ص1       الفهرس  71-80

 

رقصة الجحيم: من الثورة إلى الحقيقة

محمد أمنصور

تقديم الملف

 عرف المشهد الثقافي المغربي في السنوات الأخيرة تنامي وتيرة ظهور نصوص أدبية وتسجيلية جعلت موضوعها "تجربة الاعتقال السياسي" مدخلا لمساءلة ما صار يسمى سنوات الجمر والرصاص .

 وإذا كان هاجس كشف الحقيقة هو ما حفز الكثير من تلك الكتابات على الظهور في هذه الآونة وليس في وقت آخر، فإن السؤال الأدبي ضمن هذه التجربة المتميزة في الكتابة، يظل محتفظا بشرعيته وجاذبيته وراهنيته، خاصة عندما نتذكر أن أولى النصوص التي دشنت لهذا المسار (سبعة أبواب لعبد الكريم غلاب، مجنون الأمل لعبد اللطيف اللعبي، كان وأخواتها لعبد القادر الشاوي ...) كانت ذات هوية أدبية. كيف إذن قاربت هذه النصوص الأدبية من زاوية التخييل تجربة الاعتقال السياسي في مغرب الاستعمار والاستقلال؟

 ما هي أوجه الاختلاف والتمايز بين تلك التجارب الأدبية التي تحققت في مختلف الأجناس التعبيرية (السيرة الذاتية، الشعر، الرواية، المسرح ..؟

 هل يمكن الحديث عن تقليد جديد ظهر الآن، وهو في طور التبلور، يضيف قيما جمالية وفنية جديدة إلى الكتابة الأدبية المغربية  بلغاتها المتعددة ( العربية، الفرنسية، الإسبانية ..؟ وفيم يتميز المتخيل السجني المغربي عن غيره من المتخيلات السجنية التي أنتجتها تجارب الآداب الأخرى في باقي المعمور؟

ملحوظة : تم تجميع مادة هذا الملف انطلاقا من اليوم الدراسي الذي نظمته جمعية الباحثين الشباب في اللغة والآداب  بكلية الآداب والعلوم الإنسانية ـ مكناس ، يوم الأربعاء 16 نونبر 2005 تحت عنوان : "المتخيل السجني في كتابة الاعتقال السياسي بالمغرب

ــــــــ

1-كان والمجنون : 

لماذا كتابة الاعتقال السياسي اليوم؟ و ما الذي يميز هذا اللون من الكتابة حول تجربة الاعتقال السياسي في مغرب الاستقلال عن غيره من الكتابات الأخرى في مجال الأدب وغير الأدب؟

     سؤالان يتطلع هذا المدخل إلى جعلهما محفزا للوقوف على بعض جوانب ما أضحى يشكل اليوم ظاهرة في الحقـــــل الثقافي والإيديولوجي المغربي: كتابة الاعتقال السياسي التي تجد لها امتدادات وجذورا في السيرة السجنية (ســـــبعة أبواب) لعبد الكريم غلاب المنشورة عام 1965، والتي يمكن اعتبارها بالنسبة للمغرب، نمطا أصـــــليا لهذا اللون من  الكتابة الذي لا يمكن، مع ذلك، حصره في الدائرة الضيقة للأدب. فبعد أن كان التوجه الملحــمي الوطني هو البارز و المهيمن في النص المؤسس، سيعرف العقد الثمانيني ظهور كتابات  تتقيد بقواعد جنس السيرة السجنية ـ بهذا القدر أو ذاك-ـ  يتوازى أو يتقاطع فيها الطابع الأدبي مع المنزع التسجيلي، بدءا  بكتاب عبد اللطيف اللعبي (مجنون الأمل)


[1] الصادر في ترجمته العربية عام  1983، مرورا  بالكتاب/العاصفة (كان وأخواتها)[2] لعبد القادر الشـاوي الصادر عام  1986، وهما كتابان رائدان يعتبران النواة الأولى في مسيرة تشكل ظاهرة كتابة الاعتقال الســــياسي بالمغرب في عمرها الثاني، حيث  الانتصار للبعد "التوثيقي/ الواقعي "المرتبط بحقيقة ما جرى في "سنوات الجــمر والرصاص".

لقد كان  هذان الكتابان سباقين في رسم الخطوط العريضة والمسارات  المعيارية لهذا اللون من الكتابة، حديثة العهد بالظهور في التجربة الثقافية المغربيـــة،  وقد تقاسما عدة خصائص جمالية ودلالية  تتقاطع عند المنزعــين الأدبي والتسجيلي. أما النصوص التي ظهرت بعدهما، فيمكن القول إجمالا أن الطابع الإخباري  التقريري قد غلب عليها، وربما كان السبب في ذلك، نضج شروط مغايرة تسمح بقول كل شيء مباشرة ودون مواربة !. وفيما يلي جرد لبعض أهم العناصـــــر التكوينية المشتركة بين الكتابين الرائدين (مجنون الأمل) و (كان و أخواتها) التي يمكن اعتبارها  الأساسات المعيارية لجل ما سيكتب لاحقا من لدن معتقلي اليسار الجذري في المغرب، وبخاصة تلك الكتابات التي  حرصـــــــت على جعل الأدب أفقا عاما لتوجهها :

أ-الجمع بين سؤال الأدب (السيرة الذاتية)  و سؤال التاريخ  (الشهادة) .

ب-الانفتاح على سجلات تعبيرية و أجناسية متنوعة، (السيرة الذاتية/ الرحلة / المذكرات / الشعر / الشهادة...)، مع اعتماد تقنية المونتاج في تركيبها. 

  ج-الحضور القوي لموضوعة المرأة باعتبارها أحد الأبعاد الأساسية بالنسبة للسجين في عزلة الأسر.

   د-المراوحة بين التوثيق النثري/الوصفي لتفاصيل محطات الرحلة السجنية الطويلة (الاختطاف / التحقيق / التعذيب / المحاكمة / الزنزانة...) والاستبطان الشعري لأوجه  المكابدة الداخلية (شعرنة خطاب الوجدان).

   هـ-تكريس نوع من الوعي النسبي بحدود التجربة الشخصية  ضمن التجربة الجماعية لمعتقلي أقصى اليسار.

    إن صدور هذين الكتابين بكثافة عناصرهما البنيوية المشتركة، يشكل لحظة تأسيس مزدوجة لأفقين من الخطاب يربط بينهما  نمط تعبيري مشترك :

أ) الأفق الأول، مرتبط بسيرورة الجنس الأدبي (السيرة الذاتية) وتحديدا النمط المتفرع عنها (السيرة السجنية).

ب) الأفق الثاني، ويرتبط بسؤال الحقيقة من زاوية الانتهاكات الجسيمة  التي  طالت حقوق الإنسان المغربي في سنوات الجمر والرصـاص، ومدى أو درجة مساهمة  الحمولة الإيديـولوجية لهذا النوع من الكــــتابة في تسليط الضوء على حقيقة ما جرى.  لذا، يمكن القول أن هذين النصين قد دشنا، بالفعل، عهدا جديدا  من (أدبيات) السجون  في المغرب  ضمن ما صار يطلق عليه  (كتابة الاعتقال السياسي)، وهو إنتاج فكري ـ أدبي ـ سياسي سيعرف ابتداء من العقد التسـعيني من القرن العشرين  نموا كميا ملحوظا، ما يلبث أن يتحول إلى  ظاهرة إيديولوجية ملموسة  في الحقـــلين الثـــقافي و الســــياسي الوطنيين.

    لقد شقت هذه  الظاهرة لنفسها، في حدود العقدين الأخيرين، مسارات و طبـقات  لا يمكن القول أن وحدة (الموضوع / الموضوعة = السجن) تحصرها  في مقاربة واحدة، فالسياق الذي سيتحكم في كل تجربة، وملابسات وتداعيات  كل ملف من ملفات الاعتقال، ستجعل  من  مجموع النصوص التي أنتجت  حول هذا المحور أو ذاك،  لا تتماثل أو تتطابق  في كل شيء : (تجربة (تازمامارت)  ليست هي تجربة(قلعة مكونة)، وتجربة القلعة ليست هي تجربة  (درب مولاي الشريف)، وتجربة (المرأة) ليست هي تجربة  (الرجل)... الخ)،  فكل واحدة من تلك التــــجارب تمتــــلك ممــيزات  خاصة، إن على مستوى المضمون أو كيفية الكتابة رغم وحدة الجوهر القمعي للنظام  الذي وحد معاناة الضحايا.

      وتجنبا للتعميم والخلط بين المستويات، سيكتفي هذا المدخل الاستكشـــافي بوضع خريــــــــطة موضوعاتية أولية لتضاريس كتابة الاعتقال السياسي عند معتقلي أقصى اليــسار بالمغرب دون غيرهم، وذلك، من جهة، لضرورة منهجــــية تقتضي الفصل الإجرائي لهذا المحور عن غيره من  المحاور، ومن جهة أخرى، لما تتميز به تجربة الاعتقال السياسي عند مناضلي اليسار الجذري من خصائص تكوينية و أبعاد دلالية ووجودية تستحق الوقوف عندها بشكل متأن. على أن هذا الاختيار لا يعني المفاضلة بين تجارب الاعتقال السياسي في مغرب عنف الدولة و انتهاك حقوق الإنسان، فكل تجربة من تلك التجارب تمثل نموذجا قائما بذاته،  يستحق من الباحثين كل العناية و الدراسة، و عسى أن  يكون في تكامل هذا الترسيم الخرائطي الأولي لمعالم كتابة الاعتقال السياسي عند معتقلي أقصى اليسار مع بقية الأبحاث التي سيــنجزها باحثون آخرون في محاور أخرى، ما  يعود بالفائدة على ذاكرة المغاربة  التي  قد تنتظر زمنا طويلا من يساهم في إظهار الحقيقة، لكنها، وفي كل الأحوال، لا تنسى ما جرى، لأنها  لا تملك الحق في ذلك..

