ص1

 

الترجمة أداة ً للتحديث

 

عبد السلام بنعبد العالي

لسنا نقصد بالتحديث هنا[i] حركة اجتماعية تلحق مؤسسات وتغيّر أوضاعا و تحوّل بنيات، و إنما نعني به موقفا من الكائن و مفهوما عن الزمان: فإذا سلمنا بأن التقليد هو الموقف الذي يكون فيه الاتصال لحمة الكائن و الوصلُ نسيجَ الزمان، الموقف الذي يرتبط فيه طرح القضايا الكبرى بتقصي الاستمرار و الدوام: دوام الهويات التي تحدّد، والخصائص التي تطبع،  و السمات التي تميّز، دوام اللغة التي نتكلمها، و العادات التي نألفها، و الحقائق التي نعتنقها، و العبارات التي نلوكها، و الآراء التي نتداولها، إذا كان التقليد هو هذا،  فان التحديث لا يمكن أن يكون إلا حركة انفصال دءوبة تطرح منطق الاتصال موضع تساؤل، و تجعل من الهوية حركة لا متناهية للضم و التباعد، و من الآخر مجالا مفتوحا للاختلاف و الالتقاء.

على هذا النحو تغدو الإشكالية التي نود معالجتها هنا هي: كيف ينبغي أن تفهم الترجمة و تمارس كي تكون أداة تحديث و انفصال؟ كيف تغدو الترجمة أداة للمساهمة في حركة الخلخلة و التحويل اللذين تعرفهما ثقافتنا في عالم تتفاعل فيه الثقافات بشكل لم يتقدمه مثيل؟ كيف تكون الترجمة أداة لانفصال الثقافة عن نفسها و انفتاحها على ثقافات مغايرة؟ لانفصال اللغة عن ذاتها و انفتاحها على التعدد، لتحويل الهوية و فتحها على الخارج؟ مجمل القول : كيف تكون الترجمة أداةً لتكريس الغرابة؟

الظاهر أن المناخ الأخلاقي و الميتافيزيقي الذي تعوّدنا أن نطرح فيه قضايا الترجمة، فنربطها بفلسفة مّا عن الهوية و الاختلاف، و نظرية مّا عن الكتابة و عن اللغة، يحول دون كل هذا، و يجعل الترجمة أساسا أداة لخلق القرابة و نفي الاختلاف و تكريس الاتصال.

ذلك أننا غالبا ما لا نعتبر الترجمة ناجحة موفّقة إلا إن هي استطاعت أن تلغي الاختلاف الثقافي و اللغوي فتنقل النص من لغة إلى أخرى من غير أن يبدو أنه انتقل. إننا لا نعتبر الترجمة ناجحة إلا إذا بدا النصّ و كأنه " نسخة طبق الأصل"، إلا إذا بدا و"كأنه لم يترجم"، إلا إذا بدا و كأنه ينطق لغت"نا"، ويفصح عن ذوات"نا"، وينتمي إلى ثقافة"نا". إننا نتوخى أن تكون الترجمة من التّماهي بحيث تظهر أنها ما كان المؤلف سيكتبه لو أنه كتب باللغة المترجمة، و نطلب من المترجم أن يكتب النص باسم كاتبه، أن يكتبه من غير أن يوقعه، نطلب منه أن يمحو اسمه ليسمح لكاتب النص الأصلي أن يتكلم لغة أخرى دون أن يفقد هويته.                                  

إنها ترجمة تروم قهر المسافة بين المترجم و المؤلف، و إلغاء الاختلاف بين اللغة الأصلية و اللغة المترجمة. بل إنها قد تتوخى أن يكون وقع النص المترجَم على القارئ الجديد هو الوقع نفسه الذي كان على متلقي النص الأصلي.

هي اذاً ترجمة تنفي ذاتها كترجمة، و تسعى أن تقدم نصا" كأنه لم يترجم"، نصا يمحو فعل الترجمة، نصا لا نشتم فيه رائحة اللغة الأخرى، رائحة" الأجنبي"، رائحة الغرابة، رائحة الغيرية، رائحة الآخر، رائحة الاختلاف.

لن نروم هنا، بطبيعة الحال، إعطاء وصفة جاهزة لما يمكن أن يكون مفهوما بديلا، و إنما سنسعى جهدنا إلى تفكيك ميتافيزيقا الترجمة هاته. و تمهيدا لذلك لنتوقف بدءاً عند المصادرات التي تنطلق منها.

