ص1       الفهرس  81-90

 

احتفاء  بـالمجموعة القصصية

للأستاذ  محمد الشارخ

 

عبد الصمد بلكبير

في مدينة الصويرة، المدينة الساحلية على6- قـانـا الأطلسي في المغرب. الساحرة والصاعدة ثقافيا وسياحيا. التأم جمع ثلة من المتثقفين والنقاد والأساتذة الجامعيين والصحفيين... من المشرق والمغرب العربيين. احتفاءا بالمولود الذي تأخر عن موعده. المجموعة القصصية "عشر قصص" وتكريما لصاحبها القدير والعريق في الميدان. غير أنه المتردد في إصدارها رغم إلحاح قرائه وأصدقائه من الصحفيين والنقاد. نقصد الأستاذ الخليجي (الكويت) محمد الشارخ المعروف في ميدان مجهوداته لتطوير وملاءمة اللغة العربية بتقنيات الاتصال والإعلام المعاصرين وذلك من خلال مؤسسته الرائدة "صخر".

هكذا وبدعوة من جمعيتين: محلية (أركانة) وجهوية (اتحاد كتاب المغرب) وخلال أكثر من خمس ساعات وخمسة عشر متدخلا. نجح اللقاء في تحقيق الهدف منه. إلا وهو التعريف بباكورة الأستاذ الشارخ القصصية. والتداول حول منجزها الإبداعي ومقارنته بمثيلاتها المعاصرات لها عربيا وربما أيضا عالميا والبحث في خصوصياتها وتقنياتها التعبيرية وجماليات أسلوبها وتميز شخصياتها وأحداثها... تراوحت التدخلات بين النقد الأدبي الشامل للمجموعة ومن خلال منطلقات أكاديمية صرف (ذ. صبري حافظ من مصر) وقد كانت محاضرته فاتحة المداخلات. وإطارها المحدد والموجه. وكانت مناسبة التقى فيها جمهور الصويرة لأول مرة بهذا الناقد العربي المتميز والرائد. ومداخلات أخرى مختصة. انطبعت غالبا بالطابع الفلسفي الأخلاقي المعاصر (بومسهولي) أو النفسي (أوزال) أو التقني ... إلخ.

وأيضا فقد تخلل ذلك مداخلات أخرى كانت عبارة عن شهادات وانطباعات نقدية. أهم ذلك كانت للأستاذ الناقد والصحافي المعروف (سامي خشبة من مصر والروائي المغربي الواعد (بهاء الدين الطور) والصحفي (ع. الصمد الكباص)... وذلك فضلا عن كلمة التقديم التي ألقاها  د.عبد الصمد بلكبير الذي ترأس اللقاء/

فتح الباب للأسئلة ومداخلات أو ملاحظات الجمهور. وكانت عموما في نفس مستوى المداخلات والحدث. مسك الختام في هذه الفقرة. كانت كلمة الأستاذ الشارخ. والذي فضل أن يكون "تعقيبه" عبارة عن قراءة لآخر قصة قصيرة كتبها.

وكما بدأ اللقاء بكلمات الترحيب من قبل الهيئات المنظمة انتهى بكلمات الشكر للجميع. محاضرين ومنظمين وصحفيين وجمهورا مشاركا ومتفاعلا  .

ع. ب / الصويرة، 25 أغسطس 2006

***

من هذه المجموعة نقتبس القصة التالية:

 

قـانـا

 