2- أسئلة التعريف:

ا- سؤال الحقيقة :

كيف نعرف كتابة الاعتقال السياسي؟

إنها  سرد لحياة سجنية مليئة بالأحداث و الوقائع والصور و المواقف الناتجة عن  خضــــوع  شخص أو جماعة  ما لنظام سجني معين.  هي تذكر لتجربة عيشت في زمن مضى، يتم  نقلها بواسطة اللغة  من  المستوى المرجعي ـ الواقعي  إلى مستوى السجل المكتوب أوالمدون، عندما يتعلق الأمر برواية شفوية،  وفق صيغة من الصيغ  الأدبية أو التسجيلية الصرفة.   و رغم أن عملية النقل هذه تتراوح بين اللغة الأدبية /الإيحائية (اللعبي / الشاوي  /  عزيز و صــلاح الوديع...) واللغة الإخبارية / التقريرية الخالية من تقنيات التعبير الأدبي (السرفاتي / فاطنة البية...)،  إلا  أن الثـــــــــابت في المنحيين معا، هو جنوح كتابة الاعتقال السياسي ـ  عموما ـ  إلى إعادة إنتاج واقعة الأسر عن طريق فعل الكتابة، إما من  لدن المعتقل السياسي  نفسه،  أو بمساعدة طرف آخر له، كما هي حالة محمد الأمين مشبال، الذي  وفر المــادة الخام لشخص ثان عمل على إعادة صياغتها في قالب أدبي مقــبول.  يقول في  التقديم الذي خص به سيرته  السجنية (أحلام الظلمة): "والحق أنه لم يكن لهذا الحلم ليصبح حقيقة إلا بوجود قلم يملك نقل ركام هائل من اليوميــــات، وحشد متدفق من الخواطر إلى لغة سائغة و صور أدبية تنسجم مع طبيعة التجربة. ولقد كان الباحث و الصحفي هشــــام مشبال سبيلا أعانني لبلوغ هذا المرام ؛ فقد انكب طوال سنتين كاملتين على قراءة مذكرات السجن و الرسائل و الوثائق، وتفـــــــريغ أشرطة تحتوي على أحداث ووقائع سجلناها قبل أن يعكف في المرحلة الأخيرة على الصياغة الأدبية".[3]

إضافة إلى ما سبق، يمكن القول أن (زمن الكتابة) يعد من العناصر المؤثرة في عملية الاسترجاع بالنسبة للـــسيرة السجنية، ولا أدل على ذلك من الفرق الموجود في التعاطي لحقيقة ما جرى  بين ما كتبه الشاوي وبويــسف الركاب والسرفاتي  في بعض النصوص  (وقد كتب هؤلاء عن التجربة قبل انتهائها)، و ما كتبه اللعــبي الذي لم  يشرع في تحرير(مجنون الأمل) إلا  بعد إطلاق سراحه بوقت قصير،  أو  ما كتبه صلاح الوديع في (العريس)، أو محمد الأمين مشبال في (أحلام اليقظة)، أوجواد مديدش في (الغرفة المظلمة)، أو فاطنة البية في (حديث العتمة)، أو ابراهــــام السرفاتي نفسه  في (ذاكرة الآخر)، وكل هؤلاء كتبوا ما كتبوا  بعد مرور سنوات فــــــصلت بين زمن تجربتهم وزمن كتابتهم.  فتأثير المسافة الزمنية، في العلاقة بين النص و المرجع، عندما يتعلق الأمر بكتابة الاعتقال السياسي لا يمكن أن يعتبر عنصرا ثانويا، ما دامت الحقيقة رهانا من الرهانات الأساسية للنص.

يتضح إذن من عناصر التعريف السابقة، أن الثابت في كتابة الاعتقال السياسي هو سؤال الحقيقة المرتبط  بمضمون التجربة السجنية، بينما يظل الخطاب الذي  ينقل تلك الحقيقة (صيغة القول) قابلا للتنويعات الأسلوبية، انســـجاما مع خصوصية كل  سجين  و إمكانياته  أو إكراهاته التعبيرية.

هنالك ملاحظة أخرى أساسية  يتعين رفع اللبس عنها، فمؤلف السيرة السجنية ليس كاتبا بالضـــــرورة، وإن كان "الكتاب" من معتقلي أقصى اليسار  هم من  سبق إلى الإدلاء بدلوهم في هذا الباب (الشاوي / اللعبي...)؛ و إنه لأمر طبيعي أن يسبق (الأسرى/ الكتاب) غيرهم من المعتقلين  في الكتابة عن التجربة، وإن كان محك القول في النهاية هو مدى نجاح هذه الكتابة أو تلك في القبض على جمر التجربة جنبا إلى جنب مع  جمر الكتابة.

ب- سؤال السياسة :  

إن وجود  كتابة الاعتقال السياسي مشروط  بوجود سلب للحرية يتعرض له المؤلف (أو الذات موضوع الكتابة بصفة عامة) في زمن سابق.  وإذا كان إيداع " مختطف "  في قبو سري يعد سلبا  للحــــــــرية من نوع خاص، فلأنه ببساطة، خرق للقانون بدوافع  سياسية. فالخلفية السياسية هي التي  تؤدي إلى اختطاف / اعتقال الشخصية المركزية / محور هذه الكتابة، و الخلفية السياسة هي التي تملي نوعية وطبيعة الاعتقال (زمنه ومكانه، بدايته ونهـــــايته،  صيغته، آثاره وأبعاده)  إن لم نقل نوعية وطبيعة الكتابة عنه، لهذا  يكتسي استحضار البعد السياسي  أثناء قراءة  كتابة الاعــــــتقال السياسي أهمية بالغة،  من أجل تمثل واستيعاب ملابسات السرد من البداية  حتى النهاية. فطبيعة المواقـــــف و المواقع و الأدوار التي تتخلل مستويات  الحكي،  تجعل التحقق النصي  يتلبس  بالدلالة السياسية  في كل شيء، رغم  البعد الشخصي المفترض للسيرة السجنية.  من هنا، لا يبدو غريبا  ذلك الحكم الصادر عن جيل بيرو في حق كتــــاب " تحت ظلال للا شافية  لادريس بويسف الركاب  عندما يقول : " (..) أما اليوم فإننا نرى بصورة واضحة أن هذا الكتاب الشخصي هو أيضا  كتاب سياسي. فقد كتب إدريس بويسف الركاب، من خلال شهادته المهموسة  على إيقاع البوح و القائمة على النزاهة الثقافية الثابتة، ضد تحكم السلطة المغربية، أعنف و أصدق مرافعة"[4].

نخلص مما سبق،  إلى أن البعد السياسي في هذا النوع من الكتابة، حتى وإن جـــــــاء في قالب أدبي،   هو ما يضفي عليها قيمة الوثيقة التي تتجاوز نطاق الأدب، لتندرج ضمن مجال "الأدبيات"، بما هي رصيد وثائقي يغني ويضيء مضمار التأريخ  للتجارب السياسية الكبرى  في هذا البلد.  أوليس البعد السياسي نفسه هو ما يجعل من كتابة الاعتقال الســياسي تفرض نفسها إعلاميا وحقوقيا وسياسيا وثقافيا واجتماعيا باعتبارها  قضية من قضايا الساعة، التي تدخل ضمن دائرة اهتمام قطاعات واســـعة من مؤسسة الرأي العام؟.

 

 

ج- سؤال النسبية :

     إن هذه الكتابة  ـ في الغالب الأعم ـ ممارسة بعدية، لذلك تتخذ من مكون الذاكرة مرتكزا حاســـما في إنجاز تحققها النصي. ولأنها تجربة جماعية تشترك فيها  أطراف متعددة (النظام الســــــياسي / الجهاز الأمني / الإدارة السجنية / السجين ورفاقه في تجربة الأسر / العائلات...)، فإن كل  مساهمة فردية  تدلي بدلوها في هذا الاتجاه، وإن اكتست طابع الشهادة النابعة من  صميم التجربة، تبقى  مجرد قول فرد بعينه (أو جماعة بعينها)، إن لم نقل " وجهة نظر " من بين أخرى حول حقيقة ما جرى، وهذا أمر، في حد ذاته، يضفي  على كل الشهادات طابع المحدودية و النسبية في علاقتها بالمفهوم الشمولي ل " الحقيقة التاريخية ". بل هذا ما يجعل مفهوم الحقيقة يكون متعددا ومركبا  بحيث يتنافى مع كل " تضييق ذاتي " !. يقول عبد اللطــــــــيف اللعبي في الصفحة الأخيرة من كتابه (مجنون الأمل) تحت عنوان (ما بعد الكلام) في شكل استدراك وقد اقترف  من البوح ما شارف به حدود التطهير :

"عندما أعدت قراءة ما كتبته، دفعة واحدة شعرت بالحرج. فقد أصبح هذا السرد نفسه لغزا في عينيك. كيف كانت بداية كل هذا؟ كيف تم اختيار هذه الحالات وهذه الظروف، ورقيت، اعتباطيا، إلى دور عناصر بارزة، كفيلة بأن تؤدي معان أكثر من غيرها؟ أي المقاييس اعتبرت لحسم مسألة الأساسي و الثانوي، و الموضوعي و الذاتي؟ وما يزعجك أكثر، كيف سيتقبل هذا المعطى أولئك الذين لم يعيشوا تجربتك، وليس لهم عنها إلا نظرة غامضة تركتها فيهم بعض اللمع الســـينمائية ونتف من قراءتهم؟. كيف سيستقبله أولئك الذين شاركوك تجربتك و لا زالوا يعيشونها كجذوة محرقة على جسدهم و عقلهم؟ هل حقا استطعت أن تتجاوز مفارقة الأعمى ـ الرسام، و العازف ـ الأصم، و الراقصة المشلولة؟ عن ماذا دافــــــــعت بالضبط وماذا حاربت؟ أي صمت نجحت في قهره بتفجير فيضك الكلامي في جميع الاتجاهات؟ أي صورة قدمت عن نفسك؟ سذاجة؟، صحو؟ عصبية، واقعية؟"[5].

واضح أن اللعبي هنا يبدو كمن استيقظ فجأة  من سكرة التطهير الذي جرفته حرارته في لج الكتابة الفورية، الشبيهة بأخذ نفس عميق بعد طول اختناق. فبعد نشوة الحرية ينتبه إلى حدود الحقيقة، حقيقته هو في فيض الكلام / الكتابة.  فقبل أن يضع الكتاب بين يدي القارئ، يعلن وعيه الحاد  بمأزق نسبية الحقيقة التي ضمنها بوحه.، وفي ذلك انتصار لسلطة النسبية.  

هنالك  أسباب  أخرى كثيرة  لجعل أي كاتب  سيرة سجنية مخلص للحقيقة يحس بالحرج، من ذلك تقاسمه التجربة الشخصية مع آخرين.  وهذا يعني أن لكل فرد يكتب من هذه الجماعة أو تلك حقيقته، سواء تعلق الأمر بالسجناء أو الســــجانين  ؛ إذ مهما بلغت درجة الصـــدق في  الشهادة وقوة مطابقتها لحقيقة ما جرى ستظل دائما مجرد حقيقة شخص بعينه، دون أن يعني هذا أن الحدود المرسومة لكتابات الأفراد تقلل من قيمة ما كتبوا، بالعكس، لعلها تفسح المجال لتعدد المقاربات  في اتجاه أن تأخذ الحقيقة التاريخية كل أبعادها، وهذا ما يجعل التراكم الكمي في كتابة الاعتقال السياسي مطلبا ملحا وضرورة لا مجال للشك فيها.

خلاصة القول، لا يمكن لكاتب السيرة السجنية أن يكون مؤرخا مهما بلغت درجة موضوعيته في نقل الأحداث،  للأسباب التي سبق ذكرها ولغيرها مما لم يذكر، إذ لا ينبغي أن ننسى  مثلا، ارتباط كتابة الاعتقال السياسي لدى معتقلي اليســـــار الجذري  بمرجعية إيديولوجية محددة،  هي ما اصطلح على تسميته ب(الماركسية اللينينية)، وهو بعد يجعل من مفهوم الحقـــيقة الذي تتبناه هذه الكتابات وتنطوي عليه ( تقرأ به وقائع الماضي  وتستخلص  الخلاصات)،  مفهوما إيديولوجيا  غير بريء من أحكام القيمة و الإسقاطات الذاتية و ضروب التأويل والتخمـــين الناتجة  عن قناعات عقائدية  لا إجماع حولها !

