ص1

 

 

في ترهين المقاصد

 

                                                                                               عمر بيشو

 

  أن نمنح مقصدية لشيء ما، معناه إذن، أن نؤكد على حالته النهائية، حيث خصائص هذه الأخيرة هي التي توجه وتحدد التكون/ genèse لهذا الشيء؛ وعليه، إذا كان التفسير "المقاصدي"/Finaliste (بالمعنى الواسع للعبارة) يبدو مريبا وغير مؤكد، فلأنه يعكس ويناقض نظام الملاحظة العلمية، كما يجعل النتيجة علة وسببا، ومن الكل المحرك للأجزاء، ومن النهاية منطلقا. بعبارة أخرى، إذا كانت الطبيعة ترفض فكرة "الغائية" والمقصد في الاشتغال العلمي، فلأنها لا تقبل إعادة تغطية الغابة مرتين من الشجرة ذاتها؛ ذلك لأن الوعي المسبق بالشيء يلغي أية ملاحظة جديدة، وبالتالي أية إمكانية إبداعية تطورية.

تنبثق فكرة المقاصد إذن، من الرغبة في اكتشاف قواعد وقوانين ثاوية وراء التطورات الزمنية؛ أي ان كل فعل مقاصدي يفترض بالفعل قفزا زمنيا وتحليقا فوقيا على الزمن؛ وبما أن علة الوسائل المستثمرة راهنا توجد في مآل الفعل، فإن المستقبل هو الذي يوجه الحاضر. أي ان الفكرة تلك، تحركها إرادة اقتحام المفاجئ واللايقيني من خلال جعل المستقبل يرهن الحاضر. بعبارة أخرى، أن نصف ظاهرة ما من خلال هذا التفسير المقاصدي، يعني أن نعمل على وضع وجود لوعي قادر على مواجهة الكل والمستقبل، قادر على بلورة مشروع ما ينظم الوسائل لجعلها في خدمة الأجزاء لأجل تشكيل الكل فسيفسائيّا. وهنا نقف على البعد الافتراضي لهذه الفكرة المقاصدية، والذي يجعلنا أمام إشكالات "الكفاية السببية/  compétence causale" والتي لا تقبل بتاتا هذا البعد الأخير كمكون فاعل للتفسير والملاحظة؛ أي في العمل عموما على "صنع العلم/faire la science" الذي يقتضي عدم وجود " أي منطلق نفسي Psyché وراء توجيه مسار العمليات".

ذلك أن العلم الغاليلي والديكارتي في وضعه لمبدأ العقل الكافي /raison suffisante كان يرفض ويستبعد كل فعل افتراضي ومثالي حول الواقع الحاضر، كما عمل هذا العقل على تبيان أنه ليس من المفيد الرجوع قطعا إلى أية مقصدية أو غائية لتفسير حركة الأجسام. أي أن هذا العقل العلمي لا يعتبر أية علة علمية مقبولة خارج العلة الفاعلة/ cause efficiente، بوصفها علة حاضرة، واصفة وسابقة لنتيجتها. ويعبر عن هذا التوجه العلمي- كذلك وبشكل جلي- ما جاء في رد باسكال على سائل بخصوص قضية ...ما" إننا لا نستنتج نتائج من أمور  نجهلها". أي إنه بقدر ما يتم الابتعاد أكثر عن المنظور المقاصدي والغائي و الافتراض الترنسندنتالي، بقدر ما تكون هناك علمية ما scienticificité.

