ص1

 

الجسد بين اللغة وآليات الضبط والإخضاع

                                                بحـاج عسـو

الجسد هو الوجه الفيزيقي للإنسان، الذي يشترك فيه مع سائر الكائنات الحيوانية الأخرى، بل هو علامة على تحقق الإدراك بالوجود، وعنوان بارز على التشبت بالحياة، بقيمها ورغباتها، ملاذها وآلامها، لذا يسعى بشكل حثيث ومثابر نح وتجنب الألم وتحقيق أكبر قدر ممكن من اللذة والسعادة.

يتميز الجسد بقدر كبير من الحيوية والنشاط تجعله ميالا إلى التحرر و"الفوضى" فتتدخل مجموعة القوى المعرفية والاجتماعية... لتمارس عليه صنوفا متعددة من العنف المادي أو الرمزي لتحد من قدرته على التعبير والانتشار.

لكنه هو بدوره لا يقف هكذا مستسلما أمام هذا المنع والقهر، فله طرقه الخاصة في التعبير والتواصل، رموز وإيماءات تعبيرية مخادعة تكسر جدار الصمت هذا، وتدق باب الطرشان !

يحاول خلف لغة تضم نسيجا من الاستعارات الحبلى بالدلالات والراغبة في تكسير الأغلال وتخطي الحدود، لغة تقاوم لغتنا المدجنة هاته التي تغوص في مستنقع من البؤر السوداء[1]، تحيط بالجسد وتكبح رغباته.

يلزمنا الإنصات بحذر شديد الى موسيقى الجسد وإلى لهيب الحياة، لأنه كما يقول الدكتور عبد الكريم الخطيبي: " لا يمكننا أن نتمثل جسمنا كمدرك أو مجموعات مدركات بل كصورة وإيقاع للحياة  يجسدهما الفكر والفن[2]" بمعنى أن نعمل دائما على الاستغوار لاكتشاف أسرار الجسد التي لا تنضب، لأن ما نعرفه عنه لا يعدو وأن يكون مجرد تمثلات. وسبيلنا في البحث والاستكشاف الفن بشتى ألوانه والفكر الذي يثير الإشكالات والأسئلة الأكثر عمقا، التي تزرع بدور الاختلاف وتفند الإجماع الواهم.

لكن يا ترى ما هي هذه المؤسسات التي تسعى إلى صنع آليات ضبط الجسد؟

لقد شكل جسد الإنسان عبر التاريخ محط اهتمام بالغ من قبل المؤسسات التي نشأت داخل رحم المجتمع البشري والتي أعطت لنفسها حق ترويض هذا الكائن الحيوي الميال – في نظرها – إلى " الفوضى" أو على الأقل محاولة الحد من جموحه.

ليس بالأمر الهين أن نتبع تاريخ تطور الجسد  منذ اليونان – على الأقل- خصوصا مع بداية تشكل الخطاب الفلسفي المرتبط أساسا بالميتافيزقيا، هذه الأخيرة التي  لا تؤسس صرحها  إلا على أنقاض إعدام الجسد[3] وكل ما يؤشر عليه من علامات دالة.

فتاريخ الفلسفة حسب نيتشه Neitche  هوتاريخ إقبار للجسد وعدم الاكتراث بما يحيل عليه، لذا يدعوالخطاب الجينالوجي الى محاولة الإنصات[4] الى الجسد والولوج الى أعماقه، وتحليل مجموع الآليات التي تعمل على الحد من نشاطه.

لقد حاول Michel  Foucault  إبراز هذه الآليات التي اتبعتها مؤسسات السلطة لتقنين وضبط نشاط الجسد سواء على مستوى الخطاب أو على مستوى الفعل من خلال الزج القسري[5] به في مجموعة من المؤسسات الاجتماعية على اعتبار أنه هناك تواطؤ مسبق بين إدارتي المعرفة والسلطة[6] لغرض ضبط الجسد وترويضه للزيادة في الإنتاج، كل هذه المؤسسات كانت في نظره وسائط لإخضاع الجسد.

بالطبع لن نستطيع الإدعاء الإحاطة بالموضوع من كل جوانبه، وكذا رصد كل المؤسسات المتدخلة في ترويض الجسد وضبط ميكانزماته، لكننا سنقتصر على رصد مساءلة أهمها:

الأسرة:

مؤسسة اجتماعية قديمة جدا، في إطار التطور للإنسانية، حافظ المجتمع الصناعي عليها بشكلها الناتج عن الزواج الذي يعقد بين الرجل والمرأة بصفة دائمة، لما تضمنه من استقرار اجتماعي، وإنتاجيه اقتصادية أفضل: " الأسرة ... نواة لإعادة الإنتاج البيولوجي ومدونة ثقافية تتشكل فيها تربيتنا، و" خلية" اجتماعية تشكل جزءا من مجموع أوسع[7]"، إذن فهي المكان المناسب لاستمرار النوع البشري والمرتع الخصب الذي يتم تمرير قيم وثقافة لمجتمع من جيل الى جيل.

