكانت النوازل والفتاوى الفقهية أبرز الأمثلة على تلك النوعية من المصادر[15].

وطفق الباحثون في جمع هذه المصادر وتقديمها للجمهور، وبدؤوا في تحليلها بغية الكشف عن مختلف الإشارات التاريخية التي تختزنها، وأبرزها ما تعكسه من تطور بطئ للبنيات الاجتماعية والفكرية والاقتصادية التي يحجبها التاريخ الحدثي سريع المدة.

وكانت حصيلة هذه الطروحات الجديدة، في غاية الأهمية، إن من حيث نتائجها على مستوى مناهج البحث الجديدة، أو على مستوى تأصيل البحث في التاريخ العربي، رغم أنها ظلت جهودا موجهة أساسا إلى التاريخ القطري.

ومنذ التسعينيات ازدادت وتيرة الإلحاح على ضرورة خلق مدرسة تاريخية عربية تحافظ على التصور القومي الوحدوي من جهة، وتكرس حوارا معرفيا أصيلا مع المنظومة المعرفية الغربية.

فأكد شيخ المؤرخين العرب د.عبد العزيز الدوري على ضرورة وضع إطار نظري للرؤية القومية للتاريخ وبناء هذه الرؤية انطلاقا من تقدم الأبحاث في حقل المعرفة التاريخية المعاصرة.[16]

وشدد آخرون على ضرورة التخلص من مشاغل التاريخ السياسي ومدرسته التقليدية، التي تكرس نظرة متصلة للواقع تحول دون تبلور رؤية نقدية له وأن البحث التاريخي العربي لن يتطور إلا إذا كف المؤرخون العرب عن التصور الخطي للتاريخ وعن الانهمام بفلسفته التي أصبحت عند الغربيين في عداد الأموات[17]. والحق في نظرنا أن هذا الرأي مصيب إذ لازال الكثير من المؤرخين العرب يتشوف دوما إلى كتابة التاريخ على نحو طروحات "اشبنجلر"و "توينبي" دون أن يعلم شيئا عن المؤرخين جهود الفرنسيين المقتدرين من أمثال أبروديل، لروا لادوري، مارك ابلوخ، جاك لوجوف وغيرهم من رواد مدرسة "الحوليات" الشهيرة. و أبرز ممثل لهذا المنحى د. عماد الدين خليل حيث كثرت كتاباته عن فلسفة التاريخ الإسلامي [18] بالرغم من أنه بدأ بعمله المعروف حول: الإمارات الارتقية في الشام. و ذلك بالرغم من أنه لا علاقة بين التصور الديني للتاريخ والبحث عن خصوصية منهجية في مقاربة التاريخ الإسلامي، فبدل تجديد التاريخ الإسلامي من خلال مقاربات جديدة لمصادره غير المباشرة "كتب الفقه، التراجم، وثائق المال، وتطوير مفاهيمه الأساس: كالملكية العقارية، الإقطاع الإسلامي، الدولة والمجتمع،  والتوكيد على اختلافها عن: الإقطاع الأوربي، الطبقة في المجتمع الأوربي.. بدلا من ذلك تركز الاهتمام على أدبيات لا طائل من ورائها كما هو حال مسألة إسلامية علم التاريخ؟ وما شاكلها. وهناك من المؤرخين العرب البارزين من كتب عن المناهج الحديثة لكنه تنكبها في أعماله الأساسية حيث ظل وفيا للتاريخ السياسي    ومنطلقاته.[19]

ونادى المؤرخ القدير د.عبد الله العروي[20] بآراء محددة لتجديد الكتابة التاريخية العربية، في المغرب على الأقل، منها إعادة الاعتبار للدراسات المنهجية والإبستيمولوجية،، بتعميمها في الدراسات التاريخية. وكذلك الأمر بالنسبة إلى العلوم المساعدة. هذا بالإضافة إلى إنشاء معهد للحفريات، وإقرار دراسة اللهجات والإلمام بقواعد الحاسوب. وذلك لأن التأليف التاريخي الجديد ـ في نظره ـ  يسعى لتفادي الخطرين المحدقين: الخيال المفرط والنسبية المطلقة.