الظاهر إذن، أن "الكفاية السببية" لها ما يبرر وجودها في حقلها العقلاني الفيزيقي، غير أنها بمجرد تجاوزها له تفقد كفايتها الخاصة؛ أي بمجرد الانخراط فيما هو حي تحديدا. حيث يزول وهم العقل العلمي الفيزيائي في اعتبار هذا الأخير بإمكانه تفسير كل شيء، مع أنه لا يعي أنه يختزل ويفقر غنى الحياة، وذلك حسب الفيزيائي النظري الفرنسي جون ماري ليفي لوبلون في رده على العالم الفيزيائي الأمريكي ستيفن وينبرغ :

" La vie est plus riche et compliqué que ne le pensent pas les physiciens "، وهو نقد من داخل الحقل الفيزيائي ذاته(1). ذلك أن الحياة باعتبارها تقوم على أحداث غير متوقعة، فإنها تقاوم بشكل أكبر كل مقاربة غائية حيث تملي عليها برنامجا ما. وهو ما أثبته كذلك العقل البيولوجي في كون هذا الميكانيزم السببي غير كافي لتفسير دينامية الحياة؛ حيث أن الكائن الحي من البكتيريا إلى الإنسان يمثل نسقا من النظام الذي يوجه بذاته السيرورات النهائية، حيث اقتضاء وجوده: " إنه لا يمكن تجزيء البنية عن دلالتها ومعناها"- يوضح  العالم البيولوجي فرا نسوا جاكوب- لأن الحالة النهائية المقصودة من طرف البرنامج هي التي تحكم وتوجه مراحل تطور البنية. وهو ما بينته كشوفات الـ "ADN". بمعنى، أنه إذا كانت الدقة المفترض إعمالها في توصيف نظام حي ما، وكذا دوره الوظيفي، تقتضي إقصاء ما هو مقاصدي وغائي، فإن " اليوم بالعكس، لم يعد بتاتا تفكيك البنية عن دلالتها ومعناها"(2).

لكن ومع ذلك، إذا كانت الحياة تقوم على أحداث غير متوقعة ولا يقينية، فإنها أيضا تقاوم بشكل أكبر أية مقاربة غائية من شأنها الإملاء عليها برنامجا ما. الشيء الذي يجعل فكرة "المقاصد" تبدو كخيط ناظم للفكر، حيث القيام بمغامرة داخل خبايا وألغاز الواقع، كما يكون تدخلها في العلم كمبدأ ضابط لأجل البحث، ونادرا جدا كتوجه ميتا فيزيقي (3 ). بمعنى أن كل علوم الملاحظة أو تلك التي تجعل الملاحظة آلية اشتغالية لها على الطبيعة والمجتمع – من الفيزياء إلى التاريخ- تلتقي بعمق حول فكرة "المقاصد" وقضية تأويلها. وعليه، يمكن القول إذن، أن التأسيس للتفكير في"الكفاية المقاصدية"- بلفظها العام- جاء نتيجة تجاوز قصور " الكفاية السببية" التي هيمنت على سياق الفكر لمدة طويلة، فارضة بالتالي باراديغمها الاختزالي النمطي الخاص. وهنا نقف على إمكانية فهم أحد أسس ترهين المقاربة بالكفايات التي تفرض سياق تدويلها في كل مناحي الحياة، سواء في حقل الشغل، التربية والتكوين، الخ. أليس هنالك أشكال ما لتجليات هذه المقاصد، في اللجوء مثلا إلى " أقصى مبدأ" في الفيزياء،  و سوسيولوجيّا في تصورها كـ "téléonomie"، و كوسمولوجيّا في "المبدأ الإنساني"، ودينيا في " مقاصد الشريعة" بالشكل الذي نادى بها الإسلام في مبادئه الكونية؟.

كيف يمكن بالتالي، الجمع  بين هذه التجليات المقاصدية بشكل تناظمي interdisciplinaire لإبراز ذلك الوجه العرضاني Transversale لـمفهوم الكفاية، كمفهوم يراد إنشاده لتحقيق المعرفة الملائمة؟ أسئلة عريضة تتحدى بلا شك أية محاولة ترهينية للمقاصد بالشكل المناسب ووفق ما يقتضيه أسس اشتغال الكفاية ذاتها؛ أي في جمع الموارد المعرفية cognitives (معارف، درايات، مواقف، اتجاهات، قدرات...) الضرورية لجعلها تتواجه و تتجابه بوضعيات مشابهة من خلال تعبئتها وتحويلها بشكل مناسب وملائم .

