سلطان القداسة في
أنثربولوجيا الاحتفال والتواصل
القداسة سلطان، لا يتشكل إلا من خلال
شعائر ورموز ومعتقدات، سلطان القداسة لا يظهر إلا كقوة ميتا-اجتماعية يغذيه الإيمان
بالفعالية الروحية للولي الصالح، وتترجمه شطحات الجسد من خلال الحضرة والجذبة،
وزفرات الانفعالات، وتطلعات الفرد والجماعة، في حضرة المقدس يكسر الزمن الرتيب
والاعتيادي، ويولد الإنسان بنفس جديد، إنه تطهير جماعي لا يتمظهر إلا من خلال طقوس
الاحتفال والتواصل، كما ستبين هذه المحاولة.
1
– الكتابة بين صعوبة الكشف وحرقة القبول:
لماذا نخشى
الكتابة؟ هل لأنها تقترن في تمثلنا الاجتماعي بالمخزن وبالمخبرين وجامعي الضرائب؟
أم أنها فعل براني؟ يتوخى الكشف والبوح عما هو داخلي وسري للذات وللجماعة؟
عندما نكتب لا
نتوخى التقليل من شأن جماعة ما أو احتقارها أو مسا بكرامتها وشرفها، بل نكتب فقط
لممارسة طقس من طقوسنا، نكتب "لمساعدة القراء على فهم أنفسهم ضمن
العالم" كما كان يردد بول باسكون.
إن مقاربتنا هاته إثنوغرافيا تنطلق من
الجانب الوصفي التتبعي، وتطمح للتحليل والتفسير والتأويل، ونحن هنا لا نفضل
المستوى الثاني عن الأول، إذ على العكس من ذلك، فالتحليل لا يستقيم إلا بحضور
الوصف، والوصف يوفر مادة "خام" للمتلقي يقرأها بالشكل الذي يروقه، وهو
ما يجعلنا في آخر التحليل أما نص يمكن أن تتعدد قراءته وتأويلاته، كما أن الوصف
خطوة علمية مهمة بالنسبة للمجتمعات التي تغلب فيها الثقافة الشفوية. ومهمة من هذا
الحجم لا يمكن إدراكها ما لم نستوعب نيتشه حين يقول: "لا تيأس، لا تحزن، ولكن
افهم". فما أسهل أن نصدر حكما، إذ عندما نصدر الحكم الجاهز، نجنب أنفسنا عناء
البحث والتحليل، ونحرم أنفسنا من الكشف عن "ما سحر العالم" كما قال ماكس
فيبر.
كانت أول خطوة
خلال هذا البحث، حضور الموسم السنوي الذي يقيمه شرفاء أيت علي ويوسف، وحاولت أن
أتتبع خطواته، وخلال هذا التتبع كانت لي عدة مقابلات مع نماذج من داخل الجماعة،
ومن زوارها ومحبيها، لقد استدعى الأمر قطع مسافات طويلة،
كانت الانطلاقة على الخامسة والنصف صباحا، والوصول حتى الثانية بعد الزوال، مع
استراحة لمدة نصف ساعة في الطريق، حيث تناولنا خلالها وجبة الغذاء، وكان المشي على
الأقدام بالنسبة للبعض وركوب ظهر البغال بالنسبة للبعض الآخر، ثم التناوب لآخرين.
لم يكن أمامنا سوى متابعة الطريق، ومشاركة الأهل أحاديثهم، إنه سفر يغذيه
شغف البحث وتتبع الظاهرة، وهو ما أنسانا متاعب الطريق ومشاق السفر.
لقد التحمت بالشرفاء، وغصت في عالمهم مما جعلني أعتمد على الملاحظة لمالها
من أهمية كخاصية أساسية من خصائص البحث العلمي. فهذا كلود برنار C. Bernard يقول "على الباحث أن يهتم بملاحظة
موضوع البحث، وألا يكون همه سوى الحذر من الوقوع في الخطأ (خطأ التحليل والملاحظة)
والذي يمكن أن يظهر له عكس ما هي عليه الظاهرة في حقيقتها، فتقدم له تعريفا ناقصا،
ولأجل ذلك عليه أن يستعمل كل الأدوات التي تساعده على جعل ملاحظته (أو تحليله) على
أفضل وجه، فينبغي على الملاحظ (أو المحلل) أن يكون كآلة التصوير يلتقط الظواهر كما
هي، بحيث يقوم بعملية تمثل دقيق لها، فعليه أن يلاحظ (أو يحلل) بغير فكرة مسبقة،
وأن يكون دوره دور المستمع والمنصت للظواهر، وأن يكتب ما تمليه عليه، ولكن بمجرد ما
تعطي الملاحظة ثمارها، وتبوح الظاهرة بسرها على الفكر أن يتدخل بعد ذلك، ويقوم
المحلل آنذاك بتأويل وتفسير الظاهرة موضوع البحث"
[1].