حانقًا صحا من نومه نبيل أحمد المعروف في المدرسة والحي وبين الأقارب بتوم كروز. اليوم امتحان البكالوريا والبارحة لانقطاع الكهرباء لم يستطع أن يراجع الكتاب، ظل بعد منتصف الليل يجول في نصف الشقة المتبقي بعد القصف يتذكر صفحات كتاب الكيمياء صفحة صفحة سطرًا سطرًا كلمة بعد كلمة ورسمًا أو معادلة، لكنه لم يكن متأكدًا تمامًا من استعداده للامتحان والتفوق. حانقًا يفضل لو اشتعلت الكهرباء. دائمًا الأول في الفصل ما عدا الثالثة متوسط، حيث كان الثالث لا لسبب معين. ونجلاء أخته التي ماتت مع أبيه وأمه في الغارة على كنيسة الأمم المتحدة لم تكن الأولى في الفصل لكنها كانت دومًا متفوقة. وكانت تعرف أنه أشطر منها وتلجأ إليه رغم المشاكسات والعراك وتبادل اللكزات والاستفزاز. تلجأ إليه، أخوها، أكبر بسنتين، أشطر في الدراسة، البنات يتوددن إليه وينأين عن إغضابه، ولأنه ولد وهي بنت. في السرير يبحلق بالسقف وينظر ناحية اليمين، ناحية الشباك وتحته سرير عليه فراش كانت تنام عليه نجلاء. الجدة مريم، سمعها مبكرًا تقوم تتوضأ وتصلي الفجر. تعود لفراشها بأنامل قدميها الصغيرتين كي لا يصحو وهو يسمع خطوها وجلوسها شديد الهدوء على السرير. تمددها ثم استدارتها نحو اليمين، نحو الشباك حتى لا توقظه حركتها. وهنا كانت نجلاء معه في الغرفة لا يبقى موضوع أو شخص أو مدرس أو صديق أو نكتة سخيفة أو مضحكة وشاية نميمة أو مغازلة في المدرسة أو في المقهى إلا ويتبادلانها قبل النوم. وتلك الجملة "لا أريد أن أموت" تلوك في فمه منذ اختفاء عماد وخليل. ستسأله الجدة حين يقوم عن الحليب "هل وصل". وكما في كل يوم سيكون وصل رغم صعوبة ركوب الدرج بعد أن شطرت عمارتهم قنبلة إلى شطرين: غرفته والمطبخ والحمام والممر الموصل للدرج، ما زالت شبه سليمة، وغرفة الوالدين والصالون وصالة الطعام والحمام الكبير تهدمت أو زالت تمامًا. ما السر في هذه القنابل لا تدمر البيوت كاملة بل تُبقي دائمًا غرفة أو غرفتين ربما لتزيد في إذلال الأحياء المتبقين بعد القصف. ربما للسخرية منهم ومن مصيرهم. ما السر في هذه القنابل التي تقتل نجلاء وأبوه وأمه وتترك جدته العجوز. وتتركه هو. لماذا تتركه هو. وتقطع عنه الكهرباء حتى لا يدرس ليلة الامتحان النهائي. والحليب يبعث به العميد محسن. العميد محسن من العائلة، ليس قريبًا لكنه الأصلع المربوع الشديد الأناقة بالشارب الأشقر والفم الصغير الحاد الشفتين. مسؤول مركز الشرطة ومدير التحقيقات. مهمته صعبة خاصة لوجود كتيبة الأمم المتحدة. وحدة حفظ السلام على الحدود من جانب واحد. الطائرات تقصف بالليزر والنابالم ولا من سأل أو منع. وخليل صديقه وابن عمه عماد لم يعودا من وادي المقاومة قبل أسبوعين. احتجزوهم جنود الأمم المتحدة وسلموهم. في الأمم المتحدة: "قتل امرئ في حانة جريمة لا تغتفر وقتل شعب كامل مسألة فيها نظر". قتلنا نحن. دماء نجلاء وأمي وأبي. إرهابيون نجلاء وأمي وأبي. يقوم توم كروز مسرعًا ينظر ناحية الجدة المتقرفصة في السرير. كومة حنان وعظام وعجز. الحمام كما في كل يوم. مشط الشعر في مكانه. معجون الأسنان. ماء بارد وصابون على وجهه يمسحه بسرعة ويرفع رأسه نحو الشباك. نحو الهواء البارد. يحمل كتبه ويرفع خصلة شعره عن جبينه. مثل توم كروز وكما في كل يوم نظر إلى صورة أبيه وأمه في ملابس الزفاف معلقة فوق بواقي مقاعد الصالون بجانب غطاء القنبلة النحاسي المثمن الذي أودى بحياتهما. وكانت صورة أخته نجلاء في إطار خشبي أخضر. وعند الدرج زجاجة الحليب يهمّ يرفسها بقدمه ويعود عن فكرته. ماذا يريد العميد، محسن يتكفل بمصروف البقال ويقول له "أنا مثل أبوك". وأبوه ذهب وتركه. أبوه ترك له نصف البيت وجدته وطائرات بعضها بدون طيار تقصف متى شاءت لأسباب لا تحصى. وهو لا يريد أن يموت. حتى بعد موت نجلاء لا يريد الموت. لم يحمه أبوه ولا يعرف لماذا أتى به إلى هذه الدنيا وهو لا يستطيع أن يحميه. ينطلق، يعدو الدرج والكتب تحت إبطه درجين.. ثلاثة، وفي الشارع يقف بوجهه يتنسم الهواء. يحتاج نصف ساعة تقريبًا للوصول إلى المدرسة، وبعد الامتحان، في الثانية عشرة والنصف الموعدُ في ماكدونالدز مع عزيز وسلمان والأخبار عن خليل وعماد.

حين رآه البقال مقبلاً خرج من باب الكانتين الجانبي وبادره "العميد يسأل عنك. يريد أن تمر عليه"، ابتسم توم كروز وطلب حليبًا بالليمون. سلمه البقال علبة وأخبره "سمعتُ أخبارًا طيبة لقد وعدوه بمكتب السيد الحريري أن يعطوك بعثة لكندا" الكتب تحت إبطه وهواء خريفي منعش يتخلل مناخيره إلى رئتيه وصدره. لا يريد أن يموت. والجدة ماذا عنها؟ ونصف البيت من سيعيد بناءه؟ وها هي. هي هي. المجنونة الشعثاء العجوز ها هي تمشي وتثرثر من رصيف لآخر وتهز عصاها الطويلة بيدها. عصاها طويلة ورأسها غليظ. ما أن رآها البقال حتى اندفع ثانية من باب الكانتين الجانبي واتجه نحو توم كروز "ابتعد عنها.. ابتعد عن الشارع... دعها لا تراك... لا نريد مشاكل. اذهب للامتحان" وهو يحيط بتوم كروز الذي يشرب الحليب بالليمون وكتبه تحت إبطه وهي رأته من بعيد، من الرصيف الآخر والسماء تزخر بالغيوم خفيف بعضها وبعضها كثيف. غيوم رمادية وبعضها أسود. ثوبها أسود طويل تلف رأسها بوشاح طويل ووجها المغبر. كيف لم تقصفها الطائرات. هذه العجوز. رأته وأخذت تنط كالقرود. تضرب بالعصا أرض الرصيف وتدور عليها. ترقص كالدراويش وتقفز مثل القرود وتضع العصا على كتفها وتهز تصرخ "توم كروز لا تهرب... لا تهرب" والبقال يصده عن النظر نحوها واضعًا صدره قبالتها.. والمارة ينظرون إليهما ويضحكون يستغربون ويتساءلون وفي داخلهم يشاغبون