3 - ملاحم مأسوية :

كيف قدمت هذه الكتابات / الشهادات "حقيقتها" عن تجربة الاعتقال الســياسي بالمغرب؟  كيف صـــــــورت  أو التقطت العناصر المؤسسة  للنظام السجني و المنظومة السلوكية / الفكرية  للمجتمع السجني؟ ما هي  طقوس التـــــــعذيب،  ومراحله، وأشكال النضال و الصمود التي واجه بها معتقلو أقصى اليسار الرقصة الجهنمية  لآلة العقاب داخل الأقبية السرية و الزنازن العلنية؟ هل يمكن الحديث عن  خصوصية ما  تميز كتابة اليسار الجذري عن  غيرها من كتابات  الاعتقال السياسي بالمغرب؟

 أسئلة ملتهبة قد لا يجيب عنها  هذا المدخل الاستكشافي المركز بشكل شامل، لكن اتساع أمداء الأجوبة لا يمنع، مع ذلك، من الإمساك  ولو ببعض الخيوط التي ترسم خريطة أولية  لحقل فكري /أدبي ما يزال قيد التشكل.

***

تلتقي جل نصوص المتن المدروس عند  مجموعة من الثوابت الموضوعاتية التي تشكل تمفصلات أساسية للمسار السجني الطويل (أو القصير، حسب كل حالة)  الذي خضع له معتقلو أقصى اليسار بالمغرب، وهذه الثوابت تنهض  كحلقات متسلسلة  فرضت نفسها على كل من تصدى   لحكي  وتذكر ما جرى له   في دهاليز الجهاز الأمني. فكل هؤلاء " الرواة "  اختطفوا وعذبوا أثناء فترة " الحراسة النظرية " التي دامت شهورا عديدة في القبو السري المسمى " درب مولاي الشريف"،  وكلهم  لم يحالوا  على المحاكمة إلا بعد نضالات كادت تجعل من السجن في حد ذاته (الزنزانة بمعناها الكلاسيكي)   مطلبا نضاليا  يضاهي مطلب الحرية !  وكلهم حوكموا بطريقة صورية لم يحترم فيها 

 القانون (حق الدفاع  / حق الكلام للمتهمين...)  محاكمات  أسفرت عن أحكام قاسية بلغت آلاف الأعوام ، وكلهم جردوا من هويتهم كمعتقلين سياسيين ليزج بهم في سجون الحق العام،  مما تطلب خوض معارك ضارية من أجل الاعتراف  بتلك الهوية المنزوعة، وكلهم عانوا من نفس المضايقات و الأمراض و أشكال العقاب و الحرمان الجنسي و المصادرة ... وهي فصول من المكابدة و المعاناة جعلت تجربة اليسار الجذري في الأسر تتأرجح بين طابعين اثنين : 

أ)  الطابع الملحمي: ويتجلى في البعد النضالي  المقرون بالصــمود و الثبات على المبادئ رغم حدة القمع الممنهج و تنوع أشكال  التنكيل بآدمية الإنسان، وهو  نضال مفعم  بالتحدي و الروح  الملحمية التي أخذت لها تجليات كثيرة (الإضراب عن الطعام / رفض طلب العفو من لدن فئة قليلة من المعتقلين..إلخ.)، وقد يكون أكبر تجل  لهذا الطابع الملحمي تمثل في إعادة هيكلة  منظمة إلى الأمام داخل السجن، ومواصلة نضالها السياسي في الظروف الجديدة  بما يعني ذلك من  حرص على تبني مواقف معلنة من الوضع السياسي القائم. 

ب) الطابع المأساوي: وتعكسه الفواجع الإنسانية التي كان ضحيتها بعض المعتقلين،  حيث تراوحت بين :

1) الموت / الاستشهاد : ( حالة عبد اللطيف زروال الذي استشــــــــهد في 14 نوفمبر سنة 1974  بعد تعذيب رهــيب دام عــشرة أيام متواصلة/. ـ حالة سعيدة المنبهي  التي استشهدت في إضراب تاريخي مــــعروف  خيض  من أجل فرض حقوق المعتقل السياسي،  فكانت وفاتها الصادمة  بتاريخ11 ديسمبر1977، أي  يومين بعد  وقفها الإضراب  نتيجة الإهمــــــال الطبي / ـ حالة جبيهة رحال الذي لقي حتفه أثناء محاولة فاشلة للفرار من مستشفى ابن سينا بالرباط  في ليلة 14/15 أكتوبر 1979.(...)

2)  و الجنون: الذي لم يكن مصدره واحدا،  فمنه ما كان نتيجة للمارسات الوحشية الصادرة عن مؤسسة العقاب الرسمية، من قبيل ما حكى عنه جواد مديدش في الفقرة التي تحمل عنوان "صرخة عبد السلام الجنونية "، حيث يقول :"... كما حدث في تلك الليلة المشهودة، حين انتزعتنا من نومنا صرخات جنونية يطلقها عبد السلام المودن، الملقب ببومارس وقد استولت عليه نوبة جنون. أمكننا أن نميز في هذيانه الذي كانت تتخلله كلمات متضاربة، لا انسجام بينها و لا رابط، اسم الحاج اللواط، يصيح به مرات كثيرة. والمراد ذلك الحارس اللوطي الذي يتحرش بصغار السجناء في المراحيض، فيلامس عجيزاتهم وخدودهم، و يعتدي عليهم بمداعباته.إنه الشخص عينه، الذي باغتته وهو يحدق في مؤخرتي في يوم الدش، و الذي أمرني بالاستمناء أمام ناظريه. فلما كان الغد، نقل بومارس إلى المستشفى بعد ليلة قضاها في قميص جبري. كذلك الذي يجعل للمجانين".[6] ومنه ما لم يكن سوى نتيجة من نتائج الإفلاس الأخلاقي الذي خيم على العلاقات الإنسانية بين الرفاق في مراحل معينة من الحياة السجنية، حيث طفا على السطح الصراع العقائدي/التنظيمي وتصفية الحسابات لدرجة معاقبة المختلفين بالعزل و التهميش، مما تسبب في  فقدان التوازن العقلي لبعض الحالات. نقرأ  لإدريس بويسف الركاب يتحدث عن هذا الجانب الحساس ساخرا من الشاعر عبد اللطيف اللعبي أحد "القادة الأرثوذكسيين" لتلك التجربة: "ولهذا وجدنا عضوا من المجموعة 3 يستخلص من ذلك حجة منطقية، مقترحا حل إلى الأمام. وكان شاعرنا المبرز، صوت الفقراء و المضطهدين، و"رحالة القفار السجنية "، كما سمى نفسه في ما بعد، أو أيضا " مجنون الأمل"، الماركسي ـ اللينيني المقتنع والقائد الأرثوذكسي الهمام في تلك الفترة. يرد على ذلك الفرد الذي كان يزرع الرعب بطريقته تلك :

 ـ أنت وباقي الأشخاص الذين يماثلونك تريدون قتل منظمتنا المقاومة و المكافحة!

إنني لا أذكر كلماته حرفيا ولكن فكرتها الأساسية كانت : إنكم تريدون قتل إلى الأمام، وإذن فإنكم تتحالفون موضوعيا مع السلطة الرجعية ضدنا، ضد الطبقة العاملة، ضد الشعب[7]. وهي إشارة إلى حوار الصم الذي كان مهيمنا على الأجواء بين الرفاق في فترات حاسمة من مسيرتهم السجنية الجماعية سيؤدي في مرحلة لاحقة  إلى نتائج وخيمة على مستوى العلاقات الإنسانية،  يضيف قائلا: "وفي بضعة شهور تشرذمت إلى الأمام في السجن أطرافا، تاركة في روح كل شجاع صغير جروحا عميقة وفي قلوب البعض أحقادا شرسة، وقد انفجرت توترات عصبية خلال تلك الصراعات فأصيب رفيقان، على الأقل، باضطرابات ذهنية، فشاهد الكثيرون انهيار جدار حقائقهم، ولجأ الكثيرون ـ لوقت طويل ـ إلى زوايا زنازنهم عساهم يجدون قليلا من الراحة "[8].

وبين الجنون الناتج عن الممارسات البربرية لآلة العقاب الجهنمي و الجنون الناتج عن ظلم "ذوي القربى الإيديولوجية "، يتحدث محمد الأمين مشبال عن عامل الملل  و دور الفراغ في انتكاس العلاقات الإنسانية بين الأسرى، حيث يقول  : " (...) هذا الملل أو الفراغ كثيرا ما تسبب في نزاعات بين الرفاق. و أذكر أنه في مساء يوم من الأيام خرجنا من الحمام على صوت يصرخ متفجرا وقد دوى صداه في المكان. أسرعنا فرأينا مولاي أحمد يشتم الغازي و أمين عبد الحميد، ويتفرس في وجههما محتدا و يشير بيديه في ارتعاش. اتهمهما بسرقة صوره و التجسس عليه. لكن ما أثار انتباهنا وبعث الأسى في نفوسنا هو التحول العميق الذي حدث لأحمد وهو ما جعل الغازي و أمين عبد الحميد يتريثان و يتملكان أعصابهما  (...) لم يكن هذا آخر شجار يحدث بين الرفاق، بل قلما يمضي يوم لا نسمع فيه صراخا أو شتما أو تهديدا أو حتى لكمات مدوية، مثلما حدث للسريفي حين جذبه فجأة مولاي أحمد من قميصه و لكمه بقوة في عينه اليسرى حتى انتفخت بشكل مخيف، وصار الهلع ينتقل بيننا. فمولاي أحمد يتهم بعض الرفاق بالتآمر عليه، وها هو قد لكم أحدهم وماذا بعد؟. فربما غدا يقتل أحدا دون وعيه. كان مولاي أحمد يصرخ بقوة :

ـ لقد طلبت من السريفي أن يسأل رضوان هل جاءت أختي للزيارة أم لا لكنه لم يهتم لطلبي ".

لقد صار مولاي أحمد يتوهم أمورا لم تحدث في الواقع".[9]

إنها الملاحم المأسوية أو المآسي الملحمية لهؤلاء "الشجعان الصغار"  ـ على حد تعبير إدريس بويسف الركاب ـ،  وهي ملاحم عرفت من " الانتصارات الصغيرة  " بقدر ما عرفت من "الانتكاسات الكــبرى " التي حولتها إلى مآس.وسواء تعلق الأمر بالجوانب المؤلمة في هذه التجربة (وهي كثيرة) أو الجوانب التي يمكن القــــــول عنها إنها كانت نقط ضوء في العتمة، فإن ما يمكن قوله عن المتن الذي  راكمه معتقلو أقصى اليسار بالمغرب إلى حدود الآن،  هو تميزه  بوجود تقاطعات كثيرة في مفاصله بين حكايات الهزائم وحكايات الانتصارات، وهي تقاطعات  ذات طبيعة موضوعاتية   نصطلح على تسميتها ب (مسلسل الرقصة الجهنمية) : مسلسل تتعاقب حلقاته على الشكل التالي :(الاختطاف / الاستنطاق / المحاكمة / السجن).

