المهبول،
أو تلك الحكايات التي تحتفل حتى لا
نتعفن.[i]
سعيد بوخليط
عن منشورات الفنك، أصدر إبراهيم الخطيب
الترجمة العربية للمجموعة القصصية: "Le maboul".
التي سبق للمبدع المغربي فؤاد العروي –أستاذ
الاقتصاد بجامعة أمستردام- أن أطلق صيحتها بباريس عام 2001.
تقول إشارة للناشر: " يرتبط فؤاد
العروي بالمغرب، لكنه يعترف بصعوبة الإمساك بتناقضاته التي يظل حائرا إزاءها:
انفتاح المجتمع وانطواؤه، كرم الناس وقساوتهم، الفقر الذليل والغنى المتحدي".
وبالفعل تعكس هذه الثنائيات المانوية شخوص ومهبولي العمل الذي بين أيدينا. ذلك أنه
بقدر ما تجسد سلوكاتهم ومواقفهم وكذا السياقات التي تمظهر أقصى حدود هلوساتهم،
انزياحا بالضرورة على ردود الفعل
الروتينية، وتكسير للرتابة. فإنها في نفس الآن، تظل حبيسة هذه الرؤية للعالم التي
ظل فؤاد العروي متجمدا حيالها. مرتبكا بل عاجزا عن إيجاد نواة تأويلية يمكنها في
لحظة ما أن تقنع.
المهبول، كعنوان لهذه المجموعة جاء
منفلتا من عقال القائم. ما دام أن التقليد المؤسساتي على مستوى هذا النوع من
الكتابات، يستند في الغالب على اختيار المبدع لعنوان حكايته/ الأساس. إلا أنه من
خلال تأويل مفهومي لنصوص فؤاد العروي الحالية: 1-مجرى النهر والقنصل 2- الدلفين 3-
الرجل المنحني 4- رزمة نعناع 5-حكم الأناقة 6-جسر اليابانيين 7- حفنة من تراب
المغرب 8- هوائي أبي 9- أوكالبوتوس نويل.
يظهر مفهوم "الهبل" كتأويل تأوي
لهذا العمل، يحكم مساراته ويشتغل كمكون توليدي: للشخوص والفضاءات والأزمنة وكذا
العلاقات والإيحاءات….
لاشك أن تيمة "المهبول" تحيل
بقوة وبزخم دلالي كبير على سياق الثقافة الشعبية.
وهي فيما اظن تختلف كثيرا على حمولة "المجنون" أو "
الأبله" أو "الأحمق".
لا يشكل "المهبول" انزياحا عن
التقسيم الكلاسيكي للمؤسسة بين الممكن / اللاممكن. بل يقوم على تصور إيجابي مدحي،
أكثر من كونه نفيا وسلبا وتشويشا على وضع اجتماعي قائم. لذا فإن "
المهبول" في التصور الشعبي، يستند على تصنيف معين لشخص يريد من خلاله أن
يجعله: خارقا، كاريزميا، ملهما…، بالمقياس الاجتماعي.
يكشف " المهبول" في كل لحظة
عن مواقف تتجاوز كل اتفاق. تجربة إنسانية ناغلة، منفلتة. تلصق بذاتها كل أنواع
الاختراق والاختلاف والتأسيس.
يتميز عن النمطي، بكونه يجعل من كينونته
ذات ماهيته، ويصير وجوده لحظة جسده. على النقيض مما تتوخاه الثقافة
الاجتماعية،التي تباعد دائما بل وتفصل بنزوة قهرية بين الكائن وتحققاته.
"المهبول" قد يكون ذكيا أو
حالما أو منسابا…،
ومتمردا وتائها وعدميا وعاريا متجردا…،
وحتى "ملعونا" فإنه أولا وأخيرا يأخذ برغباتنا جميعا إلى حيث ينبغي لها أن تكون.