  1 -   في إبيستيمولوجيا المقاصد:

  التفسير عبر "المقاصد" للظواهر الطبيعية يعد من إحدى كبرى مشاكل الفكر المعاصر، لذا نجد مسوغا آخر من مسوغات إعادة النظر في لامبالاة الطبيعة اتجاه بعض المفاهيم التي أبرزت "حق وجودها" راهنا، الشيء الذي  يقتضي ضرورة تفجيرها من التراث العقلاني العلمي والفلسفي والديني، بدءا من طبيعية أرسطو إلى نسقية النظام البيولوجي، مرورا بـ "مقاصدية" الدين و"غائية" كانط، لتسليط الضوء الكاشف نحوها. هكذا نجد مفهوم " المقاصد" هو الآخر يؤثث لوجوده كحضور بارز متجاوزا ما تم بينه وبين المنظور السببي الذي يختزل العلل الفاعلة في الملاحظة وليس غيرها.

ليس هذا الاستدعاء التراثي لأجل وضع جواب لراهننا العلمي بخصوص قضية مشروعية التفسيرات المقاصدية أو الغائية، بقدر ما هو استدعاء لتسليط الضوء أكثر من خلال أفكارهم  الفلسفية بصدد ملاحظاتهم وتعليلاتهم الخاصة بخصوص نمط هذا التفسير أو ذاك.

  إذا كان قانون موضوعية الطبيعة يقتضي الإلغاء النسقي لأي اعتبار بإمكانه توجيه أية معرفة "حقيقية" أي تأويل للظواهر في ألفاظ نهائية وغائية، بمعنى، تتحدد في مشروع ما- فإن هذه الموضوعية ذاتها تفرض علينا ومع ذلك – حسب جاك مونو- إعادة التفكير في الخاصية الغائية Téléonomie للكائنات البشرية، ولتقبل بالتالي أنه داخل بنياتها وإنجازاتها يتم تحقيق وتتبع مشروع ما؛ ألا يعني هذا بالتالي، أننا على الأقل أمام تجلي لمفارقة ابيستيمولوجية عميقة؟(4). بعبارة أخرى، إذا كانت الطريقة العلمية تعمل على الأخذ بعين الاعتبار الغائية كإحدى الخصائص الأساسية لكل الأجسام البيولوجية، فإنها ومع ذلك تنفصل أو تتنصل من أي إمكانية تفسيرية غائية تعمل على إدخال مقصدية ما يمكن تداولها في الطبيعة، وهنا تكمن مفارقتها.  الحال إذن، أن التفسير عبر "المقاصد" باعتباره فكرة مستوحاة من أرسطو، يؤكد على أن الحالة النهائية هي التي تحدد وتوجه مسار السيرورات الطبيعية؛ لكن العلم الحديث لا يمكن ان يتصور أن نتيجة ما تسبق علتها، الشيء الذي اقتضى ضرورة إعادة قراءة الكتابات الفلسفية بوصفها تبدو جد مضيئة لتسليط الضوء أكثر على معنى لمسائل علمية راهنة.

يمكن القول إذن، أن - مبدأ التجريب، لائكية الخطاب العلمي، اختزال السببية في العلل الفاعلة وحدها، كلها عوامل – حسب – ساهمت جميعا في بلورة وصنع ميكانزم سببي، أو"كفاية سببية"، تعمل على إلغاء أية غائية أو مقاصد من حقل تفسير الظواهر. وللوقوف على إبيستيمولوجيا هذا الخطاب سواء من جهة التعامل معه بحذر في عدم إدراجه كمكون في تدبير حقل التفسير والفهم، يقتضي البحث أولا في جذوره انطلاقا من التفكير الأريسطي بوصفه تفكيرا ساهم في تأطير وتحديد العلل الممكن الاشتغال فيها و/أو عليها بشكل صارم.