وفي أقل من ومضة عين ولم يكن توم كروز، قد أنهى شرب علبة الحليب بالليمون إلا وكانت العجوز خلف البقال تحاول الالتصاق بتوم كروز والبقال بدون كلل وبصعوبة يحاول منعها. توم كروز يشرب الحليب بالليمون. ينظر إلى السماء التي أخذت غيومها في ومضة عين تعتم وطرف من عصا العجوز تضرب ساقه. البقال يحاول دفعها بعيدًا وتوم كروز كالجبل لا تهزه ريح يرفع صدره حانقًا ينظر إليها باشمئزاز وهي تلصق رأسها بصدره "لا تذهب".. "لا تهرب"، وتدعك وجهها وهو يرفع رأسها ليبعد رائحتها النتنة والبقال يحاول إبعادها وهي استشاطت كالملدوغة ورفعت عصاها وهوت بها بقوة سقط معها البقال على الأرض وسقطت كتب توم كروز من تحت إبطه، وأخذت تشتم البقال. توم كروز ينظر إلى السماء حانقًا متأففًا لاعِنًا. الكتب متناثرة على الأرض. يأخذ منها العصا ويضربها على ساقها بقوة. تسقط العجوز على الأرض والمارة يتدافعون لإبعاده عنها وهو يهوي بعصاها على جسدها ورجليها ورأسها بسرعة محمد علي كلاي في ضربات اليسرى المستقيمة. هبّ البقال قائمًا ووضع صدره بين توم كروز وبينها. كان الدم يتدفق من جبهة البقال وهو يدفعه بيديه "لا تقتلها. خذ كتبك واذهب للامتحان". ويلملم له كتبه من فوق الأرض وهي تئن وتتقلب على الرصيف. توم كروز يرفع الكتب إلى صدره ينظر للمارة الذين ازدادوا تجمهرًا. يتسمعون، يلغطون، يشاهدون، يساعدون، يتدخلون، ينظرون إليه وإلى العجوز. والسماء تنذر بالمطر. رذات رذات. البقال يدفعه وهو لم يترك لبشر مجالاً للتدخل ولا حتى بالسؤال والتعليق. انطلق مهرولاً غير مسرع. أشجار البلوط الكثيفة العالية الباسقة في أوراقها الخضراء الغامقة العريضة يضربها المطر، فتترنح وتتهافت ترقص تدور في الريح المنعش وتغير ألوانها جزءًا غامقًا وأخضرًا فاتحًا وفي كل نقطة على ورقة شجر لحن شجي وحيوية وفرحة والهواء البارد ينعش القلب وهو مستند إلى شجرة قديمة قِدَمِ أبينا آدم الذي غادر الجنة من بسبب تفاحة، والتفاح هنا يتساقط دون أن يجد بعد القصف من يجمعه. رأسه على الجذع القديم المتشقق ووجه نجلاء من بين الأوراق الصفراء الحمراء الخضراء يبتسم وهو يفتح فمه يتصيد قطرات المطر البارد تنعش الفم واللسان والحنجرة وهي تسيل في الأمعاء والمعدة وحتى الأخمصين تنعش القلب. الأوراق التي تتساقط متراقصة مع عيني نجلاء التي تحيطه كالكون من كل صوب يمينًا وشمالاً ومن فوق ومن تحت والمطر الرذاذ يزداد انهمارًا على وجهها الماكر الحبيب والدم الفائر في عروقه كأوراق الشجر المتساقطة بكثافة وحفيفها متنوع الأنغام مع هبوب الريح وكقلبه يلهث بدقات متلاحقة كزخات الكلاشنكوف وزغاريد الأعراس

