حرب الغرف
سعيد بوكرامي
جلسا وأفطرا بسرعة وهما ينظران إليه، حاولا إغراءه بالقهوة لكنه قاوم
الرغبة.
انهمكا في حديث تلغرافي عن الحرب وحجم الخسائر وعدد المتطوعين الراغبين في
الذهاب.
تمنى الالتحاق بهم لكنه تذكر السلف البنكي الخاص بالإسكان، الذي يقتطع قسطه
من لحمه ودمه وقوته كل شهر.
قالت منفعلة:
العالم مقلوب وأنت نائم.
اقتربت منه أكثر ونقرت رأسه بأصابعها، لكنه استدار إلى الجهة المعاكسة.
قال أخوها:
البارحة، وجدت بجوار العمارة رجلا بلجيكيا مغمى عليه وعندما سألت عما حدث له
قال لي أحدهم إنه حاول إلقاء نفسه أمام السيارات لكن الناس منعوه من ذلك.
قالت:
لم فعل ذلك؟
يقولون إنه متزوج من مغربية تخونه باستمرار مع عشيق لها.
بنت الحرام ولم لا يطلقها وينهي المشكلة.
قالوا إنه يحبها ولا يستطيع فراقها.
مجنون دون شك.
بالتأكيد، فعندما ساعدته على النهوض وقلت له إن الأمر لا يستحق، تشنجت عضلات
وجهه ونظر إلي بعينين مغرورقتين بالدموع وأجهش بالبكاء كطفل.
كان يسمع حديثهما ويبتسم من فكرته (يغلبوننا بالسلاح والعلم ونغلبهم بنسائنا
البرولتاريات)
سمع انفتاح الباب، وخروج أخيها، سيتكئ على الحافة الإسمنتية، سيشعل سيجارة،
سينظر إلى الأسفل البعيد، إلى مدرسة البنات الصامتة، إلى العمارات المتراصة كقطع
الدومينو، سيغير نظره جهة اليمين حيث مسجد ضخم تلطمه أمواج البحر بعنف. سيتنهد
ويفكر فيما العمل في انعدام العمل. سيزداد شحوبا. وحين تلتقي نظراتهما رغم تفادي
بعضهما البعض منذ عدة شهور، سيصابان بالحرج ويأخذان في الحديث كيفما اتفق.
ستفتح الخزانة، ستفتش عن شيء ما، سترتدي جلبابها، وتسوي شعرها.
ستخاطبه بانفعال:
-أمامك الفطور، أنا ذاهبة للمارشي، سأشتري ما يلزم البيت.
ستخرج ويدخل أخوها سيتناول التلكوموند ويبحث عن قناة رياضية.
غلبته رائحة القهوة، فنهض، تمنى لو أن شهيته تنطفئ بصفة نهائية، ويعوّض
الطعام بالأحلام فلا تستعبده الحاجة التي تدفعنا للتنازل باستمرار لتقبيل الأبواب
والقبور والرؤوس والأيدي وحتى الأحذية.
هذا اختيار أفضل لما هو مقبل عليه. لمح الكتاب الذي اشتراه بالأمس فوق حافة
الكومودينو. أحس بخفة ورشاقة لأنه في هذه اللحظة بالذات شعر ولأول مرة أنه
تخلص من الحاجة إلى معارف جديدة.
مضت عدة أيام وهو نائم، يطلب الماء ويعود للنوم.
استدعت زوجته جميع المعارف والأصدقاء والأقرباء لإقناعه بضرورة الرجوع إلى
حياته العادية. لكنه كان يجيبهم بالصمت.
انتهت الحرب أو كادت وانهزم من انهزم واستسلم من استسلم وخان من خان.
تذكر أن الكتاب الذي اشتراه مؤخرا يتحدث عن نظرية النشوء والتطور فعاوده
الحنين إلى القراءة والقهوة السوداء. استنشق عطر زوجته القريب جدا منه. تجلس
بجانبه دون شك. تضع العطر عن قصد. سمع صوتها يقول:
-اسمع! كل شيء يمكنه أن
ينتظر إلا ما جئتك من أجله.
أخرج صوته المتحشرج بصعوبة وقال:
-لا تحاولي، أنا اليوم
لن أخضع لرغباتي.
-لكن النوم حسب علمي مناسب لما جئتك من أجله.
-أنت الآن تحتالين فقط فإذا كنت قد تنازلت سابقا عن أشياء كثيرة فهذه المرة
لن أتنازل مرة أخرى.
-دعني فقط أشاركك الفراش.
-قلت لا أي لا.
يتحدثون عن الحرب والقذارة والخيانة.