                                                                      

***

1) الاختطاف:

     أول ما تقف عنده كتابات الاعتقال السياسي لمعتقلي اليسار الجذري هو لحظة الاختــــــــــــطاف التي تشكل البؤرة الموضوعاتية المؤسسة لمختلف تشعبات المحكي اللاحقة. ولتحديد هذا المفهوم (الاختطاف أو الاختفاء القــــسري)، يمكن الاستـــئناس بالتعريف الذي تبنته هيئة التحكيم المستقلة  في مقاربتها للموضوع، وهو تدقيق للمفهوم يستلهم و  يستجيب للمعيار الدولي وفق صياغة وطنية، وبالضبط، الإعلان العالمي لحماية الأشخاص ضحايا الاختفاء القسري مكيفا إياه مع خصوصية التجربة الوطنية،  ليخلص في النهاية إلى مفهوم وطني للاختفاء القسري على الشكل التالي :   هو" التصرف الذي تقدم عليه أجهزة الدولة و المتمثل في أخذ شخص معين بدون وجه حق وسلب حريــته واحتجازه بمكان يظل سريا، وعدم إعطاء أي بيانات بشأنه، فيظل في حكم المجهول كشخص على قيد الحياة لا يعرف عنه أي شيء مع حرمانه من كل حماية قانونية "[10]. وواضح من هذا التعريف الدقـــيق أن مختلف العناصر التي يستحضرها تجد لها تجسيدا ملموسا في نصوص مناضلي أقصى اليسار، فكلها تتحدث عن لحظة الاختطاف العصيبة التي أقدمت فيها عناصر من أجهزة أمنية متخفية بلباس مدني على استدراج الضحية واختطافه بصفة غير قانونيــة دون تقديم أي تبرير لذلك. وكلها تشخص مظاهر غريبة ومثيرة لعملية  الزج بالمختطف  في مكان سري يظل محجوزا فيه دون مراعاة الشـــروط الجوهرية للاعتقال. ونقول الاعتقال لأن " الاختطاف القسري " كما تعكسه روايات المعتقلين في نصوصهم، يتداخل مع مفهوم "الاعتقال التعسفي" ، هذا المفهوم  الذي حددته هيئة التحكيم المستقلة "بكونه احتجازا تقوم به أجهزة الدولة دون مراعاة الشروط الجوهرية والإجرائية المتعلقة بسلب الحرية، وذلك بسبب ممارسة مواطنين لحقوقهم الأساســــية وعلى الأخص حرية الرأي، أو حرية التعبير أو حق المشاركة في الحياة العامة، سياسيا أو نقابيا أو جمعويا"[11]. إن هذا التداخل بين مفهومي " الاختطاف " و " الاعتقال " في مغرب العهد القديم  هو الذي جعل صلاح الوديع  في  كتابه " العريس " يتساءل بمرارة : " فهل ما أنا فيه اعتقال أم احتجاز أم اختطـــــــاف أم اختفاء أم احتفاظ إلى ما شاء الله. "، لينتهي في نهاية المطاف إلى تحديد الدلالة الجوهرية المشتركة لمختلف تلك  المفاهيم /الأوضاع بسخريته المعهودة قائلا " وفي جميع الأحوال، فإن حالتي أقرب إلى ما يطلق عليه المغاربة في كثير من الذكاء : " خلا ضاربوه " ـ وقد كتبتها بالضاد عنوة ـ ومعناها الحرفي : خلو دار أبيه وفي هذا الكفاية من المعنى".[12]

***

   يصف جواد مديدش لحظة الاختطاف  قائلا : " (...) و إذا بي أرى رجلا في مقتبل العمر، يميل إلى النحافة، يخرج من وسط الحشد،  ويحدق في بإمعان، ثم خاطبني بقوله :                                                                                                                              ـ سيدي... أرغب في التحدث إليك في انفراد، للحظة لا غير، من فضلك.

بارحت مكاني في شيء من الحيرة و التردد. ثم لم يلبث الرجل أن أضاف:

ـ من فضلك، هل لك في أن ترافقني، إن مفوض شرطة المطار يرغب في التحدث إليك في أمر ما. لن يتعدى ذلك دقيقتين(...) سرت بجوار الرجل الذي جاء للبحث عني (...) لم أكن أعلم أنني كنت، في تلك اللحظة أمضي أول ساعة في اعتقال لا نهاية له. ثم رأيت ثلاثة أشخاص يقتربون مني (ثلاثة مرة أخرى). كانوا بدينـــــــين، كالحي الوجوه، متجهميها. و إذا أحدهم يمسك بذراعي، من دون ممهدات، و يدفعني نحو الخارج. و إذا آخر يجعل أصفادا في يدي ثم يقتادني صوب باب الخروج من تلك البناية. كانت تنتظرنا سيارة فيات 125 سوداء"[13].

الملاحظ من خلال هذا النص أن فعل الاختطاف لا زمن له ولا مكان ، فقد يكون بالليل كما قد يكون بالنهار، بالعنف أو بالهدوء،  في أوقات العمل كما في غيرها، وسط حشد من الناس أو في السكينة وعزلة البيت،  لا  تمييز فيه بين الرجل أو المرأة، فما يحدث لهذا هو نفسه ما يحدث لتلك .  تحكي فاطنة البية  تلك اللحظة الفاصـــــــلة في حياتها بين زمنين ، فتقول :

"كانت الساعة تشير إلى الثالثة بعد الزوال حين طرقت باب منزل صديقتي بحي المحيــــــط بالرباط، وقد فوجئت بالباب يفتح بسرعة لتجذبني عبر الفتحة يد غريبة، وبقوة إلى الداخل. هرب صديقي الذي كان يرافقــــني حين شعر أن المنزل محتل فلاحقه أحدهم، انطلق كالسهم وراءه، ثم عاد به بعد أن مزق ثيابه.. لقد طارده و أطـــــلق النار لإيقافه..

كادت الرصاصة أن تصيب ساقه.. كانا مسعورين، رجلين بزي مدني، لكنهما مسلحان، أحدهما يشـــــــد سلاحه حول خصره، و الثاني أشهر سلاحه في وجهي مرتين. كان يخفيه تحت إبطه.

كانت هذه بداية حكاية الاختطاف التي ستدوم خمس سنوات، و التي تشبه بعض فصولها حكايات ألف ليـلة وليلة، والتي ما كان يخطر ببال والدي أن ابنته الحبيبة قد تتعرض لها في يوم من الأيام"[14].

وبالمقارنة بين الكيفية التي اختطف بها جواد امديدش والكيفية التي اختطفت بها فاطنة البية، يتضح أنه سواء تم اختطاف المرء أثناء مزاولته لعمله أو في حي جامعي،  أمام تلامـــيذ الثانوية  (الشاوي) أو في البيت (اللعبي)...إلخ، فالأمر سيان،  لأن  النتيجة واحدة  مهما تنوعت المقالب والفخاخ التي ينصبها " البوليس السياسي " لطرائده. و إذا كان الاختطاف قاسما مشتركا في تجربة و كتابات معتقلي أقصى اليسار، فلأن الجهاز الأمني  ارتأى أنه  الأسلوب الأنسب للتصدي لمن  ثبتت عليهم تهمة الانتماء (عن صواب أو خطأ، لا يهم!)  إلى إحدى المنظـــمات اليسارية  المناهضة للنظام، وهي "معالجة أمنية"  تأخذ كامل أبعادها و دلالاتها القمعية عندما نعلم أن  تلك المنظـــمات (إلى الأمام  و 23 مارس)  لم تكن تمارس نشاطها الســياسي في إطار "الشرعية"، أو بالأحرى، كان مفهومها للشرعية مختلفا.

إن  مبادرة الماركسيين اللينـــينيين الثورية   التي كانت تهدف إلى تغيير  النظام بشكل جذري  لم تكن لتلقى من  طرف هذا النظام غير الديموقراطي نفسه، في سياق المرحلة المحتقنة التي عرفها مغرب السبعينيات، سوى القمع في أعلى درجاته  .  لذلك، كان المعنى الوحيد  الذي يكتسيه الصراع السياسي بين الطرفين (النظام والمعارضة غيرالشرعية)  هو " حرب وجود " ؟ و لو لم يكن النظام يهدف إلى استئصال تلك المنظمات من الوجود ؛ هل كان   سيعطي الضوء الأخضر لجهازه الأمني  كي يستعمل كل الأساليب  غير المشروعة قانونيا لتحقيق هذا الهدف؟

2) التحقيق :

التحقيق أو الاستنطاق، هي المرحلة التي تلي مباشرة فعل الاختطاف، وقد  شكلت بالنسبة لمعتقلي اليسار الجذري في سبعينيات القرن الماضي، أسوأ مراحل محنة الاعتقال. ففي غياب أي شكل من أشكال الحمـــــــاية القانونية للمختطفين،  سيكون العنوان الوحيد لهذه المرحلة هو " التعذيب " بكل ألوانه وأشكاله المختلفة التي تخطر أو لا تخــطر على البال. فبدعوى انتزاع أكبر قدر ممكن من المعلومات (أسماء المناضلين، عناوين بيوتهم، المقرات السرية للمنـــظمة، تواريخ الاجتماعات المرتقبة... إلخ)، يتم اللجوء إلى أبشع أساليب التنكيل و البطش الحاطة من كرامة الإنســان،  وذلك في  أقبية سرية لا تتوفر على الحد الأدنى من شروط الحياة الطبيعية، وكل ذلك يتم بدعوى انتزاع الاعترافات ووضـــع حد لأسطورة " الصمود " التي يتباهى بها المناضلون.  يقول محمد الأمين مشبال : "  لقد انتزعت الشــرطة المعلومات منا بالتعذيب. لم يكن هناك هامش واسع للمناورة ".  و بالفعل ؛ لم يكن أمام المناضلين في حدود  طاقة البشر على الاحتمال، إمكانية الاستمرار في الصمود إلى ما لانهاية  أمام  تفنن الجلادين في استعمال أبشع تقنيات التعذيب الوحشي. أو ليست  "ثانية تحت التعذيب تضاهي سنة ضوئية "؟[15].

إن التحقيق الذي خضع له  مختطفو اليسار الجذري في درب مولاي الشريف،  لا علاقة له بالمفهوم المتداول  ل" فترة الحراسة النظرية ".   فقد  اتخذ شكل محاكمات كفكاوية غير معلنة:  إن المخـــــتطف متهم قبل أن تثبت إدانته، وليس أمامه إلا الاجتهاد مع جلاديه في العثور على أدلة من داخل حياته (أو خياله)  لتبرير الإدانة  و إعطاء التهـــــــــــمة ما يناسبها من الإثباتات !! أما غير ذلك، فلا وجود له في "الدرب" مستودع الأحياء / الأموات الذي  تنتصر فيه"حقيقة " الجلاد فقط،وليس شيء آخر !!

لقد أفاضت هذه الكتابات في وصف مكونات الفضاء السجني الرهيب لدرب مولاي الشـــــــريف ، فتحدثت عن القائمين عليه :(المعلم)  و(الحجاج) بمختلف الألقاب التي ألصقها بهم المخــــتطفون في غفلة عنهم  (= كونطركس /القوادة /  حبيبي /الهيش / الحاج اللواط / الحاج البول /  نونورس...)، و حيث لم تغفل  الوصف الدقيق لأشكال " خلقة " الحجاج، و ضروب أمزجتهم، وعجائب عاداتهم، ومختلف الممارسات الــــسادية التي يلجأون إليها للتنكيل بالأسرى، بمناسبة وبدونها ؛ فإنها قد أسهبت  بموازاة ذلك  في تشـخيص التقنيات التقليدية للتعذيب،  التي لا تميز عندها بين رجال أو نساء، ولا بين فتيان أو شباب  أو كهـــــول، و لا حتى بين مناضلين حقيــقيين  أو أبرياء ألقي عليهم القبض خطا.  من هنا يمكن تقسيم سياسة التعذيب في الدرب  إلى  مستويين :

 أ) استراتيجية طمس الهوية الإنسانية والنضالية للمختطف :

يتعلق الأمر في هذا المستوى الأول بعقاب شمولي بعيد المدى يبدأ منذ اللحظات الأولى للاختطاف، ويمكن إجمال أهم محطاته في النقط التالية :   

1) تنميط الشكل: وفيه تسعى مؤسسة العقاب إلى  إلغاء الاختلاف و التمايز  بين هيئات المختــــــــــــطفين  و أشكالهم عبر تجريدهم من لباسهم المدني و استبداله بآخر  سجني (الكاكي) موحد ونمطي، إضافة إلى حلق الرأس.   