إن تصنيف "الهبل"، لا يقصي أو يلغي، بل هو مدح بما يشبه الذم. كما
أن اللغة التي تتوخى ربط علاقة بصاحبنا " المهبول" هي لغة نمارسها بنشوة، لأنها تراقص طيفها بشبق
وعلى امتداد اللانهائي. لغة، لا تنحت في الصخر كما هو الحال دائما مع أطروحات
"الملغى"، ولكنها على العكس تنبت جزرا صخرية في الماء ومن خلال علاقتها
الطردية بالمعنى: مرنة/ عتيدة ، فتية/ موغلة، رحبة/ عصية….
لا تمارس هذه الالتواءات بمجانية أو
خواء ذهني، بل إنها لغة تتمثل بامتياز هذا التقمص المستمر للأدوار بين رحلات الحياة وترانيم الموت، وبينهما
حكايات ساحرة للأشياء.
"المهبول" حكايات مكثفة جدا، تتقاسمها شخوص وأزمنة
وأمكنة، بقدر ما يظهر بأنها تتقاذفها أمواج من هذا الأقصى إلى ذاك، فإنه في
حقيقة الأمر تتكوم رغم كبريائها في سلة
واحدة لأنها تلامس بعنفوان وسوريالية تجارب إنسانية هي بلاشك مصابة بانفصام
باتولوجي وشرخ سيكولوجي كبير، حينما تتوخى إيجاد لغة ممكنة بينها وبين يومي تخترقه
تناقضات في غاية الحمق.
"الهبل"، إذن قيمة مرفوضة
وملغاة داخل نسيج الثقافة الاجتماعية، حيث
يتحول إلى لعبة للإقصاء باسم "انسجام" مجموعة إنسانية ما. لكنها
بالتأكيد قوة كذلك تتحول من خلال اختلافها ومغايرتها إلى لحظة حقيقية للتأسيس.
في حكاية (مجرى النهر والقنصل)،
والتي تجري أحداثها جنوب المغرب، يظهر قنصل فنلندا وزوجته، عجرفة واحتقارا حيال
المغاربة. ولا شك أن القنصل سيفصح عن "هبل" سلبي، من خلال قصوره البين
في فهم الآخر. كبرياؤه الزائد، المصحوب بالجهل سيؤدي به إلى خطأ جسيم في التقدير.
صارت رحلة جنوب المغرب، إلى نهاية مجانية للقنصل وزوجته من خلال جرف تيار الوادي
لهم. مع العلم، أن المعطيات الجغرافية والمناخية لم تكن تظهر أية إشارة بهذا
الخصوص. وبالرغم من تحذيرات سكان المنطقة،
فإن القنصل الفنلندي تجاهلها بازدراء،لذا ستنتقم الطبيعة ربما لطيبوبة ومرؤة ساكنة
جنوب المغرب من التعالي الذي أظهره اتجاههم القنصل.
"الهبل" هنا اندفاع وجموح،
لكنه غير متوازن لذلك فهو مميت. إنه أنانية عمياء وتمركز آنوي سلبي. يأخذ قيمة
ثقافية تستند على التعالي وممارسة فعلية لهذا التقسيم الانثروبولوجي المفتعل بين
إنسان الشمال وإنسان الجنوب.
مع وقائع "الدلفين" التي
تستحضر شاطئ وصيف الجديدة، فإنها ترسم تلاقح حكايتان في واحدة. هناك من جهة تلمس سادية مرعبة ل
"مهبول" وهو يقتل دلفينا
قذفت به الأمواج إلى الشاطئ، دون مبرر أو
داع. اللهم إلا رغبة هذا القاتل
في إثارة نظرات حشد من الناس، سلوك
أخرق، لا يتحمله أي تأويل.
لكن مثل هذه البطولة التي تثير التقزز تتحول إلى لحظة ثانية
في "الدلفين"دائما مع " فتى دكالة الوسيم" إلى شجاعة
وجرأة نادرتين. من خلال قدرة هذه الشاب العجيبة على ركوب مخاطر البحر والتوغل
إلى الأعماق من أجل التقاط سمكة ضائعة
وبيعها. طريقة سوريالية لا شك في اكتساب المعيش اليومي. "هبل" على طريقة "طلال" الخاصة، رهان غير
مضمون العواقب مما سيفقد هذا الشخص حياته نتيجة لتهوره.
