انطلقت الطريقة التجانية من فاس، وانتشرت بعد ذلك في كل
أنحاء المغرب من أقصاه إلى أقصاه، ثم عم إشعاع تعاليم هذه الطريقة كل بلاد السودان
الغربي، بفضل العمل الذي قام به الشناقطة بأقصى الجنوب المغربي، منذ أن أخذ شيخهم
محمد الحافظ الطريقة عن الشيخ التجاني مباشرة، ونشـرها ببلاده في بادئ الأمر، قبل
أن تنتقل إلى ما وراء نهري السنغال والنيجر. غير أن الذي عمق جذورها ووطد أركانها
في غرب إفريقيا حتى بحيرة تشاد، هو المجاهد الحاج عمر الفوتي[1]، بفضل فتوحاته بالمنطقة التي مكنته من
إنشاء إمبراطورية إسلامية تجانية خلال النصف الثاني من القرن 19.
وبما أن هذه الحركة الصوفية الإصلاحية
بالسودان الغربي، بذرة مغربية طيبة، عبر كل أطوار نموها وترعرعها إلى أن أثمرت
قيادة إسلامية فذة جددت الإسلام وحاربت الوثنية والمسيحية بكل اقتدار، فإن الحضور
المغربي الديني، الفكري والبشري، ظل متواصلا بإفريقيا جنوب الصحراء على طول المدى
الزمني الذي شهد بداية قيام الزاوية التجانية هناك، ونشأتها وانتشار نفوذها في
بلدان حوضي السنغال والنيجر وما وراءهما، وإلى يومنا هذا، محافظة بذلك على
استمرارية الروابط التاريخية التي جمعت بين المغرب وبلدان السودان الغربي عبر
تاريخه الإسلامي.
إن عناصر المعلومات التي نود إدراجها
ضمن هذا المقال، لمِن شأنها أن تؤكد هذا الحضور المغربي، من خلال ما تركه بعض
التجانيين المغاربة من إنتاج فكري متنوع، لكنه يدور بشكل عام حول مواضيع أهمها: التأريخ
لحياة الحاج عمر وأهم أعماله الجهادية، ومباركة حركته الإصلاحية بمنطقته وتهنئته
له بالمناسبة، والإشادة بعدله وبعدل نوابه، وكذا طلب أوراده والالتجاء إليه أو
الاحتماء به، مع تقديم بعض الأعذار من قبل من لم يساعدهم الحظ في نيل شرف الجهاد
إلى جانبه. ومما ساعد على ربط هذا الاتصال ونقل الأخبار، وجود أحد المغاربة
الشناقطة في ميدان القتال إلى جانب الحاج عمر، والذي كان يبعث برسائله إلى تجانيي
أهم المدن المغربية، كفاس ومكناس ومراكش، يخبرهم من خلالها بتطور الأحداث في
المنطقة. كما تسمح بعض هذه الوثائق، بمعرفة وجود تجانيين سودانيين قاموا بحمل
رسائل من المغرب إلى الحاج عمر سلطان الدولة التجانية، بل نجد تجانيا مغربيا من
فاس يشد الرحال إلى مركز حكم ابن الحاج عمر وخليفته بماسينا، أحمد المدني، بعد
وفاة أبيه. وقد ارتأينا تصنيف هذه الوثيقة المتعلقة بقدوم هذه الشخصية الرفيعة
المستوى إلى السودان الغربي، ضمن الكتابات المغربية بشكل استثنائي، رغم أن كاتبها
مشكوك في مغربـيته، لسبب واحد، مهم، وهو كون معلوماته تدور حول هذا القادم من فاس،
الذي هو أبو العباس سيدي أحمد بن محمد بن الشيخ محمد الغالي، يعني حفيد شيخ الحاج
عمر الفوتي المباشر في الطريقة التجانية. وهذا أكبر دليل على العناية الفائقة التي
تحتلها إفريقيا جنوب الصحراء في قلوب المغاربة، وأحد أبرز مظاهر حضورهم بها.
وقد ظهر التقارب بين المغرب والدولة
التجانية في الربع الأخير من القرن 19،
أكثر وضوحا، عندما أصبح مجموع التراب الخاضع لنفوذ أحمد الكبير ابن الحاج عمر،
مهددا من قبل الفرنسيين، فكتب هذا الأخير إلى السلطان المغربي في سنة 1301 هـ [1884]، يطلب منه المدد
لمحاربة العدو الفرنسي، معلنا له أن البلاد بلاده وهو نائب عنه فيها فقط [2].
ويمكن تقسيم هذه الرسائل والوثائق
المغربية من حيث جهة صدورها إلى قسمين، مجموعة من شمال المغرب وأخرى من جنوبه.
-I مجـموعة نصوص لكتاب من شمال المغـرب
ووسطه (فـاس – مراكش):
ويتعلق الأمر هنا بما كتبه مجهول فاس،
وبما كتب عن وصول حفيد محمد الغالي من نفس المدينة إلى السودان الغربي، بالإضافة
إلى كتابات الفقيهين محمد أكنسوس، ومحمد بن عبد الواحد النظيفـي، وكلاهما من
مراكش.
1- مجهـول فـاس: تأليـف حـول حـياة
الحـاج عمـر [3]:
لم نتمكن للأسف من الحصول على نسخة للنص
العربي لهذا المخطوط المجهول المؤلف، والذي قدم له وترجم محتواه جول سالينك Jules Salenc
، مدير مدرسة Faidherbe
بجزيرة كوري Gorée السنغالية، إلى
الجنوب من دكار آنذاك. وعن كيفية حصوله على هذا المخطوط، يذكر في مقدمة عمله أن
الذي سلمه له مشكورا هو القائد العسكري كادن Lieutenant Colonel Gaden حاكم موريطانيا العام، والذي كان قد سلمه له بدوره
مقدم الزاوية التجانية بفاس سيدي محمد العبدلاوي [4] .
هذا
المخطوط الذي يحمل عنوان: سيرة الحاج عمر Biographie
d’Al Hadj Omar، يضم معلومات،
قسمها المترجم إلى أربعة أقسام:
أ- جرد لصفات الحاج عمر الحميدة، ولقوة
شخصيته العلمية والدينية، مع تتبع مراحل تعرفه على التجانية وانخراطه فيها.
ب- رسالة موجهة إلى علماء المغرب من قبل
شنقيطي بتاريخ 24
شوال 1282،
هو أحمد بن العباس العلوي الشنجيطي، الذي رافق الحاج عمر لمدة من الزمن في عملياته
الجهادية. وهي الرسالة التي حوت معلومات عن نوع دروس التربية والتعليم التي يعطيها
الشيخ الفوتي لتلاميذه ومريـديه، بالإضافة إلى تقديـم جـرد لأهم الأحداث التاريخية
للنزاع المسلح الذي كان يخوضه ضـد إمبراطور سـيكو Ségou وملك ماسـينا
خلال سنوات 1861- 1862 – 1863 –
1864[5].
