ص1

 

فلاسفة يمتحنون في الفلسفة

 

ترجمة وتقديم : محمد فرطميسي

تقـديم

يتميز درس الفلسفة من جملة ما يتميز به، بميزة أساسية هي كونه يضع نفسه دائما على دوام البداية. وهو وضع يجعل منه درسا متجددا باستمرار، تتملكه حركة دؤوبة تقوده -على حد قول ميرلوبونتي- من الجهل إلى المعرفة، ومن المعرفة إلى الجهل.    

درس يكشف عن اشتغال العقل في معالجته للإشكالات الفلسفية الكبرى، وفي مواجهته للقضايا الشائكة التي تطرح على الإنسان في علاقته بالعالم، والآخرين والذات. يقودنا فعل الفلسفة إلى صلب هذه القضايا وجوهرها، واضعا إيانا أمام الإجابات التي قدمها الفلاسفة عبر التاريخ، وفي اختلاف الحقب والثقافات. من هنا تكون العودة لنصوص الفلاسفة وكتاباتهم مناسبة بامتياز لولوج عالم الفلسفة. هذا العالم الذي اكتشفه الإغريق، وحملت به شعوب وحضارات تاركة إرثها الحضاري علامات على انخراطها في هذا الموروث، وكأن لسان حالها يقول: " لقد مررنا من هنا".

الأمر هنا لا يتعلق بالتفكير في قضايا سبق التفكير فيها، بل هو أبسط من ذلك، وقد يكون أعقد. بحيث طلب من فلاسفة الحلول محل التلاميذ، وذلك للإجابة ضمن شروط تربوية شبيهة بتلك التي تجري فيها الامتحانات،عن أسئلة فلسفية هي في الأصل  موضوعات سبق للتلاميذ مواجهتها والإجابة عنها في امتحانات البكالوريا. نحن إذن أمام كتابة فلسفية على نحو آخر، كتابة تستمد خصوصيتها بحكم انتمائها لفضاءين متميزين، فضاء المؤسسة في خصوصيته وإكراهاته، وفضاء الفكر الفلسفي في تميزه وشساعته.

بيير هادو P. HADOT فيلسوف استاذ بكوليج دوفرانس، متخصص في الفلسفة اليونانية والرومانية، يدافع عن الفلسفة بوصفها فنا في العيش ونمطا في الحياة. اهتم بالتجارب الروحية في الفلسفة اليونانية. من مؤلفاته مقدمة لدراسة فكر مارك أوريل (1992) ما هي الفلسفة اليونانية؟ والتجارب الروحية والفلسفة اليونانية (1987).

جاك رونسيير I.RANCIERE فيلسوف يدرس علم الجمال بجامعة باريس 8  شارك ألتوسير قراءة الرأسمال. تتمركز أشغاله حول الرهانات الفلسفية والسياسية للانعتاق الثقافي، وحق الشعب في التفكير، من خلال تحليل المكانة المتميزة التي يحتلها المنظر في المجتمع بدءا من أفلاطون ووصولا لبيير بورديو (الفيلسوف وفقراؤه 1983). والتفكير في الديمقراطية والطابع الاستثنائي للمساواة ( على حافة السياسة 1990).

ـــــــــــــــــ

 

هل الفلسـفة ترف؟

بييـر هـادوP.HADOT

 

هل الفلسفة ترف؟  كل ما هو ترف مكلف وعديم الجدوى. سأتطرق إذن في عجالة لما أدعوه بالجانب الاقتصادي  لهذا السؤال : أي الشروط المادية الضرورية للتفلسف في عالمنا المعاصر، وهي مسألة تفضي بنا لا محالة، لتقصي المشكل الاجتماعي العام المرتبط بتفاوت فرص الشغل. إن ما سنركز عليه هنا، هو فائدة الفلسفة وجدواها.

كما أن طبيعة السؤال المطروح تفرض علينا حقا مساءلة تعريف الفلسفة نفسه، وهو مسعى يقودنا أخيرا فيما وراء طبيعة الفلسفة نحو مأساة الوضع الإنساني.

يعتبر عامة الناس الفلسفة لغة عويصة، وخطابا مجردا، فهمها وإدراكها وقف على فئة محدودة من المختصين الذين جعلوا من قضايا الفلسفة، وأسئلتها الشائكة، والمعقدة ، وانشغالا يحظى به البعض ممن انخرط في هذا النشاط إما لثروته، أو لضرب من ضروب الحظ السعيد.