الدلفين، كعنوان يلعب دورا مزدوجا، الدلفين هو طلال نفسه. لأنه
في نهاية المطاف بعيش كدلفين بين البر
والبحر. الدلفين في الحالة الأولى، تقتله
وحشية ونرجسية البشر بدون سابق إنذار. في
حين أن طلال / الدلفين سحقته الحياة
الصعبة وظروف كسب القوت في نظام اجتماعي يتميز بقانون الندرة الإنساني، طلال لم
يختر وضعه إراديا. صحيح أن فؤاد العروي لم يفصح عن ذلك، ولكن سياق الحكاية يظهره.
الدلفين حيوان أليف وذكي، وطلال شاب
استثنائي. لم تنصفه الحياة ككثيرين. وبالتالي كان قدره أن يصارع. مات الدلفين
خطأ، واختفى طلال مجانيا.
يشتغل الحكي على الطريقة التالية:
العنوان الكبير هو الدلفين. حكاية الدلفين بسيطة ومباشرة ولا تتجاوز متوالياتها
اللغوية أصابع اليد، مع أن هناك تبئير لهذه الشخصية. أي علاقة بين الدلفين وطلال؟ سياق اللغة، لا يظهر أي إشارة إلى ذلك.
لكن تأويليا، فإن طلال دلفين إنساني، والدلفين إنسان حيواني.
الحكاية التي طورها فؤاد العروي في الدلفين،
هي بالأساس مغامرات طلال. كلاهما تحيل بطريقتها على "الهبل" لكن مع
اختلاف للموقع والموقف. الدلفين موضوع. وطلال فاعل حقيقي. إلا أنه كذلك ومن خلال
المماهاة مع التحليل إلى أقصاه، فإن الدلفين "مهبول" لأن رحلته
قادته إلى جزيرة البشر حيث نهايته
المأساوية.
بعد ذلك تأتي أحداث أخرى ومن نوع ثان في
"الرجل المنحني" والتي تستحضر فضاء مدينة أزمور. وتتعالق مع
سابقتها الدلفين، في الماضي الطفولي لفؤاد العروي.
يتداخل الحلم بالواقع في الزمن السردي للمشاهد. حيث عبر الراوي عن كرهه
ومقته الشديد للرجل المنحني. إلا أن النهاية كانت إيجابية وسعيدة، تقطع فجائيا مع
الحمولة النظرية والتصور الذي حاول إسقاطه على شخصية "الرجل المنحني" إلى درجة توظيفه لمخزونه الديني من قرآن وأوصاف المؤمنين المتقين، ثم فوزهم بالجنة.
لأنه مارس سلوكا تعبديا، بل مجرد وقوفه
"عند عتبة مبنى العبادة" أدى به إلى الحصول على كل نعم وخيرات السماء.
لقد مقت الراوي كثيرا هذا المجنون، وإن
نسج حوله رؤيا جميلة حولته إلى شخص / هيكل رائع جدا. لحظة الرؤيا هاته قصيرة، لكنها محورية بل إنها
النواة الأساسية لهذه الحكاية.
يتأتى "الهبل" عند
،"الرجل المنحني" من الحيز الكاريكاتوري الذي كان يشغله جسده لم
يختر له الراوي اسما شخصيا، كما تقتضي أدنى دراجات إتيكيت التعامل الآدمي، بل نعته دائما
بأقدح الصفات. تعكس احتقاره الشديد لهذا الرجل نظرا ل:
1-طبيعة المهنة التي يمارسها "الرجل
المنحني" كبائع في دكان لكل "ماله قيمة تبادل أو قيمة استعمال"
(ص 19) في تضاد كلي مع " أنا الذي رغبت منذ نعومة أظافري في وضوح الغرب وفي
المربعات الصغيرة التي تبين مصدر السلعة وتعلن ثمنها الوحيد" (ص19 /20).