الضوء الأزرق يظهر ويختفي من داخل غرفة الجلوس. زوجته لا تكف عن البحث عن
أخبار جديدة.
قد تقضي النهار والليل في التنقل بين القنوات. يتمدد فوق الفراش، يغفو
قليلا، والضوء يخز عينيه المتعبتين.
وبين أمواجه يأتيه صوتها الملحاح، تعاتبه لأنه يعتقد أن الأمر لا يهمه بينما
الأمر دقيق وغاية في الخطورة، فكل الناس تتحدث عن تغيرات حاسمة ستحدث خلال أيام،
تصرخ بكيفية هستيرية:
لم تعد تهمك الأمور، منذ متى ؟
فكر أن الأمور ستزداد تعقيدا والأفضل أن يغلق أذنيه ويرخي جسده حتى يسيح
متلاشيا داخل الفراش. ثم يفكر في طريقة أخرى، لمواصلة الإضراب.
المؤامرة
نزلت إلى الشارع، كنت أفكر في اللاشيء. لهذا لم
أنتبه، كيف عبرت الممر، كيف نزلت النفق الأرضي، كيف تاهت عيني في عيون الناس، كيف
أخذت مقعدا مقابلا للكنيسة القديمة. كمصدوم كنت، وأمام الطلبة والطالبات المنهمكين
في حفظ الدفاتر لاهثين وراء التكرار. بدأت أصحو وأعي ما أفكر فيه حقا. تذكرت، منذ
أسبوع، أصبت في عمودي الفقري. حظيت خلالها بزيارات عديدة. الأولى كانت لمدير
الإدارة التي أعمل بها. سألني عن صحتي وتأمل الدواء وتفحص الوصفات، ونبهني إلى أن
الوضع لم يعد كما في السابق وربما قد يستقيل أو يغادر البلاد. أما الزيارة الثانية
فكانت لسكرتيرته قالت مازحة. لا بأس عليك، جئت لأحرسك، فإن كنت تدعين المرض أبلغت
عنك ثم أشارت إلى أنها ستلتحق بالنقابة لأن أحد الزعماء منحها العضوية وقام باحتضانها.
أما الزيارة الثالثة فكانت ثابتة وقف أمامي صديق قديم وقال لي حان الوقت للهرب،
فإن لم أفعل الآن فسأندم بعد ذلك. قلت له لن ينفع الهرب الآن فأنا مريض. شدني من
ذراعي وصرخ في وجهي. كلهم هربوا رائحة الفضيحة عفّنت البلاد. رددت عليه صارخا
أيضا. وما علاقتي أنا بالاختلاسات، أنا لا دخل لي. استيقظ من نومك يا مسكين كنت
توقع كالأبله وها نتيجة صمتك وإيمانك الراسخ بمبدأ. لا دخل لي.. ذاك سوقهم.. هم
الذين سيتورطون…
عندما انتشرت حرارة الركض في دمي تعافيت من آلام
الظهر وخف جسمي حتى أني تخيلت نفسي نعامة تخترق الصحراء. تذكرت أني لا أحمل نقودا
فقصدت أحد الأصدقاء الذين استفادوا كثيرا من صداقتي. صعدت العمارة التي تنشر
غسيلها أما أبوابها وممراتها المفتوحة على الشمس والبحر. وجدته يتشاجر مع أمه التي
تتهمه بسرقة مصروف البيت وتتوعده بإبلاغ الشرطة وهو يتوعدها بالانتحار أو ركوب
قوارب الموت.
عدت أدراجي ووسط ساحة كبيرة وجدت جمهورا متزاحما
ينظر في اتجاه بوابة حديدية ضخمة حيث يقف مدير الإدارة، يشير بيديه كأنه يهدئ
الناس. سمعته يقول: كل شيء سيصلح ننتظر قرضا من صندوق دولي وسنحل المشكلة إذا ذهبت
أموال تأتي أموال وإذا هرب مسؤولون سيأتي مسؤولون آخرون المهم هو السلم الاجتماعي.
دخلت بينهم بصعوبة وفتحت لنفسي طريقا. وقبل أن أصل
البوابة اختفى المدير وكأنه لمحني، بقي البواب وما أدراك ما البواب. كانت لديه
تعليمات صارمة إن اقترب أحدهم فالهراوة بالمرصاد. وما أن لمحني حتى صاح: هاهو
أحدهم، الآن، حان وقت الحساب.
تأكدت أن المؤامرة محبوكة بشكل جيد؛ ولا خلاص لي إلا
بـحوار بناء ومسؤول مع الجمهور. سأفهمهم كيف تمت العمليات، ولفائدة من ذهبت
الأموال والأراضي التي كانت مخصصة لهم كي يخرجوا أحياء من مستنقعات الصفيح القاتلة.