علينا الاعتراف مبدئيا أن ترشيح تلميذ واحد لامتحانات البكالوريا، وإدراكه مقام الكتابة الفلسفية، أمر يتطلب نفقات مالية مكلفة يتحملها آباؤه والمساهمون في هذه العملية. ففي ما ذا تفيده فعلا "في الحياة" كتابة تمرين إنشائي؟ وفي أي شي تنفعه  مناقشة قضايا فلسفية، كالعلاقة بين الحقيقة والذاتية، أو الضرورة والعرض، أو الشك المنهجي الديكارتي....، في عالم تهيمن عليه التقنية العلمية والصناعية، ويقوم فيه كل شيء تبعا للمردودية والربح التجاري؟  

أكيد أن الفلسفة بعيدة كل البعد عن أن تكون غائبة كلية عن العالم الخارجي، عن شاشات التلفزة. ذلك أن الإنسان المعاصر لا يتملكه إحساس بإدراكه حقا للعالم الخارجي، إلا حين معاينته له على هذه الشاشات المربعة. نشاهد من حين لآخر في هذا البرنامج التلفزي أو ذاك، فلاسفة يأسرون الجمهور بفنهم في القول، نقتنـي على التو كتبهم، نتفحصها، لكن سرعان ما نطرحها كلية إذ ينتابنا إحساس بالضجر من لغة معقدة، وعصية عن الفهم، وكأن الأمر يتعلق فقط بترف وانشغالات بعض المحظوظين ممن لا تأثير لهم على الاختيارات الكبرى في الحياة.

يكمن مجد الفلسفة، كما يجيب بعض الفلاسفة، في كونها ترف، وخطاب غير مفيد. هذا العالم قد يخنقنا حتما، إن وجد فيه فقط ما هو مفيد. الشعر والموسيقى، والرسم هي أيضا أمور غير مفيدة، فهي لا تطور الإنتاج لكنها مع ذلك ضرورية للحياة، إنها تحررنا من إلحاحية النافع، وطابعه الاستعجالي. هو ذا حال الفلسفة، أيضا. كان سقراط في محاورات أفلاطون يلفت انتباه محاوريه إلى أن لديهم الوقت الكافي للمناقشة، ولا شيء يستعجلهم. فعلا قضايا كهذه تتطلب وقتا حرا، شأنها شأن نظم الشعر، وتركيب الموسيقى ومزاولة الرسم. يكمن دور الفلسفة في كونها تكشف للناس جدوى اللامفيد، أو إن شئت قلت: تعلمهم كيفية التمييز بين معنيي كلمة مفيد. ما يفيد عل نحو خاص في أشياء الحياة كأدوات التدفئة، أو وسائل النقل مثلا، وما يفيد الإنسان بما هو إنسان، بوصفه كائنا مفكرا. الخطاب الفلسفي "مفيد" بهذا المعنى.

هل بالإمكان، والحالة هذه،تعريف الفلسفة من حيث هي خطاب نظري؟ يصعب فعلا العثور على قاسم مشترك بين مختلف الاتجاهات الفلسفية. كل ما بوسعنا قوله، إن ما هو مشترك بين البنيويين والتحليليين، كاتجاهين فلسفيين على قدر كبير من الأهمية هو بلورة خطاب تأملي حول كل ضروب الخطاب الإنساني  علميا كان أم تقنيا، أم سياسيا، أم شعريا، أم فلسفيا. وهكذا تغدو الفلسفة إذن خطابا واصفا  للخطابات Métadiscours !  لا يكتفي فقط بوصف الخطابات الإنسانية بل ينتقدها باسم  ما ندعوه فعلا "إلزامات العقل" وإن كان مفهوم العقل هو ذاته موضوع تساؤل  جل هذه الخطابات التأملية . مع ذلك لا بد من الاعتراف، أن هذا الخطاب حول الخطابات، قد شكل منذ سقراط إحدى السمات المميزة للفلسفة.