كما تعد هذه المؤسسة الصغيرة مكانا لائقا لتقنين الممارسة الجنسية بشكل يتوافق  مع بنية المجتمع الاقتصادية ولا يخل بشروطها[8]. دون مراعاة لرغبات الأفراد وميولاتهم، وبل وتسعى جاهدة الحد من هذه الدوافع والرغبات وقمعها لصنع الأفضل ! ولوعلى حساب حرية الإنسان وسعادنه المتمثلة في تحصيل مزيد من اللذة وتجنب الألم الذي يسبب له التعاسة والشقاء.

المدرسة:

مؤسسة اجتماعية حديثة تعمل على ترويض  dressage الطفل، وجعله قادرا على مواجهة متطلبات الحياة، أي تقوم بفعل زرع الجوانب الحضارية والثقافية فيه وتغليبها على الميولات الطبيعية الحيوية التي يتم إخصاؤها  بشكل قسري

إن هذه المؤسسة كفضاء للتنشئة الاجتماعية وتمرير القيم الحضارية، حيث أن الحضارة حسب ماركوز[9] تعمل على الحد من الدوافع ورغبات الجسد وقمعها – أي العمل على الحد من حريته- للزيادة بشكل أمثل في إنتاج الخيرات، ولصنع الأفضل كما ترى هي ! ولو على حساب حرية الإنسان وسعادته التي تشكل بدءا من تحصيل اللذة وتجنب الألم – كما سبقت الإشارة-

ان هذه المؤسسة تعمل جاهدة على تمرير خطاب يخضع إنتاجه في كل مجتمع لجملة من الإجراءات الوقائية[10] التي تعمل على تهذيب لغته والحد من مخاطر سلطته، وأيضا العمل على الحد من علاماته المفرطة في الدلالة من جهة ومن جهة أخرى من وقعه الحاد على المتلقي.

وبممارسته المنع على مجموعة من المواضيع ومن بينها الجنس[11]، مما يجعل هذا الأخير يكتسي حلة من التعالي والغموض التي تجعل منه "طابو" يصعب الإطلاع عليه وممارسته كشأن عادي.

المصنع:

إن هذه المؤسسة الاقتصادية ساهمت بشكل مذهل في التقدم الحضاري الذي تعرفه الإنسانية اليوم، ولقد سنت البورجوازية مجموعة من التدابير الوقائية للحد من حرية العمال في إطار حملة تروم ضبط جسد العامل وانضباطه بشكل آلي مع جدول العمل اليومي وتحقيق خضوعه للآلة بغرض الوصول لإنتاجية قصوى تعطي أرباحا طائلة !

هذه الروزمانة من " الأخلاق البورجوازية" – على حد تعبير فوكو- ساهمت في وضع جملة من الضوابط : "ما تريد ترسيخه باعتباره "استقامة" أي إيجاد هيكل عمالي مركز، مثابر متطابق مع وقت الإنتاج، يبدل الجهد المطلوب بالضبط[12]"

وتتجلى هذه الضوابط في : الانضباط لأوقات العمل، المواظبة، السلوك، النشاط والهمة في العمل... وهذا ما يدل على أن العامل يخضع حياته لنظام صارم جدا، فيبتعد عن السهو وكل يجعله يخل بأوقات العمل ، ف : " التخلي عن الدوافع وقمعها يصبحان من البداية هما الشرطين الأساسيين لكل العمل الشاق الذي تتطلبه الإحاطات والتخليات  وهو العمل الذي يجعل التقدم الحضاري ممكنا بصورة عامة على هيئة طاقة دافعة معدلة تعديلا قمعيا[13]"

فالجسد من هذا المنطلق طاقة يتم تسخيرها لخدمة الإنتاج وصنع الحضارة.

هذه الآليات التي تمارس الرقابة والإخضاع ساهمت في ظهور نتيجتين هامتين تدخلان في تكوين ما يسمى بالفردانية:

أولاهما: بروز الجسد كرأسمال يتم توظيفه واستثماره في الإنتاج وجلب الربح في المصنع، الإعلام، الفن ...

ثانيهما: ظهور الجسد كموضوع للاستهلاك أو "الجسد النرجسي": الصورة (الإشهار – الموضة...)، الفن ، الجنس...

