ص1

 

البوح الأليم

قراءة  في رواية" سيرة  الرماد"[i]  لخديجة مروازي

 

                                                                   عبد المجيد الحسيب

شكلت  سنوات الجمر والرصاص التي عاشها المغرب خلال فترة الستينات من القرن  الماضي مادة خصبة لكتابات أدبية وتسجيليةكثيرة، كان هاجسها الأساس هو فضح فظاعة الخروقات التي مورست ضد الأصوات المعارضة للحكم الاستبدادي. هكذا ظهرت كتابات كل من عبد اللطيف اللعبي  وعبد القادر الشاوي وصلاح الوديع وجواد مديدش وإدريس بيوسف الركاب وعبد الفتاح الفاكهاني وغيرهم... بالإضافة إلى بعض الشهادات الصادمة إلى حد الألم مثل شهادة كل من محمد الرايس وأحمد المرزوقي وصالح حشاد وآخرين. ولم يبق  موضوع هذه المرحلة منحصرا في الذين اكتووا بلهيبها فحسب، بل أضحى مادة أدبية أثيرة للكثير من المبدعين والأدباء، كما هو  الشأن  بالنسبة للطاهر بن جلون من خلال روايته "هذا الغياب الباهر للضوء"، المستوحاة عوالمها مما رواه له أحد ضحايا تازمامارت، وهو عزيز بين بين.

تندرج رواية "سيرة الرماد" لخديحة مروازي ضمن هذا الأفق من الكتابة، الساعي إلى مساءلة تلك السنوات العصبية من تاريخ المغرب الحديث، بواسطة لغة أدبية تمتح من التاريخ والسياسة والسيرة، وقالب حكائي تخيليبي ملتصق بالواقع أحيانا، ومنزاح  عنه أخرى.

تنقسم هذه الرواية إلى فصلين كلاهما، تروى أحداثهما بضمير المتكلم، مما يؤشر على رغبة الكاتبة  في تذويت مسرودها، وفسح المجال أكثر للبوح الحميمي والتذكر والإعتراف والمونولوج وغيرها من أشكال السرد  الذاتية المستبطنة للواعج الذات المعبرة عما يعتمل في دواخلها. أما الفصل الأول فيروى على لسان "مولين"، وهو أحد اليساريين الذين عاشوا  تجربة الاعتقال خلال مر حلة السبعينيات، في حين يروى الفصل الثاني على لسان ليلى المتعاطفة  مع أحد فصائل هذا اليسار، والتي فضلت الاحتفاظ بمسافة تنظيمية بينها وبينه اعتبارا لبعض التحفظات. وبالرغم من أن الجنس الأدبي الذي ينتمي له هذا النص هو الرواية -التي تعد جنسا تخييليا يستوحي عوالمه من الخيال، وشخصياته هي شخصيات من ورق- فإن التخييل فيه لا فكاك له من الإحالة على الواقع. فكل المؤشرات تؤكد واقعية الأحداث وارتباطها بالتاريخ في المكان والزمان: فالغربية هي القنيطرة بسجنها المركزي الذي قضت فيه أجيال من اليسار المغربي زهرة عمرها، وبعض تفاصيل المحاكمة الواردة في ثنايا هذا النص هي محاكمة يناير 1977، بل إن سيرة بعض الشخصيات الروائية تشبه إلى حد كبير سيرة بعض المعتقلين السابقين المعروفين...

من هنا يمكن القول إن العلاقة بين الخيال والواقع في الكتابة الروائية هي علاقة معقدة جدا، ومهما  ادعى الروائي بأن شخصياته من ورق، وأنها لا تمت للواقع بصلة، فإنها تقيم -مع ذلك- علاقة وطيدة بهذا الواقع، تتأثر به، وتؤثر فيه بشكل من الأشكال. إن "سيرة الرماد" هي إعادة كتابة لتجربة اليسار  الجديد بطريقة أدبية وفنية بعيدة كل البعد عن وهم تمجيد هذه التجربة أو أسطرتها أو الإشادة  ببطولاتها، بل هي كتابة  تجعل همها الأساس هو المساءلة وتنسيب الأشياء والتركيز على ما هو إنساني صرف.