حديقة الأندلس التي وصلها توم كروز بعد أن تابع هرولته والقفز نحو أوراق الأشجار العالية والنط من رصيف إلى رصيف كانت خالية إلا من طفلين ولد وبنت بثياب المدرسة وشنط كتبهما على الأرض بجانبهما، وهما يتحدثان بجانب بعضهما. لم يذهبا إلى المدرسة اليوم، وربما كل يوم. ربما قنبلة شطرت بيتهما شطرين وأبقت على جدة عجوز. للعجائز حاسة خاصة للاحتفاظ بالحياة. وهو لا يريد أن يموت. الحديقة بللها المطر الذي يتوقف ويعود. يتوقف والحفر الكثيرة في الحديقة مختلفة الأحجام والأعماق حسب نوع القنبلة التي انفجرت بها يملؤها المطر وتنعكس في داخلها الغيوم. على مقعد حجري طويل يجلس توم كروز ينظر للطفلين: ولد وبنت. اليدان متشابكتان والحديث مستمر. لا يعبآن لمرآه من بعيد وغير بعيد عنهما. إلى السماء ينظر. يريد أن ينام. حانقًا متعبًا مبددًا. يتوسَّد كتبه. ينظر للطفلين قليلاً من طرف العين. قليلاً وقليلاً وينام نومًا عميقًا في حديقة الأندلس التي يقع شمالها طريق الحرية وفي الجنوب شارع الشهداء. حديقة الأندلس تضربها الطائرات مرة في الأسبوع على الأقل. في الذهاب أو الإياب. لوجود مقاومين وأحيانًا للتسلية وقتل وقت الطيارين الأوغاد.

القنابل كثيرة والحديقة كغيرها في حماية الأمم المتحدة أرضًا لتجريب السلاح المتنوع الجديد. نومًا عميقًا وأحلامًا عريضة. أتت إليه نجلاء في ملابس الغوص. وهو كان بملابس الغوص أيضًا وانطلقا في الأنهار والبحار. الأسماك المختلفة والمياه الزرقاء والشذرية الباردة والباردة جدًا والدافئة الكثيفة والخفيفة، وهما يندفعان بسرعة بين الحيتان والقواقع والأعشاب البحرية مختلفة الألوان والأحجام، الإبل والماعز وشبكات أنابيب نفط كثيرة تحول دون وصولهم للدانة ووالده يمسح شاربه وهما يحاولان الغوص نحو اللؤلؤة الدانة التي ما أن رأتها نجلاء حتى أشارت بإشارة النصر ووجدتها بضربة حظ وعناء. فتحة ما، بصيص أمل، حظ وعناء، ونفذت منها نجلاء كالشعرة تنسل من العجين والتقطت الدانة وهما يضحكان فرحًا ويخرجان إلى سطح البحر وعلى بساط الريح يطيران ويهبطان بالمظلة عند الماكدونالدز في شارع الشهداء. في سطح المطعم مع الأصدقاء محمد وفتحية وأخيها إبراهيم وسلمان ومصطفى. الكل يأكل ويشرب الكوكاكولا ويمر بهم مثل شريط الفيديو محمد علي كلاي وتوم كروز والنعجة دوللي وآلاف من النعاج ملونة بأظافر قرمزية وعيون زرقاء تتجه إلى الذبح طعامًا للشهداء في احراماتهم وعيونهم الصافية ولحاهم المصقولة والابتسامة المرتاحة الواثقة يطوف عليهم ولدان مخلدون بأباريق من فضة مليئة بفاكهة ولحوم طير وحولهم حور عين كاللؤلؤ المكنون وأمامهم تتسابق أسراب لا تحصى من الطيور والنعام والخراف وهم يلتقطون لها صورًا تذكارية. يأكلون ويضحكون والدانة في اليد ووالده يمسح شاربه ويخفض عينيه ومحمد الزرقطوني بيده حبة السم وزوجته سعيدة بجانبه راضية مرضية.. يرقصان ويهزجان "عليك مني السلام يا أرض أجدادي". ويسحبانه نحو الأصدقاء الشهداء أهل الجنة. تعطيه الحبة مثل زوجها خشية الوشاية بالرفاق تحت التعذيب.

حلم.. حلم قطعه صراخ الصبي في البنت "هيا نرقص ماكارينا". يفتح عينيه يشاهدهاتهز رأسها "لا أريد لا أريد"، والصبي يسحبها "آه ماكارينا"، وهي لا تريد. يسحبها من يدها، يسحبها من يديها، يسحبها من ضفيرتها. يغمض توم كروز عينيه ليستمر الحلم لكن صراخ الطفلة كان عاليًا، ينظر إليهما غير بعيدين. يجلس على المقعد والولد يشدها من ضفيرتها ثم يضربها بساقه "يا كلبة ... يا كلبة". تنوخ على الأرض ينوخ عليها ولا يرى توم كروز تمامًا ما يحدث يشيح بوجهه يقوم ينظر نحوهما يهم بالتدخل ثم يرفع خصلة شعره عن جبينه يستنشق الهواء ويهرول مبتعدًا. يعبر طريق الحرية. ثم يمر بالكنيسة التي حصدت الطائرات فيها 121 فردًا في الظهر وقت الغداء وإلى وديان وتلال المقاومة ونقاط مراقبة جنود الأمم المتحدة. لا يريد أن يموت يستدير ويتجه نحو النهر. مبددًا يشبك أصابع يديه خلف رأسه المرمي على جذع شجرة قديمة صلبة وهو يجلس على الأرض عند النهر. يتوقف المطر والسماء ملبدة بالغيوم المعتمة. تعرق قدماه فينزع الحذاء وما زال لاهثًا والجوارب كذلك، ويمد يده يفتح ما بين الأصابع التي يلفحها الهواء البارد فتستريح. يلتقط حصى وقطعًا خشبية صغيرة ويقذف بها قطعة تلو أخرى في النهر وموجاتها تتتابع. مُبَدَدًا وقد ترك الامتحان وراءه. مُبَددًا وقد ترك كتبه هناك على المقعد الطويل في حديقة الأندلس تشاهد الطفلين يتعاركان. مُبَددًا والقلب تنور. ينظر يمينًا وينظر شمالاً وأبوه يمسح شاربه. ينظر إليه أبوه طويلاً وفي كل جهة. الهواء بارد ولم يأكل شيئًا في الفطور. الرقبة تعرق ورذاذ المطر ينقطع ويعود. خلع قميصه والفانلة والبنطال وقفز إلى الماء المنعش. بارد هو الماء وزخات مطر من هنا ومن هناك تولد موجات صغيرة ومتتابعة تحتضن الموجة الموجة لتسبقها تحتضنها تضمها وتندمج فيها.