لقد أصبح الجسد في المجتمع الرأسمالي الحديث، ملكا لصاحبه، " كمادة خامé قابل للاستثمار، خصوصا جسد المرأة الذي يستثمر بقوة في مجالات الموضة والإشهار والاستعراض بشتى ألوانه على المجلات المتخصصة سواء كانت مكتوبة أم متلفزة، بشكل يذر أموالا طائلة على أرباب وسائل الإعلام، ومبيعات مساحيق التجميل والمصحات والأغذية الخاصة يالحمية والنحافة ومحلات الملابس والإكسسوار...

كل هذا في ظل خطاب إعلامي مزدوج اللغة، فهويساهم من جهة في رد الإعتبار للجسد المهمل على مر العصور.

فشعار الحداثة هو أن على كل امرأة أن تسكن جسدها أو بتعبير نيتشة أن تنصت إلى موسيقى ( رنة) الجسد، أي مساعدة المرأة على امتلاك جسدها.

ومن جهة أخرى الترويج لخطاب استيلابي جديد شعاره ذر الأرباح الطائلة للرأسمالية.

وأنت تزور كشكا لبيع الجرائد والمجلات أو موقعا على الانترنيت أ وقناة  تلفزية، لا بد أو أن يثير انتباهك الحجم الكبير  الذي تحتله البرامج أو المجلات الخاصة بالمرأة، وكل ما يتصل بالموضة والإشهار عند الرجال، مما يفسر الأهمية القصوى التي يوليها المجتمع المعاصر للجسد وأناقته.

في ظل بناء قيم جديدة خاصة بهذا الأخير فهل بدأت بالفعل عصر المصالحة مع الجسد، أم هذا استعباد جيد له، من خلال ربطه مباشرة بمنظومة الإنتاج  والاستهلاك؟

الجسد واللغة:

يرتبط الجسد كواقعة ثقافية أشد الارتباط باللغة، بشتى ألوانها ( كلام، حركات، رقص...) فهي التي تمكنه من التعبير عما يحس به ويفكر فيه.

إلا أن اللغة  - خصوصا الكلام- لا تطاوع الجنسين بنفس الكيفية والسهولة المطلوبة أثناء استدعاء الكلمات، هاته الأخيرة التي أنتجت في سياق ثقافي عرف هيمنة الذكور لا تحيل إلى نفس المعنى عند استعمالها من قبل الرجل والمرأة.

فالجسد " الثقافي" للمرأة يقيد اللغة التي تستعملها - خصوصا عندنا- فهي ملزمة دائما بالتوضيح أو الصمت، وإلا كان كلامها مثار تأويل مغرض، فكل ما تتفوه به المرأة أو تكتبه تشتد عليه الرقابة على اعتبار أنها : بضاعة chose تابعة لمملكة الرجل، فحتى ما نسمعه في السينما المصرية خصوصا من أن البيت مملكة المرأة، فهولا يعدو وأن يكون مجرد "ماكياج" يغطي وجه الواقع المغشوش !

وهكذا ترى ماري كاردينال: " إذا كتبت امرأة... كلمة حرية وجب عليها توضيح مرادها من هذه الكلمة إذا كانت لا ترغب في أن يلتبس مفهوم الحرية بمفهوم الإباحية[14]" فالمرأة التي تطالب بممارسة حقوقها كاملة، غالبا ما يؤول هذا عندنا – بالرغبة في اللهو والتمرد... هناك ارتباط وثيق الصلة، قد يصل حد الجدل، بين جسد المرأة الذي لا يرى فيه غالبا إلا مناطقه الحساسة وبين المعجم المتداول والذي غاليا ما يقرأ على أساس: الرغبة واللذة.

فاللغة لا تسعف النساء غالبا على التعبير بشكل طليق، فلغة العري التي تجوز للذكور تحرم على النساء ! فالفوارق اللغوية بين الجنسين مصدرها ثقافي لا دخل فيه للطبيعة[15].

فالنساء كما ترى ماري كاردينال لا يجدن في اللغة ما يعبرن به عن كل يودن التحدث عنه: " إن أفضل وسيلة للبرهنة على أن مفردات [ كثيرة] تعوزنا وأن اللغة الفرنسية لم توجد من أجل النساء، هي النزول إلى أسفل جسدنا والتعبير عن اللامعبر عنه واستعمال المعجم، كما هو، من غير تورية ولا تعديل.

آنئذ سيتضح وسيضحى من البديهي أن هناك أشياء لا يمكننا ترجمتها إلى كلمات، فكيف نعبر عن الفرج والحمل المعيش والزمن ومدة عادة النساء الشهرية[16].