وكتعليق
على هذه الرسالة نرى من جهتـنا، أن مضمون نصها العربي، يوجد بكامله في كتاب "
كشف الحجاب " لأحمد سكيرج (ص 335)،
الذي لم يذكر المصدر الذي اعتمد عليه في الحصول عليها، إلا أنه من المحتمل جدا أن
تكون هذه الرسالة هي واحدة من الرسائل التي وجهها أحمد بن العباس العلوي الشنجيطي
إلى تجانيي المغرب كما سيأتي، والتي من المفروض أن تكون في ملكية مؤلف " كشف
الحجاب ".
ج- بعض المعلومات المتعلقة بالجانب
الفكري والثقافي لشخصية الحاج عمر، مع لائحة لأهم الكتب التي ألفها.
د- الجزء الرابع والأخير من هذا المخطوط
والمتعلق بمناقب الحاج عمر هو الأكثر طولا على حد تعبير المترجم، لكثرة ما سرده المؤلف
من كرامات وخوارق ظهرت على هذا الشيخ[6] ورواها بلسانه. ومما تجدر ملاحظته هنا،
أن كل هذه الكرامات المنسوبة للشيخ عمر في هذا العمل المترجم منقولة بكاملها من
كتابه "رماح حزب الرحيم على نحور حزب الرجيم" [7].
وكتقـييم إجمالي لعمل مجهول فـاس، نرى
أن مضمون مخطوطه يتكـون في الحقيقة من ثلاثة مؤلفـين [8]:
- المجهول وهو الذي قدم معلومات القسم
الأول والثالث.
- أحمد بن العباس العلوي الشنجيطي صاحب
الرسالة الموجهة إلى المغرب.
- الحاج عمر الذي وردت أخبار الكرامات
على لسانه.
ورغم
ما يبدو من تلفيق في هذا المخطوط، فإن صاحبه بذل في الواقع مجهودا محمودا تحرى فيه
الأمانة العلمية، بذكر المصادر التي اعتمد عليها في كتابة مؤلفه، وقدم إسهاما عز
نظيره في ميدان الكتابة التاريخية المتعلقة بإفريقيا جنوب الصحراء، لما في ذلك من
تعزيز لمقولة الحضور الفكري المغربي المستمر بالسودان الغربي، وانشغال المغاربة
واهتمامهم بكل الأحداث الكبرى التي ميزت تاريخ المجتمعات الإسلامية الشقيقة
بالسودان الغربي.
غير
أن السؤال الذي لم تجب عنه معلومات هذا المخطوط، ولا استنتاجات المترجم له، هو
كيفية حصول المؤلف المجهول نفسه على أوصاف الحاج عمر. هل ساقته الأقدار إلى السودان
الغربي وعاش فترة من الزمن إلى جانب هذا الشيخ مما مكنه من إعطاء أوصاف دقيقة عن
شخصية الحاج عمر المادية والمعنوية ؟ أم استقى معلوماته من خلال الرواية الشفوية،
وهو يستجوب بعض من يفد من بلدان الساحل وأعالي نهري السنغال والنيجر من حين لآخر
لزيارة ضريح الشيخ التجاني بفاس، والذهاب لأداء فريضة الحج، مع علمنا مسبقا بأن
الإشكال غير مطروح بالنسبة إلى الجوانب الأخرى من معلومات مخطوطه.
2- محمد الصغير بن إبراهيم بن عمر بن
محمد بن موسى بن محمد الداري التجاني: حول وصول حفيد محمد الغالي إلى السودان
الغربي[9]:
تحمل
هذه الوثيقة المخطوطة تاريخ جمادى الأولى 1285
[1865]، وقد أورد فيها صاحبها خبر قدوم أبي العباس سيدي أحمد بن
محمد بن محمد الغالي أبو طالب، من فاس على أمير المؤمنين أحمد الكبير المدني، وهو
حفيد شيخ الحاج عمر الفوتي المباشر في أخذ ورد الطريقة التجانية، الذي التقى به
ولازمه مدة من الزمن في مكة والمدينة إلى أن تحقق مراده كما علمنا. وكان يوم وصوله
يوما عظيما، وتاريخا مشهودا، لأن القادم أحد فروع الشجرة الطيبة التي كانت نبتـتها
الأولى، قيام الزاوية التجانية بفاس على يد الشيخ المؤسس، قبل أن تمتد فروعها إلى
كل أنحاء المعمور، ومما يعبر عن أهمية هذا الحدث وجلاله، قول المؤلف: "وخرج
الخليفة أيده الله ونصره لتلقيه وملاقاته وفرح به جدا وأكرمه آية الإكرام، وفرح به
المسلمون عموما وخصوصا، ولله تعالى الحمد ومزيد الشكر، وهذا من سعادة الخليفة
المنصور...ولما لقيه الخليفة وحياه وصافحه، كنت أول من صافحه بعد الخليفة ولله
تعالى الحمد ومزيد الشكر... [10].
وقد
صادف مجيء حفيد الشيخ محمد الغالي ضيفا على سلطان الدولة التجانية، صناعة أول خاتم
للأمير أحمد الكبير المدني ليختم به وثائقه، وحتى يتبرك بهذا القدوم ويصير عنده
طالع يمن ومصدر كل فتح مبين، يضيف نفـس المصدر، كانت أول وثيقة ختمها بهذا الطابع،
هي تلك التي بعث بها إلى حفيد شيخ أبيه وضيفه يطلب منه فيها صالح الدعوات، فيما هو
مقبل عليه من الأعمال والسياسات ويلتمـس منه ضمنيا تزكيته سلطانا على البلاد، ولما
حصلت على ما يبدو هذه التزكيـة:" اتفقت جماعة الإسلام واجتمعت على دعاء
الخليفة وتسميته نصره الله بأمير المؤمنين وندائه بذلك ومنع ما سوى ذلك..."[11]. ويمكن أن نستنتج من هذا الكلام أن
أحمد الكبير المدني استغل وجود السلطة الروحية المؤثرة ليدعو رعيته إلى تجديد
بيعته سعيا وراء الحصول على دعم أكبر، مما لا يترك مجالا للشك في كون كبار الدولة
التجانية بالسودان الغربي، كانوا يعتبرون أنفسهم امتدادا للمغرب من الناحية
الدينية والروحية، وأحيانا السياسية.