ينعقد هذا الموسم
مع بداية شهر شتنبر من كل سنة بمنطقة "الشعرة" وهي منطقة جبلية معروفة
بجبالها الشامخة، وجمالها الطبيعي، كما أنها تعرف بالضريح أو "السيد"
الذي يتواجد بها، إن الحديث عن هذا الضريح يدعونا إلى التساؤل عمن يكون؟:
"سيدي علي ويوسف؟ ما علاقته بالشعرة؟ ما علاقة سكان الشعرة بالضريح؟ ما هي
طقوس الموسم؟ ما هي المدة التي يستغرقها؟ ما علاقة الموسم بالسلطة/المخزن؟
هذه بعض الأسئلة التي ترافقنا ونحن ندخل
غمار هذه التجربة، وهي تجربة شائكة ومغرية في نفس الوقت. ثم إذا كانت أغلب المواسم
الدينية في المغرب اتخذت طابعا فولكلوريا، يمتزج فيها المخزني بالشعبي، ثم الديني بالاقتصادي
والسياحي والجنسي، فإن هذا الموسم ظل إلى حد ما بعيدا عن بعض هذه الأشكال، ربما
لموقع المنطقة التي تعيش على الهامش من جميع الواجهات، غير أن هذه الهامشية لم
تمنع المكان من قدسيته.
2
– شرفاء آيت علي ويوسف: انتماء إدريسي وحياة أمازيغية:
يتوزع شرفاء آيت
علي ويوسف جغرافيا حول عدة مناطق يمكن تحديدها في: منطقة تاهلة (بوزملان، حوض
الشاكري، وادي المالح، عين الفوقي) منطقة صفرو، ثم منطقة تالسينت.
هذا من حيث
الموقع الجغرافي، أما من حيث الانتماء فإن أغلب شهادات المسنين المتوارثة تؤكد أن
شرفاء آيت علي ويوسف ينتسبون إلى الشرفاء الأدارسة، وهي نفس الروايات التي تستحضر
معاناة الشرفاء الأدارسة على يد ابن أبي عافية (المعروف شعببيا بـ: بوعافية)[2]:
ذلك ما حمل الأدارسة على الفرار طلبا للنجاة بأرواحهم، وتفرقوا في نواحي شتى من
جهات المغرب، وكان منهم من التجأ إلى القلاع والجبال، ومن التجأ إلى صحراء فجيج
وغيرها، وكان سبب اختفاءهم، فأنكروا حسبهم وأنسابهم طلبا للنجاة من عدوهم، (وذلك
ما يحمل على العجب من أمرهم، وكثرة صبرهم في محنتهم) وبعد أن لاذوا بالفرار، وأسدل
عليهم ستار الإهمال "خلعوا شارة الملك، وميزة الشرف، واستمالت صبغتهم إلى
البداوة ونشر عليهم ستار الإهمال، ابتداءا من عهد عبد الله بن ياسين، مؤسس دولة
المرابطين، آخر القرن الرابع الهجري إلى آخر القرن التاسع الهجري مع ظهور الملوك
السعديين".
3
– من المحنة إلى إعادة بناء الذات:
نستنتج من الإشارة التاريخية السابقة،
أن الشرفاء نتيجة محنتهم ومضايقتهم، توزعوا على عدة مناطق، وقصدوا أساسا المناطق
الجبلية والصحراوية وهي في مجملها مناطق هامشية، مما فرض العيش على الفلاحة وخاصة
المعاشية منها وتربية المواشي، في ارتباط مباشر بالأرض والتأقلم مع المحيط بل
والتأثير فيه، وحينما يبدأ التفاعل يعود القدسي (الأصل الشريفي) ببعده الرمزي
كرأسمال فقد سلطته السياسية لكي يشكل سلطة تعويضية عما ضاع، وهو ما يمكن تجسيده
أساسا في الزوايا، في الطقوس، العلاجات العشبية، ثم المواسم، كرأسمال ثقافي يتم
الالتجاء إليه للتعويض عما ضاع، وإبراز الذات ومركزتها ولو في الهامش، لن أتابع
هذا الحفر بل سأقتصر فقط على الكشف عما تبقى الآن، لعل متابعة الحاضر ودراسته
بإمكانهما أن يكشفا عن الدفين والغابر في ثقافتنا.
4
– من دنيوية المكان إلى قدسيته:
الشعرة: منطقة
جبلية تبعد بحوالي
كلم عن مدينة تاهلة إقليم تازة، تتميز هذه المنطقة بصعوبة مسالكها التي تخترقها
الغابات الكثيفة في اتجاه تصاعدي من السفح إلى القمة، لكن هذه الصعوبة في الغالب
لا تظهر أمام جمالية المنطقة وغناها الطبيعي والتاريخي. وكملاحظة أولية لزائر
المنطقة فإن سكان الشعرة يشكلون جزءا من قبائل آيت وراين الأمازيغية، غير أن هذا الانتماء
"العلماني" –كما كان يحلو للمدارس الكولنيالية أن تنعت القبائل غير
المرابطية- لا يلغي الارتباط القوي الذي يجمع سكان الشعرة بالولي الصالح كما سنبين
ذلك فيما بعد.
قلت إذا كانت
الشعرة هي موطن قبائل آيت وراين فإن شرفاء آيت علي ويوسف لا يحضرون إلى هذا الفضاء
بهذا الشكل الجماعي إلا مرة واحدة في السنة والسبب هو انعقاد موسمهم السنوي، لأن
الشرفاء يسكنون مناطق أخرى بعيدة تتوزع بين منطقة بوزملان، ووادي المالح وحوض
الشاكري ضمن جماعة آيت سغروشن، وعين الفوقي ضمن جماعة الصميعة. وهذه المناطق كلها
مناطق فلاحية.
إجمالا يمكن
تقدير عينة الشرفاء فيما يزيد على
أسرة، تأتي منطقة بوزملان في الدرجة الأولى من حيث العدد، تليها منطقة وادي المالح
وحوض الشاكري، بينما منطقة عين الفوقي لا تتشكل إلا من خمس أسر، كانت في الأصل
عبارة عن أسرة واحدة وقد تزايدت بفعل النمو الديمغرافي.
