سردية الفكر
قراءة في
رواية"رحلة ابن فطومة" لنجيب محفوظ
عبد الرحمن التمارة
مدخل:
تقتضي المقاربة النقدية لما نقترح توسيمه بـ"سردية
الفكر"في رواية"رحلة ابن فطومة"[1]لنجيب
محفوظ، الوقوف عند مجموعة من المنطلقات المنهجية التي تؤطر الفعل النقدي، وتوجه
عملية التحليل والمقاربة:
-كل نص روائي يستدعي مقاربة منهجية خاصة به،
تتحكم فيها مرجعية المتخيل النصي.مما يجعل النصوص الروائية تنطوي في ماهيتها
التكوينية على منهجية كشف عوالمها الدلالية، في تداخل مع عناصرها البنائية
والجمالية؛ التي تعد خصائص مميزة(caractères spécifiques)
يفرضها التوجه الأجناسي.لذلك، فـ(النص ينتج بنفسه وانطلاقا من نصيته (Textualité)
نفسها ما يحدده، أي أنه يولد محدداته بنفسه)[2].
-كل مقاربة(approche)نقدية تحمل في جوهرها طابعا تعسفيا؛ سواء في
نظامها المفاهيمي، باعتباره مؤشرا دالا على نوعية المنهج النقدي الموظف.أم في
إطارها المنهجي، باعتباره إجراء مرحليا يفصل بين العناصر الفنية والجمالية البانية
للعمل الأدبي.كون التأويل يجعل العمل الأدبي خاضعا لتعددية المعنى، لأن التأويل(يسلم
بتعدد دلالات النص، ومعنى ذلك، أن مقاصد النص تفارق–بالضرورة- نوايا المؤلف، ولا
تتطابق معها)[3].
من هنا، يندرج ما نصفه بـ"سردية
الفكر"في سياق كشف قدرة المتخيل الروائي على بناء عوالم معرفية متنوعة، وفق
تسنين رمزي يجعل النص الروائي محافظا على خصائصه الجمالية، ومتعاليا على متعته
الرومانسية أو الخيالية.فتصير الرواية نصا يؤسس لمتخيل الفكر؛ لأن المحكي يقترب،
بنسقه التعبيري المشفر، من عوالم معرفية متنوعة، عبر رؤية جمالية، تجد تجليها
النصي في رؤى الشخصيات وأفكارها ومواقفها.لهذا نتساءل:ما الداعي لربط رواية"رحلة
ابن فطومة" بالمعرفة، ما دامت الرواية جنسا أدبيا يقوم على التخييل؟ وما هي
الأنواع المعرفية التي تتجلى في بنية الرواية؟ وما هي الدلالات التي تفرزها هذه
المعرفة النصية؟
1-رحلة ابن فطومة: المعرفة/الماهية والحافز.
لقد تحكمت المرجعية الفنية الرحلية في البناء
الجمالي والدلالي لرواية نجيب محفوظ"رحلة ابن فطومة"؛ مما فسح المجال
لمحكي السفر، الذي تؤطره شعرية الاكتشاف والمعرفة؛ لأن الرواية تحكي عن الرحلة
التي قام بها"قنديل"ابن فطومة الأزهري نحو"دار الجبل"،
باعتبارها مكانا متخيلا، اقتضى المرور من عدة أماكن:دار المشرق، ودار الحيرة، ودار
الحلبة، ودار الأمان، ودار الغروب.رحلة تتوخى الإشباع المعرفي والحكمي؛ فالذات
الساردة/الرحالة[4]
تمتلك معلومات كبيرة، لأن التنقل في الأمكنة المختلفة خول لها امتلاك معارف متنوعة
ومتعددة:(عرفت الرحلات في صحبة المرحوم أبي فطوفنا بالمشرق والمغرب)[5].والملاحظ
أن الرحلة الروائية مؤطرة سميائيا بالبحث عن المعرفة؛ فطلب المعرفة المتعددة
الامتدادات، يعد العامل المرسل الذي مارس فعلا إقناعيا على الذات الساردة/الرحالة
كي تسافر وترحل، لتتصل بالعامل الموضوع، المتمثل في امتلاك المعرفة[6]:(ليس
هذا بالكثير على طالب الحكمة، أريد أن أعرف، وأن أرجع إلى وطني المريض بالدواء
الشافي..)[7].بيد
أن أهمية الرحيل، هنا، تكمن في تجاوز الرؤية الذاتية في امتلاك المعرفة، نحو
الرؤية الوطنية؛ لأن التفكير في مصير الذات الجماعية المستقرة في الجغرافية
المحلية، يعد تمردا على النزعة النخبوية الضيقة، التي تحول الرحالة إلى نموذج من
الأنتلجينسيا المنفصلة عن قضايا المجتمع والوطن.لهذا، صارت الرحلة النصية نسقا
منفتحا على هويتين؛ الأولى معرفية، والثانية وطنية؛ مادام (الرحالة يرتحل ليتعلم،
ويعود، إلى بلده، ليعيد إنتاج المعرفة بصيغ عديدة)[8].
