المقررات
الدراسية كوسيلة لتخليق الحياة العامة.
الطراف عبد الوهاب
تستقبل المدرسة الأطفال في طور النمو والطواعية والقابلية للتشكل، إذ من
المفترض أن تجعل منهم مواطنين قادرين على مواجهة الحياة بمواقفها الصعبة ومشكلاتها
المتعددة.ومن هنا تظهر أهمية المدرسة في إعداد الناشئة للحياة والتفاعل مع المجتمع
ومواجهة تحديات المستقبل كيفما كانت طبيعتها[i].
فأي دور للمقررات الدراسية المغربية في معالجة بعض المشكلات الاجتماعية؟
للإجابة عن هذا التساؤل، سنقف عند مادة التربية على المواطنة الواردة
بكتاب:منار الاجتماعيات للسنة الثالثة من التعليم الثانوي الإعدادي، وخاصة الدرس
الخامس والمعنون ب: ( تخليق الحياة
العامة: المفهوم والآليات اقتراح خطة لمحاربة الرشوة ). فكيف تم التعرض لظاهرة
الفساد بشكل عام والرشوة بشكل خاص؟
في
تمهيدها لهذا الدرس ، تلفت لجنة التأليف انتباه التلميذ بالعبارة التالية : "
لا شك أنك سمعت أو قرأت أو تابعت ، في وسائل الإعلام الوطنية بعض الفضائح المالية
والإدارية ( المطاعم المدرسية ،الصندوق
الوطني للضمان الاجتماعي ....)، مما استوجب الدعوة إلى تخليق الحياة العامة
والتصدي لمختلف أشكال الفساد " ثم تتساءل عن المقصود بتخليق الحياة العامة
وكذا الآليات الكفيلة بذلك، وكيفية مشاركة الجميع في اقتراح خطة لمحاربة الرشوة ؟
للإجابة عن هذه التساؤلات تعرضت اللجنة إلى النقط التالية:
1 –تخليق الحياة العامة:
لتحديد
هذا المفهوم ، أوردت لجنة التأليف نصا مقتطفا من مؤلف حول ظاهرة الرشوة ( الرشوة :
الأسئلة المعلقة ، لمحمد أديب السلاوي ) ، حيث يرى المؤلف أن الجهود المبذولة من أجل
الإصلاح ،يمكن تلخيصها في مصطلح " التخليق " كسلاح يقي من ظاهرة الفساد
،وذلك عبر التأكيد على جعل المصلحة العامة فوق كل اعتبار ،وترسيخ قيم النزاهة
والشفافية وتكافؤ الفرص والإخلاص في العمل .ويرتبط موضوع المصلحة العامة -حسب ما جاء في النص – بمدى قدرة الدولة على تطوير الديمقراطية
واحترام حقوق الإنسان . وللوصول إلى حياة عامة تتسم بدرجة عالية من الشفافية
والنزاهة ، يرى صاحب المؤلف ضرورة تظافر جهود كل من الدولة والمقاولة والمجتمع
المدني .
2
– بعض الآليات الكفيلة بتخليق الحياة العامة :
تتمثل
هذه الآليات حسب الخطاطة التي أوردتها لجنة التأليف في العناصر التالية:
*
التحسيس والتوعية والإعلام، وذلك من خلال:
-
دور الإعلام في فضح ظاهرة الفساد .
-
دور المجتمع المدني في القيام بحملات تحسيس، واقتراح بعض أشكال الحلول .
-
التربية على المواطنة وحقوق الإنسان.
*
الإخبار والمعرفة، وذلك عبر:
-
تعميق المعرفة بهته الظاهرة.
*
إدماج قيم ثقافية جديدة في الإدارة: وذلك عن طريق إشاعة قيم الشفافية والنزاهة،
وتحريك مبدأ المحاسبة ( من أين لك هذا ؟)، مع تغليب المصلحة العامة.
*
تسييد القانون وإصلاح المؤسسات، وذلك من خلال:
-
فرض احترام القانون وتطبيقه على الجميع.
-
إصلاح جهاز القضاء والأمن ونظام المراجعة المالية.
إلا
أن لجنة التأليف لم تضع من بين الآليات للتخليق هو متابعة المفسدين المتورطين في
اختلاس ونهب المال العام، وزجرهم حتى يكونوا عبرة لمن تسول لهم أنفسهم المس بالمال
العام والخروج عن أخلاقيات الحياة العامة.