      2 -  مقاصد الشريعة ومقاصد الطبيعة

- "غائية" أم " مقاصد" ؟

    يمكن القول أن ما يميز فكرة الغائية التي تترجم عادة كلمة "Finalité"، عن فكرة المقاصد، هو أن هذه الأخيرة تقوم على اعتبار: المفاجئ واللايقيني واللامتوقع، وهي بذلك تتوخى عدم وضع فكرتها كإملاء لبرنامج ما؛ هكذا يمكن استدعاء استعارة لفظة "المقاصد"- في نظري- بدل استعارة لفظة "الغائية" وذلك لما يلي :

 أولا : تجاوز الترجمة القاصرة للفظ "finaliste" والتي لا تزيدها اللفظة المترجمة في كلمة "غائية" إلا غموضا، حيث تضارب تواجدها في شتى الحقول المعرفية - بين الخفاء والتجلي- يزيد من ازدحامها الدلالي، وهنا يمكن فهم ما أشار إليه " ألان رونو" من أن الفكر المعاصر ينبغي أن ينفتح بشكل أكبر على البلورة الكانطية لمفهوم "الغائية" بوصفها "Finalité sans fin"(5)، وذلك لأن هذه الأخيرة لا تضع حدودا وقواعد صارمة ينبغي بلوغها بأي وجه كان على حساب أنشطة زمنية أخرى؛ بعبارة أخرى تلتقي "غائية كانط" براهن التفكير المقاصدي المعاصر في كونها "غائية دون هدف" حيث تحديد البداية والنهاية دون اعتبار لما يجري بينهما؛ أي أن دلالة "fin" تصبح مرادفة لكلمة "but" أي هدف يمثل موضوع مرمى ما، وبالتالي، تتحدد كمعنى إجرائي صارم كالذي تمنحه إياه المقاربة السيكولوجية السلوكية الإشراطية، والتي برهنت على إخفاقها في سبر أغوار عالم الشغل والممارسة البيداغوجية... مرة أخرى نلتقي بإحدى مبررات مدخل الكفايات؛  

 ثانيا: إمكانية التفكير في إقامة تناظم ما لـ "الكفاية المقاصدية" في بعديها الطبيعي والبشري. بمعنى، إمكانية جعل المقاصد آلية لاشتغال ميكانيزم التناظم  Interdisciplinarité كاشتغال في راهن "إصلاح الفكر" ؛

ثالثا: إمكانية تدخلها كضابط لتأويل المعرفة، وليس كفاعل لتأسيسها؛ وذلك من خلال مقاربتها التركيبية التي تقوم على جدل " الكلي والجزئي"، حيث تلتقي المقاربة بالكفايات براهن روح هذا الجدل الأخير، والذي أخرج المعرفة راهنا من نفقها المسدود الذي أريد لها أن تتحرك في إطار جدل المثير والاستجابة؛ كما أخرج المعرفة الدينية هي الأخرى من مأزقها الذي كان من ورائه التكاثر المعرفي القياسي الفقهي الذي انحسر في "الأجزاء" ملقيا وراء ظهره الشق الثاني والأساسي من تفعيل جدل تلك الروح، أقصد:"الكليات" والنظر الكلي  للأمور(6).

رابعا: وضوح التمييز راهنا بين العلة الفاعلة- القانون العلمي-والغائية، نتيجة وضوح اشتغال المقاربة العلمية الكوسمولوجية والبيولوجية أساسا.

خامسا: فاعليتها التفسيرية في قضايا الإنسان سوسيولوجيّا، حيث إمكانية فهم النشاط الاجتماعي في استقلالية عن تلك الغايات الموجهة من طرف كل شخص؛ بمعنى، إمكانية دراسة النتائج الاجتماعية كمواضيع دون نزعها عن الأنشطة الشخصية (التيارات البنيوية والماركسية...).