2-دمامة " الرجل المنحني"
وتشوهه الخلقي. شعور يولد الخوف إلى درجة أن الراوي تمنى له دائما في قيرورة نفسه
أن يذهب "لإلقاء هيكله في مياه أم الربيع؟ فالنهر، مع ذلك، قريب فيما يأمل يا
ترى ؟" (ص 20).
يتفاعل إذن "الرجل
المنحني" روتينيا مع "هبله" في التصاقه السرمدي بذكائه وشكله
العجائبي الذي يثير مشاعر متناقضة تتأرجح بين: الخوف والاحتقار والتعاطف. إلا انه
رغم كل ذلك. يكفيه أن يغادر هذا الدكان مرة واحدة، حتى تتلاشى بسرعة كبيرة كل مشاعر
الرفض حيال هذا الشخص.
أما مع حكاية "رزمة
نعناع" فإن القارئ يقف على مستوى
آخر من تأويل الناس والأشياء، واستحضار لعهد أوفقير الدموي. بالإشارة إلى عمليات
الاختطافات التي سادت هذه الحقبة السوداء من تاريخ المغرب.
التوظيف العبثي والجنوني ل "
رزمة نعناع". بالتأكيد، قمة الهبل والجنون حينما سيخرج رجل لاقتناء
" رزمة نعناع" حتى يلقى به
إلى مصير مجهول. !!!
أي
علاقة بين رزمة نعناع واغتيال سياسي أو بالأحرى انطولوجي للذات الآدمية؟ كيف يؤدي
الخروج لتسوق "رزمة نعناع" إلى فقد بمثل هذا الجحيم؟.
يحيل الراوي مرة أخرى على طفولته وإلى الدار
البيضاء كفضاء. انعكس البعد التراجيدي للموضوع على جغرافية السرد. فإذا كان رتيبا ، ونمطيا على الطريقة
الكلاسيكية فيما مضى من النصوص. فإنه هنا يترنح، يتوخى لذاته حيزا طبيعيا داخل
مجرى زمان غريب، غرابة ما وقع ل " My father"
(ص 23). و"هبل" الزمان والمكان والناس والأحداث والعلاقات والعالم
والمصير….
دام الاختطاف ست
سنوات أوخمس دقائق؟ لا يهم. سوريالية الزمان تحيل على جنونية السياق واضطراب في
حواس الراوي. كان الحدث جسيما وضخما، لذلك وظف لغة مكثفة من الرموز والدلالات، من
أجل تحوير وتبئير موضوعه بشكل يشغل مطلقا وكليا حواس قارئه.
ردود فعل، تذكر
بالموقف الوجودية لشخوص يونسكو أو بيكيت وكافكا حيث تلتبس الأسئلة، وتتداخل
المواقف، ثم تنمسخ الأبعاد….
لذا أي منطق في الكون يمكنه إيجاد لحمة محتملة بين تغييب رجل من قبل عصابة
مخابراتية لمدة ست سنوات، واختزال كل ذلك في الاستفسار عن ثمن رزمة النعناع؟
ست سنوات نفسها
خمس دقائق، ذاتها ماهية الزمان المغربي سياسيا وثقافيا واجتماعيا، بطيء ومترهل. قد
تكون لحظة أوفقير مطلق الزمان المغربي ! وقد تختزل "رزمة نعناع"
تفاهة هذا الزمان الشائخ.
-"بادرت أمي
التي تنازلت عن كل شيء منذ ميلادها، ورفضت دائما أن تحاول فهم ما يجري في العالم،
إلى وضع الماء فوق النار ليغلي وأعدت النقيع. شربنا الشاي ولم نتحدث قط عن تلك
السنوات الست" (ص26).هل هناك من تماثل حقيقي مع "هبل" كهذا غير
الصمت؟ بالتأكيد، نعم.
أما حكاية "
حكم الأناقة" فإنها تتمحور حول شخصية "أبو طالب" الذي يلتصق
وجوديا بشكل وهمي على شيء اسمه شرف النسب. وما يترتب على ذلك من إيحاءات إيديولوجية
تنويمية لمجموعة إنسانية،لازالت تقدس بشكل خرافي لعبة الأصل في امتداداته
التيولوجية.