إن شرفاء آيت علي
ويوسف في حالتنا هاته يتوزعون حول عدة مناطق، وهذا التشتت يحتم عليهم الدخول في
علاقات مع جماعات قبلية أخرى، ومن خلال الدراسة يتبين أن كل جماعة إثنية وثقافية،
عندما تتفاعل مع الجماعات الأخرى تعمل جاهدة لإبراز اختلافها وتميزها، وهذه
الخاصية الأنتروبولوجية نسجلها في علاقة قبائل آيت سغروشن عامة (لأن آيت علي ويوسف
جزء من آيت سغروشن) بآيت وراين، كيف؟ هناك تفاعل مباشر وتواصل مستمر تحكمه علاقات
الجغرافيا.
(الجواء)
والاقتصاد (التبادلات) ثم الاجتماع والسياسة (زواج/انتخابات..). إن التمايزات لا
تظهر إلا "كلا وعي-جمعي ثقافي" في لحظات خاصة، هناك من يسعى إلى إبراز
هذه التمايزات لأهداف انتخابية، ولنوضح ذلك أكثر: على طول مدار السنة تعيش
المجموعات الثقافية وتتفاعل من خلال الأبعاد السابقة، لكن في لحظة الانتخابات يحضر
البعد السياسي ليتم خلق التمايزات من خلال تحقير جماعة ما، السخرية من نمط حياتها،
أو طريقة عيشها ولباسها. بهدف دغدغة سيكولوجيتها وتحريك النزعة القبلية لديها لكي
يتشكل لديها رد الفعل، وهذا العمل لا يقوم به في الغالب إلا نخب لها نفس الأصول
القبلية المستهدفة.
5
– الجغرافيا تشتت والأسطورة توحد: المقدس والبركة.
ينعقد الموسم كما
قلت بمنطقة الشعرة بالرغم أن أهل الولي الصالح لا يسكنون بها. إن تواجد الضريح ومن
تم الموسم بهذه المنطقة لا يبرره في نظر الشرفاء إلا الأسطورة إذ على الرغم من
أهميتها الإثنولوجية فمن الممكن الكشف عن البعد السياسي الذي لا تظهره إلا
الممارسة الاجتماعية.
فإليكم الأسطورة[3]
قيل أن سيدي محند وعلي ويوسف طلب من أبنائه أن يضعوه بعد موته فوق دابته ثم يقومون
بدفنه في المكان الذي تقف فيه الدابة بصفة نهائية، وهذا ما وقع فعلا حسب الروايات
المتوارثة، لأن الولي مات بالحياينة قرب مدينة فاس، وقد وضع فوق دابته حتى استقرت
بالشعرة التي يقام بها الموسم حاليا.
طقوس الموسم:
يتم الاتفاق بين
الشرفاء حول تاريخ انعقاد الموسم، بعد ذلك يتم إخبار السلطات المحلية قصد الحصول
على الرخصة، بعد ذلك يتم إخبار الشرفاء وكذا الزوار و"المحبين" سواء عن
طريق الاتصالات المباشرة أو عن طريق "البراح"[4]
في الأسواق، فالزيارات تبدأ من يوم السبت، واختيار السبت له دلالته، ذلك أن الموسم
يجب أن يستغرق ثلاثة أيام: أعني الأحد، الاثنين، ثم الثلاثاء، حيث نهاية الموسم.
إن انعقاد الموسم يتم بالشعرة أما التفريق/الختام فيكون بالزرادة حيث انعقاد سوق
أسبوعي، هذا السوق هو مجال للالتقاء بالزوار الذين لم تسعفهم ظروفهم لحضور الموسم
بالشعرة، حيث البعد وصعوبة الطرق، فالمسافة تفوق
كلم وكلها عبارة عن مسالك جد صعبة.
إن المتتبع
لاستعدادات الشرفاء سيلاحظ منذ البداية أن كل فرقة من الفرق بل كل عائلة (الفرقة
هي مجموعة من العائلات) تهيأ نصيبها، وكل اللوازم الضرورية من أكل وأغطية وفريضة
(الفريضة: نصيب من المال يتم الاتفاق حوله لا يتعدى في الغالب دراهم للفرد) يتم
الاستيقاظ مبكرا حيث الاجتماع في مكان واحد (حسب كل منطقة). هناك عدة مناطق
للانطلاق حسب سكنى كل مجموعة، ما يهم هو اللقاء بمكان تواجد الضريح حيث انعقاد
الموسم (الشعرة). إن هذه الانطلاقة تزرع نوعا من الخوف والرعب في نفسية الأفراد
الذين لم تساعدهم ظروفهم لحضور الموسم. وبخصوص زيارة الموسم هناك نظام أو دورة إذ
بإمكان الفرد أن يذهب للزيارة هذه السنة، ولكن في السنة المقبلة لن يتمكن من
الزيارة لكي يتيح الفرصة لأحد أفراد عائلته، وهذا ما لا يسبب في أي خلل للأدوار
التي يقوم بها كل عضو داخل العائلة.
مع الانطلاقة لا
تكاد تسمع سوى كلمات أو عبارات يرددها الجميع: "تنفعكم الزيارة" ويجيب
الشرفاء وزوارهم: "احنا وإياكم".