3- ثـلاث رسائل من الفقيه محـمد
أكنسوس إلى الحاج عـمر:
تمكنا
من وضع اليد على ثلاث رسائل للعلامة محمد أكنسوس، يمدح فيها الشيخ عمر الفوتي
ويهنئه على ما فتح الله على يديه من بلدان بالسودان الغربي، وما دخلت بفضله من أمم
مشركة في الإسلام، كما يطلب منه قضاء بعض الأغراض في إحدى هذه الرسائل وكلها غير
مؤرخة باستثناء واحدة.
أ- الرسالـة الأولـى [12]:
استهلها الفقيه أكنسوس، مخاطبا الحاج
عمر بقوله بعد الحمد لله والصلاة والسلام على نبيه:
سلام كما فاحت أزهار سوسان
ومـاست علـى كثبـانها قضب البان
يحملها جــيب الجنـوب تـحيـــــة تـنم بمـسراهـا نواســم ريـحان
تسير مسير الشمس وهنا فتنثــني من الغرب نحو الجوف تجري بحسبان [13]
ومما
يدل على أن أخبار عمليات الجهاد بالسودان الغربي ضد الكفر والوثنية بقيادة الحاج
عمر، كانت تصل أصداؤها إلى المغرب قول الناظم في نفس القصيدة مواصلا تغنيه بشأن
بطل هذه الأحداث:
وأيـده بـالرعب تسـري أمامــــــه كتائبـه تجلي غيـاهب كفران
تـشـايعه أجنـاد كـل
موفـــــــــــــق له قصبات السبق
في كل ميدان
جيـوش كقطع الليل للخيل تحته إذا صهلـت مفـتنة رجع ألحان
فتـومض من بيض الظبا ببوارق وتقـذف من سمر الرماح بشهبان
تراع لها الأصنام في أرض رمــة ويخشى لظاها كل عابد أوثـان [14]
إلى أن يقول:
أيا نصر الإسلام شم بأرق المنــى وباكر لروض في ذرى المجد فينان
قضى الله جل الله أن تملك الدنى وتفتحهـا من بيـن سند وسـودان
وأنك تطوي الأرض غير مدافع فمن أرض سودان إلى أرض بغدان
وتـملأها عدلا يـــــرف لـــــواؤه على الهرمين أو على رأس غمـدان [15]
وبما أن الشاعر يرى في الشيخ عمر الشخص
الذي حطم الأصنام وقهر عبدة الأوثان بالسودان الغربي، وملأ أرضها عدلا بعد أن ملئت
جورا، فهو لا يتردد في تشبيه عمر هذا بعمر بن الخطاب:
أيا سمي الفاروق ووارث سمته وناصر دين الحق من غير بهتان
أيا سمي الفاروق تابـع هديـــــــه وسنتـه المثـلى بتحقيق برهـان
ثم ختم هذه
القصيدة، التي بلغ عدد أبياتها خمسة وخمسين قائلا:
وكن واثقا بالله منتصرا بـــــــه فسلطانه يعنو لـه كـل سلطان
فلا زلت للدنيا تحـوط جهاتهــــا وللدين تحمـيه بملك سليمـان[16]
ب- الرسـالة الثانيـة[17]:
هذه
الرسالة غير مؤرخة أيضا، وهي عبارة عن قصيدة كذلك تطرقت أبياتها لنفس المواضيع
المطروقة في القصيدة تقريبا، مع ملاحظة تخصيص عناية أكبر في إنشائها من قبل الفقيه
أكنسوس تقديرا لمخاطبه، وإبرازا لعلو كعبه على ما يبدو، في قرض الشعر ونظم
القوافي، علاوة على إلمامه بعلوم أخرى، غير أن الأمر الأكثر دلالة في هذه القوافي،
هو افتتان صاحبها بالحاج عمر، وتقديره الكبير له. يقول مطلع هذه القصيدة، التي
عثرنا عليها بمركز أحمد باب بتمبكتـو:
إلى نخبـة الأخيار ياقوت أزمـــان وقـائد جنـد الله فـوتي بلدان
من العاشق الفاسي نازح أوطان وسلام كما فاحت أزهار سوسان[18]
إلى أن يقول واصفا صلاح الحاج عمر
ونسكه:
ديــانـــــــــة اللـــه
طــــاعـــــــة أورع وعـفتـه فـي النـاس عفة أرفـع
وإن رامه سود القلوب تشرقـــــت وإن هــزه حـر الثنـاء تـدفقت[19]
يا شمس قطرنا يا سور
حرزنـــــــــا ومـن خاض أمواج
الخطوب لفوزنا
ويا من به نسمو على عروشنـــــــا أيـا سمـي الفاروق يـا باني عزن[20]
ج- الرسالـة الثالثـة[21]: هذه
هي الرسالة الوحيدة المؤرخة، من بين هذه الرسائل الثلاثة، وتحمل تاريخ غرة ربيع
الأول 1277 [1861]،
وهي الرسالة التي أتت أكثر تفصيلا وإفصاحا عن بعض الأغراض، مع اشتمالها على قدر
مهم من المدح المنثور والمنظوم، وهذا ما جعل مضمونها يمتد على حوالي أربع ورقات.
وهكذا بعد أن بسمل المؤلف وصلى صلاة الفاتح على النبي الكريم، افتتح خطابه ببيتين
مدحيين في حق الحاج عمر:
إني ليشفيني النسيم إذا سـرى متـضوعا مـن تلكـم الآفـاق
من مبلغ بالحي أهل مودتـــــي أنـي عـلى حكـم المحبة باق[22]
ثم استطرد قائلا ومخاطبا:" ناصر
الحق عند تقاعد الأنصار، وفائدة الزمان والإعصار، وفتاح الأقطار والأمصار، وقدوة
أولي الأيدي والأبصار... الذي لا يناله في طلب مرضاة الله تعالى قصور ولا
اقتصار... عماد المريدين وأستاذ السالكين ومحط رحال المستفيدين والمتبركين... محيي
طريقة الرجال، الفارس السابق في ذلك المجال... بحر المعارف والعلوم الزخارة، التي
لا يدرك اليوم دارك مجده ولا فخـاره... أبو حـفص سيدي الحاج عمر الفوتي، أعز الله
ذكرك ورفع ما ارتفعت السماوات قـدرك..."[23].