غطس في قاع النهر يبحث كما في الحلم ولم تكن نجلاء معه. أيةُ سمكة أو لؤلؤة بين الأعشاب النهرية تملك قلب نجلاء وضحكتها وغمازات خذيها. فرحًا مهتاجًا يضرب يديه كالسيف لتفزع الأسماك الصغيرة والأصغر والأصغر تفر جماعات جماعات في كل اتجاه وصوب. مُبَدَدًا فرحًا لا تاريخ لهذه الأسماك الملونة الفزعة تقترب أعداد منها بعيون صامتة تشم رائحة الجسم الجديد الذي دخل عالمها فأثار دهشتها وطيّر صوابها وأفزعها. بلا تاريخ للموجات والأعشاب التي تهتز وتغير ألوانها وهو يندفع بقوة بينها مبهورًا. يا لفرحة الأسماك والأعشاب والموجات تترنح وتتمايل وتضرب الجسد الغض العنيف.
تَعِبَ الماءُ منه والأسماكُ. تعبَ النهرُ وتعبتْ السيقان. وانطلق إلى فوق. يرفع رأسه خارج الماء والشرطي يبحث عنه. رأى الشرطي. سمعه "اخرج يا ابن ..." غاص مسرعًا ثانية واندفع بعيدًا. وحين أخرج رأسه من الماء ثانية كان الشرطي يركض متابعًا إياه على حافة النهر يغطي رأسه بملابس توم كروز التي تركها هناك عند الشجرة القديمة وهو ما زال يشتمه. لبس الملابس الرطبة التي سلمها الشرطي له. يشتمه ويمسكه باليد الأخرى. علق حذاءه بيده، والشرطي يلهث ويلعن، اقتاده نحو السيارة "الجيب" التي ما كانت تبعد كثيرًا. على الكرسي الحديدي الصدئ يجلس توم كروز والشرطي أمامه بيده عصا وأسنانه عريضة والغضب والتعب يطفو على وجهه الكالح المتعب وعباراته منهكة جافة "أكنتَ تسبح والدنيا تمطر؟!". يلقي توم كروز برأسه على كتفه ويصوب عينيه نحو الأسفل نحو أرضية "الجيب" الحديدية "تقتل العجوز وتهرب"، يتنهد بصعوبة والهواء البارد ينعش القلب "الشرطة موجودة.. أين تفر؟" ويلمح توم كروز في شارع الحرية لافتة ماكدونالدز والساعة تقارب الواحدة موعد اللقاء مع عزيز وسلمان.