يتحدث "مولين" في الفصل الأول من الرواية، عن تجربته في الاعتقال مستعيدا اللحظات التي سرقت من عمره وراء القضبان، يقول:  "عشرون عاما التهمتها برودة الجدار وصدأ القضبان، ماذا تبقى من العمر غير هذا النزر القليل الذي سيقذف بنا مباشرة من السجن إلى المستشفيات لنلوك فيها بقية  العمر"( ص7). ويركز هذا الفصل على وصف مختلف أشكال التعذيب التي عاناها السارد بمعية المجموعة التي ينتمي إليها. كما يستعرض مختلف الخروقات والانتهاكات الجسيمة التي مورست عليهم من أجل إذلالهم وانتزاع اعترافاتهم. ويشكل التركيز على الوصف الدقيق لمشاهد التعذيب أهم اللحظات التي يتقاسمها هذا النص مع جل نصوص ما يسمى "بأدب السجون"، مثل كتابات عبد الرحمان منيف والطاهر عبد الحكيم في "الأقدام العارية" وفريدة النقاش في "السجن الوطن" وغيرهم. وقد توفقت خديجة  مروازي في رصد هذه اللحظات العنيفة من تجربة الاعتقال بحس أدبي رفيع، وبلغة أنيقة تمزج  بين البوح والتذكر والاعتراف الأليم، بأسلوب لا يخلو من سخرية فيها كثير من التحدي لفظاعة التعذيب، وقسوة الجلادين، مثلما هو الشأن لحظة إدلاء مولين باسم سلمان هيصة -أحد زعماء  التنظيم- للتخلص، ولو لحين، من آلام التعذيب. ولم يكن سلمان هيصه هذا إلا اسما أطلقه مولين على فأر كان يوجد معه في زنزانته!  ومن بين اللحظات المهمة أيضا في هذا الفصل تلك  المتعلقة بالمحاكمة  الصورية والهزلية التي وزعت مئات السنين على معتقلين، بعضهم لا يعرف حتى الأسباب التي حوكم بموجبها، كما هو الشأن بالنسبة لموحى، الرجل الأمي، الذي لم تشفع له أميته فيما نسب له من تهم يجهل فحواها، وكان كل ذنبه أنه صديق أحد المسؤولين بالتنظيم وابن بلدته. هذا الظلم  القاسي على القلب والروح سوف يؤدي بموحى إلى حالة من الإحباط واليأس، ستؤدي به إلى الخبل ثم إلى الانتحار.

لم تكتف"سيرة الرماد" بوصف الفظاعات التي مورست على معتقلي الرأي فحسب، بل عملت أيضا على رصد حالات القوة والضعف التي يواجه بها المعتقلون هذه الفظاعات. فمباشرة بعد المحاكمة القاسية، ومحاولات الإذلال، سيضطر المعتقلون إلى خوض إضراب غير محدود عن الطعام انتهى باستشهاد "صمد مهداوي" واستجابة الإدارة لأهم مطالبهم. والإضراب عن الطعام حتى الموت إن دل على شيء، فإنما يدل على يدل على قوة الإنسان ومدى استعداده لكل التضحيات من أجل حياة حرة وكريمة. ولكن بقدر ما يكشف الإنسان عن طاقة هائلة في التحدي أحيانا، فإنه في أحيان أخرى يكون مستعدا للإستسلام للضعف والعجز والهوان، وهذه الثنائية المتناقضة والغامضة تعد من صميم طبيعة الكائن الإنساني.

فمجموعة من المعتقلين  الذين أضربوا عن  الطعام حتى الموت وأبانوا عن شجاعة هائلة لحظة التعذيب، سينهارون في لحظة ضعف، وسيتقدمون للإدارة بنقد ذاتي يرجمون فيه التجربة، ويتنكرون لها طلبا للعفو، وأملا في السراح. وهو الأمر الذي استغلته الجهات الرسمية وحولته إلى مادة إعلامية للنيل من التجربة وتسفيهها.

لم يحول السارد موقف هذه المجموعة إلى وسيلة للإدانة والتجريح، بل جعله موضوعا للتأمل لفهم الأسباب التي تجعل الإنسان يتحول من الرفض والتحدي خلال فترة الإضراب عن الطعام، إلى حالة من الضعف والتردد والعجز، ليخلص  في الأخير  إلى اقتناع مفاده أن أكبر قوة لتدمير إصرار المعتقل وكبريائه هي رفاقه والمقربين إليه. لهذا كانت الاختلافات القاتلة بين المعتقلين سببا جوهريا وراء أغلب الانهيارات التي عاشها هؤلاء، يقول "إن أكبر قوة للردع ليس البوليس فقط أو المخزن، ليس هذا التخلف الذي يحيط بنا. الرفاق من يتقنون ردع الرفاق. وإذا الواحد منا مطالب بالصمود في وجه تلك الآليات فنحن مطالبون بالصمود وحصانة مضاعفة أمام طعن الرفاق أو أشباه الرفاق" (ص111). إن هذه الطعنات التي تأتي من المقربين تكون أشد على المعتقل وأقسى. فصلاح مثلا، الشاعر البشوش المتفائل والمرح، ظل صامدا ومتحملا لكل الآلام، ولكن حين تخلت عنه زوجته التي تقاسمت معه نفس الأفكار ونفس المعاناة ونفس الأحلام، في لحظة مفاجئة، لتختار لنفسها مسارا آخر، استسلم للإنكفاء على الذات والتواري عن الأنظار. لقد دفعت تجربة الاعتقال بأغلب شخصيات هذا النص إلى العودة إلى الذات ومساءلة كل الأفكار واليقينيات التي كانت تبدو عقائد شبه مقدسة، يقول  السارد: "انطرحت أمامي تجربتنا بحدة، اعتقالنا، إتلاف كل العمر بين القضبان الثمن الباهض مقابل حفنة أفكار، هل ثمة مقابل أكثر من حرية الفرد وضياع أعز الناس عليه دون أن يتمكن حتى من رسم قبلة أو خطف نظرة  إلى نعش يتجه إلى حيث لا يعود" (ص 54).