بعد
ذلك ينتقل الفقيه أكنسوس، شيئا فشيئا، إلى صلب الموضوع، الذي كان وراء كتابة هذه
الرسالة، والذي يمكن تقسيم الأفكار الواردة فيها إلى أربع نقط:
1- تهنئة الحاج عمر بالفتح الأعظم الذي
حصل على يده بالسودان الغربي، وقد عبر عن ذلك بقوله: "... وإنه قد تشنفت
الآذان بهذه البشرى الحاصلة لعلاكم، المطرزة لحلاكم، فيا لها من بشرى لم يبق طائر
إلا غرد بها وصدح، ولا شهاب دجنة إلا اقتبس منها واقتدح، ولا صدر مسلم سالم من داء
الحسد إلا انشرح...، فتح عظيم قلد أجياد المنابر عقودا، وألحف الأمة المحمدية ظلا
ممدودا، وفتح لها من الخير بابا كان مسدودا... فالحمد لله الذي أقال بكم العثار،
ونظم بدعوتكم الانتثار، ويأخذ من أهل الزيغ والفساد بالثأر "[24].
2- التعريف بنفسه للحاج عمر وطلب النصح
والموعظة والمدد منه.
وقد
أظهر الفقيه أكنسوس في هذا الموضوع تواضعا ما بعده تواضع تقديرا وإجلالا للحاج
عمر، كما يظهر من قوله: " وكاتبه يريد أن يعرفكم بعض التعريف بنفسه
الحقيرة الذليلة الفقيرة، وهو وإن لم يكن من العـير ولا من النفير، فإنه يرجو أن
يكون له من عظيم جاهكم وجاه أشياخكم مجير من جميع المخاوف وخفير... "[25]. وبعد أن عرف بنفسه ونسبه وتاريخ أخذه
الطريقة التجانية، طلب منه أن يخصه بمدده الباطن الذي أكرمه الله به، بما يضمن له
خيـر الدنيا والآخرة وكفاية فتنتها " لأننا ضعـفاء فقراء "[26]، وحتى يشعر الشيخ أكنسوس مخاطبه بأنه
مجد في طلبه، وعلى أشد ما يكون من الإصرار على الحصول على رضاه عليه ودعواته له،
التمس مـنه أن يعقد له "عقد الأخوة في الله الخاصة وتكتبوا لنا بخطكم
كتابا ندخره وتطمئن به نفوسنا..."، وذلك يضيف أكنسوس، راجع، إلى أنه
" لا غنى لنا عن بركاتكم..."[27].
3- إشعاره بالاعتناء بأخباره وتتبعها،
والدليل على هذا القول، يفيد نفس المصدر:" قـد ورد علينا قبيل هذه المدة
بنحو خمس سنين أو أربع رجل اسمه السيد عثمان، وذكر أنه من خاصتكم، فأقام هنا مدة ثم
وجهناه مع من يقوم بشأنه ذهابا وإيابا حتى يحج ويرجع... [28] " ثم أخبره بوصول رجل آخر اسمه
أحمد بن عبد الله، من أهل جندم الذي " أفادنا من أخباركم وأحوالكم السعيدة
ما طابت به نفوسـنا "[29].
4- التماسه من الحاج عمر إيلاء عناية
خاصة لحامل الرسالة التاجر الحاج محمد القباج ومساعدته على قضاء الغرض الذي جاء من
أجله. ورغم أن هذا الطلب أتى مرتبا في آخر أغراض الرسالة، فمما لا شك فيه أنه يشكل
أهم مطالب الفقيه أكنسوس من الحاج عمر، بسبب أهميته الاقتصادية، لذلك فاق التركيز
على هذا المطلب والإلحاح في إنجاح مسعى صاحبه كل تركيز وإلحاح على باقي المطالب.
ويتعلق
الأمر بحسب منطوق
الرسالة بكون الحاج محمد القباج الفاسي، كان أحد أقربائه تاجرا في البلاد التي
تخضع لنفوذ الحاج عمر، ثم وافته المنية هناك، وترك تجارته وماله وأشياء أخرى
متفرقة هنا وهناك، وعليه يضيف نفس المصدر، فإن القباج المذكور توجه إلى تلك
الديار، ليحوز أموال قريبه،" فإذا وصل إليكم فالمرجو أن تكرموه وتؤوه
وتحسنوا إليه حتى يحوز جميع ما يجب له من متروك ابن عمه فإنه رئيس قومه وأمين
جنسه..."[30]. ومن دلائل حرص الفقيه أكنسوس على
إنجاح هذه المهمة، وبذله أقصى الجهد حتى يعود القباج سالما غانما من السودان
الغربي، هذه العبارات "... وقد قال صلى الله عليه وسلم: إذا أتاكم كريم
قوم فأكرموه..."، ثم قوله: خذوا بيده أخذ اللطف والحنان، ولا تتكلموا
في أمره على أحد حتى يقضى مراده "[31]. واتقاء لغضب محتمل من قبل الحاج عمر،
من جراء هذا الإلحاح المبالغ فيه، استطرد فقيهنا قائلا: "... وقد علمنا
وعلم الناس أن عدلكم واعتناءكم بالغرباء لا يحتاج معه إلى توصية ولا تأكيد ولكن
أردنا الزيادة له لأنه من أحبابنا، وأولادنا كلهم من أتباع وسيلتنا..."[32].
وغني
عن الذكر، أن ما ورد في هذا المطلب الأخير من الرسالة، يعتبر مؤشرا مهما على وجـود
علاقات تجارية بين المغرب وإفريقيا جنوب الصحراء، إلى جانب العلاقات الثقافية خلال
القرن 19، رغم العراقيل المختلفة التي خلقها المد الاستعماري على القارة الإفريقية
عامة وعلى المغرب وعمقه الصحراوي السوداني خاصة.
4- محـمد بن عبد الواحد النظيفي:
إجازة في الأوراد التجـانية[33]:
عثرنا
على هذه الوثيقة، من ورقة واحدة، بخزانة مركز أحمد بابا بتمبكتو، تتضمن إجازة في
الأوراد التجانية، أجاز بها محمد النظيفي مولاي محمد بن مولاي البشير القاضي
بتمبكتو، بطلب من هذا الأخير، وتحمل تاريخ 1341 هـ [1923 م]. غير أننا لم نتمكن من
معرفة ما إذا كان قاضي تمبكتو حصل على هذه الإجازة بالمراسلة، أم زار الفقيه
النظيفي بمراكش، بعد أن شد الرحال إليه. وهذا دليل آخر على الحضور الفكري المغربي
بالسودان الغربي، ودوره في إثراء الإنتاج الفكري التجاني بالمنطقة.
-II نصـوص لكتـاب من
جـنوب المغــرب:
نتطرق
تحت هذا العنوان للتعريف بمجموعة من التآليف والرسائل المخطوطة بأقلام عدد من
التجانيين الشناقطة الذين عززوا الحضور الفكري التجاني المغربي، في قسمه الجنوبي
آنذاك بالسودان الغربي، باعتبار أن بلاد شنقيط خلال القرن 19، كانت جزءا لا يتجزأ
من المغرب، وظلت الوضعية كذلك إلى أن تدخل المستعمر خلال القرن العشرين فأدت
أطماعه إلى فصل هذا الجزء عن الوطن الأب. ونقدم فيما يلي بعض نماذج هذه
الكتابات.