مع ذلك يتعذر فعلا الشعور بالرضى تجاه حل كهذا. إن اعتبر جل الناس الفلسفة ترفا، فلكونها تبدو لهم بعيدة كل البعد عما يشكل جوهر حياتهم: انشغالاتهم، معاناتهم، قلقهم، هاجس الموت الذي يسكنهم. يغدو الخطاب الفلسفي في نظرهم، وأمام واقع الحياة المر، محض كلام تافه، مبتذل وترف سخيف "كلام في كلام" كما قال هاملت. أخيرا: ما الذي ينفع الإنسان بما هو إنسان، هل الإفاضة في الحديث عن اللغة أم عن الوجود والعدم؟ أم إن الأمر يتعلق بالأحرى بتعلم كيف ننعم بالحياة على نحو إنساني؟

تطرقنا من قبل، لخطابات سقراط، بوصفها خطابات حول خطابات الآخرين، لا يتوخى سقراط من ورائها تشييد معمار مفاهيمي وخطاب نظري صرف، بل هـــي حوار ينبض بالحياة، حوار وثيق الصلة بالحياة اليومية. سقراط هو رجل الشارع، يحاور الجميع، يجوب الأسواق، وقاعات الرياضة، ومعامل الفنانين وحوانيت التجار، يلاحظ ويناقش ولا يدعى بتاتا امتلاك المعرفة، يتساءل فقط، بحيث يدفع بمحاوريه لمساءلة ذواتهم، وإعادة النظر في سلوكاتهم، والبداهات التي تسكنهم.

لا يشكل الخطاب الفلسفي من هذا المنظور غاية في ذاته، لكنه في خدمة الحياة الفلسفية. قوام الفلسفة ليس هو الخطاب، بل الحياة والفعل. لقد اعترف الإغريق بسقراط كفيلسوف لا من خلال خطاباته، بل انطلاقا من نمط حياته وطريقة موته. لهذا ظلت الفلسفة اليونانية سقراطية بوصفها نمطا في الحياة أكثر مما هي خطاب نظري.

ليس الفيلسوف أستاذا أو كاتبا، بل هو إنسان له اختيار معين في العيش، ونمط في الحياة على نحو ابيقوري أو رواقي مثلا. يلعب الخطاب، من دون شك دورا رئيسيا في هذه الحياة الفلسفية، يتجلى نمط الحياة في "المعتقدات" وفي رؤية العالم، ويستمر في الوجود بفضل الخطاب الجواني لفيلسوف يستحضر على الدوام المعتقدات الأساسية. إنه خطاب مشدود إلى الحياة والفعل.

هكذا ينكشف ضرب من الفلسفة يتماهى إن صح القول، مع حياة الإنسان، حياة إنسان واع بانتمائه للإنسانية والعالم. بهذا تغدو عبارة أفلاطون الشهيرة "التفلسف  يعلمنا حقيقة الموت" إحدى أهم تعريفات الفلسفة بل أشدها مطابقة. تبدو عندئذ كل لحظة في استشراف الموت، كحظ خارق، وغير متوقع، وسنشعر عند كل نظرة نلقيها على العالم  وكأننا نراه لأول مرة، إن لم تكن آخر مرة. نحس آنذاك بالسر الخفي في انبثاق العالم. يفضي بنا الاعتراف بهذا الطابع المقدس، نوعا ما، للحياة والوجود، إلى إدراك  مسؤوليتنا تجاه الآخرين، وتجاه ذواتنا.

لقد وجد الإغريق في وعي من هذا القبيل، وفي موقف تجاه الحياة بهذا الشكل، السكينة، وطمأنينة الروح، والحرية الجوانية وحب الغير، وثبات العزيمة. ولعلنا نلحظ لدى بعض فلاسفة القرن العشرين كبرجسون، ولافيل، وفوكو، على سبيل المثال لا الحصر، رغبة في العودة  لهذا التصور اليوناني عن الفلسفة.

 فلسفة كهذه، لن تكون بأي حال من الأحوال، ترفا ما دامت مشدودة إلى الحياة، وثيقة الصلة بها ستغدو فضلا عن ذلك حاجة أولية للإنسان. لهذا كان البعد الكوني حاضرا في بعض الفلسفات كالراوقية  والأبيقورية. تخاطب كل الكائنات البشرية من عبيد، ونساء، وغرباء، تعلمهم كيف ينعموا بوصفهم بشرا بالحياة. كانت فلسفات تبشيرية فلسفات تنشد هداية عامة الناس.