3
– بعض ضوابط العمل بالإدارة:
لإبراز
هذه الضوابط، تم إيراد نص مقتطف من ميثاق حسن سلوك الموظف الذي سبق إعداده من طرف
وزارة الوظيفة العمومية سابقا ( والذي لم يكتب له الخروج إلى حيز الوجود )، وتتمثل
هذه الضوابط فيما يلي:
-
تطبيق التعليمات الصادرة عن الرؤساء ماعدا إذا كانت مخالفة للقانون.
-
التعاون المطلق مع الأشخاص والهيآت المكلفة بصفة قانونية بعمليات المراقبة
والتفتيش والبحث.
-
الامتناع عن تسريب المعلومات التي تصنف ضمن السر المهني، أو ترويج إشاعات من شأنها
الإضرار بالإدارة أو سمعة الأشخاص.
-
الامتناع عن استغلال المنصب الإداري قصد الحصول على امتياز مادي، أو أي امتياز
يخدم المصالح الشخصية أو العائلية.
-
الامتناع عن ربط علاقات نفعية بأشخاص أو هيآت ترتبط مصالحهم بقرارات الإدارة التي
ينتمي إليها الموظف.
4
– تعريف الرشوة:
للتعريف
بظاهرة الرشوة، استشهدت لجنة التأليف بنص مقتطف من ميثاق الجمعية المغربية لمحاربة
الرشوة، هذه الأخيرة ( أي الجمعية ) ترى أن الرشوة هي ممارسة غير مقبولة، وهي
نتيجة تعسف وشطط في استعمال السلطة، سواء كانت هذه السلطة سياسية أو إدارية أو
اقتصادية أو قضائية...، وذلك من أجل قضاء بعض الأغراض الشخصية، وتتجلى غالبا
" في فرض مقابل غير مشروع للحصول على منفعة معينة، وقد تكون امتيازا بغير حق
أو حقا مشروعا تم سلبه...."
5-
أشكال الرشوة وعواقبها:
في
هذا الإطار استشهدت لجنة التأليف بميثاق الجمعية المغربية لمحاربة الرشوة المشار
إليه سابقا، فالرشوة حسب هذا الميثاق، تتخذ شكلين أساسيين:
-
الأول يعاني منه المواطن يوميا في علاقته بالإدارة، وهو الأكثر انتشارا، وتبقى- في
رأي الجمعية المغربية لمحاربة الرشوة – الفئة المستضعفة هي الأكثر تضررا منه، كما
أن الأفراد الذين يجهلون حقوقهم هم الأكثر عرضة له. لهذا يعتبر هذا النوع من
الرشوة خرقا سافرا لحقوق الإنسان ومسا بكرامته.
-
الثاني يمس قطاعات اقتصادية واسعة ، وهو في رأي الجمعية السالفة الذكر ، نتيجة
خيانة الأمانة ، وهو طريقة غير مشروعة للاغتناء واحتكار السلطة ،وينخر المعاملات
التجارية والمالية ،الوطنية والدولية سواء كانت عمومية أو خصوصية .
موقف
الشرع والقانون والمجتمع المدني من الرشوة:
عملت
لجنة التأليف على إيراد خطاطة توضح ثلاثة مواقف من الرشوة وهي:
1
-موقف الدين : فالله سبحانه وتعالى ، يحرم أكل الأموال بالباطل "ولا
تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل " سورة البقرة آية 188 ، كما جاء في الحديث
الشريف لعن الله الراشي والمرتشي".
2
-موقف القانون : في هذا الإطار تم إيراد فقرة مقتطفة من المادة 100 من مدونة
الانتخابات 2002 ، التي تنص على معاقبة " كل من حصل أو حاول الحصول على صوت
ناخب أو عدة ناخبين بفضل هدايا وتبرعات نقدية أو عينية أو وعد بوظائف عامة أو خاصة
أو منافع أخرى ...."
وما
يلاحظ هو أن هذه الفقرة لم تحدد العقوبة اللازمة للخروقات الواردة في هذه المادة،
أي الرشوة بمناسبة الانتخابات، علما أن واقع الانتخابات بالمغرب أسال مداد الكثير
من الباحثين، فالانتخابات المغربية مقارنة مع مثيلاتها في الدول الديمقراطية أو
على الأقل ببعض الدول الثالثية، شابها
التزوير بمختلف أشكاله( شراء الذمم والأصوات والأفراد ..)