1- أحمد العلوي التجاني الشنقيطي كمؤرخ
لبعض أحداث قيام الدولة التجانية بالسودان الغربي والتعريف ببعض رجالاتها:
لقد
لعب هذا الفقيه دورا كبيرا في ربط الصلات بين المغرب والسودان الغربي لعدة أسباب
أهمها:
- قرب بلاد شنقيط ومحاذاتها لمجال نفوذ
الدولة التجانية بإفريقيا جنوب الصحراء، خلال النصف الثاني من القرن 19.
- مشاركته الفعلية في الأحداث التي مهدت
لقيام هذه الدولة إلى جانب الحاج عمر.
- زيارته لشمال المغرب، وخصوصا فاس
لتجديد تعلقه بشيوخه هناك، مثل محمد أكنسوس، والعربي بن السايح، وبلقاسم بصري.
- بعثه بعدة رسائل إلى تجانيي المغرب
يخبرهم فيها عن تطور حركة الحاج عمر الجهادية بالمنطقة.
ولذلك
فإن المعلومات التاريخية التي رصدها بخصوص جهاد الحاج عمر، ونشر طريقته التجانية،
والصعوبات التي لاقاها من جراء ذلك، والتي حرص المؤلف على تنوير الرأي العام بها
في شمال المغرب، انطلاقا من ميدان الأحداث أو من بلاد شنقيط، ضمنها كتابه "روض شمائل أهل الحقيقة في
التعريف بأكابـر أهل الطريقة "، وبعض رسائله.
أ- بعـض العناصـر التاريخية من خلال
كتاب روض شمائل أهل الحقيقة في التعريف بأكابر الطريقة[34]:
يعتبر
هذا الكتاب كما علمنا كتاب تراجم، عرف فيه مؤلفه بكبار رجالات التجانية في شمال المغرب
وفي جنوبه، بالإضافة إلى آخرين في السودان الغربي. وهذه أهم أسماء كبار فقهاء
التجانية الواردة فيه، والذين وضعوا أنفسهم رهن إشارة شيخهم الحاج عمر، فكريا
وسياسيا وعسكريا، فأبلوا البلاء الحسن، في الاستماتة والدفاع بالغالي والنفيس، من
أجل ضمان الانتشار الواسع والنفوذ القوي
للطريقة وإديولوجيتها.
* عبد الكريم الفوتجلـي (الناقل) ([35]): ذكر عنه المؤلف أنه من فوتاجلون،
وكان مقدما للطريقة التجانية، وهو الذي لقن الطريقة للشيخ عمر قبل اجتماعه بمحمد
الغالي. وعن علمه يضيف نفس المصدر، أنه كان على قدر عال من الاطلاع على علوم الدين
ومصادرها، وكانت وفاته في ماسينا، دون أن يحدد المصدر تاريخ الوفاة.
* عمر بن سعيد الفوتي[36]: هذا الشيخ الذي كان وراء نشر الطريقة
التجانية وقيام دولتها بالسودان الغربي، والذي أصبح معروفا لدينا، خصص له المؤلف
في روض شمائله حيزا كبيرا، لأنه شيخه، وللأدوار الكبيرة التي لعبها في نشر الإسلام
وتجديده بإفريقيا جنوب الصحراء وهذا بعض ما قال عنه: " ومنهم شيخنا أمير
المؤمنين عمر بن سعيد الفوتي، فتح الأقاليم والبلدان وكسر الأصنام والأوثان، وأنار
القلوب والأبدان وطهر السرائر والاعـلان..."
* المختار بـن وديعة الله (الماسيني)[37]: فقـد وصفه المؤلف بالعالم العامـل، المحقق
الفاضل، العارف الواصل، كان من أشبال الطريقة الجامعين بين الشريعة والحقيـقة، له
مناقـب كثيرة وتآليـف شهيـرة، منها: "البـروق اللامعة في أصحاب الفيوض
الهامعة"، و" الفتوح القدسانية في إعراب
شواهـد المعاني القرآنـية "، و" فـتح رب العالمين في شـرح تـذكرة
الغافلين "، و" تحفة أهل الجبال في معرفة أحوال الرجال " توفي سنة
1280 هـ [38].
* عبد الله الحوصي[39]: قال عنه المؤلف أنه من أصحاب الشيخ
عمر وأرفعهم درجة.
* الفاهم عمر البـيضاوي[40]: هو، بحسب نفس المصدر، مثل عبد الله الحوصي من
حيث قيمته وتقربه من الحاج عمر، وكلاهما "من أشهر أصحاب الشيخ عمر رضي
الله عنه، بحيث لا نظير لهما في جميع عساكره... "[41].
وهكذا
يمكن أن نخلص إلى القول إن هذا الكتاب، لما حواه من معلومات وتراجم
لرجالات التجانية في المغرب والسودان الغربي، قدم برهانا آخر على مدى اهتمام
المغاربة بتجانيي تلك البلاد وتتبعهم لأخبارهم، ومساندتهم الفعلية بالفكر والسلاح،
ناهيك عن الخدمة الجليلة التي قدمها نفس الكتاب لأسرة الطريقة ومريديها، كمصدر
يعرف بأكابر هاته الطريقة، ويخلد أسماءها، لتبقى نبراسا يهتدي به الخلف في المغرب
والسودان الغربي، وبلدان إسلامية أخرى.
ب- معـلومات تاريخـية من خلال بعـض
رسائل المؤلـف:
أهمية
هذه الرسائل رغم قلتها، تكمن في الدور الإخباري الذي قامت به لفائدة المغرب عن
تطور الأحداث بالسودان الغربي، وجعل تجانيي المدن المغربية والرأي العام المغربي،
على علم بما يطرأ من تطورات جديدة في ساحة الجهاد من نصر أو هزيمة. ومما يزيد من
قيمة أخبار هذه الرسائل أن مؤلفها الشنقيطي كان ينتقل بين المغرب ومسرح العمليات
الجهادية العمرية التجانية.