سأفضح الأسماء المتدرجة في المقامات. وقبل أن أنفذ ما فكرت فيه رأيتهم يقفون فوق
صدري حينها فقدت الوعي.
النزول إلى القلب
إلى فدوى
ارتبطت بالفجر في هذه الصحراء. أقفز من النوم أو من
السهاد أو من الشرود الغامق في اتجاه المرحاض وما أن تنهزم حلكة الليل حتى أنزل
مذعورا قبل وصول حافلة الستيام. أخترق الأزقة القاحلة وبيوت الطين وقلبي يكاد يركض
أمامي.
تمر بعض القطط المرهقة بمعارك الليل. أتوقف أمام
المقهى الليلي. أتخيل جلوسها وهي تنتظرني بانفعال.
وعندما تتأخر الحافلة أحس بوجع في معدتي.
أخيرا تصل، أمام باب الحافلة أترقب نزولها. وما أن
أراها حتى ترقص حواسي كلها. أحضنها وأشم تضاريسها الراسخة في ذاكرتي. أحمل عنها
الحقيبة ونعبر فضاء القرية بسرعة وبنا لهفة عارمة للقبل.
شهور طوال ونحن نتحدث عن الحب في الرسائل، نذرف
الشكوى، نضع التصورات، نطير بالأحلام، ونشعرن الكلمات. كنا نقرأ بعضنا البعض،
نتهجى الحواس، ونتعلم السيطرة على المشاعر.
رسائلها صنعت منها كتابا بينما رسائلي مشفرة عندها
في مكان لا أعلمه.
جذبت الباب الحديدي إلي وعالجت القفل الرديء لكنه لم
ينفتح كان ارتباكي الزائد واضحا وربما هو السبب. لأنها عندما حاولت هي فتحه انفتح
بسهولة. ألقيت محفظتها بجوار السرير وتعانقنا، تفتتنا وتلاشينا فوق السرير.
2
في تلك اللحظات النادرة المعشوشبة لرمل الصحراء،
أسمع زفير المطر، وبرودة الشمس المكيفة بالثلج، وزرقة السماء العسليّة القريبة من
رأسي. أمواج أمل، تدفعني إلى استقبال الأيام القادمة من سيرة الصحراء، بصدر عار،
وقلب أزرق، لأخترق بسهولة أدغال الصحراء والفراغ والجنون.
ألوح بيدي إلى وجهها المتألم من وراء زجاج الحافلة،
تنزل هي ثم أصعد أنا وأنزل ثم أصعد ، وأخيرا أغادر أصابعها المتشبثة بأصابعي و
الحافلة تهدر في جوفي، يلومني السائق المتجسس في المرآة عن تأخري في النزول.
تترك وراءها صورها اللانهائية. عبورها الرشيق، لفضاء
البيت. كفها الباردة، حين تبحث عن الدفء في أذني وعنقي، قدمها الصغيرة، وهي تحتك
بقدمي. ملمس جسدها الضوئي، وهو ينفلت من بين أصابعي وأنا ألاحقه وهو يغور في ظلمة
الواقع المر. تكاد أن تهزمنا طواحين المجتمع. ثم تقول: بهذا اللون الوحيد لن نخضع
لقوانين العبور.
بقيت تلك الليلة ساهرا أتأمل وجهها، وكأن خطرا يحدق
بنا. تنفسها بطيء وهادئ. تتكور كطفل صغير وتنام على الجانب الأيسر. عندما أحست
بضوء الشمس يتسلل من فتحات الفدريش انقلبت وعانقت يدي بابتسامة ناعسة ثم أكملت
الحلم.
صخور صلعاء
هنا جبل وهناك جبل وبينهما مدرسة منقوعة وسط الصخور
الصلعاء.
ثلاثة معلمين محاصرين بالعلو الشاهق والضوء اللاطم
والبرد.
يتقاطر التلاميذ كل صباح مرهقين بالمسافات الطويلة
والذباب العضاض، وفي كثير من الأحيان يغلبهم النوم في الأقسام فيتبولون في
سراويلهم.
يحارب المعلمون الجهل والذباب والعقارب وسياسة وزارة
متخشبة. يجدون صعوبة في إنزال سراويلهم في العراء أو قضاء حاجتهم داخل أكياس
بلاستيكية. وحين يتعبون يحلمون بصديقات أو زوجات في غرف هادئة ينسمها البحر أو
العشب أو حتى دخان المصانع و الطرقات.