2) محو الإسم :  حيث تلجأ  إدارة الدرب إلى إلغاء الإسم الحقيقي للمختطف  منذ اللحظة  الأولى لدخوله  المعتقل السري  واستبداله برقم سجني يكون عليه حفظه و تبنيه بديلا  لاسمه الأصلي، و المختطف مجبر بعد ذلك على الاستجابة الفورية لنداء الحاج بصوت عال كلما نودي على رقمه لســـبب من الأسباب المعلومة أو المجهولة وإلا تعرض لأسوأ العواقب. وفي الحالة التي تكون المختطفة امرأة، يتم  " تذكير" الاسم، ليتحول اسم فاطنة ـ مثلا ـ إلى رشيد، وهو ما وقع بالفعل لفاطنة البية  التي تحكي بهذا الخصوص قائلة: "....أعطوني رقما واسما : أنت من الآن اسمك رشيد.. " ما تحركي ما تكلمي إلا إذا سمعت اسمك. يعني رشيد ".  وتعلق فاطنة بعد ذلك  على وضعها الجديد  في  مسيرتها السجنية المجهولة  قائلة:" كانت هذه بداية محو الهوية : الاختطاف و الاعتقال التعـــسفي، ثم محو الأنوثة بالتعامل معي كرجل. لقد أصبحت في عرفهم رجلا سموه رشيد"[16] .

3) تعطيل الحواس: وهو إجراء عقابي خطير يتجسد في حجب  العينين / الرؤية بواسطة " العصابة"، و شــل حركة اليدين بواسطة "القيد"، وتحريم الكلام، ومنع الجسد،ككل، من جميع أشكال الحركة، إلا ما كان من طلب الإذن للذهــــــاب إلى المرحاض  أو الاستدعاء من طرف المعلم لمواصلة الاستنطاق.

4) تحويل المرحاض إلى هامش وحيد للحركة بمبادرة ذاتية، وجعل لحظة الخروج إليه تضاهي لحــظة الحرية المجردة من كل كرامة.

5) التجويع:  ويتجلى في رداءة الطعام المقدم للمختطفين و ندرته .

6) الحيوانية  ويعكسها حرص الجلادين  على خلق نوع من التماهي بين المختطف و الحيوان من خلال سلبه كل شروط النظافة ، حيث تقدم له أغطية شديدة الاتساخ  وغير كافية لاتــــــقاء البرد، بينما يتم تعمد المباعدة  بين فترات " الاستحمام " للحفاظ على الأوساخ أطول مدة ممكنة..

إن هذه الأوضاع الشاذة التي يتم إخضاع المختطف  لها (تعطيل  حواس البصر، و الشم، و السمع، و اللمس، و الذوق وفق مناهج دقيقة)، يتبين فيما بعد أن الجسد في حد ذاته ليس هو هدفها الأساس،  و إنما ما وراء الجـــــسد ؛ أي تلك الروح المعنوية العالية التي يتحلى بها المناضل  صاحب الإرادة العنيدة في الصمود والمقاومة من أجل المبادئ التي يؤمن بها.. يقول اللعبي في وصف الوضع المزري للدرب: "حظائر مهجورة، أقبية وبيئة، حيث تتراكم مئات "الكتل من البشر ـ الجراح "الممــنوعين من الكلام، من السعال، من التأوه، من التقلب على الخرقة الوحيدة التي تقوم مقام الفراش. ممنوع الجلوس، النداء على الحارس بصوت جد مرتفع أو جد منخفض. ممنوع إزاحة العصابة، إزالة القيد حتى عند تناول الطــعام الهزيل أو الذهاب إلى المرحاض.

هكذا، مرغمين على البقاء طول الوقت، ممدودين على الظهر، الأيدي على مرأى فوق الغطاء، والانتـظار أياما، شهوار، سنوات. وعندما كان ينادى على أحد للذهاب للاستنطاق، كان يعتبر ذلك نوعا من الانــفراج "[17].

هو تجريد كلي للمختطف من إنسانيته، وسعي ممنهج إلى طمس معالم شخصيته النضالية.  وليت الأمر كان يقتصر على المختطفين  وحدهم، فالتجريد من الطابع الإنساني تفرضه المؤسسة العقابية حتى على أدواتها  (الحجاج) الذين لا اسم ولا معالم  شخصية لهم ، وهذا أمر مقصود ،  يترتب عنه تحويل العلاقة بين الطرفين (الجلاد والضحية) إلى علاقة مؤسسية محضة لا مجال  فيها للأنســنة، تقوم على التعارض بين  نسقين متناقضين :

1)  نسق مؤسسة الجلاد المتحكم في مسرح " الجريمة"،  وهي مؤســــسة تضع كعنوان  لمجموع  قواعد لعبتها الجهنمية  (الاعتراف = اعتراف الضحية بكل المعلومات التي تملكها لتأكيد التهم الجاهــــزة ســلفا).

2)  نسق مؤســـــسة الضحية،  وهي مؤسسة عديمة الحيلة  في حرب غير متكافئة ؛ إذ لا تملك من مقومات  اسمها سوى الرأسمال الرمزي للمناضلين ، ويتمثل في إيمانهم بالمبادئ و القناعات التي من أجلها اعتقلوا.

ب)  التقنيات التقليدية للتعذيب :

وهي مجموعة من التقنيات المعروفة عالميا لدى الأنظمة الدكتاتورية، والمقصود بتقليديتها شيوع وتكرار استعمالها لدى الأجهزة البوليسية، وطبعا،  تم اللجوء إليها في درب مولاي الشريف في ظل الشروط السابقة التي تم التطرق إليها، ولعل أكثرها  شـــهرة تقنية (الببغاء) و تقنية (الطيارة).

يصف صلاح الوديع  تقنية الببغاء في الفصل المعنون ب "يوم الببغاء" على الشكل التالي:" بعد ما اعتقدت أنني نلت من العذاب ما كفاني، عادوا مرة أخرى فنادوا علي و شبحت وأنا معلق قي الهواء و ظهري إلى أســـــــــفل و يداي و رجلاي موثقان حول عمود وضع بدوره بشكل يجعلني معلقا في الفراغ. ثم أخذوا خرقة مبللة، عبــــــقة بأقذر ما في مراحيض البلد من روائح، مزيج معلوم المقادير من بول وتبغ محروق وبقايا براز و أوساخ غامضة المصدر، ووضعوا الخرقة برفق وهي تتقاطر فوق وجهي، ثم ألصقوها بأنفي وفمي حتى كاد صاحب الأمانة أن يأخذ أمانـته، فيما كان ماردان ينزلان في باطن قدمي بالسوط ضربا لا قبل لا لأبناء آدم ولا لبنات حواء به (...) ها باطن الـقدم عار تمــــاما، ولمن يجهل الأمر، فباطن القدم من أكثر أعضاء الجسم حساسية لدى بني البشر ـ يبدأ الخير منهما و يبدأ الشر. وبما أن المرْء يسبح في الفضاء معلقا بين السماء و الأرض و قد شد من حوافره الأربعة، فالرأس يلامس لا محالة الركبـــــتين وأنت لا تستطيع لنفسك ولا لغيرك ـ في هذه الحالة ـ نفعا غير قولك : الحمد لله الذي لا يحمد على مكروه ســـواه. وباطن قدميك ـ أبعد الله عنك الأذى و حتى أعدائك لو وجدوا ـ وقد تلاحمتا في تضامن نادر المثال و تعانقتا بواسطة قطعة شريط رفيع مفتول يجمع بين البنان الأكبر الأيسر و البنان الأكبر الأيمن في تلاحم لا حول ولا قوة لك إزاءه. و يبدأ العد. يتقابل الشابحان و أنا بينهما. ويبدأ الجلد، يشحط الأول فيما الثاني يرفع يده لكي ينزل بك سوطه حـــــــين تكون يد الأول في الهواء، وهكذا يحرمانك حتى من لحظة الاستعداد لتلقي الضربة (...) قال كبيرهم : كفاه من الببغاء، ولم أفهم. لم أفهم محل الببغاء من الإعراب في قصتي (...) فهمت بحدس نادر أن الببغاء هو ما كنت على حالته منذ قليل، أي انه اسم يطلق على الطريقة التي باشرت بها الدولة، التي أنا أحد مواطنيها، حالتي و الله أعلم"


[18].  

أما تقنية الطيارة، فيصفها الوديع نفسه في الفصل المعنون " يوم الطيارة " على الشكل التالي: "... فعوض أن ينزعوا العصابة عن عيني حتى أتقدم معززا مكرما، زادوا فأحكموها حتى كادت عيناي تنفجران وسحـــــــبوا يدي سحبا  وأوثقوهما إلى الوراء، ثم عاجلني أحدهم بركلة حتى انبطحت أرضا فجاء من وضع ركبته على ظهــــــــري و أخذ قدمي وأوثقهما، فقلت في نفسي، وما الفرق بيني وبين الدجاج في هذه اللحظة المصيرية من حياة الأمة رغم عدم اشـــــتغالي بالبيض؟ إلا أنه لم يتيسر لي أن أجيـــب على هذا السؤال، إذ سرعان ما جاءوا بعمود من الحديد ومرروه انطلاقا من جهة رأسي، بين يدي الموثقتين لتوهما ثم بين رجلي، و رفعوا كل هذا الإنجاز الفريد إلى أعلى في خفـــة من يدري ما يفعل ـ ونعم ـ وقلت سبحان الله، كل شعب وله طريقته في الصلب، هذا بالأفقي و ذاك بالعمودي فتدبر في الحكم يا مصــلوب ! و لم تسلم أصابع رجلي من الاهتمام على أعلى مســتوى، فتم ربط أكبرها يمينا و يسارا بشريط شد شدا بليغا، و أصبحت قدماي صفحــتين مفتوحتــــين لسوطين صنعا خصيصا من ذكر الثور (...) وعند هذا الحد من ركبـــــتي لا شك أنك قد أدركت أن وجهي ـ مرة أخرى ـ إلى أسفل سافلين و أن يدي و قدمي إلى أعلى عليين و السوط المفتول يأكل أخمصـهما و ما سمي سوطا إلا لأنه يخلط اللحم بالدم (...)  و هكذا جاؤوا ـ لا أعلم من أين ـ بقطعة خشب من النوع الذي يصلح للبناء والعمران و لتشييد صروح أمجاد الدول الضاربة عراقتها في عمق التاريخ، وأدخلوها بين ظـــهري ـ الذي أصبحت عراه قاب قوسين أو أدنى من الانفصام ـ وبين قطعة الحديد التي علقت عليها كما تعلق الشيـاه صباح العيد و الناس شــهود، ثم حطوا الخشب على ظـــهري  (...) وجاء بعد ذلك من يسأل أسئلة. وكانت معه خرقة ثوب فيها رائحة كريهة و بلل مقيـــت و لزوجة ممجوجة. وكلما سأل و أجبت بأنني لا علم لي، يفعل أير الثور فعــلته من جهة رجلي فأصرخ، فيعـمد صاحب الأسئلة إلى خرقته ويدخلها في فمي لأقطع الحس، كما كان يردد. وحين أريد أن أرتاح أجد الخشـب فوق ظهري. الحقيقة أنهم أعدوا العدة كلها وحضروا ردا فعالا على كل الاحتمالات"[19].