ونظرا
إلى الأهمية التي كان
يعلقها أحمد العلوي الشنجيطي على رسائله هاته، في نقل أخبار حركة الحاج عمر
الجهادية، بفعل معايشته لها، فقد حرص على إشاعة معلوماتها على أوسع نطاق داخل
المغرب. واعتمد من أجل ذلك منهجية خاصة، عمد فيها إلى توجيه خطاب عام لكل تجانيي
المغرب، ثم خطابات خاصة لأبرز فقهاء الطريقة مثل أكنسوس، وبلقاسم بصري، والعربي بن
السايح، وطلب من كل واحد من هؤلاء الأخيرين أن ينقل أخبار ما تضمنته الرسالة
الموجهة إليه من معلومات تتعلق بعمليات الحاج عمر الجهادية بالسودان الغربي. وعدد
هذه الرسائل أربعة، تحمل كلها نفس التاريخ الذي كتبت فيه، وهو يوم 24 شوال من عام
شرفاء أي سنة 1282 بحساب الجمل. وهي بحسب الأطراف الموجهة إليها كالآتي:
- رسالةإلى عدد من تجانيي فاس– مكناس–
مراكش-رباط الفتح
وغيرها من مدن المغرب[42].
- رسالة إلى محمد أكنسوس[43] (مراكش).
- رسالة إلى محمد بلقاسم بصري[44] (مكناس).
- رسالة إلى محمد العربي بن السايح[45] (الرباط).
الرسائل
الثلاثة الأخيرة، يناقش فيها كاتبها، أمورا تخص كل واحد من هؤلاء الشيوخ على حدة،
مما يكنه من احترام لهم، وشوقه إلى رؤيتهم والالتقاء بهم، وإعلامهم بأنه سر، لورود
أخبار مطمئنة عنهم بواسطة أحد التجانيين المغاربة، الذي حل ضيفا عليه، وهو الحاج
محمد بن عاشور السمغوني، كما يعتذر من خلال إحداها لمحمد بلقاسم بصري عن ما صدر
منه من خطأ، عندما قضى ستة أشهر في فاس ولم يزره. غير أن الرسالة الأكثر أهمية
بالنظر إلى ما اشتملت عليه من معلومات تاريخية تهم السودان الغربي عموما، وتطور
عمليات جهاد الحاج عمر خصوصا، هي الرسالة الأولى الموجهة إلى كل المغاربة، تجانيين
وغير تجانيين، كما يفهم من بعض العبارات الواردة فيها، ولذلك فهو يطلب من كل واحد
من شيوخه الثلاثة الذين راسلهم فردا فردا، بأن يذيعوا وينشروا فحوى هذه الرسالة
الموجهة للجميع.
فخطابه
بهذا موجه للخصوص والعموم. الخصوص عنده هم: " سادته وأشياخه وأحبابه
وإخوانه، الساكنون بمدينة فاس، مكناس، ومراكش، ورباط الفتح، وغير ذلك من مدن
المغرب، وخصوصا الفقيه أكنسوس، والمقدم سيدي محمد بلقاسم بصري، وسيدي العربي بن
السايح "[46].
أما
خطابه للعموم فقد أشعر به المؤلف شيوخه الثلاثة، وفسر لهم سبب ذلك كما يتضح من هذا
النص:" وقد كتبنا إلى كل واحد منكم وثيقة مستقلة به، وجمعناكم في هذه
الوثيقة، لأن ما فيها لا يختص بواحد منكم عن واحد، بل لا يختص بتجاني عن قادري، عن
شاذلي، عن ناصري. ولا يختص بمالكي، عن شافعي، عن حنفي، عن حنبلي، لأن جميع
المؤمنين يحبون من يعـز الإسلام وأهله ويوهن الكافر ودولته "[47]. وحتى يضمن لمحتوى هذه الرسالة انتشارا
على أوسع نطاق، طلب من كل واحد من مخاطبـيه أن ينسخها ويرسلها إلى الثاني، والثاني
إلى الثالث وهكذا.
وعندما
نقرأ ما جاء في هذه الرسالة، التي يصر فقيهنا على إطلاع الجميع عليها، نجد أنها
تتضمن موضوعين هامين، هما طلب التوصل بأخبار سلطان المغرب مولاي محمد بن عبد
الرحمان، ثم تقرير موجز ومركز، يعرف بالحاج عمر ويقدم جردا لأهم الأحداث التي طبعت
مسيرة حركته بالسودان الغربي. ولا يستبعد وجود علاقة وترابط بين هذين الموضوعين،
فإلحاح المؤلف وإبداؤه الرغبة في التوصل "بخبر السلطان مولانا سيدي محمد
نصره الله وأعزه وأعانه وأيده وأعلى كلمته، مع أول قادم إلينا من جهتكم"[48]، يمكن تفسيره بانشغال الرأي العام في
بلاد شنقيط والأوساط التجـانية العمرية في السودان الغربي، بما كان يعرفه المغرب
في التاريخ الذي كتبـت فيه هذه الرسالة (1863) من أحداث مؤلمة بعد انهزامه في حرب
تطوان، وما فرض عليه من غرامات مالية ثقيلة نتيجة لذلك. وعليه فمن المحتمل أن
للمؤلف، غيرة على بلاده، كان يريد الاطلاع على الوضع الحقيقي المعيش، حتى إذا ما
تيقن أن كل شيء يسير على ما يرام، وأن المغرب قد استرجع عافيته، اقترح على الحاج
عمر شيخ الطريقة التجانية وأمير دولتها بغرب إفريقيا، أن يتقدم بطلب المساعدة من
السلطان المولى محمد بن عبد الرحمان لمواصلة الجهاد ضد وثنيي المنطقة. إنه مجرد
افتراض، في غياب أي
دليل مادي يؤكد هذا الطرح، رغم أن احتمال وقوعه على أرض الواقع تعززه بعض المؤشرات
التي تحدثت عن توصل الحاج عمر بالفعل ببعض المساعدات من المغرب بطلب منه[49]، دون أن يقدم المصدر الذي أورد هذا
الخبر، ما يكفي من الحجج المطمئنة.
ومع ذلك نقول إنه لا وجود لدخان بدون
نار، كما أن العناصر الإخبارية مهما كانت خرافية، فهي تنطوي في كثير من الأحيان
على بعض الحقيقة. ومما يقوي أيضا احتمال تقدم الحاج عمر بمثل الطلب المذكور، أن
ابنه وخلفه أحمد الكبير المدني تقدم فعلا بطلب المساعدة من المغرب بعد انتصار
القـوات الفرنسية عليه، وإطاحتها بالدولة التجانية، واجتياحها لمدينة تمبكتو خلال العقد
الأخير من القرن 19، تشهد على ذلك رسالته إلى السلطان مولاي الحسن[50]، بالإضافة إلى رسائل ووفد أعيان نفس
المدينة إلى نفس السلطان، ملتمسة منه العون والمدد للدفاع عن بلاده ورعاياه هناك[51].