في ليالينا الطويلة المدمرة للأعصاب بالأرق والحذر من أخطار الحشرات والهوام
المتربصة في الخلاء. كنا نتحدث بشكل سوريالي، نحلم بإسراف ونبدع في قتل أحلام
بعضنا البعض، خوفا دون شك على بعضنا البعض من الاستغراق والذوبان في الحلم الذي
فتك بالكثير منا في أنحاء قريبة منا. مثلا في الشهر المنصرم انتحر أحدنا في مدرسة
فرعية تابعة لمجموعتنا أغلق جميع المنافذ وترك الغاز يسحبه نحو الموت.
سمعت خرخرة سيارة الأندروفر، فعلمنا أن المدير قد
وصل ليقوم بزيارته الأسبوعية ثم بعد ذلك يختفي حيث لا ندري. يقولون إن له مشاريع
يشرف عليها في إحدى المدن القريبة.
خرجنا من أقسامنا لاستقباله كالعادة، لكنه على غير
العادة لم يحضر لوحده، بل جاء مصحوبا بمعلمة جديدة.
قدمها لنا متأففا:
زميلتكم الجديدة، تعطونها غرفة وتشتركون في الغرفة
الثانية.
صمتنا لبرهة نحاول خلالها استيعاب الموقف الذي ارتطم
فوق رؤوسنا. وافقنا طبعا، وساعدناها في ترتيب أغراضها، ثم وجدنا أنفسنا نتهافت
لأجل إرضائها وإضحاكها أحيانا إذا توفرت لأحدنا فرصة ذلك، بل تمادينا في إضحاكها
علينا بالضحك على بعضنا البعض، وذكر عيوب بعضنا البعض، واختلاق عيوب أخرى.
أعددنا الغرفة،وأعطيناها أواني المطبخ وفراشا
وبطانية وأخذنا نتنافس حول من يعطي أكثر دون أن ننتبه إلى أننا نعطيها أشياء لا
نملك غيرها.
ولكي تعبر لنا عن امتنانها قدمت لنا ألواح الشكولاطة
من نوع ماروخا جلبتها معها من تطوان فذكرتنا الشكولاطة بأشياء كثيرة استلذذناها
وحلاوة الشكولاطة الممزوجة بفتافيت اللوز.
ليلة طويلة قضيناها
ساهرين نحاول أن نكلم بعضنا البعض لكن دون جدوى فقد كان كل واحد منا صامتا يستلذذ
الشكولاطة ويحاول تشييد جزيرة من الفستق لا يصلها أحد منا أو يشيد أسوارا من
الكاكاو حول حديقته السرية.
انقلبت أحوالنا وبدأنا نحتفظ بأفكارنا التي طالما
كانت زادنا الزلال المشترك في هذه الصحراء الملعونة.
في الصباح الباكر نتسلل إلى الساحة لنلقي عليها تحية
الصباح وقد يسرع أحدنا لإعداد الفطور كي يدعوها للإفطار ببيجامتها الزرقاء. تجلس
أمامنا نتأمل وجهها المخدر بالنوم ورائحة جسدها وكلامها الشمالي الناعم كالبحر
الأبيض المتوسط.
عندما قالت إنها تحب الشعر هببنا إلى الكرطونة نبحث
عن دواويننا القديمة وأخذنا نضعها فوق المكتب كي تراها أثناء حصتنا، بعد ذلك يحلو
الكلام عن المتنبي وأدونيس وصلاح عبد الصبور وعبدالله راجع وسنية صالح التي تعشق شعرها وشعراء آخرين لا
نعرفهم يكتبون قصيدة تجمع بين الشعر والنثر.
في إحدى العطل القصيرة نزلنا إلى ورزازات للذهاب
أولا إلى الحمام ثم شراء بعض الأغراض الضرورية وبعد ذلك شربنا بعض الكؤوس في حانة
ديمتري وهناك اندلعت الشرارة التي أحرقت كل شيء،
اعترفنا تحت تأثير شفط الجعة، لبعضنا البعض، بحبها، فتشاتمنا في الشارع ثم
تلاكمنا وتخاصمنا.
عدنا صامتين والذنب يكسرنا وكأننا طردنا من الجنة.
نتأمل من خلال نوافذ الكار المغبرة هذه الجبال الصلعاء وحافات المنحدرات الموشاة
بالأشواك والأكياس السوداء، ابتسمنا لأنها دون شك ستحمل رائحتنا إلى كل مكان.
وفكرنا، كعادتنا، دون شك، كيف بمقدور هذه الأكياس
القذرة أن تكون أكثر حرية منا ؟