ترى حول ماذا
يدور حديث الشرفاء وزوارهم وهم في طريقهم إلى الموسم؟ يختلف ذلك باختلاف الزائرين
(شباب، مسنون، كهول، أطفال، نساء، متزوجات، عازبات..) باختلاف وضعيات هؤلاء تختلف
كذلك الأهداف من الزيارة: فهناك من يرغب في النجاح والتفوق الدراسي والعملي،
والآخر يرغب في الحصول على شغل، كما أن الأخرى ترغب في الحصول على الأبناء لأنها
لم تلد بعد، أو ترغب في الحصول على طفل ذكر، وعديدات يرغبن في الزواج، وهنا نلاحظ
كذلك أن المحبين من خارج الجماعة غالبا ما يرددون: "التسليم للشرفاء أسيادي،
احنا غاديين بالنية، النية بالنية والحاجة مقضية، دير النية وما تخافش، دير النية
ونعس مع الحية" كلها أمثال شعبية يتم استحضارها وترديدها كتهييء نفسي، ولا
يقتصر الحديث عن هذه الأشياء بل يتجاوزه بطرق مختلف المواضيع كما هو الحال في
الأيام الأخرى، وهنا نسجل أن التطلعات تختلف باختلاف السن والجنس والوضعية العائلية
والمستوى الدراسي، كما يمكن للأحاديث أن تمس النزاعات الاجتماعية التي تعاش خلال
مراحل السنة.
كلما تم الاقتراب
من الضريح إلا وقل الكلام وعم الصمت، فلا تكاد تسمع سوى ذلك الصوت الذي تحدثه
الدواب، التي تكون مثقلة بكل ما يحتاجه الزوار خلال مدة الموسم، لكن هذا الصمت قد
ينتهي في كل لحظة، سيكسره أحد الأفراد الأكثر تدمرا على المستوى النفسي، فالناس
يتابعون سيرهم بشكل عاد وإذا بصراخ ينبع من داخل القافلة: إنها فتاة في سن الزواج
تجد نفسها في حالة هستيرية "ويو.. ويو.. ويو.." تتجه مسرعة نحو الأمام،
إن هذه الصرخة وهذه الصارخة سرعان ما تغيران الجو، فالجماعة يعمها الصمت من جديد،
وبشكل تعاطفي مع الصارخة تشعر الجماعة بنوع من الخشوع والاستسلام.. يتابعون طريقهم
بدون منعها أو القيام بأية محاولة، إن الصارخة التي انسلخت عن مجموعتها في اتجاه
ضريح الولي الصالح لا تقدر على التحكم في حركاتها: فهي لا تبالي بكل ما يحيط بها،
منديلها ملقى على الأرض، رأسها عاريا، وحتى وإن كانت المرأة حاملا أو بظهرها أحد
أبنائها فإنها لا تبالي بذلك ولا تعيره أي اهتمام، يبدو أن همها الوحيد هو الوصول
إلى الضريح، وهنا بالضبط تجد راحتها، تدخل فتلقي بنفسها على الأرض، وتتوسد بضريح
الولي، تنبطح على جسدها ويداها ممتدتان إلى الأمام، تبقى على هذه الحالة مدة قد
تفوق الساعة، في حرية تامة إلى أن تعود إلى حالتها الطبيعية، تستيقظ وتقبل جوانب
الضريح، بعد ذلك تتوجه إلى مجموعتها، والآن ماذا عن قدسية المكان؟
6
– ضريح الولي الصالح وظروف بنائه:
6-1-من
الرواضي إلى السيد:
ليس هناك كتابات
تؤرخ لهذا الضريح، باستثناء ما تزخر به الذاكرة الجماعية بالمنطقة. يقول أحد
الشيوخ: "تنفيذا للوصية التي تركها جدنا، دفن هنا بالشعرة، إن هذا الضريح كان
إلى عهد قريب عبارة عن مكان محاط بالصخور يسمى "الرواضي" إلا أن أحد
الشرفاء وهو سي علي ولحسن بن سعيد تطوع وشيد هذا الضريح بالإسمنت وهو لا يزال على
قيد الحياة يسكن بدوار عين الفوقي.
كان له قطيع من
المعز والأغنام والأبقار واختار واحدة من قطيعه[5]
وعينها للولي الصالح، وبدأت تلد، وتكاثر قطيعه، ثم باع ما ولدته واشترى بقرة أنجبت
هي الأخرى، وفي الأخير باع ذلك وتكلف ببناء هذا الضريح الذي نحن به الآن".
إن كل متأمل لهذه
البناية سيلاحظ أنه بناء لم يكتمل بعد، فهو يفتقد إلى "القبة"، كما
يفتقد إلى "الضربوز" (الثوب الذي يغطى به الضريح) ويفتقد إلى أماكن
لإيواء الزوار، وهذه هي إحدى نقط النزاع بين الشرفاء، فهناك من يدعو إلى ترميم
البناية ورفعها إلى مستوى يليق بالولي الصالح، من مداخيل "الزيارات"
التي يحضرها الزوار غير أن هناك من لا تروقه هذه الفكرة ويتغاضى عنها. إن المساحة
الحيطة بالضريح تم تقسيمها حسب المجموعات المكونة لشرفاء آيت علي ويوسف، وهي على
التوالي:
آيت محند وعلي –
آيت الفقيه – آيت سعيد أوحمو – آيت محند ولحسن.
إن كل فرقة أو
مجموعة من هاته المجموعات تختار مكانها الخاص بها، وهي أمكنة متشابهة، كما أن كل فرقة
تفضل أن تستقر تحت شجرة مضللة وبجانب صخرة تقيها من حرارة الشمس، إذ الملاحظ أن
المجموعات رغم تقسيمها للمجال فإن التواصل يبقى أساسيا بينها، وكل جماعة ترتب
أمتعتها بالشكل الذي يناسبها، في حين تبقى الساحة المحادية مجالا عاما مكتضا
بالدواب ومسرحا عاما للطقوس التي يشهدها الموسم (استقبال الزوار وإطعامهم، حضرة..)