يكشف الوعي الفلسفي للإنسان العجائب الفياضة للكون، ويمده بالإدراك الثاقب، ويفتحه على غنى المبادلات مع الآخرين، ويدعوه للتصرف بروية وإنصاف. إلا أن مشاغل الحياة اليومية، ومستلزماتها، وتفاهاتها، تحول دونه والانخراط بكل ما يملك من إمكانات، في هذه الحياة الواعية. ما السبيل إذن لكي نوحد على نحو منسجم بين الحياة اليومية والوعي الفلسفي؟ لن يكون الأمر إلا مغامرة هشة مهددة على الدوام. "كل ما هو جميل شاق، ونادر في نفس الآن" بهذه العبارة ختم سبينوزا كتاب الأخلاق.

كيف يتسنى إذن لملايين البشر ممن يعيشون تحت وطأة البؤس والحرمان بلوغ هذا الوعي؟ أليس الفيلسوف إذن هو من يعاني هذا التوحد، وهذا الامتياز وهذا الترف، مستحضرا في ذهنه على الدوام هذه  المأساة الإنسانية؟.

ــــــــــــ

 

هل بإمكان التمرد أن يكون حقا؟

جاك رونسيير J.RANCIERE

 

هل بإمكان التمرد إن يكون حقا؟ إن صيغ السؤال على هذا النحو، فلأنه يتضمن مفهومين متعارضين. تحيل فكرة الحق، بادئ ذي بدء، على القاعدة المشتركة التي تسوغ تعايش الأفراد في المجتمع، نقضها هو بمثابة إدانة لهذا التعايش. يتجلى التمرد إذن كرفض لهذه القاعدة: يرفض الفرد المعيار المشترك، وتتحدى الجماعة المتمردة القانون .

كيف يتسنى إذن قبول القانون بالتمرد بل الإقرار به، دون السقوط في التناقض، وتقويض الغاية التي تجعل لأجلها؟ رغم ذلك فإن الحركات الاجتماعية والسياسية، والقومية في العصر الحديث، عودتنا على علاقة محدودة بين هذين المفهومين. المطالبة بالحق  هي ما يحدد التمرد ويميزه عن ضروب العنف الأخرى.

الفتن والقلاقل هي رد فعل تجاه وضع معين، أو حدث معين، الجوع مثلا أو تدخل السلطة. اللجوء للقوة عملية مضبوطة، الرهان فيها هو السلطة. لكن العنصر الجوهري في التمرد هو الكلام الذي يطالب بالحق، ويتشبث به باسم شريحة اجتماعية حُرمت حقها هذا. هكذا تتعارض مظاهرات الجوع مع تمرد عمال الحرير بمدينة ليون الفرنسية باسم شعار رفعه العمال "نحي بعملنا أو نموت بنضالنا. يقيم التمرد مقابل القانون والحق الموجودين، حقا مبدئيا. الحق في الحياة: حقوق الإنسان، حق الشعوب في تقرير مصيرها، جاعلا منه المعيار الذي يمتثل له الحق وإلا غدا جائرا.

هكذا يحدث التمرد انشطارا في مفهوم الحق. انه يقابل النظام الشرعي Légal بالنظام المشروع Légitime ،سنده في ذلك حق طبيعي يتمتع به كل إنسان، حق يصونه المجتمع ويرعاه. وضع يفترض بطبيعة الحال ضرورة الاعتراف بهذا الحق، وألا أضحى التمرد محض حدث.

عرف اليونان فعلا تمردات للعبيد، وبحكم انتماء العبد لمجال تدبير الأسرة، كان المواطن اليوناني على جهل بالحق في التمرد. فرغم كثرة الصراعات التي عرفتها فئات من المواطنين إلا أن ذلك حدث في غياب مرجعية يتم بمقتضاها الإقرار بالحق في التمرد أو عدم الإقرار به. لكي يوجد هذا الحق لا بد من النظر للمجتمعات السياسية بوصفها  مكونة من أعضاء يتمتعون بنفس الحقوق، حقوق يمتلكونها قبل أن يصيروا أعضاء هذه المجتمعات، يحتفظون دائما بإمكانية الاعتراض عليها. هل بالإمكان تصور وضعيات كهذه بمعزل عن أية مفارقة؟ هل بالإمكان الإقرار بحق طبيعي يتمتع به الأفراد على الدوام في المجتمع؟. 