فكل
المخالفات الواردة بالمادة 100 المشار إليها أعلاه، تعرفها الانتخابات المغربية،
بل هناك خروقات أخطر من ذلك، ومع ذلك لا يتم تحريك مسطرة المتابعة. فمثلا- وهذا
نموذج بسيط من الخروقات المشار إليها سابقا- "الوعد بالوظائف العامة أو
الخاصة أو منافع أخرى، هدايا وتبرعات نقدية أو عينية"، فمن يستطيع منا إنكار
مثل هذه الخروقات في كل حملة انتخابية ؟
3
-موقف المجتمع المدني: لهذا الغرض اقتطفت لجنة التأليف فقرة من ميثاق الجمعية
المغربية لمحاربة الرشوة المشار إليه سالفا، فوفق هذا الميثاق، تعد الرشوة بمختلف
صورها داء يكبح بشكل مباشر السعي والطموح المشروع للديمقراطية اليومية "
ديمقراطية تعيش في إطار احترام حقوق الإنسان وكرامته " .
وأخيرا
وضمن المقطع التعلمي الثالث، تطلب لجنة التأليف من التلميذ المشاركة بشكل نشيط في
اقتراح خطة لمحاربة الرشوة في محيطه القريب.
انطلاقا
مما سبق، يمكن القول أن الحديث عن الفساد بشكل عام والرشوة بشكل خاص ضمن هذا
الدرس- الذي يعد خطوة هامة في معالجة مشاكل المجتمع عبر المقررات الدراسية الحالية
مقارنة بالمقررات السالفة أي قبل الميثاق- طغى عليه الطابع النظري وتم تناوله بشكل
عام، فلماذا لم يتم التطرق مثلا لبعض النماذج من الفساد كحالات تطبيقية، كما
يستخلص من الرسم الكاريكاتوري، حيث يظهر رجل وهو يمسك حزمة من الأوراق النقدية
يريد تسليمها لمسؤول إداري مقابل عدم تفويت صفقة، هذا الأخير ( أي المسؤول الإداري
) يظهر في الصورة وهو يستعد لاستلام تلك النقود بطريقة" فنية "وبتخفي ،
مستغلا سلطته التقديرية للاستفادة من هذا المبلغ ( انظر الصفحة 172 من المقرر
السالف الذكر ).
ويستخلص
من هذه الصورة، تفشي ظاهرة الرشوة بشكل كبير داخل الإدارات والمؤسسات العمومية،
خاصة في مجال الصفقات العمومية التي تعتبر المرتع الخصب للرشوة. فلماذا إذن لم يتم
تسليط الضوء على بعض الحالات من الرشوة المتفشية في المجتمع المغربي، رغم أن لجنة
التأليف تقر منذ تمهيدها لـهذا الدرس الخاص بتخليق الحياة العامة، كون المغرب
"عرف بعض الفضائح المالية والإدارية" واكتفت بإعطاء مثالي" المطاعم
المدرسية والصندوق الوطني للضمان الاجتماعي " دون ذكر القرض العقاري والسياحي
وكذا القرض الفلاحي.
كما
تتفشى ظاهرة الرشوة داخل المستشفيات العمومية ومختلف المرافق الإدارية، فخدمة
بسيطة تتطلب مقابلا ماديا أو تدخلا، فما بالك بالخدمات المهمة ذات قيمة، بل حتى
داخل الجامعات - التي من المفترض أن تساهم في تخليق الحياة العامة - تتفشى هته
الظاهرة بشكل فضيع.
فلا مناص إذن من تنشئة التلاميذ على أساس
مصارحتهم بحقائق مشاكل المجتمع الذي يعيشون
فيه،
ودعوتهم للتفكير في سبيل تفاعل وطنهم مع المستجدات، أي التركيز على تحديات الحاضر والمستقبل
[2].
إن
إسدال
الستار على ما قد يوجد من مشكلات والاقتصار على إبراز المنجزات وإخفاء الحقائق أو
طمسها، ليس هو السبيل الأمثل إلى
التربية السياسية والوطنية.ذلك أن التخطيط العلمي
يتضمن توقع مشكلات المستقبل والاستعداد لها في الوقت المناسب[3] .
وفي هذا الصدد يرى سعيد
إسماعيل علي أن ليس هناك ما هو أخطر على الأجيال الناشئة من هذا الفهم الخاطئ.
فهناك طرفان – حسب رأيه- ينبغي ألا ننحاز إلى أيهما: الأول هو أن نهون من شأن ما
أنجزنا ونركز الانتباه على ما يوجد من مشكلات وصعاب في مجتمعنا، ونقلل من قدرتنا
على تجاوز هذه المشكلات والصعاب. والطرف الثاني أن نتصرف ونعمل وكأن هذا المجتمع
الذي نعيش فيه يخلو تماما من المشكلات ولا يواجه أية صعوبات، وأنه قد وفر كل شيء
لكل مواطن: الخدمات الصحية والاجتماعية والثقافية...الخ وأننا نتمتع بأقصى درجات
العدل والسلم الاجتماعي والديمقراطية.