إن درب مولاي الشريف كفضاء سجني لتنفيذ العقاب بمستوييه، الاستراتيجي و التقني،  قد خضــــــــــع لكثــير من التشخيص الأدبي وغير الأدبي من لدن  معتقلي أقصى اليسار بالمغرب. و نظرا لكثافة وغنى ما كتب في هذا المجال، و نــظرا لتنوع  أشكال التعذيب التي تعرضت لها الكتابات بالوصف و الاستعادة، فإن  الباحث يجد صعوبة في انتقاء هذا المقطع أو ذاك  مما يمكن  الزعم بأنه أكثر النصــوص  تمثيلية لما  مارسته آلة العقاب الجهنمي من عربدة في حق المختطفين، وذلك  لما  يطبعها جميعا  ـ تلك النصوص ـ  من صدق و لوعة ناتجين عن حرارة الالتصــاق بحقيقة ما جرى، و عمق وعنف  ما اختزنته ذاكرة الجسد من هول  ما  حدث..  فهذا الشاوي في " معجمه  السجني"  الذي ضــــمنه الفصل الخامس من (كان و أخواتها)  يكثف في انفعال بالغ المرارة  جنون الرقصة الجهنمـية للدرب قائلا:  "لو طرحت عليك هذا السؤال الصافي : و أين يقع هذا الدرب؟، ولماذا تركز فيه خلاصتك؟ أمستودع هو أم حصن؟ أمسكون أم مهجور؟ بناية أم قفر؟ سر أم علن؟. تقول إنك أنشدت فيه القصائد المرتجلة. و تقول إنه استوعبك وحطمك. وتقول أنه بحساب الجمل عبارة عن 300 أيام عيشت ولا تعد، وقتها من الحرارة و البرد، لياليها من السـهاد والفجيعة، المعلم، التحقيق، الطيارة، الشيفون، أعقاب السجائر ورماد الحريق. الماء و الكريزيل، الأرقام و الكـــلب وحجاج بيت الله العذاب، عصابة، قيد، لا لغة، لا كلام، لا أهل، لا حبيب و لا رفيق. الأوراق و المستندات، التفاصــــيل الكثيرة، المعذبون حواليك يصوتون بأحزانهم و أنت منهم، أهذا هو الدرب؟، وأنا أسألك عن دربك، فقد تقول دخلـــته معصب العينين وقضـــيت فيه ما عددته بحــــساب الجمل ثم خرجت منه فلم تعرف له شكلا ولا حجــــــــــما ولا موقعا ولا هم يحزنون " (...) هو الدرب، عشت أيامه بين الأصوات و الصراخ و النداء و الضيم، لا قانون فيه إلا للمـــوت، إنهم يقتلون من يكابر أو يعاند أو يتســـــامى أو يطبق على أسراره، هو الدرب. وقع فيه رفيقك عبد اللطـــــــــيف زروال خلوده وانبـــــعاثه (...)  فيه  سحــقت نخب وعينات من أجيال متـــعاقبة. و أدوات الســــــــــــحق عادية تماما، مألوفة تماما، إنهم يعصبون عينيك ثم يحملونك إلى المعلم فيسلمك هو إلى الطائرة وقد تحط بك هذه أو لا تحط ثم يكتـــــــــــــبون لك شهادة بالاعتراف أو الموت. لا أقل ولا أكثر، إنه الدرب. وتقول المعلم. إنه شخص يشرف ويراقب ويتولى التحقيق في معظم الأحيان، وإذا طاب له الوقت صفعك وركلك وأدماك، شخــص عادي، صبغ بنان رجليه بالحناء، وســيم، عدواني وكذاب، له مساعدوه وزبانيته وحجاجه، الجميع يقولون هذا هو المعــلم، إنهم لا يعرفون إلا المعلم، يأتمرون بأوامــره ويزيدون عليها في التطبيق من عندياتهم أكيالا، هكذا هم (...) هذا هو المعلــم، هذا هو الكـــــلب، وتقول الحجـــــاج، لايقع اسم على مسماه إلا في المكان، الدرب مكان لا حجر فيه، أسود. لا. الحجــاج اسم لغير المحرمين، لا طواف هنـــــاك، لا تبتل، لا عبادة، هناك حجاج آخرون، رجال انقطعوا للحراسة ليل نهار، بلباسهم المدني مع أنهم مخزنيون، يحمـلون الســــــياط بأيديهم، يكثرون من السب، هؤلاء هم الحجاج : كونطركس. القوادة. الحاج البول، حبيبي، الحـــــــاج اللواط، الذئب، حجاج، حجاج، القوادة بصورة خاصة لم يكن يترك وقت حراسته يمر دون أن يحاور المرأة في جميع أعضـــائها، كان يعتقد أنكم محرومون (...) فمن الحجاج إذن من يتمرد خفية على أوامر المعلم. ولكنهم لا يرحمون، إذا قال لهم كن فيكن، إلى  الطائرة في بيت الله العذاب، و تقول الطائرة، الطائرة، ألواح وكرباج وماء مالح ويغرق التنفس في الهيجان، حتى إذا انقسم ظهرك جبحوك أرضا وأنت، بين الحياة و الموت، على الأرض تماما، وهل قلت شيئا؟. إنهم يضــــربونك على رجليك بعد أن تقلع بك الطائرة لكي يندلق ما تخفيه في دماغك لزجا أو خاثرا و هكذا ينــــسرب، هذا كل ما في الأمر، فإذا أغرقت في الصمت زاد سعارهم. وإذا تماديت في خرسك نكبوك في حميميتك، يصرخون فيك : قل باسم جــــــسدك الذي احترق هذا أنا هذه منظمتي هؤلاء هم رفاقي تلك زوجتي كانت لي طفولتي ومهنتي وحياتي وسياســــتي و المواقف التي أبرقتها للعالمين يوم كنت تتصور أن الثورة طوع بنانك، إن الإنسان كان جهولا، هذه هي الطائرة، لا تقلع في موعد، لا تحط في مطار، إنها تسير بالجسد (...)[20].

واضح إذن من لوعة هذا النص، مدى غور الجرح الذي تركته تجربة الدرب في كبرياء جيل من المناضــــلين، وهو يؤكد ما سبقت الإشارة إليه من  أن  مسلسل التحقيق في المعتقل السري، لم يكن لينفصل عن التعذيب بمستوييه،  الاستراتيجي و التقني.  لذلك، نجد كل تشخيص تقدم عليه  كتابات معتقلي اليسار الجذري  لفترة " الحراســة النظرية " تتدفق في ثناياه آلام الجروح النرجسية التي  ألحقتها أنياب  الجلادين البرابرة بأجساد وذاكرات الضحايا إلى الأبد، حتى ليمكن الجزم بأنه من المستحيل   على هؤلاء استذكار تجربة التحقيق بمعزل عن التعذيب الذي لازمها،  أو  وصف   الفضاء السجني السري للدرب وصـــفا حياديا، باردا، دون  أن  يشتعل  ذلك الوصف بهدير الغضب.

وربما لن نجانب الصواب إذا قلنا بأن مرحلة الاستنطاق ضمن هذه التجربة السجنية الطويلة، ربما كانت الأســـوأ والأعنف بالنسـبة للأسرى، مع تفاوت واختلاف في  طبيعة الأسر  من حالة إلى أخرى. أو على الأقل، فإن أصناف التنكيل بآدمية الإنســـــــان التي مورست في الدرب،  هي ما  وجد له تجليات كثيرة  وحضورا  طاغيا  في هذه الكتابات، على تفاوت في حدة التعــــــبير من هذا النص  إلى ذاك.

إنه الحضور  المضاعف أدبيا وتسجيليا لذاكرة معنفة  تأبى  ترك هذا الفصل المؤلم من فصول المحنة  يمر دون إيفائه حقه من التوثيق. ألم يكن  هذا الشوط من رحلة الجحيم الأرضي  يستهدف طمس الهوية الإنسانية و النضالية   لهؤلاء المنضوين تحت منظمات يسارية جذرية تبشر بمــبادئ  ثورية؟  ألم يكن الهدف مسخهم و تحويلهم  من  مناضلين  ثوريين إلى متعاونين خانعين قابلين لكل مســـاومات و إملاءات الإدارة السجنية؟  وهل هنالك ما هو  أبشع بالنسبة  لمناضل ثوري من تحويله إلى عميل  يراد منه يوم المحاكمة أن يقف، ليس ضد رفاقه وحسب، وإنما ضد  نفسه كذلك ؟!.

3) المحاكمة :

تطرقت كتابات الاعتقال السياسي لأجواء المحاكمات  الصاخبة التي شهدها مغرب السبعينيات (المحاكمة السياسية بمراكش (1972) / المحاكمة السياسية بالدار البيضاء (1973) /  المحاكمة السياســـــــية بالقنيطرة (1973) / المحاكمة السياسية بالدار البيضاء (1977)، و يمكن القول بأن هذا المــــكون من مكونات التجربة السجنية في شموليتــها قد أخذ حظه الوافر من التسجيل و التوثيق، سواء ما تعلق منه بوصف الفضاء المكاني للمحكمة  أو السير غير العادي لنظام الجلسات، مع التركيز على مضامين التهم و الملفات المطبوخة المعدة للمعتقلين  و ما واكبها من مشاهد هزلية أقرب ما تكون إلى الكوميديا السوداء.

ولأن هذا المحور متشعب ويحتاج إلى مقاربات قانونية تراجع و تكشف الخروقات السافرة التي شابت مخـــــتلف المحاكمات،  فإننا نكتفي بالإشارة العابرة إلى  بعدين اثنين  نلمسهما في هذه الكتابات، هما :

أ) البعد التوثيقي:

ويتعلق الأمر بالمادة الخام التي توفرها هذه النصوص للمؤرخين أو الباحثين المفترضين في الشأن القضائي المغربي، وبخاصة ما يرقى منها إلى مستوى الوثيقة  التي من شأنها أن تشكل منطلقا لعمل تحليلي حول واقع القضاء المغربي لمغرب تلك المرحلة، وفي هذا المستوى نميز بين:1) السرد الإخباري  الذي يستعيد فصلا من فصول المحاكمة، أو مختلف مراحلها،  ممثلين له  بنموذج ما كتبه جواد مديدش ـ على سبيل المثال ـ  وهو يستعيد " أسباب نزول المحاكمة " أو لحظة التأهب لخوض معركة الإضراب من أجل التعــــــــــجيل بها حيث يقول :"انقضى عام. وفي 20 غشت، غادرت آخر مجموعة درب مولاي الشـريف. ألقي بأفرادها في سجن عين برجة. ثم عرضوا في عجالة، على القاضي لغرض التحقيق القضائي التمهيدي. فلما انتهى ذلك التحقيق في مطلع شتنبر، كنا 244 معتقلا، موزعين إلى ثلاث مجموعات، ننتظر محاكمتنا. لكن تأخر موعد المحاكمة. و رأى البعض من الضروري القيام بعمل، لحمل النظام على أن يحدد في العاجل، تاريخا لتلك المــحاكمة. حررت مجموعة 26 مذكرة تجلت فيها لغتها أوضح ما يكون. صارت تلك المذكرة تتناقل في سرية و تكتم. كانت " تحليـــــــلا علميا " لحالة صراع الطبقات و خلصت إلى أن من شأن مساهمة من قبلنا  في هذا النضال بإضراب غير محدود عن الطعام، للمطــالبة بالإفراج عنا، أو محاكمتنا، أن تفضح نوايا النظام في خنق أصواتنا"[21].