إذا كانت هذه الرواية قد قدمت لنا صورا صادمة عن وا قع الاعتقال والتعذيب الذي  عاشته  المعارضة اليسارية  في المغرب خلال  السبعينيات فإنها تطرقت أيضا -وبجرأة- لأحد الموضوعات المهمة والحساسة، وهي علاقة هؤلاء الثوريين بالمرأة. إن المناضل الذي يحمل أفكارا ثورية تؤمن بهدم كل المعتقدات والقيم البالية والمهترئة يعيد نفس العلاقات التقليدية والذكورية في علاقته بالمرأة، وهذه إحدى المفارقات التي عملت هذه الرواية على رصدها وسبر أغوارها. وتشكل شخصية ليلى، صديقة مولين، الصوت المستشعر لهذا الخلل الموجود في علاقة المناضلين -أشخاصا وتنظما- بالمرأة. لهذا ظلت ليلى محافظة على مسافة بينها وبين هذا التنظيم. فرغم تبينيها لنفس الاقتناعات، إلا أن علاقتها بالهياكل التنظيمية ظلت مشوبة بنوع من التحفظ وعدم الاطمئنان، تقول "المرأة تبدأ رفيقة وتنتهي رقيقة" (ص 94). وتقول أيضا: "هل هناك فعلا تنظيم نسائي لدى الحزب؟ الحزب لا تجد فيه غير رجال وزوجاتهن" ( ص 87). وسيؤول رفاق ليلى هذا التحفظ بشكل سيء، وسيجعلون منه موضوعا للنميمة والإشاعات الكاذبة المغرضة.

لقد توفقت رواية "سيرة الرماد" إلى حد كبير في إعادة صياغة تجربة سياسية واقعية، تجربة كانت مشعة ومتألقة ومأخوذة بالكثير من الأحلام والأوهام، وهي صياغة أدبية محبوكة تقوم على التذكر والبوح والاعتراف والحوار والمناجاة وغيرها. إن إعادة كتابة تجربة سياسية بطريقة أدبية ليست عملية هينة، لأن عددا من الذين جربوا هذه المحاولة أهملوا الجانب الأدبي لحساب السياسي. والواقع أن الكتابات  العربية التي توفقت في تحقيق هذا الرهان قليلة جدا، مثل روايات حيدر، ولاسيما "الزمن الموحش" و"وليمة لأعشاب البحر" وكذا "سباق المسافات اطويلة" لعبد الرحمان مونيف و"باب  الشمس" لإلياس الخوري، وغيرها.

ولم تكتف خديجة مروازي بنقل هذه التجربة من وجهة نظر واحدة، هي وجهة نظر "مولين" السارد لأحداث  الفصل الأول، بل فسحت المجال لصوت آخر هو صوت ليلى التي اضطلعت برواية أحداث الفصل الثاني من وجهة نظر مغايرة ومختلفة. وهذا  التنويع في رواية الأحداث من وجهات نظر مختلفة حرر النص من شرك الإطلاقية واليقينية خاصة وأن علاقة  ليلى  بالتنظيم لم تكن على مايرام. تحكي "ليلى" في هذا الفصل عن احتجازها بأحد مخافر التعذيب لأنها سربت معطيات تتعلق بقضية " مختار" المحكوم بالإعدامإلى الصحافة الأجنبية و منظمة العفو الدولية.

محكي ليلى، إذن، ليس محكيا سياسيا صرفا بل هو محكي يؤالف بين السياسة والحب الزواج  وإحباطات الذات وغيرها. فهذا الفصل  يبين أن الإهانات التي تتعرض لها المرأة المعتقلة تفوق بكثير ما يتعرض له الرجل، لأن الجلادين أمام المرأة المعتقلة يكشفون عن  أعماق  رهيبة من الحقد والعداء لاتجد تبريرها إلا في الأعطاب والمكبوتات النفسية التي يعاني منها هذا النوع من البشر   المداري للخوف من العجز بالبطش، تقول الساردة : " كان الغثيان هذه المرة فظيعا، كلما أقعدوني على ركبتي وأمروني بأن أمد يدي  وأقبض على شيء أحسسته رخوا  بين يدي، لكن ما إن اكتشفت طبيعته، حتى انسل قلبي بالقيء، نعم كنت أتقيأ قلبي بمجرد أن أضع يدي على  العضو الجنسي لأحدهم كان  ملطخا بماء لزج، أحاول أن أفلت يدي بسرعة لكنهم يركلونني وأسقط على وجهي لينهضوني، وحين أرفض أن أمد يدي مرة أخرى، يعيدون إقعادي على ركبتي ويقف أحد هم ليمرر عضوه الجنسي على عنقي " ص: 147 .