إذن فاللغة على امتداد التاريخ الذي تشكلت فيه، وبما في ذلك اللغات التي تعرضت للتحديث بشكل عنيف – كالفرنسية- لا زالت تحمل الطابع الذكوري للذين تواطئوا على وضعها[17].

المساواة والاختلاف والتعدد في لغة المرأة:

إن لغة الجسد عند المرأة متعددة التعابير، فهي تشترك مع الرجل في الكلام والكتابة والموسيقى... إلا أنها تتفوق عليه التعابير الجسدية، فهي أمهر في استعمال جسدها للتعبير من خلال طريقة اللباس، والرقص، وباقي الإيماءات والحركات فهي أبرع في استخدام اللغة المباشرة للجسد[18].

تتمسك أغلب الحركات النسائية في العلم في نفس الآن بحق الاختلاف والتمايز (الخصوصية) والمساواة بمعنى الوقوف ضد الهيمنة والذوبان ضمن صنف الذكور، هذا الاحتجاج كما ترى Maria y "يجب أن يثار كقضية ثقافية" بمعنى إرجاع المسألة إلى الطبيعة، لن تكون إلا كرد فعل ضد احتفالية الرجل بجسده، وإرجاع تفوقه على مستويات المعرفة والسلطة إلى منابع طبيعية.

فالمساواة والاختلاف من القضايا التي أصبحت مثار اهتمام حقوقي عالمي ليس فقط فيما يخص هوية الجسد، بل يمس شتى ألوان الهويات ثقافية، لغوية وطبقية... فالمطلوب كما تقول  Maria y في كتابها les mots et les femmes : " تنمية الهامشية إلى الحد الذي يحتل فيه الهامش نصف الصفحة، وهو مطلب لا يزال بعيد المنال[19]"

 

المراجع

 

 



[1] Michel Faucoult, l’ordre du discours. Ed Gallimard

[2] عبد الكريم الخطيبي: الجسد بين الصورة و الدليل ص : 65 . ندوة حول الجسد و الفلسفة . مجلة الحياة الثقافية، تونس  العدد 66/ 1993

[3] يقول نيتشه: " تحارب الكنيسة الهوى بإخضائه... و الأكيد ان ضرب الهوى في جذوره إعدام للحياة بأتمها

Neitzche, Grepuscule des idoles, Hatier 1983 p : 81

[4]  أنظر محمد الأندلسي: نيتشة و سياسة الأسلوب الأدبي في الفلسفة: مدارات فلسفية العدد 12/ 2005 الرباط المغرب

[5]  أنظر: ميشال فوكو: المجتمع التأديبي، درس ألقي عام 1972/1973 ضمن دروس ميشال فوكو: ترجمة محمد ميلاد ، الطبعة الأولى 1994

[6]  إرادة المعرفة. ضمن المرجع السابق

[7]  دفاتر فلسفية : الطبيعة و الثقافة. إعداد و ترجمة سبيلا و عبد السلام بنعبد العالي دار توبقال للنشر . الطبعة الثانية 1996 ص 14

[8]  يقول  فرويد : " و نحن نعلم جيدا أن الحضارة ... مكرهة على أن تتقطع من الحياة الجنسية مقدار غير قليل من الطاقة النفسية لكي تستخدمه لأغراضها" أنظر: قلق في الحضارة. ترجمة جورج طرابيشي، دار الطليعة بيروت 1977 ص: 60

[9]   " التخلي عن الدوافع و قمعها يصبحان منذ البداية هما الشرطين الأساسيين لكل العمل الشاق الذي تتطلبه الإحباطات و التخليات و هو العمل الذي يجعل التقدم الحضاري ممكنا بصورة عامة على هيئة طاقة دافعة معدلة تعديلا قمعيا" ماركوز

[10]- voir  Michel Faucoult, l’ordre du discours, Ed . Gallimard

[11] - voir Ibid

[12]  " المجتمع  التأديبي" ضمن دروس ميشال فوكو، مرجع سابق

[13]  " تحويل الجنس إلى عمل هو أساس الحضارة" ماركوز، ضمن دفاتر فلسفية ( الطبيعة و الثقافة) مرجع سابق.

[14]  نقلا عن مجلة علامات ( المغربية) عدد 24/2005 ص : 120

[15] -voir : Marina yaguello, les mots et les femmes, petite Bibliothèque Payot 2002

[16]  نقلا عن علامات . ص : 119

[17] - voir : Simon  D.P . ophir 1976 p : 132

[18] - voir : Françoise . C. Polyssons, grif 1 p.p : 7-8

[19] نقلا عن : علامات ص: 123