ضجة. نساء وفلاحون وشرطة وأطفال ومخبرون وجنود أمم متحدة في مدخل مركز الشرطة. روائح ووجوه كئيبة وغاضبة ومتعبة وجنود الأمم المتحدة المتأنقين بالنياشين والقمصان النظيفة والساعات المتلامعة والشفاه الحمراء الباسمة. في سيبرنيتيا جمع جنود الناتو من السكان أسلحتهم وتركوا، كما في صبرا وشاتيلا، للبرابرة قتل 7000 مسلم تلك الليلة. البرابرة، وهز خصلة شعره ويضغط على فكيه، برابرة. الشرطي يده بيده وهو لا يكاد يسمع شيئًا. يرفع رأسه عاليًا ليستنشق هواءً نقيًا وملابسه رطبة. يأتي شرطي آخر يتسلمه، ويذهب الأول إلى الداخل. يعود ويأخذه الشرطيان. يفتحان بابًا ويرميانه في الداخل، يقول أحدهما "العميد محسن هو الذي سيحقق معه"، ينظر إليهما وهما يقفلان الباب.
ينظر إلى الأرض.. إلى الحيطان. العنكبوت الكبير في الزاوية القصوى من السقف. يدقق في رنين الذبابة التي يلفها نسيج العنكبوت. الأرض من حجر بارد صلد. من المحاجر الكثيرة في وادي المقاومة. الغرفة مستطيلة مرتفعة السقف وحيطانها ملطخة بالجبص والكتابات والأرقام. وطاولة خشب مثل طاولات المدرسين. عليها مطرقة. عنكبوت أخرى في الوسط بين أعمدة الخشب الكبيرة التي تغطي السقف. سيأتي العميد محسن ببدلته الأنيقة ورقبته الحمراء المتجعدة. الطنين يفجر الصمت. أين الطائرات بلا طيار تقصف هذه العناكب. العجوز والمعتوهون لا يموتون. سيقول العميد محسن وهو يمسح أطراف فمه "أنا صديق أبوك. أنا مثل أبوك" وسيجلس على الكرسي ويهز المطرقة ويضرب الخشب. والنمل بين الشقوق التي تفصل الأحجار الصلدة. جبص أبيض صار له لون الرماد يربط هذه الأحجار والنمل يتشقق من وسطه. نمل أشقر. نمل أبيض سريع الحركة. سيقول العميد محسن "حصلت لك على منحة دراسية من مؤسسة الحريري" سيهز رأسه ويركز عينيه الصغيرتين في وجهي ويقول "أنا أتكفل بالجدة سافر. سافر". ينظر للنمل الهلع الذي زاد ركضه. نمل صغير جدًا يتجه نحو الحائط البعيد ينتظر سقوط الذبابة إن تركت له العنكبوت شيئًا. برد في الغرفة. يود لو ينام. لو يحلم. وعندما دخل العميد محسن ببذلته السماوية الأنيقة يزينها منديل أزرق غامق في جيب الجاكته وكرافتة بيضاء وقميص سماوي وياقة منشاة وحذاء أسود نظيف. قدماه صغيرتان وصلعته واسعة أنيقة وقبضة يده التي يهزها خلال الكلام شديدة ووجهه أحمر وعيناه تسبران وتتوجسان وتغوصان عميقًا. منهكًا العميد محسن. يجلس على الكرسي يمد يده نحو المطرقة. ينظر للأرض. يتسمع طنين الذباب. ينظر لتوم كروز الجالس قبالته على الأرض. العميد محسن يتفحص. يتلمس رأس المطرقة بيده الأخرى. ينظر للملابس الرطبة والحذاء الغير مشدود وشعر توم كروز الكثيف القابع على الأرض. لم يرفع توم كروز رأسه. وها هو العقيد يقوم من الكرسي بيده المطرقة وهو يتلمس رأسها. يدور نحو توم كروز. يصرخ بالذبابة "اخرسي" ثم يرميها بالمطرقة التي يحدث سقوطها على الحجر دويًا يقطع على توم كروز أحلامه وخيالاته "يا ابني... أنا لا أحقق منذ عشر سنوات. لكني لن أدعهم يحققون معك ويشقون رأسك بهذه المطرقة. أريد أن تحقق أمنية صفية فيك. دعني أتكلم فلن أسكت اليوم. أنا وأنت هنا والنمل والعناكب. دعني أتكلم ولا تقاطعني أبدًا أبدًا. اسمع بكائي. دع قلبي المحروق يحترق أكثر وأكثر. دعني أموت هنا أمامك. مثل الفراشة أنا أعرف أني أتجه إلى النار. الوسواس الخناس. أنا الذي أخذتهم إلى الكنيسة. أنا.. أنا السبب. تركت أباك في الدكان وأسرعت إلى بيتكم. قلت لصفية: هيا اذهبي إلى الكنيسة. الطمع والغيرة وحب الذات. نحصد ما نزرع. الوسواس الخناس. أخذتها إلى الكنيسة لأحميها من الغارة. كل أهلك كانوا هناك. واحد وعشرون فردًا من عائلتكم في الظهر في عز الشمس قصفتهم الطائرة مرتين. أحرقت الكنيسة ومن فيها.. وجنود الأمم المتحدة مقابل الكنيسة في مكاتبهم يلبسون نظاراتهم ويشاهدون ما يحدث بمناظير خاصة. أنا السبب. الأرض تعرف أنني أحبها. هي تعرف أنني أحبها. الهواء يعرف يا ابني. منذ عشرين سنة وأنا أحبها. يا رب لماذا غرست حبها في قلبي. لماذا جعلتني أحب زوجة صديقي. لماذا جعلتني لا أنظر لامرأة أخرى. كنت أمسح السيارة الفولكس فاجن السوداء كل يوم وأدور