وهو مكون توثيقي  جعل محكي هذه الكتابات  يراكم الكثير من الوقائع العينية المرتبطة بوضع القضاء،أو بالأحرى، تشخيص حقيقة عدم استقلال القضاء في تلك السنوات الملتهبة، و لا يخفى ما يوفره هذا البعد من رصد و جرد للخروقات التي ميزت المحاكمات السياسية  لمغرب السبعينيات على جميع المستويات : (ـ الحصار المضروب من طرف رجال الشرطة على مقرات المحاكم /   ـ تطويق قاعات الجلسات خارجيا بعد امتلاء جوانبها الداخلية /.ـ  انتهاك حقوق الدفاع ومضايقة هيئته. / ـ خرق مبدأ علنية الجلسة ...) 

2)  الوثيقة الإدارية، ويتعلق الأمر بحرص بعض المؤلفين على إلحاق أو تضمين كتاباتهم وثائق حقيقية من أرشيف المحاكمة وهذا ما قام به عبد القادر الشاوي  الذي أثبت ـ على سبيل المثال ـ في بداية الفصل الثالث من (كان و أخواتها)  نســـــــخة من النص الأصلي لقرار الإحالة على غرفة الجنايات كما هو بالحرف، فجاء على الشكل التالي : " نحن قاضي التحقـــيق لدى محكمة الاستيـــناف، بناء على الملتمســــــات المؤرخة في 20 غشت 1975 و 15  يناير 1976 و 29  مارس 1976 و13  ماي 1976 و16 نوفمبر 1976، وبناء على الدعوة الجنائية الجارية ضد (ش)،مغربـــــــي، مزداد سنة 1950، من والديه، متزوج، لا أبناء له، أستاذ، يسكن بالدار البيضاء، المتهم مع من معه، بتأسيس ثلاث جمعيات بصــــفة غير قانونية، أطلقوا عليها أسماء أ و ب و ج، و المؤامرة ضد أمن الدولة الداخلي و الاعتداء يكون  الغرض منه القضاء على النظام وإقامة نظام آخر مكانه، (...)[22].

ب- البعد الهزلي:

إن ما يطبع هذه المحاكمات من جد و"واقعية" لم يكن ليحول دون  حدوث بعض المهازل في الكثير من فصولها " الدرامية "، وقد حرصت بعض الكتابات على التقاط الكثير من المفارقات الباعثة على الضحك. فهذا إدريس بويسف الركاب لا يفوته التعليق الساخر على بعض   التجاذبات الحوارية ـ الهزلية  الحـادة التي دارت في اتجاهات متعاكسة بين الرئيس و  المتهمين و الدفاع و النيابة العامة  أثناء المحاكمة، وقد بلغ من سخريته في الوصف أن رسم لرئيس المحكمة " بورتريه " لا يخلو من كاريكاتور حيث نعته ب" الغول "، يقول   : "  هذا الرئيس... أذقناه مر العذاب ولكنه رد لنا الصاع صاعين. لقد مثلت المحاكمة بالنسبة لنا كما عشتها، نوعا من التسـلية وصراعا يائسا كصراع الشجعان الصغار، وهو حالنا، ضد الغول، وهو حال رئيس المحكمة، ذلك الشـــخص الذي ترسخ في ذكرياتنا إلى الأبد. إنه أفزاز، هذا اسمه، ذو وجه صغير وعيـنين صغيرتين ماكرتين. تسلق السلم الاجتماعي، وهكذا أصبحنا نراه في التلفزة بين الفينة و الأخرى"[23].

إن الركاب إذ ينعت الرئيس بالغول،  فلأن المظهر السـلطوي الفاضح  لهذا الأخير فاق كل حدود العقل و المنطق و اللياقة.  لقد حرص منذ البداية على أن لا تمر المحـــــــــاكمة في ظروف عادية، بحيث كان يرفض كل طلبات هيئة الدفاع التي لا تتماشى مع تكتيكه (مسألة تغيير القاعة الضيقة / تلاوة محضر الاتهام علانية...)، و يعلق الركاب على هذه العنجهية قائلا: "لم نكن نرى إلا عناد المحكمة متجليا في سلطة هذا الرئيس المتهم الغريب، ومن ورائه الشرطة القضائية الحاضرة و المترصــــــــدة باستمرار، للتعامل معنا كنعاج غير منضبطة أو أطفال يجب معاقبتهم لأفعالهم الشريرة دون السماح لهم بالكلام ولا الترخيص لهم بالتفـــــــسير، ودون أن يستطيعوا التعبير عن أفكارهم أو الدفاع ـ وهو حق ـ عن أنفسهم. و بالجملة فقد كان بممارســــــته هذه يحول المحكمة إلى قضية عائلية أبوية يحكم فيها بوصفه الأب / الغول، وهو يملك أصلا، إن لم يكن بإرادة إلهية، الحقـــــيقة و العقل و الحكمة. ومن ثم أصبح دورنا نحن... الشجعان الصغار المساكين مدبري الفتن، أن نصمت. ففي هذا الجـــو أصبح المحامون أنفسهم مهددين من طرف الرئيس، الذي كان يشوه، بالاستناد إلى الأطروحات البوليسية وضدا على كل شرعية قانونية مسطرية، الأسئلة التي كان يطرحها علينا دفاعنا[24].

أما عبد اللطيف اللعبي، فقد قاده سياق التندر  و هو يتذكر بعض المواقف المضحكة التي شهدتها مهازل المحاكمــــات الصورية  إلى  حكي واقعة هي أشبه ما تكون بالطرفة أو النكـــــتة ، يقول: "وقد أضحككم أحدهم أكثر من الآخرين. فكلما ألقى عليه الرئيس سؤالا، كان يكتفي بتقويس ظـــــهره و ترديد نفس الجواب:

    ـ سيدي الرئيس، ظهري، أتألم في ظهري. لقد أهلكوني !

    ـ هل كنت تعرف س..؟ 

    ـ ظهري، سيدي الرئيس.

    ـ متى و أين اجتمعت مع ي... لأول مرة؟

    ـ لقد أهلكوني. ظهري، سيدي الرئيس.

    ـ عد إلى مكانك، ختم الرئيس يائسا[25].

4) السجن :

يصعب  اختزال مفهوم السجن الذي تتحدث عنه هذه الكتابات في أربعة جدران بالمعنى المتعارف عليه بالنســــــبة لسجون الحق العام، فهو غير الدرب وغير سجن الحق العام، لأنه  يتميز عنهما  بعدة خصـــائص وأبعاد  ولو أن القاسم المشترك بين جميع تلك السجون (السرية والعلنية) هو سلب الحرية. أما أول خاصية مميزة " للسجن السياسي"، و تجب الإشارة إليها، فترتبط بالتحول الذي يطرأ على المعتقل بشكل عام حيث  ينتقل من وضعــية "المختطف" إلى وضعية " المعتقل"، بما  يعني ذلك من إيداعه في سجن رسمي تسود فيه  المعاملة اللاإنسانية (انعدام التغذية الكافية / انعدام العناية الطبية / عرقلة زيارة  العائلات...) لكـنه، مع ذلك، يشكل قطيعة مع وضعية  السرية  الملازمة لفترة " الاختطاف". إنه  الفرق بين  " الاختفاء القسري" و  "الاعتقال القانوني"  بالرغم من استـمرار  سلب حرية المعتقل. وقانونية هذا الأخير  تبدأ منذ اللحظة التي يتم فيها إيداع الأسير  في سجن معــــلوم بناء على حكم صادر عن المحكمة، مما يضمن له الحماية القانونية ولو من الناحية الشكلية .

لقد تعاملت كتابات الاعتقال السياسي لمناضلي أقصى اليسار مع هذه المحطة كفرج، أو باعتبارها انتقالا للكائن من العدم إلى الوجود ؛ أليس في بداية هذا النفق الجديد   يسترجع المعتقل  حقوقه البديهية التي حرمه منها الدرب، من قبيل  النظر والحركة  والكلام والاحتكاك بالرفاق والزيارات... إلخ.) . يقول الشاوي : " أصبحت بين أربعة. أنتم خمسة. رقم الزنزانة 9 لا فراش، المرحاض يقع قرب الباب مباشرة، المزلاج من الخارج، الضوء ينبعث من طاقة صــــــغيرة سدت بزجاج سميك. مصباح علاء الدين. رف طويل يمتد على ثلاثة أضلاع نافذة عالية. زجاجها مكسر، شباك حديدي منيع، لا سماء. البرودة، سلموا لكل واحد منكم غطاءين، افترشت واحدا و تلحفت بالآخر. كنتم صامتين. الصـمت الذي حفره الدرب في ألسنتكم. تعارفتم، ضحكتم. و لكنك لم تصدق أنك الآن تستعيد بيسر جميع المفردات الممـــنوعة، تقولها وتضغط عليها و لا تبالي بمن يسمعها أو ترن في أذنيه أو تخدشهما، سيان. إنك تتكلم بصوت و بحركة. ولو كنت تملـك قلما وورقة لسطرت مخارجها وتموجاتها  حدتها وتكسرها ورائحتها وهروبها منك"[26].

والنص يريد أن يؤشر إلى نهاية  مرحلة طمس الهوية، على الأقل، بالمعنى الذي مورست به في الدرب.  فرغم  الرفض الرسـمي الاعتراف القانوني بالجوهر السياسي للاعتقال، فإن  الزنزانة  ستبدو لساكنيها الجدد ، رغم كل شيء، أكثر إنسـانية من الدرب.  ألا يرجع فضل استرجاع الجسد لوظائف حواسه الحيوية  إلى هذا الوضع الجديد؟  ألا يتعلق الأمر بمعانقة الحياة ولو بقــيود من نوع آخر؟. يقول بويسف الركاب: " انتهى عهد البوليس فيما يبدو، فقد عادوا أدراجـــهم منذ بضع دقائق فقط، حاملين العصابات و القيود معهم.