توحد البلاهة هنا
بين الراوي وزملائه في القسم الداخلي بالدار البيضاء:
1-هناك من جهة
سذاجته، حينما اعتقد بأن إفشاؤه سر "قصة الشجرة" عند "أبو طالب"
، تثير بلا شك سخرية الزملاء اتجاه هذا الأخير. وهي مسألة عبر عنها الراوي انطلاقا
وانسجاما مع إيديولوجيته الفكرية التي تتمثل في الشيوعية، نظرية كانت ترفض –مثلها في ذلك مثل
كل النظريات العقلانية- التمايز الوجودي بين الأشخاص على أساس عرقي.
2-يتمثل الوجه
الثاني ل "الهبل" على هذا المستوى في اعتقاد ساذج بمقولة النسب. وخاصة
عند عينة الناس التي تم توظيفها هنا، أي " الجبليون" الذين يضفون كل
أنواع القداسة على " شريف النسب". حتى وإن كانوا عباقرة ونجباء جدا في
حل أعقد المعادلات الرياضية. مفارقة غريبة
أليس كذلك؟
إن كشف حكاية
"أبو طالب" أضفت عليه كاريزمية زائدة،بحيث تحول عند أصدقائه إلى نموذج
للاقتداء بطريقة غبية: يحاكونه في كل شيء حتى في طريقة لباسه.
تحمل إذن "حكم
الأناقة" مجموعة من المعاني السياسية في الاشتغالات الثاوية لتوليداتها. تتمثل إن شئنا في محاولة جلية
لخلخلة أسس ميتافيزيقيا الأصل والنسب والسلالة. مفاهيم تحكم بقوة البنية
السوسيولوجة والفكرية للمجتمعات الباتريركية
التوتاليتارية، حيث تدخل الجنس ضمن شبكة من العلاقات يختلط فيها الديماغوجي
بالانتهازي وما يستتبع ذلك من توظيف انتهازي للدين والسياسة والتاريخ…إلخ….
فإذا كان الفرد في
المجتمعات المتحضرة يتمتع بحقوق وواجبات على حد سواء دون استحضار لأي معيار خارج
مفهوم المواطنة. فإن تلك الأخرى التي
ينتمي إليها "أبو طالب"، لازالت بعد تعيش على منظومة فكرية عتيقة جدا
تستند على مسوغات عشائرية تعكس البنية الإقطاعية لتلك المجتمعات، التي تتعامل
انتهازيا مع مفهوم الحق. آخر جملة في القصة تقول: " دلنا أيها القائد، وأيها
الشريف، على ما ينبغي أن نلبس، وما يجب أن نقول، وما يلزم أن نفكر فيه!". لا
شك أن المعادلة الآن أكثر سهولة.
لقد مثل أفق /
أوفقير، الأطروحة /الأساس لما سبق في "رزمة نعناع". بينما في الحكاية الموالية "جسر
اليابانيين" نصادف شخصية " مولاي أحمد العلوي" الاسم الشهير في
لحظة ما من تسيير دواليب الدولة المغربية المعاصرة: "الرجل الذي يدشن كل
شيء" (ص 42).
أحمد العلوي،
اليابانيون، إبراهيم/ الفتاة. يشكلون الشخصيات الأساس في هذه الحكاية، والتي بقدر
ما تحمل معاني التشويق والإثارة، فإن الطبيعة الايكزوتيكية لتفاعل هؤلاء. يعطي
لهبلهم طبيعة خاصة ومميزة.
للتقريب بين رجل
وامرأة يعيشان في قرية من الأطلس المغربي، فإن اليابانيين هم الذين سيقومون بهذا
الدور من خلال بناءهم لجسر على النهر.
يراهن "ابراهيم" إذن للتصالح مع عواطفه ومشاعره، على جسر اليابانيين حيث
يأتي الخلاص دائما من غير أهل الوطن.