ذلك أننا لا نحدث
التلميذ عن مجتمع آخر بعيد عنه، بل نحدثه عن مجتمع يعيش فيه، فهو يلمس بعض
المشكلات ويعيش فيها أو يعاني من آثارها، وهو يقيس كل ما نقوله بمعيار الواقع،
فإذا ما قدمنا له صورة تبتعد كثيرا عن الواقع، فإننا نعمل بذلك على أن نفقده الثقة
فيما نقول[4].
ويرى
بعض الباحثين أنه كلما كان هناك عدم توافق بين ما هو موجود في المقررات الدراسية،
وبين ما هو موجود في المجتمع على أرض الواقع، كلما كانت الهوة شاسعة بين النظام
السياسي وبين مواطنيه، الشيء الذي قد يؤدي مستقبلا إلى عدم توافر رضا تام داخل
المجتمع.فعندما تتضمن المقررات الدراسية مفاهيم ومعطيات منطبقة مع الواقع، فإن
التلميذ سيكون مستعدا لتقبل الدروس السياسية التي تعرضها هذه المقررات، غير أن
تأثيرها ينقص بل قد يغيب، حينما تكون تلك المعطيات متناقضة مع الواقع[5]. غير أن أحد الباحثين يرى أن معظم المناهج تعمد إلى تجنب إعداد التلميذ
إعدادا كافيا للنظر والحكم على الأشياء بوضوح، بل تحاول" أن تبقيه في حالة من
السذاجة والسلبية كي تمنعه من البحث عن التفسيرات العميقة للأحداث وكي تبعد عنه أي
إمكانية شك نقدي"[6].
إن طرح المقررات الدراسية لمشكلات ترتبط بالمجتمع
–
أيا كانت صعوبة وخطورة هذه المشكلات – ليتم
دراستها بأمانة وصدق وفقا لمعايير علمية دقيقة ومحددة، يسهم في حفز همم التلاميذ ويزيد من ميلهم لدراسة هذه المشكلات وتدريبهم على إيجاد حلول لها ومعرفة أسباب تفشيها، وهذا في حد
ذاته يعد من الأهداف الأساسية التي تسعى المدرسة إلى
تحقيقها.[7]
فلا
ينبغي الاقتصار على شحن عقل التلميذ بأفكار ومفاهيم نظرية، بل ينبغي تزويده أيضا
بأسلوب للحياة ونموذج للسلوك يقتدي به، ومن ثم يجب ربط المقررات الدراسية بالواقع
المعاش.
فيجب
إذن ربط المناهج الدراسية بجوانب الحياة الاجتماعية الحالية والمستقبلية، لتعالج
مواضيع وقضايا ومشاكل متصلة بالمجتمع لتنمية وعي التلاميذ بها، ولإكسابهم المهارات
والقيم التي تساعدهم على مواجهة مواقف الحياة ومشكلاتها المعقدة، وتدريبهم على
مواجهة واقتراح الحلول للمعضلات الاجتماعية التي يعاني منها مجتمعهم ( الأمية،
الهجرة عبر قوارب الموت، البطالة، نهب المال العام، ظاهرة تشغيل الأطفال، الفساد
الإداري والسياسي بمختلف أشكاله، آفة السيدا .....الخ ).
[i] -
محمد داود، التنشئة السياسية للطفل ، دار الآفاق العربية، القاهرة ، الطبعة الأولى 1999، ص:74
[2] - أحمد عبد الله،
الشامخون والخانعون: تأملات في التنشئة السياسية للطفل/المواطن المصري. مجلة أحوال
مصرية. السنة 2 عدد 6 خريف 1999 ص : 138.
[3] - محمد داود، التنشئة
السياسية، مرجع سابق ص:94
[4] – سعيد إسماعيل علي، التعليم على
أبواب القرن 21. اغتيال الوطنية في وزارة التعليم،
عالم
الكتب، القاهرة 1998 ص:
47.
[5] - علي محمد شميثل،
العلوم السياسية، منشورات المنشأة العامة للنشر و التوزيع و الإعلان، طرابلس،
الجماهيرية العربية الليبية، الطبعة الأولى 1982 ص: 57.
[6]–عبد
الحليم الزيات ، التنمية السياسية . دراسة في الاجتماع السياسي، الجزء الثالث. دار
المعرفة الجامعية، مصر 2002، ص:39
[7] - مجدي عزيز إبراهيم، المنهج التربوي والوعي
السياسي. مكتبة الأنجلو مصرية- القاهرة ، مصر 1998 ص 214.