يسلم هذا الموقف أن النصوص تظل هويات مصونة ما لم تتسلط عليها الترجمة كي تجبرها على الخروج عن ذاتها و الانفتاح على الآخر، كما يفترض أن اللغة تبقى واحدة موحَّدة حتى تتسلط عليها الترجمة لتقوّض برج بابل، و تجبرها على التعدد. و هو يسلّم أن الكتابة لا تنطوي على غرابة ذاتية إن صح التعبير، وأن النصوص لا تتهددها الغرابة في عقر "دارها". فماذا لو كانت اللغة أساسا هي عش الاختلاف و مأوى التعدد؟ و ماذا  لو كان النصّ "الأصلي" نفسه ينطوي على مخالفه؟ ماذا لو كانت الكتابة ذاتها إقحاما للغرابة في اللغة الأم نفسها؟

من المأثور عن بروست قوله" إن الروائع الأدبية تبدو دوما و كأنها كتبت بلغة أجنبية". معنى ذلك أن اللغة قد "ترقى" إلى مستوى تبتعد فيه عن ذاتها و تخالف نفسها، و هذا قبل أن تستضيف لغة أخرى، و "تنتقل" بفعل الترجمة. الكتابة، كما يقول بارط "خيانة للغة"، و مراوغة و إقحام للغرابة في ما ألفناه. إنها زحزحة للثقافة و للغة التي تنقلها.

فضلا عن ذلك هل تنتظر اللغة عمل الترجمة، بل فعل الكتابة لكي تتعدد؟ ألا تنطوي كل منظومة لغوية في ذاتها على تعدد؟ فكلنا يعيش لغات في اللغة. ثم إن النصوص المعاصرة في معظمها تكتب اليوم بأكثر من لغة:إنها تورد عدة ألفاظ، بل تقتبس نصوصا متنوعة تنقلها من لغات متباينة. بهذا المعنى فكل نص" أصلي" ينطوي على ترجمة بل ترجمات و يضم الآخر في حضنه، و يقحم الاختلاف في هويته. بل هناك نصوص تكون في غالب الأحيان من اللغة نفسها ليست حاضرة في النص، و لكنها مرتبطة به. كل نص ينطوي صراحة أو ضمنا على نصوص مخالفة. كل نص، حتى و إن ظل واحدا فهو تعدد، حتى إن ظل هوية فهو اختلاف، حتى إن ظل غير مترجم فهو ترجمة.

إن النصوص لا تنتظر الترجمة كي تجبرها على الخروج و الانفصال عن الذات. بل إنها تحيا نوعا من الحنين الدائم إلى الاختلاف و الغربة. كل نص عظيم يتمتع، بما هو كذلك، بالرغبة في الاستنبات في غير تربته، و تغيير موطنه و تبديل لغته. و ربما كانت هاته خاصية الأعمال الكبرى بما هي كذلك. إنها النصوص التي تتنقل بين الثقافات، النصوص التي تكشف فيها اللغة عن تطلعها للخروج عن ذاتها. و نستطيع أن نقول إن الترجمة تستثمر هاته الحركية و هذا التطلع.

الترجمة اذاً إبداع في لغة أخرى، أو على الأصح إبداع في اللغة يحاول، انطلاقا من اللغة المألوفة، تلك التي نحيا فيها وبها، و نكون غارقين فيها، يحاول أن يعطي الحياة للغة مغايرة يبدو ظاهريا أنها اللغة ذاتها، و لكنها تشكل" ما هو غائب عنها، مخالف لها اختلافا لا ينفك يحصل، و لا ينفك يختفي"[ii]. و من أجل ذلك، فلا يكون عليها أن تطابق النص الأصلي و تستنسخه، و إنما أن تسمح له بأن ينقل من ثقافة لأخرى، و تمكّنه من أن يبقى و يدوم. و لا معنى للنقل إن لم يكن انتقالا، و لا للبقاء إن لم يكن تحوّلا و تجددا، و لا للتجدّد إن لم يكن نموّا وتلاقحا و تكاثرأ.

 إن الترجمة هي ما يفتح الثقافة، ما يفتح النصوص على الخارج، ما ينقلها و ما يحوّلها. و بفضل هذا التحويل، فان كثيرا من المؤلفات تكتسب أهمية يعجب لها الأدب الذي كانت تنتمي إليه في البداية. و تتخذ خصائص لم يكن ذلك الأدب ليعترف لها بها. و هكذا، كما يقول بلانشو، "يعجب الفرنسيون للتأثير الذي أحدثه كتابهم الواقعيون(و موباسان على الخصوص) على كتاب أجانب يظهرون أبعد ما يكونون عن الواقعية. و هكذا نتعجب عندما نعرف أن فلوبير كان معلما لكافكا[iii].