لكن أفق انتظارنا
تبخر، ما دام أن نهاية الحكاية بقيت على تأويلات كل واحد منا بخصوص النهاية
المحتملة لعلاقة "إبراهيم" بمعشوقته. كنا نتوقع نهاية سعيدة بانتهاء اليابانيين من تشييد الجسر، لكن العكس
هو الذي حدث. ذلك أن وقوف إبراهيم عند متصف الجسر يحمل أكثر من علامة استفهام.
يجيب الراوي قائلا: " أليست القصص الجميلة هي تلك التي تجعلنا نتوقف في
الوسط؟" (ص46). لكن الوسط قد يفسر كذلك بطريقة استسلامية وكونه نهاية صغيرة أو مرتدة لأحداث وعلاقات وكذا أشخاص غير
عاديين.
صحيح أن الوقوف
عند الوسط ينمي بشكل كبير من قيمة ومساحة السؤال، وبالتالي تتم إعادة كتابة النص على امتداد اللانهائي أي
معانقة للوجود في سريانه المطلق.
يبدو أن
"إبراهيم" "مهبول"، لأنه قام بفعل يتناقض كليا مع الاحتمال
الوحيد الذي ينتظره منه القارئ. ذلك أن
الانتهاء من بناء الجسر والترخيص له من قبل "احمد العلوي" يعني انطلاقة
كارنفالية لمشاعره اتجاه الفتاة. لكن انتهاء
المشور وسط الجسر وقبل بدايته يثير غضب القارئ، ويجعله يصب كل لعنات السماء والأرض
على هذا "الإبراهيم" الذي لم يتمكن من الدفاع عن موقفه، وبالتالي التصالح مع مشاعره. ومن تم
كذلك الوفاء لانتظارنا.
بعد ذلك ننتقل إلى
وقائع من طينة أخرى، حاول فؤاد العروي تجميعها تحت عنوان "حفنة من تراب
المغرب" والتي تشكل في اعتقادي الحكاية / المحور بين ثنايا
"المهبول"، ليس لحضورها الكمي مقارنة مع النصوص الأخرى ولا حتى لهبلها
الاستثنائي قياسا للمفارقات السيكولوجية التي تأتت لشخوص النصوص الأخرى. ولكن خاصة
للأبعاد الرمزية والإيديولوجية التي غلفت المتواليات اللغوية لهذا العمل ككل.
إن توظيف عنوان على هذه الصيغة . "حفنة من تراب
المغرب"، يقدم لك منذ البداية كل معاني الشوق والولع وكذا الرغبة إلى
نفحة من تراب هذا المكان الذي يحمل إسم المغرب.
لكن المحتوى والمضمون يؤسسان في الحقيقة الأمر لشبكة من الحقائق تقوم على الاعتزاز بالوطن والامتعاض في نفس
الآن اتجاه هذا الوطن.
لم يكن توظيف طلب
"حفنة من تراب المغرب" من قبل سفير الدولة الصديقة الذي حل بمطار الدار
البيضاء صورة اعتباطية، بل تقوم على منطق حكائي يثير الضحك والسخرية والشفقة كذلك.
بحث أسطوري وسوريالي عن " حفنة تراب ".
وهو الملقى في كل مكان وأينما وليت وجهك. لقد تحول من عنصر كوسمولوجي إلى ماهية
مفهومية. وسيرتهن مصير الموظف أساسا بالعثور على حفنة من التراب، لكن مع تطور
الأحداث وتصادم الشخصيات بدت هذه المهمة معقدة جدا ومستعصية بعدما كانت للوهلة
الأولى تافهة وبسيطة. ليخلص النص إلى النهاية التالية: "لم أكن أعرف أنه من
الصعب جدا العثور على حفنة من تراب المغرب" (ص 66). شعور ينطوي على أحاسيس
سيكولوجية متناقضة جدا تتراوح بين أقصى
درجات العشق أو إلصاق هذا الوطن بقيم الإجحاف والنكران، لذا يستحيل أن
تنتزع منه ولو حفنة تراب. يصعب في الحقيقة الحسم بين التفسيرين، إلا أنه من خلال
الحمولة الدلالية التي شغلت الأحداث، قد يظهر بأن الحكم يصب اتجاه تأكيد أن هذا
الوطن لا يبادلنا نفس الحميمية. بالتأكيد
ليس من الضروري، أن يؤخذ الوطن هنا كجغرافيا
لأن في ذلك تعسف ولكن باعتباره حصيلة تاريخية لعلاقات بشرية واختيارات
ومواقف.