لقد كشف توماس هوبز النقاب عن هذا التناقض. يتمتع كل فرد في حالة الطبيعة، حسب هوبز بحقه الطبيعي، حق يزول إما بالقوة، أو بالمكر والدهاء، وضع يضطر معه الأفراد عندئذ للتخلي عن حقهم الطبيعي، والتنازل عنه لصالح سلطة مطلقة تضمن لكل واحد منهم، من خلال القاعدة المشتركة وقوة النفوذ، الأمن والسلم والتمتع بالثروة. إلا أن من تنازلوا عن حقهم هذا في أفق تمتعهم بهذه الضمانات، لن يحق لهم بتاتا  المطالبة بحقوق تخلوا عنها، وبالتالي سيحرمون  من المطالبة بالحق في التمرد. السلطة مشروعة ما دامت تضمن الغاية التي جعلت لأجلها ألا وهي السلم. لا يعني هذا وفي حالة عدم ضمانها لهذه الغاية، القول بمشروعية التمرد. كل ما في الأمر أن حالة الطبيعة قد أعيد تشكيلها فعلا.

هكذا نقيم الدليل على أن الحق في التمرد هو محض تناقض. لكن ألا نمارس هذا الحق مقابل الإقرار بشرعية السلطة من خلال السلطة ذاتها. لقد أراد ايمانويل كانط إضفاء الطابع الأخلاقي على مبدأ هوبز. الحالة القانونية لدى كانط هي تحقيق الماهية الكونية للحرية، وليست بأي حال من الأحوال، مساومة مصالح. هكذا يكون كانط بتأويله الأخلاقي هذا، قد أضفى على التمرد طابع الاستحالة، لا يدمر التمرد المجتمع السياسي ومكتسباته فقط، بل مبدأ التعاقد في حد ذاته،وكل إقرار بالحق في العصيان هو نقض في العمق لأي تشريع جماعي. ما بوسع الأفراد القيام به بواسطة حرية التعبير، ومن خلالها، هو فقط تذكير السلطة بمبادئ التشريع. لكن ما الذي يحدث إن أجهزت السلطة على المجال الخاص بممارسة الأفراد لحريتهم، إن دفعتهم للتصرف خلافا للمبادئ الأساسية للقانون الأخلاقي، مبادئ إن اعترضوا عليها جحدوا حقهم  بوصفهم كائنات عاقلة.

يعترف هوبز بحق المحكوم عليه بالإعدام في الصمود, متى استطاع لذلك سبيلا في وجه دولة تحرمه فعلا من "حقه في الحياة". لكن لا يبدو أن  كانط يعترف بحق الموظف، أو الضابط في عدم الامتثال لسلطة تروم تحويله لجلاد أو معذب فظ. يغدو عندئذ الحق في العصيان أكثر تدميرا من الاعتراف به، إذ يبطل في صميمه فكرة أي تشريع كوني .

ألا ينبغي والحالة هذه، النظر للمسألة من زاوية مغايرة. يغدو عندئذ الحق في التمرد تناقضا، وقضية باطلة. لكن ألا تتنكر فيما يبدو إرادة العقلنة هذه للطابع العقلاني المميـز للسياسة عند استنادها على ما هو إنساني، متقاسم بين الجميع. أليس الحق في العصيان هو محض تنازل ضروري، لكنه شرط وجود جماعة قائمة على فكرة المساواة في الحقوق.

يعترف الإعلان العالمي لحقوق الإنسان والمواطن، بحق مناهضة الظلم والاضطهاد، كحق طبيعي للإنسان، غير قابل للتقادم شأن الحرية والأمن، والملكية. لكن ما السبيل للتعرف على الظلم، وعلى درجته، والذي تغدو بمقتضاه المقاومة مشروعة؟ بوسعنا القول: هناك ظلم وجور متى تصرفت السلطة ضد القانون. لكن ألا يغدو القانون في حد ذاته جائرا وظالما؟