ولعل في جملة هذه الآراء نصيب من الصحة لكنه ينبغي التوكيد على المنطلقات الآتية:

 -ضرورة تبيئة آليات المنظومة المعرفية الغربية في سياق البحث التاريخي العربي، دون إغفال الوعي بالشروط التي تحكم تلك الآليات في مجالها التداولي الأصلي.

                           I.        الحفر بتلك الآليات بعد تبيئتها في طبقات الصناعة التاريخية العربية القديمة من خلال إبراز تاريخيتها الحقة وإمكانها المعرفي لكي يتم ربط الآليات الحديثة بها من خلال البحث لها عن مرجعية في ذلك التراث.

                         II.      تجديد المادة التاريخية المقدمة في مختلف المستويات الدراسية سواء من حيث المناهج أو من حيث المواضيع والإشكالات.

خاتمة:

ويمكن القول عموما إنه رغم أهمية الأساليب الحديثة وإغراءاتها فإن المرحلة التي تمر بها الأمة تتطلب منها البحث الدائم عن عناصر القوة والمناعة في تاريخها العريق ويجب أن لا يتم التخلي عن ذلك المسعى مهما كانت طبيعة الإغراءات المعرفية والمنهجية المرفوعة.  فليس سرا أن الإمبريالية الغربية ترى في الوحدة الثقافية العربية عائقا دون مشاريعها التوسعية، ومن هنا لن تسلم مناهج التاريخ العربية من التحريفوالاختراق والقولبة بمختلف الوسائل وتحت كل الدعاوى البراقة من تحديث المجتمع إلى القضاء على منابع الإرهاب؟ أضف إلى ذلك ما تواجهه المعرفة التاريخية العربية من عوائق التقدم والتجدد بفعل الضغوط المؤسسية والسياسية عربيا.

والحق أن الرقابة على التجديد في أقطار الوطن العربي مختلفة النوع والمبدإ فالرقابة على المؤرخين في موريتانيا مثلا ليست من الجانب الرسمي الذي لا يعنيه البحث التاريخي جملة وتفصيلا، بل من القبيلة التي لا تزال تحجب المجتمع المدني وتفرض سلطانها على الدولة والمجتمع.

أما في أقطار عربية كبرى مثل مصر، فالرقابة بعضها من صميم المجتمع حيث الصراع على أشده بين التشكيلات الدينية والعلمانية وغيرها، والبعض الآخر وليد الصدام مع سياسات رسمية تسعى لتكييف الثقافة والعلم وفق رؤيتها ومصالحها.

ومهما يكن الأمر فإن تجديد التاريخ في الوطن العربي تربويا وأكاديميا ورسميا بقى ضرورة ملحة لتطوير الذهنية العربية و فتح آفاق حقيقية لتغيير الواقع العربي نحو الأفضل.

 

 



[1] ـ راجع مثلا: فاين (بول):  كيف نكتب التاريخ "فوكو وثورة في المنهج"، ترجمة م.وجدي، منشورات دار الفكر، القاهرة 1992

Guy Bourde et Herve Martin: Les écoles historiques, SEUIL.Paris, juin1983.

[2] ـ على سبيل المثال لا الحصر بعض كبار المؤرخين المشارقة مع حفظ الألقاب: عبد العزيز الدوري، شارل عيساوي، شفيق غربال،  رؤوف عباس، يونان لبيب، وجيه كوثراني.. وغيرهم مع التباين بين هؤولاء أجيالا ومناهج. و قد نبهني د. رؤوف عباس في حديث عن الموضوع (شتاء1995) أن أغلب رواد المدرسة التاريخية المصرية كانوا من خريجي ليفربول وكانت هذه ملتزمة منهج المدرسة الوثائقية الألمانية فتأثر ذلك الجيل بمدرسة التاريخ السياسي و لم يفد من المدرسة الفرنسية أو غيرها.

[3] ـ بولقطيب(الحسين): حول مفهوم الوثيقة وتجديد الخطاب التاريخي، مجلة الفكر العربي المعاصر، 1990، (صص: 111-120)

[4] ـ نفس المرجع.