سكان منطقة الشعرة يعلمون وقت بداية الموسم، وبذلك يقدمون للشرفاء بعض المساعدات
(أواني الطبخ، التبن للدواب، الحطب، وأفرشة إن دعت الضرورة لذلك).
بعد الزوال حوالي
الثالثة والنصف، هناك مجموعة من الشرفاء لم تحضر بعد للضريح لأنها سلكت طريقا آخر
لتؤدي طقسا ارتبط بـ"روضة" لا تبعد عن الضريح إلا بحوالي كيلومترين.
6-2-الروضة:
مكان مقدس.
حسب روايات بعض
المسنين، إن هذه الروضة هي المكان الذي وقفت فيه الدابة الحاملة للولي بعد وفاته،
تطبيقا لوصيته، ثم نهضت الدابة من جديد لتتابع سيرها حتى المكان الذي يقام به
الموسم حاليا حيث تواجد ضريح الولي[6].
إن هذه الروضة أصبحت مكانا مقدسا ومعظما، محاطا ببعض الأحجار تتوسطه أشجار لا تمس
بسوء، تعلق بها بعض القطع من الثوب، وقدسية هذا المكان مستمدة من ركود دابة الولي
الصالح به، ومن هذه الروضة تكون الانطلاقة في اتجاه الضريح حيث تنطلق المجموعة
حاملة معها "لعلام"[7]
الذي هو عبارة عن ثوب قديم لونه أحمر.
تؤكد أغلب
الشهادات أنه موروث عن "مولاي علي بن عمر" المدفون بتالسينت، وهو
"ابن مولاي عمر والشريف" المدفون بباب الخوخة بفاس، ويقام موسمه كل سنة،
ضريحه موضوع نزاع بين مجموعة من الورثة كما أكد لنا أحد المسنين رحمه الله.
6-3-الجذبة
والحضرة:
في حضرتك أيها
المجدوب يا أحمر العينين
من الروضة تنطلق
جموع الحاضرين في اتجاه الضريح مرددين:
"يالله،
يالعزيز، يا ربي، يا مولانا.."، ثم الصلاة على النبي: اللهم صلي عليك يا
سيدنا، يا رسول الله، "يا مولاي علي بن عمر"، جهرا وبدون توقف تتجه
الجموع هنا، نحو الضريح في حماس وخوف شديدين، إن الضريح في هذه اللحظة تكون جوانبه
قد اكتظت بالزوار وبالشرفاء، تمتلئ الساحة، ويكثر العويل والصراخ، والبكاء، ويصبح
هذا الفضاء آخر، كل شيء قد تغير، الكل في حالة ترقب، بل هناك حالات كثيرة في وضع
هيستيري أو جنوني حيث الأغلبية الساحقة تلتهم الأشواك، تطوف حول الضريح، حافية
الأقدام، عارية الرؤوس، والعرق يتصبب وقد اختلط بالغبار، الأطفال يصرخون، خوفا مما
يجري أو تركتهم أمهاتهم اللواتي دخلن في "حضرة" (هنا يستكشف الجسد
المغربي المقموع والمكبوث، ذكرا وأنثى عن مكبوته التاريخي ويعلق كل آماله الدفينة
عن الولي الصالح)[8]،
فرغم امتلاء هذا الفضاء بالأشواك والصخور الحادة، فلا أحد يبالي بذلك، إذ لا يمكن
للإنسان أن ينتزع حذاءه في مثل هذه الأماكن، وبالأحرى أن يلتهم هذه الأشواك، التي
تخلف دماءا تبدو على شفاه ملتهميها وأنت تتابع هذا الجو وتتأمل ما يجري وما يحيط
بك، قد تفاجئ بهذا السؤال الميتافيزيقي: أي صدفة هاته حتى لا تنبت هذه الأرض
المحيطة بالضريح سوى هذا الشوك الأبيض وهذه الصخور الحادة؟
شساعة الفضاء،
تتقلص الآن، وها هي الأجساد التي تعيش الحضرة تطوف حول الضريح، وكبار السن يدعون
إلى تشكيل حلقة، تقلص من شساعة الفضاء وتجعل "المجاذيب" وسط الحلقة،
يتابعون دندناتهم و حركاتهم ذهابا وإيابا، إن هذه الحضرة، وهذه الجذبة لا تمس
الشرفاء وحدهم بل نساؤهم أيضا حتى ولو كنا من أصل خارجي، بل أحيانا تمس حتى
الزائرات والزوار والمحبين، ومن لم "يحضر ويجذب" سيكتفي بالقول:
"التسليم.. التسليم للشرفاء أسيادي"، "الله ينفعنا ببركة أسيادنا،
الله ينفعنا ببركتكم" ومنهم من يتجاوز ترديد هذه العبارات، فتراه يبكي،
وتنهمر عيناه بالدموع، يستمر هذا الجو الهستيري حوالي ساعة أو يزيد، تعقد
"الحلقة" ويطوف بها الجميع، كما يوضع بداخلها الأشخاص الذين لم ينتهوا
بعد من جذبتهم، حيث يتم إسقاطهم بالتعاون ويتم تنويمهم داخل الحلقة، إلى أن يعودوا
إلى حالتهم الطبيعية داعين لهم بالانتفاع والبركة: "الله ينفعكم".