لم يكن الموظف
يتوقع لأول وهلة طلب السفير في الحصول على حفنة تراب من أرض هذا البلد. ثم يتطور
المسار تراجيديا بشكل تنقطع معه أنفاس القارئ وهو يتوخى البحث عن مبرر منطقي -منطق
الحكاية طبعا- لكل ما سيحدث لهذا الموظف في سبيل تلبية طلب السفير الذي كان ينتظر
بمطار الدار البيضاء.
وحتى بعد نجاحه في
الفوز بهذا التراب والإسراع عائدا إلى المطار، فقد أخفق وأصيب بخيبة أمل قاتلة لأن الطائرة كانت
قد أقلعت قبل ذلك.
يستعصي تراب
المغرب على الموظف ابن الوطن، ويستحيل على
السفير. حيث تنتهي الحكاية باعتراف إنكاري
من هذا الأخير يؤكد فيه على جهله المسبق بصعوبة الظفر بحفنة من هذا التراب.
الحفنة تعبير
مجازي عن بقعة جغرافية تمتد على طول آلاف الكيلومترات ويقطنها ملايين الأشخاص،
وتحيل على الجغرافية والتراث والانثروبولوجيا والاثنوغرافيا والاجتماع والسياسة
والاقتصاد والفن…
وتم توظيفها هنا بشكل ذكي إبداعيا، حتى
تشغل بقوة وفعالية المجال اللغوي.
ظلت دائما تيمة
"تراب" موضوع اعترافات حميمية عند المبدعين. وقد تحول عن وظيفته الفيزيائية في صياغة الكون إلى
محاكاة جميلة لقصيدة نكبتها من الولادة
إلى الموت قد تكون هي: الوطن.
التراب ترميز مكثف
بلاغيا، وموحي شعريا. ويعكس هذا الارتباط "المهبول" بالأشياء
والناس. لذلك لم يكن الموظف في حقيقة
الأمر إلا منسجما مع وضعه. وإن بدا الأمر على غير ذلك.
حتى وإن انتقلنا
إلى قضية أخرى مع نص "هوائي أبي" وشخصية "آل بلبال"
فإن الزمان والمكان وردود الفعل وتفاعل الأشخاص والتطور الزئيقي للأحداث…. هي دائما ذاتها.
يستعيد الراوي هنا
اللحظة العجائبية التي عاشها كل واحد منا
بدون استثناء حيال الثورة التي أحدثها دخول جهاز كالتلفيزيون إلى البيوت المغربية، وردود الفعل التي
تراوحت بين الانبهار والافتتان وكذا الرفض
لهذا المخلوق العجيب.
ننتقد هنا التقنية
وعلاقتها الاستلابية بالمكان، من أجل تمرير خطاب سياسي يكشف ضمنيا لعبة الحصار التي تمارسها السياسات الكليانية
اتجاه المجتمع انطلاقا من خطاب ديماغوجي تبريري يدعو إلى حماية وتحصين الهوية
والمقدس والخصوصية….
ضدا على آخر يتوخى خلخلة هذه "الثوابت" والأسس. لذا يتحتم العمل على
تسييج كل التيارات الهوائية وكذا الدبدبات الصوتية، التي بإمكانها أن تحمل بعض
الجينات اللاوراثية للمنظوة القائمة، إنها "جراثيم" من الضروري محاربتها
حتى "لا تتعفن" الأدمغة والآفاق
والأحلام.
يحيل الهوائي على
الغد، و ويخلخل التليفزيون البركة الآسنة للمكان والزمان، لأنه ينطوي على المغاير
والمختلف والممكن، تجربة دائمة ومستمرة للتاريخ.