أما
الموضوع الثاني المتعلق بالحاج عمر، فقد قدم حوله مؤلف الرسالة الأولى العامة
الخطاب، كل ما يكفي من المعلومات التي تعطي فكرة عن شخصيته وعلمه وأهدافه. وإذا
كان يبدو لنا اليوم، أن مثل هذه المعلومات فقدت بريقها وأهميتها، فإن الأمر كان
مختلفا خلال النصف الثاني من القرن 19، لذلك نقدر أن توصل المغاربة بمضمون هذه
الرسالة التي تسلط الأضواء على قائد مسلم، تجاني الطريقة بالسودان الغربي أخلص
النية لله، فرفع راية الإسلام خفاقة، وألغى عبادة الأوثان ووقف في وجه المد
الاستعماري، كان بدون شك مثار فخر واعتزاز لإنهاض الهمم وشحذ العزائم، التي نالت
منها الانكسارات المتتالية.
إن
الحاج عمر، بحسب هذه الرسالة،
شيخ علم وتعليم وتربية، له مريدون عديدون سكن بهم في خلاء من الأرض، يعلمهم العلم
الظاهر والباطن ويعظهم صباحا ومساء" ويربيهم بالنظرة واللقمة، تكفل بكسوتهم ونفقتهم، سمعته مرة
يقول أقل ما يخرج من بيتي للأضياف في كل ليلة قبل هذا الجهاد، خمسمائة مائدة، واقل
ما يكون في المائدة الواحدة قرى خمسة أضياف... "[52].
ثم
انتقل المؤلف بعد ذلك للحديث عن مرحلة الجهاد، وذكر أن الحاج عمر لم يقرر إعلان
الحرب على الأعداء حتى كانوا هم البادئين في الاعتداء، فأخذ الإذن بعد ذلك من قوله
تعالى: (أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا...)[53]، بل قبيل إعلان انطلاق عمليات الجهاد،
أورد نفس المصدر على لسان الحاج عمر أن الله تعالى، أعلمه بعد العشاء، ليلة
الاثنين لعشر بقيـن من ذي القعدة الحرام، عام حـص شـر[54]، بأنه مأذون في الجهاد في سبيل الله،
بهاتف رباني، ثلاث مرات[55]، فانطلقت بذلك مرحلة الجهاد.
ثم
واصل المؤلف من خلال نفس الرسالة تفصيل الحديث عن أهم مراحل هذا الجهاد الذي تغلب
بفضله على بلاد كارطا، وبلاد سيكو الوثنيتين، كما تعرض للخلاف الإديولوجي الذي حصل
بين الحاج عمر وملك إمارة ماسينا المسلمة، والذي كان سببا في دخول الدولتين
المسلمتين في حرب طاحنة فيما بينهما، بسبب تشبث كل طرف بموقفه، واعتقاد الصواب معه
دون الآخر. ولم يغفل أحمد العلوي في هذه الرسالة موقف شيخ تمبكـتو وسيدها أحمد
البكاي القادري الطريقة، المعادي للحاج عمر، ووقوفه إلى جانب سلطان ماسينا وما
ترتب على ذلك من هزائم في
صفوف دولة ماسينا Macina
وحليفها البكاي، قبل أن تنهار الدولة التجانية نفسها، مع ملاحظة أن المؤلف لا
يتحدث عن هذا الانهيار[56].
ومن
العناصر الإخبارية المهمة في هذه الرسالة المرتبطة دائما بموضوع الحاج عمر، ما أورده
المؤلف من تفاصيل عن نوايا ملك ماسينا التوسعية التي لا يصدقها العقل، ويدخل في
ذلك ما كتبه مرة، يضيف نفس المصدر، "إلى السلطان مولانا عبد الرحمان تغمده
الله برحمته، أنه يجب عليه مبايعته، ومر الحاملون للكتاب بمن أخذ الكتاب منهم
ومنعهم من الذهاب به إلى المغرب، وقد كتب أيضا بمثل هذا إلى سلطان هوص عتيق بن
الشيخ عثمان بن فودي، وكذلك كتب إلى كل سلطان يليه من الجهات
الأربعة..."[57]. هذا الأمير المسلم المستبد القادري
الطريقة، ذو الأطماع اللامتناهية، هو الذي جعل الحاج عمر حدا له، وقضى على أحلامه
كما تخبر بذلك هذه الرسالة.
كانت
هذه إذن، بعض جوانب مساهمة أحمد العلوي الشنجيطي في التأريخ لأحداث السودان
الغربي، وتقريبها من أذهان المغاربة، مثل ما نقل بعض أخبار المغرب إلى إفريقيا
جنوب الصحراء، فشكل بذلك صلة وصل بين القطرين الشقيقين، وعزز الحضور الفكري
التجاني المغربي بغرب إفريقيا.
2- شنقيطي مجهول الاسم، يطلب الورد
والنيابة وخطة القضاء من الحاج عمر[58]:
دخل
المؤلف مباشرة في الموضوع، فأعلن أن من أهم المهمات عنده، الاعتصام بحبل الحاج عمر
والانحياش إليه، والدخول في زمرته، يأخذ التلقين منه ليكون من جملة عياله وعيال
" شيخنا أحمد التاجـني سلم وصول الأولياء وخاتم فصهم رضي الله عنه ..."[59]، ويقصد المؤلف بالتلقين، أخذ الورد من
الحاج عمر والترخيص له في إعطائه لمن طلبه منه. ثم التمس منه بعد ذلك إجازته له في
مروياته، من كتب الحديث والتفسير، بذكر سندها المتصل إلى مؤلفيها، مع مساعدته على
الحصول على مؤلفاته مثل المقاصد والرماح والسيوف[60]، وذلك بحسب تعبير صاحب هذه الرسالة " كي
أنقلها في بلدي لنفسي ولإخواني، فإن ذلك أدعى للقبول وأرجى للإجابة إن شاء الله
تعالى "[61]. والهدف من كل هذا، يقول المؤلف، لكي
يكون حقيقة من جملة تلامذته الناصحين له وللشريعة، ولكي لا ينقطع الخبر بينهما،
ويعرف الناس ذلك، فتأمن الطريق ويختفي قطاعها.
ومن
الأمور الملفتة للنظر في هذه الرسالة، رغبة صاحبها في أن يبسط الحاج عمر نفوذه على
بلاد شنقيط التي كانت تعرف في هذا الوقت فوضى وتمزقا، إذ رغم أن الكثير من المغاربة
الشناقطة تطوعوا للعمل ضمن حركة الشيخ الفوتي الجهادية، فإن دولة هذا الأخير ركزت
اهتمامها على ما يوجد شرق تيشـيت وولاتة، مما يشمل بلاد كارطا وسيكو الوثنيتين، ثم
سيكو وباقي بلدان منحنى نهر النيجر. وهذا يعني أن الحاج عمر ركز على بلاد السودان
دون البيضان، وعلى العجم دون العرب والبربر، لكن ألوية العدالة التي نشرها الحاج
عمر في مناطق نفوذه، على ما يبدو، هي التي جعلت صاحب هذه الرسالة يقترح على أمير
الدولة التجانية صراحة، أن يهتم بما يشمل ودان، وولاتة وتكـانت Tagant وسائر الجنوب
الشنقيطي، لما يشكله ذلك من دعم لسياسته: " فلتكن أهم جهة عندكم أرض العرب
إذ هي سفينة الإسلام، فبالتمكن منهم ينتشر الإسلام... ولا أظن أن واحدا يعصيكم...