سادسا: التصاق فكرة المقاصد في الشريعة بأفكار مثل: الاختيار والاختلاف(مراعاة الطبيعة البشرية)، التلقائية(منح دينامية للأفعال)، المرونة (المصالح المرسلة، رفع الحرج،...)، الخ.  

2.2 -  العلة بين القياس والمقاصد:

   يشكل مبحث "العلة" أو التعليل في الحقل الثقافي العربي أهمية كبيرة سواء من جهة التوسع في التأسيس لمفهومه باعتباره مناط الاجتهاد الذي يضمن للشريعة استمراريتها؛ أو من جهة ما تركه أو يتركه هذا المبحث من سجالات بين مناصريه ومناوئيه. وبالتالي، سوف لن نتناول هذه المسألة التعليلية من هذين المنظورين، فالكتب والدراسات طافحة بهذا المجال سواء القديم منها أو الحديث. إذن، ما يهمنا من هذا كله هو تسليط الضوء أكثر على قضية آفاق اشتغالهما، من حيث إمكانية اعتبار" مستقبل" لهما في فهم السياق المعرفي الراهن الذي بدأ وكأنه- في نظري- يلوح باستدعاء استعارات معرفية cognitives لا تبتعد إلى حد  ما، من تلك التي تم تداولها زمنا ما. الشيء الذي يطرح عدة تساؤلات اتجاه مدى "استمرارية" هذه الاستعارات المفهمية (القياس، التعليل) ومدى ضرورة إعادة قراءتهما وفق راهن الكشوفات العلمية خاصة تلك المرتبطة بالمجال المعرفي  cognitif .

   لنبدأ بالأسئلة التالية: لماذا تم انتقاد القياس إبيستيمولوجيا على أساس أنه سر جمود الإبداع العقلي العربي؟ لماذا - تحديدا- يرجع هذا الخلل للتعليل المرتبط بالقياس، بدل ذلك المرتبط بالمقاصد؟ بعبارة أخرى، لماذا يتم اختزال عمل القياس في "التأثير" وليس في "التقصيد" حتى يكون سؤالنا أكثر بداهة ووضوحا وبالتالي إجابة متضمنة للسؤالين؟ لماذا تتم قراءة العقل العربي قراءة أحادية في النظر إلى اشتغال العلم بوصفه "كفاية سببية" فقط دون الإلمام بالوجه الثاني له، أعني "الكفاية المقاصدية" (بالمعنى الواسع للعبارة) تلك التي تنفتح على اللامتوقع واللايقيني؟ أليس العلم راهنا تكشّف على أنه يثوي وراءه حقيقتين لا ثالث لهما: الحقيقة السببية والحقيقة الغائية أو المقاصدية؟.

  صحيح أن الهدر الذي مورس على النظر الكفائي السببي في تأسيس المعرفة في الثقافة العربية من شأنه أن يولد نقدا اتجاهه، وهذا دور النقد عموما؛ إلا أن الذي ينبغي- في نظري- ألا يهدر هو الآخر، ويتم على حساب التأسيس للأول؛ هو ضرورة استثمار فكرة "اللايقين" في العلم بالدرجة الذي يمثل بها العلم سببيا ونظاميا.