6-4-فضاءات
الموسم أو التطهير الجماعي:
يتقدم الزوار نحو
الحلقة ويشرع كل واحد منهم في الكشف عن مشاكله ومتاعبه أو مقصوده من الزيارة،
وقدومه إلى هذا المكان[9]:
إنه اتصال وتلاحم مباشرين بين الزوار والشرفاء، والولي الصالح، أنه لا مكان هنا
لفرويد ولا لجاكلكان[10]،
هنا يتقدم كل واحد من الزوار للاتصال بالشرفاء مسلحا بالنية والتسليم، وفي هذه
الأثناء تتساقط الهدايا/الزيارات على الحلقة، أما الشرفاء فهم يدعون بالخير
والشفاء والنجاح لكل من زارهم، ويدعون ضد كل من يسيء إليهم ولمحبيهم، فالزوار
يتقدمون بهدايا مختلفة تبعا لاختلافهم واختلاف نواياهم وأغراضهم: فهناك من
يزور/يتبرع بالمال، وهناك من يتقدم بالسكر، وآخر بالذبيحة (معز، بقر، غنم، دجاج).
أما الشرفاء من جهتهم فلا يكتفون بتقديم الدعاوي بل يعملون على تكسير السكر إلى
أطراف صغيرة، توزع وتعطى للزوار كمكافأة رمزية، يأخذها الزائر كبركة ويسلمها لأهله
وذويه الذين لم يتمكنوا من حضور الموسم، بل هناك من الزوار من يتبرك بأخذ حفنة من
التراب من جوانب الضريح، وفي الأخير يتم تفريق الحلقة داعين للجميع بالشفاء
والانتفاع من الزيارة، كما يتم الدعاء الملك البلاد وعائلته.
هذا ما يقع في
اليوم الأول من الزيارة، ونفس الطقوس تقام في اليوم الثاني، وخلال الموسم، يتكلف
الشرفاء بتحضير الطعام لكل الزوار القادمين بدون استثناء، يقول أحد المسنين:
"إن الموسم تاريخ، صلة للرحم، طعام لله، يوم عيد، ونحن هنا، وهذه مسألة مجربة
من قصدنا بنية الخير، فإن الله لا يضيع مقصده، بل يتحقق له كل ما يتمناه بقدرة
الله".
ما يمكن استخلاصه
مما سبق هو أن كل من حضر تلك الطقوس، إلا وأدرك قوة الأحاسيس الدينية التي تولدها،
فضلا عن قيمة إيمان الزوار بفعالية الولي الصالح، كما يظهر من سلوكهم، كلما وجدوا
أنفسهم في وضعية صعبة، لكن إيمانهم غير مشروط بعقيدة دوغمائية أو نظرية دينية ما،
رغم ما يكتنف الساحة من حملة تشكيك، متصاعد في قدرات الصلحاء والأولياء، ونفس
الشيء أكده ماركيوس في مصدر سابق.
7
– سلطة الكرامة والقداسمة: معتقدات وخوارق.
يقول الشيخ علي[11]:
شايلاه أسيدي علي ويوسف، كان بوداليا، بدأ يبكي عندما أرغمه إخوانه على الصلاة،
فقال لهم والدهم: أتركوه: إنه معفي منها، إنها مرفوعة عليه (الصلاة)، لقد تركت له
ما يعيش به، سيعيش من "ريقه"، إنه بفضل بوداليته/جذبته، أعفي من الصلاة،
إن أولاده يعالجون مختلف الأمراض "بالريق" ومن كراماته، أنه وجد في
منطقة صحراوية، ضرب الأرض برجليه، فإذا بالماء ينبع وسط الصحراء، سبحان الله،
شيلاه الأسلاف، شيلاه أسيدي علي ويوسف، شيلاه ألالة سيدنا جبراين.. ثم يضيف: إن
سيدي محند وعلي ويوسف سرقت منه بقرة من طرف قبيلة مرموشة، بدأ يبحث عن بقرته متبعا
آثارها، وعندما وصل إلى قبيلة مرموشة انقطعت عنه آثار البقرة، فناداهم وخرجوا
إليه، يسخرون منه، وقال لهم: أريد بقرتي، هاته البقرة ذبحوها واقتسموها فيما
بينهم، غير أنها استعصت على الطهي، وأثناء الذبح لم يفصلوا الرأس عن الجلد، غضب
الولي الصالح وتحداهم قائلا: إذا لم تعطوني بقرتي، فإنني سأناديها وتحضر، أينما
وضعتموها، ازدادوا سخرية منه، نادى بقرته فإذا برأسها "جاء" يجر الجلد،
فانبهروا ووقفوا خاشعين، وطالبين المعذرة، أحضروا قطيعا فاختار بقرة الرضى،
فخاطبهم: والآن اذهبوا فإن اللحم سيكون طاهيا، ذلك أن هذا اللحم
"المسروق" تحول إلى دم في أواني طبخهم، منذ ذلك الوقت، لا أحد يستطيع
الاقتراب من أمور الشرفاء مهما كانت.. تبارك الله، شاء الله يا أحمر العينين
(الشريف) هذا برهان، ثم يضيف: ألا تعرف واقعة الديك في الشعرة؟ قلت لا: فاسترد
قائلا: امرأة سبق أن وعدت الشرفاء بذبيحة، أحضرت ديكا فإذا بإحدى النساء تسرقه
منها، جاءت إلى الشرفاء باكية وتقول: يا أسيادي، وعدتكم بإحضار ذبيحة إن تحقق
مرادي، وقد أحضرت معي ديكا، إلا أنه سرق مني هنا بالموسم، أجابها أحد الشرفاء:
أتركوه حتى الصباح، أينما كان سيظهر، وفي الصباح بدأت المرأة السارقة تصيح كالديك
(تؤذن)، يقول الشيخ رحمه الله: وهذه حضرتها ورأيتها بأم عيني، صاحت المرأة وحاول
زوجها إخفاء أمرها، لكنه في النهاية سيعجز ويكتشف أمرها، هذا برهان آخر".