إلا أننا لا ينبغي أن نفهم التحويل هنا في اتجاه واحد. إن الترجمة لا تحوّل النصّ المترجَم فحسب، فهي عندما تحوّله تحوّل، في الوقت ذاته، اللغة المترجمة.و لعل هذا هو ما يبرر رائحة اللغات الاسبانية و الفرنسية و الإنجليزية التي أصبحنا نشتمها في نصوصنا العربية المعاصرة حتى غير المترجمة منها.           

على هذا النحو ينبغي للترجمة أن تكون استشكالية لا تدعي قهر كل الصعوبات، و محو كل المسافات، وإلغاء جميع الاختلافات. إذ لا مفر لها من أن تعلن انهزامها أمام ما تتعذر ترجمته، وما يشهد على غرابة و بعد و مسافة و غيرية، و بالتالي على امتناع عن الرضوخ و الانصياع، امتناع عن الضم و الابتلاع. معنى ذلك أن عليها أن تعترف بالآخر كآخر. يقول غوته في هذا الصدد:" لا ينبغي أن نخوض في عراك مباشر مع اللغة الأجنبية، ينبغي أن نتوصل إلى ما لا يقبل فيها الترجمة، وأن نبدي شيئا من الاحترام إزاءه، إذ في هذا تكمن قيمة كل لغة، ويتجلى طابعها الخاص." حينما نتوصل إلى ما تتعذر ترجمته" آنئذ، و آنئذ فحسب، يدرك وعينا الأمة الأجنبية واللغة الأجنبية"(3. معنى ذلك أن الوقوف عند ما تتعذر ترجمته ليس مجرد مواجهة لصعوبات لغوية تنم عن ضعف المترجم و عدم تمكنه. فليس المترجم هو من يقف عاجزا، و إنما هي اللغة ذاتها التي تقف أمام الأخرى، إنها الثقافة ذاتها التي تقف أمام الأخرى. على هذا النحو، فليس الأمر عجزا،  و إنما هو إدراك ل"آخرية" الآخر. معنى ذلك أن التقريب فيما بين اللغات الذي تتوخاه الترجمة هو، في الوقت ذاته،  إبعاد، و أن الترجمة، إذ توحّد بين اللغات، تعمل بالفعل ذاته على خلق الاختلاف بينها و إذكاء حدته.فليست الترجمة خلقا للقرابة فحسب، وإنما هي أيضا تكريس للغرابة. إنها ليست وصلا فحسب، وإنما هي انفصال و ابتعاد، إنها تقريب الذات من الآخر، لكنها أيضا فصل بينهما. فالمسافة بين الذات و الآخر لا يمكن أن تلغى نهائيا، إذ أنها لو ألغيت لما ظل هناك لا أنا ولا آخر.

مقابل الرؤية التي ترى أن التفاعل بين الثقافات و الانتقال بين اللغات يعنيان أن تطغى إحداهما و تمحو الأخرى و تقضي عليها و تبتلعها، يقوم موقف مضاد يرى أن تنفتح الثقافة على الأخرى بأن تقترب منها في ابتعاد و تتواصل معها في انفصال .

بذلك لن ترمي الترجمة إلى أن" تهضم" لغتُنا و ثقافتُنا النصوصَ الأجنبية و تبتلعها و "تعرّبها"، بل إنها تهدف أيضا و ربما أساسا، إلى أن تمكن ثقافتَنا من أن تغترب و تتفرنس وتتنجلز و تتألمن و...  بهذا تصبح الترجمة أداة لتمكين الثقافة من أن تمتحن ذاتها على ضوء الآخر، و وسيلة لتعريض الذات لمحنة و امتحان تتلقى فيهما دفعا عنيفا يأتيها مما هو أجنبي. هذا الدفع هو الذي يجعل الذات تشعر بالغربة، لا أمام الآخر فحسب، بل أمام ذاتها كذلك.بهذا تغدو الترجمة انفصالا للثقافة عن نفسها و للغة عن ذاتها، و للأنا عن نفسه. بهذا وحده تصبح الترجمة مولدة للهوية،  مغذية للثقافة، و به تغدو أداة انفصال و تحديث./.

 



[i] - شارك الكاتب بهذا النص ه في المؤتمر الثالث للترجمة في القاهرة

[ii] -  Blanchot (M)," Traduit de…" in La part du feu, Gallimard, 2001.  p175.

3 - Blanchot (M)," Traduit de…" in La part du feu, Gallimard, 2001.  p175.