بها أتخيل اليوم الذي تجلس أمك فيه إلى جانبي. بعد أن يموت أبوك كنت أريد أن أتزوجها. لم أقل لها.. ولم تقل لي كلمة واحدة عن الحب أو الزواج. الصمت في القلب. النار التي تحرق في الداخل. آتي إلى بيتكم مرتين ثلاثة أربع مرات في الأسبوع. أجلس أتحدث معها حتى يأتي أبوك من الدكان ونتعشى معًا. سيارتي الفولكس فاجن اشتراها أبي سنة 1954، ربما 55. أنا ورثتها وحفظتها لنا نحن الاثنين. ولا مرة ركبت هي فيها. راحت السيارة في القصف. أخذتها وأوقفتها تحت حائط الكنيسة. راحت صفية والسيارة. تركتُ أباك في الدكان. قلتُ في نفسي "سيقصفون الشارع والدكان وهرعت لآخذ أمك أحميها في الكنيسة. قلت في نفسي "كفى.. سيموت اليوم في القصف وأتزوج أنا صفية بعده". وبعد القصف هرع أبوك والناس إلى الداخل وخرج يحملها بيده وضعها في الساحة وعاد يبحث عن نجلاء وخرج من الكنيسة يحمل نجلاء بين ذراعيه، وأقبلت طائرة أخرى تحلق بارتفاع قريب من الأرض ورشت الأحياء والمصابين بقنابل ذات لون بنفسجي وغبار أبيض لم أشاهد مثله من قبل. فيمَ أفادني الطمع؟ هل ألوم ربي الذي عاقبني بسبب أنانيتي وطمعي. عاقبني وهو الذي أجبرني على حب زوجة صديقي. لقد تطاير جسدها في الهواء. وبقى طرف من إصبعها في القدم اليمنى. أعرف قدمها. أعرف أصابع قدميها. أخذته معي. في جيبي. إلى داري. لا يوجد شيء منها اليوم سوى طرف هذا الإصبع. أعرفه لأنني ما كنت أرى سوى وجهها وكفيها وأصابع قدميها. لو انطبقت الأرض على السماء ولو أحرقوا كل الجنوب وفجروا وادي المقاومة وأحرقوا كل الأشجار ونزحت كل الطيور وماتت كل الخراف وتبخر النمل مرة واحدة وإلى الأبد، ولو طغى النهر وأغرق الوديان. لو جاء الرئيس الأمريكي بنفسه أو بيريز ببلدوزراته أو حتى لو ظهر من قبره المجرم الخبيث بلفور لن أسلم إصبعها، ولا إليك أنت. إنه إصبعي.. هو كل ما تبقى لي. أنت قتلت العجوز هذا الصباح. كان لا بد أن تموت في إحدى الغارات. تأخرت عن الموت. صفية تموت والعجوز المجنونة تعيش. أتعرف لماذا... حتى أتعذب أنا. وأنت أيضًا. ستقول هذه غلطتنا أنا وأبيك، لأننا لم نحميكم. أعرف كيف تفكرون. أعرف أنكم لا تسامحون، أعرف من أقوال كل الشبان الذين جرى التحقيق معهم. بيوتهم نُسفت. أهلهم قُتلوا. وبلدوزرات. لكنني مثل أبيك لن أتخلى عنك، أنت كل ما أريد تحقيقه الآن لصفية. أنا ذهبت بنفسي إلى مكتب السيد الحريري. ووافقوني بعد أن أطلعتهم على شهاداتك. أنا فخور بك يا ابن صفية. أريدها أن تعرف في القبر أنني معها ولن أنساها وسأعمل كل ما يرضيها. اليوم لم تذهب إلى الامتحان. آخر يوم في الامتحان. سنعيد الامتحان. سآتيك بورقة طبية. أريدك أن تذهب إلى كندا أو ألمانيا. ادرس الكيمياء. اصنع متفجرات تحمي بها أبناءك وأبناء أبنائك، نحن لم نقصر. أبوك لم يقصر. عملنا ما نستطيع. نحن ليست لدينا طائرات ولا بلدوزرات. اسمع سأسهل لك الخروج والحماية حتى تُنهي الامتحان وتسافر. أود فقط أن تصارحني بأمرين. لماذا كنت تسبح في المطر. هل هذه إشارة معينة لجهة معينة. ما معنى السباحة في المطر. قل لي بصراحة لماذا السباحة في المطر؟ والثاني بعد أن تخرج هذه الساعة من المركز ستتجه إلى الدراسة... لن تذهب مع المقاومين. لا تفهمني خطأ. ضحينا نحن كثيرًا. هناك مئات غيرك سيضحون بأنفسهم، بأرواحهم، بدمائهم، سينتقمون ويثأرون لأهلهم وأحبابهم، لصفية ونجلاء وأبيك وكل أفراد عائلة المحيدلي. أنت نوع آخر عليك أن تحافظ على نفسك، أن تتعلم وتعود بعلم كبير تصنع به متفجرات بنفسجية دخانها أبيض كثيف مثل الغيوم. تبلل هذا المنديل يا ابني. تبلل المنديل. صار رطبًا. ولم يبقَ في عيني دموع. كل الجيران سمعوا بكائي. عشر ليال أبكي طوالهما والجيران يسمعون. أنا السبب.. أنا أخذتها إلى الكنيسة. اسمع مني. اسمع مني. ولا تعذبني أكثر. أنا ناصح لك. اسمعني جيدًا. اسمعني لن نهزمهم، لن يسمحوا لنا ببناء القوة لكن سوف ننهكهم. هؤلاء البرابرة الأنذال البلطجية الدوليين سوف ننهكهم. اسمعني يا ابني نحن لسنا جبناء، تخلفنا بالعلوم. بالعلوم افهمني. كل شيء عندهم أحسن بالعلوم. أنا وأبوك لسنا جبناء كما تقولون. ما عندنا طائرات