هنا أتوقف قليلا
وأعرض لطقوس أخرى يعيشها الموسم.
8
– تازروت: محاكمة اجتماعية ونفسية وأخلاقية.
لكي تتم الزيارة
وتكتمل الاستفادة، لا بد للزائر أن يتوجه إلى "تازروت"، وهي لفظة
أمازيغية تعني الصخرة، إنها لا تبعد كثيرا عن الضريح تتوسطها فتحة تكاد تكون
دائرية، وهي لا تختلف عن الصخور الأخرى إلا بما تراكم حولها من معتقدات وخوارق: لا
يمر منها إلا الإنسان الصالح، أما ذوي الصفات والأعمال الدنيئة فلا يمكن له أن
يجتازها، أما وإن حاول المرور فإنه سيتعذر عليه الأمر، يقول أحد المحبين:
"شيلاه أسيدي علي ويوسف، إنها تداوي آلام الظهر، إن المرور من هنا معناه
نهاية للألم". تتجه جموع النساء والأطفال والشباب نحو "تازروت"
ويصبح المكان مكتظا أشبه بسوق أسبوعي، ميزة هذه اللحظة هي الرغبة في اجتياز الممر
وكل من اجتاز(ت) بسلام يصبح بريئا ومقبولا اجتماعيا، وكأن هذه الصخرة هي الصراط
المستقيم. في هذه الأثناء ينبغي على المتتبع أن يلاحظ ويراقب شعور الناس
وارتساماتهم وهم مجتمعين حول هذه الصخرة، إنهم يرغبون في الاجتياز وخائفون في نفس
الوقت.
وماذا عن طقوس
المرور؟
تتم عملية
الاجتياز بالزحف على الركبتين مع تقديم اليدين إلى الأمام ويتخذ الجسد هنا شكلا
سمكيا، مرنا، ويتم المرور من الجهة اليمنى للصخرة، كما أن هناك من يجتازها ذهابا
وإيابا كما هو الأمر بالنسبة للأطفال. تتسارع وتتزاحم، الفتيات اللواتي في سن
الزواج لاجتياز الحاجز، ليظهرن براءتهن وسلامتهن، والويل للذي أو التي لم تتمكن من
الاجتياز، إن هذا الطقس بمثابة اختبار جماعي تختبر به الجماعة أفرادها: هل رأيت
فلان أو فلانة وقعت ضحية الصخرة، هو ذا جزاؤه(ها) لأنه إنسان فعل كذا وكذا.. وعلى
الراغب في الاجتياز أن يتجرد من الأحذية والحزام والساعة والنقود، وفي حالة تعثر
المجتاز تمتلئ الأجواء ويكثر الكلام وتبرز التأويلات، وفي نفس الوقت يتم إخبار
الشرفاء الذين غالبا ما يكونون بالضريح، يحضرون ومعهم "لعلام" وهم
يرددون: "يالله، يالعزيز، يا مولانا" ومع ترديد هذا الشعار يعم الغضب من
جديد وتشتد الجذبة وتصل دروتها، إذ تختلف الانفعالات وتتفاوت من شخص لآخر وقد
يتجدد ما رأيناه من طقوس ومن حضرة، بل يتم إحضار "ذبيحة" قصد إسالة
الدماء فوق هذه الصخرة التي أصبحت مملوءة بعمامات الرجال وهو ما يسمى
"بالعار" يستمر التهليل وطلب الله والولي الصالح حتى يتم
"إطلاق" سراح الضحية، كما يتلقى المجتاز/الضحية مساعدات من قبل الحاضرين
المتابعين مما يجري بشغف وتمعن.
وخلال هذه
المتابعة سجلنا، بل تم إدلالنا على صخرة مماثلة كانت تمارس بها نفس الطقوس قبل
تحطيمها، كما أن طقوس الاجتياز لا تمارس إلا خلال الموسم السنوي حيث يتحقق الشرط
"الجماهيري" إنه من الصعب أن نتحدث هنا عن تراجع القاعدة الاجتماعية
للشرفاء ولطقوس الاحتفال، إلا من خلال التعبئة التي تقيمها الجماعات الإسلامية
السياسية التي تحرم هذه الممارسة وتدعو إلى تحطيم هذه "الأوتان" وهنا
نسجل موقعا آخر للصراع وللتأويل.