صوَّت نفس الأشخاص, الذين صادقوا على الإعلان العالمي لحقوق الإنسان والمواطن سنة 1789، لصالح دستور يميز بناء على الثروة بين المواطنين "الفاعلين" والمواطنين "غير الفاعلين". ألم يسوغ هؤلاء بعملهم هذا لجوء المواطنين " غير الفاعلين" لضرب آخر من الاحتجاج، ألا وهو العنف في الشارع؟ يقال بالإمكان تغيير قانون ما دون اللجوء للعنف، إلا أن قانونا يميز أصلا بين "المؤهلين" لسن القوانين "وعديمي الأهلية" هو قانون يفيد طبعا غياب أي مبرر للتغيير. الأحرار بالنسبة لواضعي القوانين التأسيسية هم المالكين، ومن اضطر لبيع قوة عمله قصد ضمان عيشه، لا يملك الحرية التي ينعم بها المواطن.

كان على العمال، لتقويض مثل هذه البداهة، أن يثبتوا أكثر من مرة قدرتهم على الامتناع عن العمل، والمخاطرة بحياتهم. وهذه بالضبط دلالة شعار "نحيا بعملنا" أو نموت بنضالنا". لقد أقدم أخيرا عمال الحرير بمدينة ليون، الذين رفعوا هذا الشعار على إبرام اتفاق مع أصحاب المصانع تحدد بمقتضاه أسعار الحرير، اتفاق لم تتأخر السلطة في نقضه بدعوى "عدم شرعيته". وهكذا أثبت العمال بحملهم السلاح، أنهم أفراد أحرار جديرين بالمساهمة في النظام المدني والسياسي، ما داموا قادرين على المخاطرة بحياتهم. لقد أبان العمال، باختيارهم هذا عن وجود شعب خصه المشرع بحقوق في الوقت الذي لا يعترف له بها.

هل كان للعمال إذن "الحق" في التمرد؟ نقول بتعبير آخر إنهم فعلوا المفارقة التي يتضمنها الإعلان عن حقوق الإنسان: إذ يؤاخذون عليه، من جهة تقصيره وعجزه عن ضمان الاعتراف  الكامل بالجميع، كما استغلوا من جهة أخرى إفراطه في الاعتراف بالحق الذي أقـر به إعلان 1793.  واعترف به للشعب، وكل "فئة من الشعب".

ما المقصود بفئة من الشعب، وأين يقف التقسيم؟ لا بد هنا من النظر للأمور من زاوية أخرى: إن الذين وسعوا من مجال مفهوم الشعب، وأدمجوا فيه فئة لم تدخل بعد في الحسبان ضمن مجتمع المساواة، هم الذين  أثبتوا من هو الشعب، ومن هي "فئة من الشعب"

يفيد هذا كون "الحق في التمرد" حق يرتد إلى الماضي؟ يقابل فكتور هيكو في "البؤساء" الفتنة بالعصيان: الفتنة L'émeute بالنسبة إليه هي مواجهة الجزء للكل، أما العصيان L'insurrection فيتمثل في مواجهة الكل للجزء. لكن أليس هذا "الكل" الذي يزعم الفرد المتمرد الانتساب إليه هو شعب لم يتشكل بعد. نطلق عندئذ اسم العصيان على كل ما ينشد التقدم، ونحدد الفتنة في ما يرتد إلى الماضي ويتشبث به. لكن ألم يؤكد المستقبل ذاته الذي يستند اليه فكتور هيكو، صدق الحجة التي تقر بشرعية التمرد، أو تدينه بحسب انسجامه أو عدم انسجامه مع مسار التاريخ.

ليس بوسعنا، والحالة هذه، التحقق من براءة التمردات التي آلت للفشل. لا يستمد التمرد مشروعيته ألا عبر الإقرار بالأهلية القانونية. وكما قالت حنا أرندت H.Arendt "" أول الحقوق، هو الحق في أن تكون لك حقوق". لا يكتفي التمرد بالإبانة فقط عن ظلم"ثائر"، إنه إشهاد عل  القدرة البشرية في دحضها لهذا الظلم والجور. أكيد أن تجربة القرن العشرين عرفتنا فعلا بأوهام التمرد. لكن الأمر يتعلق بوهم آخر، على قدر كبير من الخطورة، وهم مماثلة عالم معطى بأفضل العوالم الممكنة.

 

المصدر:

                           Réussir la philosophie au bac

Roger –Pol Droit et  Frédérique Pascal

Préface de Paul Ricœur

Le Monde  Editions 1994 – p 254-259 et p 278 -283