فإن فعلتم ذلك أطاعتكم العرب والعجم إن شاء الله بغير كثير قتال... "[62].
ومما
يدل على أن المؤلف يريد الحكم لنفسه والنيابة عن الحاج عمر في بلاد شنقيط، وترسيمه
في خطة القضاء، إبلاغه لمخاطبه أنه على استعداد للقيام بالواجب، إن أراد منه
معلومات عن أحوال القبائل وأسمائها ورؤسائها ومناقب هؤلاء الرؤساء والأعيان، ثم
أضاف قائلا: " أريد العون على ما ابتليـت به من خطة القضاء، ببعـثكم معي
أعوانا يعينونني على تنفيذ الحق ولكم الأجر إن شاء الله..." [63].
كانت
هذه باختصار شديد هي بعض مظاهر الحضور المغربي في الإنتاج الفكري التجاني بالسودان
الغربي، وهو الحضور الذي زاد من متانة الأواصر التاريخية الموجودة بين المغرب
وبلدان السودان الغربي، خلال القرن 19.
[1]-
الحاج عمر الفوتي، هو شيخ تجاني، من بلاد فوتاتورو (السنغال)، أخذ التقديم
والمشيخة في الطريقة التجانية عن سيدي محمد الغالي الفاسي الذي كان يقيم بالحجاز
ويعطي أوراد التجانية هناك. وعندما عاد إلى بلاده بلقب الشيخ، تمكن من تأسيس دولة
تجانية كبرى ما بين نهري النيجر والسنغال خلال منتصف القرن 19 والعقد الأول من
النصف الثاني من نفس القرن.
- للمزيد من التفاصيل حول هذا الموضوع،
يمكن الرجوع إلى:
- أحمد الأزمي، الطريقة التجانية في
المغرب والسودان الغربي، منشورات وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، مطبعة فضالة
(المحمدية)، المغرب، سنة 2000،
في ثلاثة أجزاء.
[2] - محمد إبراهيم
الكتاني، مصادر تاريخ إفريقيا من خلال المخطوطات المغربية، مجلة الأكاديمية، عدد
4، نونبر 1987،
ص: 232.
[3] - La vie d’al Hadj Omar, traduction d’un manuscrit arabe
de la Zaouia Tidjaniya de Fès accompagnée, d’une introduction et de notes, par
Jules Salenec, in Bulletin du Comité d’Etudes, Historiques et Scientifiques,
1918, pp. 405 à 431.
[4] - Ibid.
[5] - Ibid, p. 406.
[6] - أحمد سكيرج، كشف
الحجاب عمن تلاقى مع الشيخ التجاني من الأصحاب، المكتبة الشعبية، بيروت 1988، ص:
335 وما بعدها.
[7] - هذا الكتاب
منشور على هامش جواهر المعاني لعلي حرازم برادة، بيروت 1988، جزآن.
[8] - La vie d’al Hadj Omar, traduction d’un manuscrit arabe
de la Zaouia Tidjaniya, op. cité, p. 406.
[9]
- Bibliothèque Nationale, Paris,
Manuscrits Orientaux, Fonds Archinard, Manuscrit, n° 5679, FF°.
59-60. (B. N. P, MO, FA; Man. N°).
[10] - Ibid, F°. 59.
[11] - Ibid, F°. 61.
[12] - B. N. P, MO, FA,
[13]
- Ibid.
[14]
- Ibid
[15]
- Ibid
[16]
- Ibid
[17]
- Centre d’Etudes, de Documentation et de Recherches, Ahmed Baba, Tombouctou,
Manuscrit n° 184. (C.E.D.R.A.B.)
[18]
- Ibid
[19]
- Ibid
[20]
- Ibid
[21]
- B.N.P, MO, FA, Man 5705, FF°. 84 à 87.
[22] - Ibid, F°. 84.
[23] - Ibid
[24] - Ibid, F°. 84.
[25] - Ibid
[26] - Ibid, F°. 85.
[27] - Ibid
[28] - Ibid
[29] - Ibid
[30] - Ibid
[31] - Ibid
[32] - Ibid
[33] - C.E.D.R.A.B. Tombouctou. Man.
9201, F°. 1.
[34] - مخطوط بخزانة
الباحث.
[35] - أحمد العلوي
الشنقيطي، روض شمائل أهل الحقيقة في التعريف بأكابر الطريقة، خزانة الباحث، ص: 23.
[36] - نفسه، ص: 12.
[37] - نفسه، ص: 23.
[38] - نفسه.
[39] - نفسه، ص: 25-
26.
[40] - نفسه.
[41] - نفسه.
[42]
- B.N.P, MO, FA, Man. 5484, FF°. 114 à 116.
[43] - Ibid, FF°. 114 – 115.
[44] - Ibid, FF°. 113- 114.
[45] - Ibid, F°. 116.
[46]
- Ibid, F°. 115.
[47]
- Ibid.
[48]
- Ibid.
[49]
- Robinson (D), la guerre sainte d’Al Haj Omar, traduit de l’Anglais par Henry
Tourneux, et Jean Claude Vuillemin, Paris, 1988, pp. 344- 345.
[50]- عبد الله الفاسي، مسلك الصلاح وملهم الرشد
والفلاح، في قضية انتصار أهل السودان بالسلطان الجليل المقدس مولانا الحسن، مطبوع
على الحجر بفاس، عام 1325 هـ.
[51] - محمد إبراهيم
الكتاني، تاريخ إفريقيا من خلال المخطوطات المغربية، م. س، ص: 231 وما بعدها.
[52] - Ibid, FF°. 115 –116.
[53] - Ibid.
[54] - 1268 هـ بحساب
الجمل.
[55] -
[56] - Ibid, FF° . 115 – 116.
[57] - Ibid.
[58] -
[59]- Ibid, F° . 64
[60] - الرماح: كتاب
منشور كما سبقت الإشارة إلى ذلك. أما سيوف السعيد والمقاصد السنية فهما لازالا
مخطوطين ولدينا نسختان منهما.
[61] - Ibid.
[62]- Ibid, F° . 65
[63] - Ibid.