 إلى جانب هذه المحكيات التي تروي عن التعذيب وكل أشكال القسوة التي تمارس ضد العتقلين، نجد أيضامحكيات متناسلة ومثيرة حول بعض معتقلات الحق العام مثل نعومة المرأة    السادية التي تتلذذ بحديثها عن قتلها لامرأة  وابنتها والتنكيل بجثتيهما وكذا توريط العديد من الأبرياء معها لا لشيئ إلا لتلبية نزوعاتها العدوانية وطبيعتها الحقودة ؛ إنها ليست سادية فحسب، بل لها أيضا  نزوعات سحاقية شاذة تلبيها مع بعض  نساء  العنبر مثل " زبيدة  الغليظة". تقول الساردة: "  دققت النظر، رفعت  رأسي  قليلا عن وسادتي سمعتها تهمس  في خفوت بكلمات يهتز لها الجسد النحيف رغبة ويبدأ إحتكاكهما بوتيرة  متسارعة. كنت لا أزال أمسح عيني من عمش المفاجأة، وقفت على سريري وصرخت بملء الصوت :

- يا لطيف  تفو تفو تفو ؟ 

وإذا صوت يرد عني من قاع العنبر و كأنه  في موقع  دفاع:

-       نعسي الله يعطيك  لمسخ.

  لم يقتصر الصوت على إخراسي مرة واحدة بل ظل يعيد جملته أكثر من ثلاث مرات.... أحسست الجو مشحونا ... إلتفت إلى  الحائط لأنام و لكني لم أقدر"ص:  174

لقد أفسح هذا الفصل من الرواية المجال لعدة أصوات نسائية كي تعبر عن آلامها ومعاناتها وطبيعة  الظروف التي أوصلت بعضهن إلى السجن مثل زبيدة ؛ زبيدة هذه  التي ظل شيخها يضاجعها بالقوة بعد سفر زوجها إلى أن ضاقت ذرعا بالأمر الواقع، فقررت الانتقام منه موهمة إياه ذات  ليلة برغبتها فيه، ولما تمكنت من قضيبه بيديها أخرجت منجلا من تحت الوسادة فاستأصلته).

إن جميع حكايات نساء العنبر تنضح بالألم والمرارة، وكل معتقلة فيه تنطوي على تجربة في الحياة مطبوعة بالشقاء والقسوة، فالرواية أتاحت للعديد من الأصوات إمكانية  التعبير عن نفسها بكل عفوية وجرأة وصراحة .  من هنا نجد ليلى تستخلص من هذه التجربة دروسا  مهمة  في  الحياة لعل أهمها، بعد خروجها مباشرة  من السجن، هو أن علاقة المرأة بالرجل في  غاية التعقيد والالتباس .إنها تظل   خارج كل التصورات والاحتمالات الممكنة لأن ثمة أشياء في لاوعي الفرد هي ما يتحكم في قراراته في الكثير من الأحيان . إن ليلى قد  وصلت إلى هذه  النتيجة بسبب  المآل الذي آلت إليه علاقتها بزوجها محمد بعد تجربة مديدة من الحب والتضحية المتبادلة، تقول:"هكذا بدأت الكثير من الأواصر تتمزق  بيني وبين محمد. قد يربط بين إثنين  التفاهم على  أكثر من مستوى لكن الحياة الجنسية تبقى هي حبل السرة بين المرأة والرجل ومخيط باقي المستويات. كانت علاقتنا قد بدأت تنكسر كآنية خزفية بدأت بشقوق ليتسرب الماء بين كل طينها . بعد ذلك ينحل كل الطين ولم يعد ثمة أمل في  إعادة تنسيقها بالرغم من  بعض المحاولات" ص: 161.

لقد توفقت خديجة مروازي  في إنتاج نص أدبي يرصد لحظة من اللحظات الأليمة التي عاشها اليسار الجديد  بالمغرب. ورغم أنه تناول موضوعا سياسيا إلا أن الكاتبةلم تفرط في الجانب الفني والأدبي للنص وهذا واحد من أهم الرهانات التي حققتها.

 



[i]  -  سيرة الرماء  : خديجة مروازي- افريقيا  الشرق- 1981