وبلدوزرات. اسمعني، اسمعني جيدًا ما عندنا ولسوف ننهكهم حتى يلحسوا مؤخراتهم. يقترب العميد محسن من الطاولة الخشبية مجهدًا يجلس عليها عيناه حمراوان مغرورقتان وعرقه يتصبب. قدماه قصيرتان وحذاؤه أسود نظيف خيوطه مربوطة بأناقة مثل وردة. يود توم كروز لو يشد الخيوط المربوطة مثل وردة. يمسح العميد جبهته ورقبته بالمنديل المبلل بالعرق. يتأوه. يضرب بقبضة يده فخذه. يبعد المطرقة عنه، يجهش بالبكاء. وقدماه القصيرتان الصغيرتان بالحذاء الأسود والجوارب السماوية النظيفة. قدماه تهتزان مثل رقاص ساعة. يركز توم كروز عينيه على الخيوط المربوطة بأناقة مثل وردة وطنين الذبابة لا يتوقف. يمد يديه نحو القدمين ويسحب بقوة خيوط الحذاء المربوط بإحكام وأناقة مثل وردة. يسقط العميد محسن على الأرض ونظارته تتطاير بعيدًا عنه. يمسك توم كروز بأذنيه وينظر في الوجه الأحمر المدور والرموش الشقراء والشارب الأشقر الأنيق ويدق صلعته على الحجر الصلد بجانب طابور النمل الطويل الذي مات منه الكثير تحت رأس العميد. والعميد يزحف يبحث عن نظارته. توم كروز يشاهد الضفدعة تزحف بالملابس الزرقاء الأنيقة. البدلة الأنيقة والمؤخرة الضخمة. يقوم يتناول المطرقة ويهوي بها على النظارة. يزحف العميد محملقًا صامتًا على ظهره، يهوي توم كروز بالمطرقة على الأسنان والفم الصغير والشفاه الدقيقة التي أخذت تقطر دمًا. العميد محسن يغمض عينيه يفتحهما قليلاً ينظر بابتسامة صفراء لتوم كروز. لا يقول شيئًا. يصمت. توم كروز بيده المطرقة ينظر إلى العنكبوت والأخرى. يدنو من وجه العميد محسن الذي يحس بقربه منه يشعر بلهاثه ودقات قلبه. يدني توم كروز أذنه من وجه العميد محسن وكأنما يسمع شيئًا صاخبًا بطيئًا أليمًا "صفية". يعود توم كروز يحملق في وجهه ويضرب الأسنان بالمطرقة ضربات خفيفة متوالية متناسقة كما تحفر ببطء وحرص مسمارًا في حائط أسمنت ويقوم واقفًا. تنهد العميد محسن تنهيده عميقة واستدار والدماء تنساب من الفم والأسنان الصغيرة البيضاء تتخللها دماء حمراء قانية والشفتين الرقيقتين واللسان يلحسان شيئًا منها. وعاد العميد، يديه على الأرض، يحبو وينط كضفدعة وتوم كروز ينظر إلى الكتفين العريضين والمؤخرة الضخمة واليدين القصيرتين والصلعة البيضاوية المحمرة والعميد يمسح بين حبوة وأخرى الترابَ الذي لصق بسرواله وكوعيه. دنا منه توم كروز وسحب العميد بقوة فاستدار سريعًا ورأسه ارتطم بالأرض الصلدة والزبد الأبيض يتناثر جنب الشفتين اللتين ينساب منهما السائل الأحمرُ أحمرَ وأبيضَ، وشفتين قرمزيتين رقيقتين يجنّح عليهما شارب أشقر خفيف وأنيق. مد العميد محسن يده يبحث عن النظارة وتوم كروز ينظر إليه ومحسن يغمض عينيه بسلام دون أن ينبس بكلمة. وبهدوء وراحة تنفرج أسارير الوجه الذي صار أقل احمرارًا. وقف توم كروز.. نظر حوله، فتح الباب وأغلقه خلفه وبين ضجيج وصراخ الناس وجلبة جنود الأمم المتحدة خرج من المركز. وضع يده في جيب السروال ومر بين الناس كالنسمة بين الأشجار الباسقة المتلاصقة تظلل الأرض المعشوشبة بالرياحين والأزهار الصفراء البيضاء البنفسجية تحتضن رقرقة الماء البارد يكركر بين الأخاديد والوديان الصغيرة الفتية الشامخة بأحجارها وأعشابها وحفرها وتحليق عصافيرها صباح مساء في الفضاء الأملس الواسع مُؤَجِّجِ ابتساماتِ نجلاء ووجنتيها وقفزها من صخرة إلى أخرى وقفزها من غصن رطيب لغصن رطيب. كالنسمة نجلاء بغمازات خذيها وثوب المدرسة الكحلي والشريط الأبيض كالوردة في ضفائرها. نجلاء نسمة. هز خصلة شعره، وجرى نحو شارع الحرية، حديقة الأندلس، نظر هناك، لم يجد الطفلين، ولا كتبه. تمدد على المقعد الحجري الطويل، وضع يديه تحت رأسه، وأغمض عينيه. وعادت نفس الجملة يلوكها في فمه "لا أريد أن أموت". وعادت صورة أبيه يمسح شاربه ووجه المحقق المدور "لم نقصر" ويقترب أزيز طائرات بدون طيار تقصف الطيور والدروب والزهور بالليزر والنابالم. هب واقفًا وأخذ يجري عبر طرقات حديقة الأندلس والحفر التي خلفها القصف منذ سنوات. يعبر شارع الحرية وإلى وادي المقاومة. وزوجة "الزرقطوني" تمسك ذراعه وتعطيه مثل زوجها حَبة "ابلعها لو اعتقلوك. احرمهم متعة تعذيبك".