فأمرنا الحراس بالدخول إلى بعض الزنازن في جماعات من ثمانية أفراد، وفي بعضها الآخر في جماعات من ســــتة أفراد أو أربعة، حسب حجم الزنزانة. وهكذا أصبحت بين سبعة رفاق، بعد أن أغلق علينا الباب بالمفـــــتاح ،فيما يشبه القاعة المظلمة، لا يتجاوز قطرها خمسة على ثلاثة أمتار. هناك مرحاض يحيط به سور علوه متر ونصـــف، في انتظار زبنائه الكثر والمتبدلين، في ركن من مساحة الزنزانة، فيما كانت الطفيليات و البقع الخضـراء ترتاح في سكينة في سقفه، واثقة من أنها لن تتعرض للأذى. لونان فقط يستبدان استبدادا تاما في الداخل : الرمادي الغامق و الأســود، فيما كانت  كوة التهوية الوحيدة، التي لا تتجاوز فتحتها 50 على 25 سنتيمترا، معلقة إلى فوق تتقاطع فيها أعمـدة حديدية غليظة، فتبدو و كأنها ضائعة و تغور في سور سمــيك جدا، كما لو أنه أنبوب مستـــطيل لا يحد، تتسلل منه بعض خيوط ظلال تعبانة.  لا وجود للأفرشــة في الزنزانة ـ ولا في أية زنزانة أخرى ـ ولا وجود لمصطبة فوق الأرض. فتســلمنا من سجناء الحق العام، تحت مراقبة الحراس، أمتعتنا بعد أن انفتح الباب في جلبة : ثلاثة أغطــية لكل واحد،  واحدة لفرشـها فوق الأرض والثانية للاستــعمال كوسادة و الثالثة للغــطاء...و هكــذا أعد كل واحــد منا مكانا لنفـــــــسه " (...) وبعد هذا الوصف "البلزاكي"،  ولكي يركز مشاعر الفرح التي اعترت المعتقلين و يشخص بدقة نوعية الانــــفراج الذي حدث، يقول : " وكان هناك ما يبعث على الفرح، فالانتقال من ليالي "الدرب" القلقة إلى ليل السجن الصغير (وكان يبدو ليلا صغيرا في ذلك الوقت)، كان بالنسبة لنا شبيها بالحرية. فالأشياء الصغيرة، على تفاهتها و بلاهتها، كتـــحريك اليدين كجناحي مطحنة، وقدرتك على حك أذنك اليسرى فيما تزاول الكتابة باليمنى، أن تخرج " للفسحة " في الصــــــباح إلى الساحات الصغيرة، بدلا من البقاء ممددا على أفرشتك، أن تفتح عينيك على ضوء النهار و ترى الألوان (ورود الحديقة الصغيرة).. أن تمارس الرياضة، أن تنعش جسدك بكالوريات الشمس.. هذه الأشياء الصــغيرة كانت تمنحنا لذة الحياة.. و النضال ".

***

المتخيل السجني: برنامج عمل    

     إن  الإحاطة  بمحور السجن في هذا المدخل الاستكشافي  المقتضب زعم  لا ندعيه.  فالأمر يتعلق بمبـحث شاسع وشديد التعقيد، لا يمكن لأي جهد فردي أن يوفيه حقه من الدراسة و التحليل إلا على سبيل الابتسار.  لذلك نمـيل إلى صياغة ما يشبه "برنامج عمل" تحريضي للباحثين  الذين سيتناولون في المستقبل "كتابة اليسار الجذري حول الاعتقال السياسي" في ضوء مختلف الأبعاد التاريخــية، والقانونية، والسوسيولوجية، والثـقافية، و السياســية، والنفسانية، والميتافيزيقية... التي تخترقها. ولأن  مقاربتنا المتواضعة هذه تعي حدودها وتلتزم بمقـصدها الاستكشافي ذي الطبيعة التمهـــيدية، فإننا نرجو أن نتمكن مستقبلا من إيفاء هذا المحور ما يستحق من الدراسة والتحليل، على أننا لا نترك هذه الفرصة تمر  دون اقتراح محاور ما يمكن اعتباره "جدول أعمال "ينتظر جهودا جماعية، مخلصة، للشروع في سبر أغوار موضوعة السجن باعتبارها القاعدة التحتية لبناء الهرم كله:

  1) وصف الفضاء السـجني في تعدديته (السجن المركزي بالقنيطرة / سجن اغبيلة، سجن عين البرجة / سجن مكناس...)

  2) رصد المنظومة السلوكية و الفكرية السجنية  (التغذية / النوم / القراءة /الدراسة / الفسحة / الرياضة / التطبيب /الزيارة / التسلية...) .

  3)  التجربة السجنية الانفرادية و التجربة السجنية الجماعية.

  4) العلاقة بالمرأة (الرسائل / الزيارة / الزواج السجني = السرفاتي / خلوة الحب...) 

5) العلاقة بالإدارة السجنية ( المراقبة / العقاب / الإضرابات / العلاقات الإنسانية بالحراس...)

 6) المرض (العاهات المستديمة /  الذهاب إلى المستشفى / الجنون...)

  7) النضال السياسي السجني  (تحويل السجن إلى ساحة صراع سياسي وإيديولوجي و تنظيمي، واستمرار منظمة إلى الأمام في ممارسة نشاطها السياسي  داخل السجن كما كان عليه الشأن خارجه، من خلال إعادة الهيكلة وتحديد المسؤوليات التنظيمية من جديد رغم اختلاف شروط النضال بين السجن و المجتمع).

  8) السقوط الأخلاقي والاقتتال الداخلي بين الرفاق (الاختلال العقلي لبعض السجناء بسبب التهميش و العزل) 

  9) الإنتاج الثقافي، الإبداعي و الفني  داخل  السجن (سرد / شعر / فن تشكيلي...).

10) الكتابة النسائية السجنية (ما الذي يميزها عن كتابة الرجل؟ و كيف تم رصد الممارسة القمعية المزدوجة للسلطتين السياسية والذكورية ضد الهوية النضالية والأنثوية للمرأة في هذا النمط من الكتابة؟...).

11) الضحك في السجن.

12)  التدين في السجن.

13) السجن والإعلام أو محور العلاقة بالرأي العام الوطني و الدولي.(...)

***

 

أما بعد،

 فهل أجابت العناصر السابقة عن السؤالين اللذين تم استهلال هذا المدخل بهما:

1) لماذا كتابة الاعتقال السياسي اليوم؟ 2) وما الذي يميز هذا اللون من الكتابة عن غيره؟

نرجو ذلك، وإن كان الجواب المباشر عن السؤال الأول هو  حاجتنا إلى إعادة بناء الذاكرة، في حين  يمكن الإجابة عن السؤال الثاني بأن ما يميز هذا اللون من الكتابة عن غيره هو الانتصار للحقيقة. 

لقد شكل ما حدث ظاهرة تاريخية، سوسيولوجية، سياسية، ثقافية فريدة بكل المقايـــــيس. فالحركة الماركسية ـ اللينينية التي ظهرت في مغرب السبعينيات شكلت عنوانا لتحول ما كان يعتمل في أحشاء مغرب المخاض. ورغم ما يمكن أن يتحدث عنه البعض  اليوم من فشل تلك التجربة الثورية الفريدة من نوعها في تاريخ المغرب المعاصر، فإن قراءة النصوص التي كتبت في قلب العاصــــــــــفة وبعدها تؤكد أن هذه العملية التاريخية المعقدة لم  تكن مجرد مغامرة معزولة بدون أي مفعول يذكر. ولو شئنا أن  نتجاوز التقويم المانوي الفج الذي يصنف أطراف االصراع  إلى منتصر و منهزم  لقلنا إنها تجربة لم تسجل انتصارا كاملا و لا هزيمة شاملة لأي  طــــرف من الأطراف.  فالذي انتصر هو فكرة مغرب مستقبلي، ديمقراطي خال من كل تلك الأخطاء  القاتلة.

إن  قارئ السير السجنية التي كتبها معتقلو اليسار الجذري لا يمكن أن يظل مفهومه لحقــــــــيقة  ما جرى هو نفسه بعد القراءة. و إذا كان اللعبي قد انتهى إلى قراءة أطوار تجربته السجنية باعتبارها " حلقات إعادة اكتشاف الذات "  ،  فإن النتيجة نفسها يمكن تعميمها  و القول بأن هذه الكتابات، ككل، شكلت فرصة ثمينة للشخصية المغربية كي تعيد اكتشاف ذاتها  . إنها تمرين للذاكرة المغربية كي  تعيد النظر في بعض أحكامها الجاهزة عن حقيقة ماجرى. و ماذا عساها تكون أولى حقائق ما جرى سوى  أن ما وقع لم يكن مجرد " نزوة نخبة "،  و إلا  ما الذي دفع الخصم إلى رفع سقف التكلفة ليجعل الثمن يكون غاليا جدا (تدمير أجمل سنوات عمر هؤلاء الشباب)؟!

لقد أوجد الماركسيون ـ اللينينيون المغاربة بهذه الكتابات تراثا و طريقة جديدة في الكتابة و السرد و النظر إلى الوجود..  وإن كان لهذه النصوص من قيمة  مضافة إلى أدبيتها أو تسجيليتها،  فإنما تكمن في ما أوجدته من شكل جديد للتعاطي مع مفاهيــــم الإنسان و الحقيقة و التاريخ و الكتابة نفسها. فقد لا يكون هؤلاء  " الشجعان الصغار " نجحوا في حمل العمال إلى السلطة، ولكن كتابتهم عن حقيقة ما وقع، صارت، بقوة الأشياء، و بالنسبة للجميع تجربة تعلم.

 

 



[1]-عبد اللطيف اللعبي، (مجنون الأمل)،ترجمة : علي تزلكاد، مؤسسة الأبحاث العربية، بيروت، 1983 .

-[2]  عبد القادر الشاوي، (كان وأخواتها)،دار النشر المغربية، الدار البيضاء،ط : 1، 1986.:

-[3] محمد الأمين مشبال، (أحلام الظلمة)، إعداد وإنجاز: هشام مشبال،منشورات الجسر، ط: 1،2003، ص :6

[4] - إدريس بويسف الركاب، (تحت ظلال للاشافية)، ترجمة : عبد القادر الشاوي، منشورات طارق،ط:1، 2002، ص :13

[5] - مجنون الأمل ، ص :149.

[6] -   جواد مديدش، (درب مولاي الشريف الغرفة السوداء)،ت : عبد الرحيم حزل، أفريقيا الشرق،ط :1، 2002،ص 119/ 120

[7] -  تحت ظلال للاشافية،ص : 211 / 213

[8] -  أحلام الظلمة، 192 / 193

[9] -   أحمد شوقي بنيوب، (هيئة التحكيم المستقلة : مسار المقاربة المغربية لتسوية ماضي الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان)، منشورات : مركز التوثيق و الإعلام والتكوين في مجال حقوق الإنسان، ط،1،2004، ص .32

[10] - المرجع نفسه، ص : 33

[11] -  صلاح الوديع، (العريس)، رواية، مطبعة النجاح الجديدة، البيضاء،ط : 2، 1998،ص :85/86

[12] -  درب مولاي الشريف ...، ص :26

[13] -  فاطنة البية، (حديث العتمة)،نشر الفنك، البيضاء، 2001،ص:11

[14] -   أحلام الظلمة،  مصدر سابق، ص : 70

[15] -  حديث العتمة،  مصدر سابق، ص : 15

[16] - مجنون الأمل، ص : 29

[17] - العريس، ص (41 /45 )

ص: (51/58)

[18] -  كان وأخواتها، [18] - المرجع نفسه، ص: (51/58)

[19] -  كان وأخواتها، ص: (143/145)

[20] -  درب مولاي الشريف...،  ص:144

[21] -  كان وأخواتها، ص:91

[22] -  تحت ظلال للاشافية، 185

[23] - المصدر نفسه،ص :187     

[24] -   مجنون الأمل، ص :117          

[25] -   كان وأخواتها، ص : 154

[26] -   تحت ظلال للا شافية، ص :174