3. النظر الكفائي المقاصدي ورهانات الحداثة  

    يتضح من خلال هذا الكشف الدلالي، أن الطريق الملكي بالنسبة لتجديد الخطاب الديني، وبالتالي العمل على  ولوجه راهن المعرفة، يتجلى في ترهين المقاصد عبر مدخل النظر الكفائي المقاصدي باعتباره حاملا- بامتياز-لبذور المعرفة الملائمة، أو المهارة العالية، أو الكفاية العرضانية الممتدة، كما تم تشخيصها من طرف البحث السوسيولوجي الراهن (إ.موران، ف . بيرينو) . يتجلى ذلك وبكل وضوح  من خلال علاقتهما الإسنادية، الوظيفية و الغائية في الوقت ذاته :       كفاية                   مقاصد

وتوضح هذه الخطاطة التالية مدى ترابط تلك العلاقة المتبادلة أعلاه :

 

                                                  الكفاية

 

 


   

 

                  التربوية                                                المقاصدية

 

 

 


   أساسية                   نوعية         دنيا                                    قصوى  

 

    تتضح هذه التمفصلات النوعية بين الكفاية والمقاصد، من خلال اشتمالهما على نفس نسق الاشتغال في تدبير الكفايات في ارتباط هذه الأخيرة والغاية من تطوير واكتساب الشيء فيها؛ أي الوقوف على تلك الأساسية / الدنيا، والنوعية / القصوى؛ بعبارة أخرى، إمكانية الحديث عن " كفايات مقاصدية دنيا " وهي التي تتعلق بـ"الفرض العيني"، وتتحدد ككفايات أساسية، لا يمكن للمرء  في غيابها أن يحقق تقدما فيما هو من مستوى عال؛ في مقابل " كفايات مقاصدية قصوى" تتعلق طبعا، بمستوى عال من الأداء الحسن، والعمل النافع والصالح؛  وهي المتعلقة بـ"الفرض الكفائي المقاصدي" الذي أبرزه الإمام الشاطبي بقوة، وذلك في إطار جدل "الكلي والجزئي"(7) .

  وعليه، فـ"كفاية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر" مثلا،  مقاصديا، تندرج في لائحة الكفايات المقاصدية القصوى، باعتبار طبيعتها العرضانية و اقتضائها  الاستنفاري الوافر للموارد المعرفية / ressources cognitives( معارف/ connaissances، معارف/ savoirs، قدرة، معلومة،...)، في مقابل " كفاية الجنازة " مثلا، التي لا تتطلب حجم موارد الأولى، حيث ارتباطها أولا، بالعمل " الفردي" والذي ينصرف نحو المعهود الفقهي لقضية الكفاية؛ أي بتعبير الشاطبي " إقامة للأود العارض في الدين "(8) .

  بعبارة أخرى، تتحدد الكفاية المقاصدية القصوى، في قابلية تجددها مع تجدد العصر والتحولات الاجتماعية والاقتصادية والأخلاقية والمعرفية ؛ وهو ما يمنحها امتدادها التجددي باستمرار ؛ وهنا يمكن فهم تكرر هذا الفعل الكفائي ب " تكرر مصلحته" . بقول آخر، تحتاج الكفاية المقاصدية القصوى  لتدبيرها، أن يتم على مستوى وجيهات نمطية، والتي تعرفها بنية الكفاية أصلا ؛ أي من حيث تفعيل كل من الوجيه المعرفي / Facette cognitive ( حيث يتم من خلاله معيرة المعارف و التمشيات التي ينبغي تحريكها أو تأسيسها)، والوجيه التحويلي / F. de transfert (التي بموجبها تحيل على إمكانية القدرة على إعادة معرفة الوضعيات بالنسبة لمدى ملاءمة  تلك المعارف و التمشيات)، والوجيه السوسيووجداني / F.soscioaffective (الذي يدفع المرء للانخراط في المهمة مضفيا عليها صبغة وجدانية وعاطفية ودينية) ؛ وتفعيل هذه الوجيهات بشكل ملائم والوضعية المطلوبة، يتطلب درجة كبيرة من التحكم في الموارد المعرفية . أما الفعل " الكفائي الجنائزي " مثلا، فهو لا يحتاج إلى هذه المتطلبات الأخيرة في تدبير الكفاية، بل يشتغل في دائرة محدودة جدا من ذلك التفاعل بين تلك الوجيهات الثلاث ؛ ولذلك لا يتجدد هذا الفعل الكفائي، بالشكل الذي يتجدد فيه الفعل الأول، وذلك نظرا لخلو مكوناته الكفائية من دينامية التجدد، في مقابل تلك التي مثلا، لـ "لأمر بالمعروف والنهي عن المنكر"، كما أبرزها الخطاب الديني المقاصدي ؛ حيث نجد ابن تيمية مثلا، يخصص رسالة كاملة لـ " كفاية " الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ؛ وهي رسالة جديرة بالتأمل والقراءة التأويلية المتجددة في إطار راهن المعرفة الملائمة طبعا.  