لذلك تخشاه بقوة كل التوتاليتاريات، وتسعى بشدة إلى جعل التلفزيون وفي لمنظوماتها
واستراتجياتها .
إن طبيعة المكان
الذي تم توظيفه هنا، هام جدا ولم يكن بمحض الصدفة. أقصد: الجزر الخالدات. يقول
الراوي على لسان أحد عناصر "خلية الأزمة":
-" ماذا
سنفعل لو عمد كل من شاء، بصرف النظر عن أهل الجزر الخالدات، الى تمرير بكرته داخل
جهاز آل بلبال؟ الفرنسيون واليهود وقوم الفيل؟ طمأنه شيخ القرية: ذلك مستحيل، فجيش
السلطان متأهب لكل طارئ.
-حتى في الجو؟
-حتى في الجو
" (ص 67).
وستذهب السلطة
السياسية بخيالها العصابي إلى أقصى هلوساتها، زاعمة بأن تلفزيون "آل
بلبال" صار آلية لتجميع ذوي النزعات التآمرية الانشقاقية.
أحمد "آل
بلبال" يعشق التقنية جدا، ابتدأ ولوجوه هذا العالم من خلال صعوده الميكانيكي
إلى سطح منزلهم والإمساك بالهوائي حتى تتضح الصورة المثبتة على التلفزيون. بعد ذلك، سينتقل من هذه
الحركة البدائية بقرية نائية في أقاصي المغرب، إلى أستاذ للتقنيات الإليكترونية
بجامعة أمستردام. بعد أن رحل إلى هولندا كلاجئ سياسي، مع انتقاء أية إشارة تظهر
العوامل التي كانت وراء تحوله إلى مناضل سياسي. هل هو الهوائي. دائما ؟؟؟ لأن
ذلك أزعج السلطة.
لقد جسد أحمد
"آل بلبال" نموذج المهاجر الذي استطاع أن يخترق المجتمع الغربي معرفيا،
ويحقق بالتالي موقعا سوسيو-اقتصاديا مهما. لنتسائل ألا يكون أحمد هو فؤاد العروي
نفسه؟؟.
سيموت الأب،
ويتحول أحمد إلى عنصر فاعل. لكن بالرغم من نجاحاته الهائلة. فإن استراتيجية تفكيره ظلت وفية لذاكرة تجاربه مع الهوائي فوق سطح منزلهم بالقرية، حتى ولو تحول إلى أستاذ دولي في جامعة
أوروبية!!.
مع "
أوكالبتوس نويل"، وهي بالمناسبة آخر حكاية في "المهبول". فإننا
نلامس بشكل مستتر مسحة دينية تحيل على
مرجعيات إيديولوجية ومذهبية مختلفة تتوزع بين اليهودية والمسيحية والشيوعية
والإسلام…
ودعوة لتعايش الأديان والمذاهب.
فتاة أمريكية تحكي
قصصا للأطفال عن أنبياء مثل: موسى وعيسى ويونس، ثم احتفال ب نويل وما يرمز
إليه من قيم التسامح والتعايش وكذا البدء اللانهائي لتقويم زماني جديد.
وصفات تخلق مسافات
كبيرة للافتتان بالسكينة والتعايش
والانفتاح والإحساس الكبير بالآخر. زخم
إنساني حالم ينطوي على قيم الجمال والحميمية والتأمل والبوح.
مع نويل
تمارس الإنسانية هبلها بامتياز لكي تلامس حدودها بعنفوان وتحتفي بصيرورتها. كلهم
يرقصون تلك الليلة دون عقيدة أو جنسية تساميا بهذا الجسد الآدمي ضدا على كل اغتراب
استوطاني.
نويل، فكرة اخترعتها
الإنسانية حتى لا تفقد صوابها في يوم من الأيام.
تلكم كانت تشظية
أخرى لميلوديا " المهبول" وعلى طريقة أن يصيبنا مس منها. لأنها بكل
بساطة تحتفل بذاتها في كل آن.