[5] ـ راجع: عبد الله العروي: العرب والفكر التاريخي [ ط.3،  توزيع المركز الثقافي العربي، بيروت ـ الدار البيضاء، 1992]، ص: 89.

[6] ـالمنصور(محمد): الكتابة التاريخية بالمغرب خلال ثلاثين سنة(1956-1986):ملاحظات عامة، منشور في: "البحث في تاريخ المغرب، حصيلة وتقويم"، منشورات كلية لآداب والعلوم الإنسانية بالرباط، سلسلة: ندوات ومناظرات رقم 14، [مطبعة النجاح الجديدة، الدار البيضاء، 1989]، ص ص: 20-21

[7] ـ بولقطيب، م، س: 112

[8] ـ نفسه ص:

[9] ـ حول هذه المدرسة راجع: Braudel(f):Ecrits sur l`histoire ,Flammarion,paris. 1989

[10] ـ  انظر: العروي(عبد الله)

[11] ـ المنصور، م، س: 52-26. و من أهم الأعمال المغربية في هذه المرحلة: أطروحة العروي حول الأصول الثقافية الاجتماعية للوطنية المغربية، و أطروحة أحمد التوفيق حول المجتمع المغربي في القرن 19 و قد شكلت منعطفا هاما في كتابة التاريخ بالمغرب لعمقها ورصانتها، و أطروحة محمد القبلي الشهيرة حول السلطة والمجتمع بالمغرب الكبير، هذا فضلا عن الاطروحات الجادة  لجيل المؤرخين الشباب الآخرين. أما في الجزائر فنجد المؤرخ البارز أبو القاسم سعد الله و جيله، وفي تونس: محمد الطالبي وهشام جعيط، أما في موريتانيا فأبرز المؤرخين المقتدرين من الجيل الأول نجد: محمد بن مولود بن داداه الملقب الشنافي ومحمد بن داداه، ومن الجيل الجديد: إزيد بيه بن محمد محمود، ودود بن عبدالله، محمد سعيد بن أحمد، محمد بن سيد بن مولود، حماه الله ولد السالم و غيرهم من المهتمين بالبحث التاريخي رغم كونهم من اختصاصات أخرى مثل: عبد الودود بن الشيخ في عمله الشهير حول "البداوة، الإسلام والمجتمع في موريتانيا، الراحل أحمد جمال بن الحسن في عمله عن الأدب الشنقيطي في القرن 13هـ.

[12] ـ راجع: Braudel , op cit: pp;5-11 et ,pp: 41-85etc و انظر: يفوت (سالم): من الزمان الكلي إلى التواريخ الجزئية، الفكر العربي المعاصر.

[13] ـ حول المفهوم الجديد للوثيقة، راجع: جعيط (هشام): مصادر تاريخ إفريقيا الشمالية حتى القرن 15م، ضمن العمل الجماعي "تاريخ إفريقيا العام " الجزء الأول "المنهجية وعصر ما قبل التاريخ " إشراف:جوزيف كيزيربو، [منشورات اليونسكو، جون آفريك، باريس،  ]

[14] ـ راجع:  Braudel,opcit:pp:125-135وراجع: بروديل(فرنان): "فرنان بروديل             و التاريخ الجديد"ـ مجلة بيت الحكمة، العدد 5، 1987

[15] ـ حول حصيلة استخدام النوازل والفتاوي في تاريخ المغرب مثلا راجع: محمد مزين: حصيلة استخدام كتب النوازل الفقهية في الكتابة التاريخية المغربية، ضمن "البحث في تاريخ المغرب.."، م، س: صص: 73-93

[16] ـ منها: ابن خلدون إسلاميا، فلسفة التاريخ الإسلامي و مقالات أخرى حول نفس الموضوع.

[17] ـ راجع: بولقطيب: م، س: ص 114

[18] ـ

[19] ـ مثل الراحل د.حسين مؤنس. راجع مثلا عمله عن "التاريخ والمؤرخون" ثم انظر دراساته حول تاريخ المشرق والمغرب تجد الفرق شاسعا، فهل هو الانفصام الخلدوني مرة أخرى؟

[20] ـ راجع: بولقطيب: م س: ص114