  تكمن إذن، أهمية الكفاية الممتدة عموما في كونها " لا تكوّن فقط التمشيات الأساسية للفكر، متحولة من مجال لآخر ؛ ولكن لشمولها كذلك للتفاعلات الاجتماعية – المعرفية، والوجدانية - الثقافية وكذا الحقيقة التي تحيط بالشخص؛ أي بالتالي، ليس تعلقها بما هو مهاري معرفي وتطبيقي فحسب، وإنما كذلك بما هو متعلق بمعرفة كيفية التواجد  savoir-etre، ومعرفة كيفية التشارك والتفاهم والتعايش/ savoir- devenir المنفتحة أساسا على ما هو لا يقيني .

ها هنا إذن، يلتقي النظر الكفائي المقاصدي برهانات المقاربة بالكفايات (9)، سواء في الشغل أو التربية والتكوين، وذلك في:

1.                رهان المعنى : 

    ذلك أن التفكير في إشكالية المعنى في الغالب، يبدأ عندما يفقد خطاب ما  ترابطه وتماسكه الناظم الذي يمكّنه من مواكبة التحولات المعرفية ؛ تلك المواكبة التأسيسية التناظمية، لا تلك   التأزيمية . أي بعبارة أخرى، في شعور المرء  بكون ما يمارسه ( كيفما كانت طبيعة هذه الممارسة )، لا يتيح له إمكانية مواجهة الصعاب الحقيقية التي تواجهه، والتي يفرضها بتحدّ المحيط الذي يعيش فيه . وعليه، لإقلاع هذا التحدي الأخير ينبغي جعل الخطاب المتحدّى، يتمفصل مع أسئلة ذات اهتمام ملموس ومعلوم ؛ بمعنى، منح هذا الخطاب تحكما حقيقيا للعالم .

2.                رهان الذكاء :

   إن اعتبار تصور الذكاء ملكة لحل المشاكل، يلتقي ببعض الأبحاث حول " الموارد البشرية "، التي تسجل أهمية تعلم " مواجهة / Faire face " أحداث غير متوقعة، في مسار عمل ما. حيث بالنسبة لهؤلاء الباحثين لا يمثل العمل الجيد فقط، ثمرة ميزة spécialisation، أو تأهيل متقدم ؛ وإنما يفترض أيضا، ما يطلقون عليه، بـ"الذكاء الوضعياتي"، الذي يهم تعبئة موارد معرفية من إدماج لمحتويات، معارف، قدرات،الخ، في علاقتها بالظروف . وعليه،  فأن تكون كفءا؛ يعني أن تكون قادرا على تفعيل هذا الذكاء الأخير .

3.                رهان الأخلاق  Ethique :

 إنه كذلك، وكما هو في حضور مشروع بيداغوجي، يتم كذلك بالنسبة للمشروع الديني بوصفه مشروعا يتجه نحو المجتمع المحلي والكوني معا،  يمكن الحديث عن تبيئة "النظر الكفائي" ؛ فالسؤال الذي يمكن طرحه باستمرار كذلك، هو: أية كفايات يمكن أن تكون ضرورية، ولماذا ؟ ما الشخصية التي نريد تكوينها؟ غنية بأية قيم؟، هكذا ينبغي العمل على أساسين أخلاقيين :

أ -  جعل التربية والتكوين في خدمة تنمية الشخصية الإنسانية، الاجتماعية(المحلية والكونية) ؛

ب – العمل على تمفصل الأخلاق بـ" حسن الأداء / savoir-faire " أو "أخلاق المصلحة" بالمعنى المقاصدي للعبارة.