9
– نهاية الموسم أو تنفعكم الزيارة:
إذا كان الموسم
كما قلنا يعقد بالشعرة فإن التفرقة أو الختام تكون بالزراردة، حيث انعقاد سوق
أسبوعي، حيث البعد وصعوبة الطريق. إن الأمر بهذا السوق يختلف عما هو عليه بالشعرة،
إذ لا يجتمع الشرفاء إلا صبيحة الثلاثاء فقط بعد ذلك يتوزعون، هناك مكان معروف
يجلسون فيه بجانب السوق وهو مكان غير مستوي مظلل بأشجار الزيتون، يكونون حلقة
ويفترشون الأرض ثم يشعون "لعلام" وسط الحلقة ويشرعون في استقبال الناس
وتقديم دعاوي الخير، ويظل الأمر على هذا الحال حتى الواحدة بعد الزوال، يجتمع
ممثلي الفرق المكونة لشرفاء آيت علي ويوسف من أجل احتساب وتوزيع مداخيل الموسم
سواء بالشعرة، أو حيث هم مجتمعون الآن، وتصل هذه المداخيل في الغالب إلى ما يقارب
خمسة عشر ألف درهم، بعدها يقدمون المعروف داعين للجميع وينصرفون في حال سبيلهم.
ما هو ذا الموسم
قد انتهى، يبقى من اللازم أن نستحضر مؤسسة ذات أهمية كبرى بالنسبة لشرفاء آيت علي
ويوسف وأقصد "المسجد المتنقل".
10
– المسجد المتنقل: أو ما تبقى من الزاوية:
بدورها لا تقل
أهمية عما سبق، بطقوسها، ومعتقداتها "بأسرارها وبركاتها"، تعرف
بـ"تمزكيدة نشعر" أي مسجد الشعر وهي عبارة عن خيمة كتلك التي كان وما
يزال الرحل المتنقلون يستعملونها كمأوى لهم، وقبل التساؤل عن وظيفتها ودورها داخل
المجتمع لا بأس من الاستماع إلى أحد المسنين لعله يقربنا منها: "إنها مسجد،
قديما كانوا يقيمون بها الصلح بين الناس (العار) وبين القبائل المتنازعة.. إنها
هكذا منذ أن عرفتها، يقصدها الناس من كل مكان".
أهمية هذا المسجد
بالنسبة للشرفاء لا تقل أهمية عن الضريح السابق الذكر، إن المسجد لا يعرف الاستقرار
والثبات، إنه دائم التنقل والحركة، فهو تارة ببوزملان، وأخرى بوادي المالح وحوض
الشاكري، أما المكان الأقل عددا "عين الفوقي" فالمسجد لا يصله نظرا لعدم
مطالبة شرفاء المنطقة بذلك.
إن المسجد هنا
يلعب دور الزاوية، يستقبل الزوار والمحبين الذين يرغبون في "الخبزة
والبركة" بتعبيرهم. المسجد عبارة عن خيمة كما قلت، يتم إصلاحها وترقيعها كلما
تقادم جزء من أجزاءها ويسهر على حراستها ومراقبتها فقيه يشترط في الاستقامة وعدم
ممارسة فن الحرف (السحر) داخل المسجد، هذا الفقيه تتكلف جماعة الشرفاء
بـ"شرطه" أي أجرته، منامه، مأكله، مشربه داخل المسجد، وهو في بعض
الأحيان يعيش بعيدا عن زوجته وأبنائه. إن المسجد مفروش من الداخل ومجزء إلى جزءين:
أحدهما مخصص للنساء والآخر للرجال، بداخله أفرشة وأغطية وبعض الأواني، بعض أنواع
الشموع معلقة داخلها كتلك الني نصادفها ونحن نطوف أزقة المدينة القديمة بفاس، على
أعمدتها الرئيسية تعلق ساعة حائطية.
إن المسجد لا
يستقر في مكان واحد بل دائم التنقل، يستغرق شهرا واحدا عند كل شريف، وعندما ينتهي
هذا الوقت يتم تسليمه إلى الشريف الآخر، لكي يستغرق عنده شهرا كاملا، وهكذا
دواليك.
كيف يتم استقبال
المسجد؟ يتم استقباله بحضور الناس من مختلف الأمكنة المجاورة، لكي تستمر السهرة
حتى أواخر الليل تتخللها أحاديثدينية، وتهاليل يرددها الجميع، وقراءة القرآن، بل
والغوص في بعض مشاكل الحياة وأخبار البلد.
يتم ترحيل المسجد
في وقت مبكر حيث يتم التعاون في نقل وترحيل مستلزماته، لأن هناك اعتقاد سائد، أن
كل من ساعد في أمر هذا المسجد سينال أجرا كبيرا عند الله.
خلال شهر كامل،
يستفيد الشريف من كل الهدايا التي يأتي بها الزوار دون أن يطالبه أحدهم بأي شيء
حسب ما يقتضيه العرف أو القانون الداخلي للجماعة، وفي نفس الآن فالشريف طيلة شهر
كامل يستقبل بتكريم كل من دق باب المسجد، ويلزم أيضا هنا أن نقف عند الدور الهام
للمرأة في كل هذه العمليات، إنها تتعب كثيرا، تستيقظ مبكرا طيلة أيام الشهر، لتهيء
الفطور، في النهار كما في الليل تكون ملزمة بإحضار الأكل وتهييئه لكل من طرق باب
الزاوية، تقول إحدى السيدات وقد ظهرت علامات التعب على وجهها: "نحن نقوم بهذا
في سبيل الله، ولا نريد أن يقال عنا نحن لا نعتني بزوارنا أو نتضايق من
المسجد".
والمهم بالنسبة
للشرفاء هو أن: "تصلهم المسجد لكي ينتفعوا ببركتها" وتجدر الإشارة أن
المسجد لا يسلم إلا للشرفاء.
إن
المسجد/الزاوية بدوره الحالي لا ينفصل عن دوره التاريخي، وإن كانت الجوانب
الترويحية-الاستهلاكية، العلاجية، المزارية، هي الغالبة حاليا.