4.                رهان التناظم Interdisciplinarité:

   إنه كذلك وفي إطار إعادة النظر في قضية العلاقة بالمعرفة كنتيجة لإعادة النظر في قضية الذكاء، حيث بموجبه أصبحت المعارف مجرد "موارد" للتعبئة والتحويل، مواجهة وإكراهات مفاجآت اللايقين، يتم الشروع في التفكير راهنا في آلية التناظم كمدخل لإصلاح الفكر معرفيا وأخلاقيا. 

هكذا إذن، نقف على بعض من رهانات الحداثة اتجاه "النظر الكفائي" عموما، و"النظر الكفائي المقاصدي" بوجه خاص، بوصفه مدخلا فاعلا إيجابيا في التجاوب وهذه الرهانات المرتبطة براهن الحداثة، حيث ضرورة وضعها في قلب تجديد الخطاب الديني تربويا، ضمن أهداف تكوين شخصيات ما وذلك من خلال:

-                     العمل على تفعيل نقل فعلي للنظر الكفائي ( كفايات ثقافية، وطنية، كونية )؛

-                     العمل على تقصيد هذه الكفايات، مانحين إياها تحكمات حقيقية حول الفهم والاستيعاب للعالم الاجتماعي، المحلي والكوني؛

-                     التفكير في الرهانات الأخلاقية التي تتيحها هذه الكفايات من خلال هذه الأهداف، حيث  تفعيل رهان التناظم يبدو المؤهل لتفعيل المعرفة الملائمة، بما هي "حسن- أداء"، أو"حسن- عمل" أي، بما هي "عمل صالح" من زاوية النظر الكفائي المقاصدي .   وهنا كذلك، يمكن فهم ذلك الاضطراب الناشئ من تأويل قاعدة "الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر" أصوليا ؛ حيث يتم التعامل مع هذه الأخيرة بمنطق الثبات للوضيعات والسياقات التي طبقت فيها نفس القاعدة بالوضعية الأصلية؛ وبالتالي، يتم إهدار عنصر التجدد الثاوي فيها، نظرا لازدياد درجة امتداديتها بتجدد الوضعيات والسياقات، أو ما لا يتناهى من الأحداث والوقائع .    

 

الهوامش   

    

1 -  Lévy-Lebland J.-M., « Ce que n’explique pas la physique » inLa Recherche n°349 Janvier 2002.    

2 -  Jacob F., La logique du vivant, Gallimard,1970.

3 -  Besnier J-M., « Tout se passe comme si … »,in, Sciences et avenir, Hors-Série Octobre/Novembre, 2000.(Dossier : La finalité dans les sciences).

 

4 -  Monod J., Le Hazard et La nécessité, Seuil , 1970.

 


5 -  Renaut A., Kant aujourd’hui, Flamarion, coll. « champs », 1997.

6 -  للاطلاع على هذه النقلة الإبيستيمولوجية التي دشنها الشاطبي في الفكر الأصولي البياني العربي؛ يراجع مثلا:محمد عابد الجابري، بنية العقل العربي،المركز الثقافي العربي، الطبعة الثانية 1991، ص:517-527

7- راجع مقالنا؛ "الكفاية المقاصدية كآلية لتطوير الشرط الإنساني" مجلة فكر ونقد، العدد 68، أبريل 2005 .

8 -  الشاطبي، الموافقات، دار الكتب العلمية، بيروت (د.ت) ج/1 ص:114 .

9 -  انظر؛ عمر بيشو، " في أسس المقاربة بالكفايات"، مجلة علوم التربية، العدد 30 شتنبر 2006 .