شكلت المعرفة إذن، ماهية فعل السفر وحافزه
الأساسي في الرواية، لكنها المعرفة المنفصلة عن الصدفة، والمتصلة بالقصدية الناجمة
عن التوفر على العدة الأولية لامتلاك المعارف:(وأخذت في الاستعداد للرحلة مسترشدا
بأستاذي الشيخ مغاغة فملأت حقيبة بالدنانير وثانية بالملابس وثالثة باللوازم ومنها
الدفاتر والأقلام والكتب)[9].
فالذات الساردة/الرحالة، وهي على عتبة السفر، تعتمد في رحلتها على ثلاثة ثوابت
تمكن الذات من كينونة رحلية مريحة:الثابت المادي(الدنانير)، والثابت الطقوسي
والرمزي الخاص(الملابس)، والثابت الثقافي(الدفاتر والأقلام والكتب).ويبدو الثابت
الثالث إعلانا استباقيا عن تحصيل شخصية"قنديل"معرفة متنوعة في رحلته نحو"دار
الجبل"، باعتباره(رحالة يمضي من دار إلى دار وراء المعرفة)[10].
2- رحلة ابن
فطومة: المعرفة/الأنواع والدلالة.
تكمن أهمية الرواية، من منظور تخييلي، في كونها
كونا فنيا يتعالق فيه المعرفي والخيالي رغم طابعهما التقاطبي. تعالق يفضي إلى كشف
ارتباط الرواية بعصرها، والتعبير عنه، عبر بنية التصوير الجمالي؛ وهو ما يدل عليه
قول"هنري ميتران"-وهو يدرس إحدى روايات"إميل زولا"(رواية Germinal)تحت
عنوان دال:"المعرفة والمتخيل:جرمينال والإيديولوجيات"-من كون(العمل
الأدبي يصير شاهدا من الدرجة الثانية)[11]،
لكن بمنطق الشهادة الفنية.لهذا، فما تقدمه رواية"رحلة ابن فطومة"لا يمثل
حقائق معرفية وثوقية، بل خطابا فنيا مشفرا يفتح مسارب متعددة للتدليل.فما هي
المضامين المعرفية التي يحملها العالم السردي للرواية؟ وما هي الأبعاد التي ينطوي
عليها؟
يسعف
القول بكون أدب رحلات الخيال(مصدرا مفيدا للمعرفة بطبائع البلدان، وقيم الشعوب
وتقاليدها، علاوة على ما قد تطرحه من قضايا إنسانية تتعلق بالفكر السائد والشغل
الشاغل للناس في صفوتهم وعامتهم، في كل زمان ومكان)[12]
على اجتراح معارف متنوعة من الرحلة المتخيلة التي شكلت خلفية إبداعية للنص
الروائي"رحلة ابن فطومة"، تنسجم مع العالم الرحلي الذي تقدمه
الرواية.مما يجعل المعرفة النصية مفارقة للمعرفة العلمية الوثوقية؛ لأن(المعرفة
الروائية لا تستند على موضوعية قابلة للقياس والتأكد من صحتها، وإنما هي معرفة
تمتزج فيها التجربة النسبية ذات الطابع الأنطولوجي والغيري بسيرورة التذويت
والاستبطان)[13]:
أ-المعرفة الجغرافية:
تتمرد رواية"رحلة ابن فطومة"على
مقولة"الرحلة عين الجغرافيا المبصرة"[14]،
لأنها تقدم معرفة جغرافية ملتبسة. فوصف خرائطية الفضاءات التي مر منها
السارد/الرحالة لا يتم من زاوية طوبوغرافية محددة المعالم، بل من زاوية ثقافية؛
حيث تصير فضاءات العبور والاستقرار الظرفي، التي تحمل صورة مدن متخيلة، جغرافيات
ثقافية، كونها تعبر عن نمط عيش سكانها، ومستوى تطورهم عمرانيا واقتصاديا وسياسيا
واجتماعيا وفكريا.لذلك، فهذه الرواية(وإن أوهمتنا بأنها تطوف في الجغرافيا، إلا أن
ذلك الوهم سرعان ما يتبدد، إذ إننا نكتشف أن الأماكن التي يزورها[الرحالة]أماكن
وهمية)[15].ومن
زاوية تأويلية، تبدو المعرفة الجغرافية في الرواية مؤطرة بجمالية الاتصال
والانفصال؛ في الجمالية الأولى تبدو كل الجغرافيات النصية/الوهمية متصلة فيما
بينها، بيد أنها في الجمالية الثانية تظهر منفصلة عن بعضها في البنيات الثقافية
والعمرانية والقيمية..إلخ. مما يوحي بتشكل المختلف المعنوي داخل المؤتلف
المادي.وهو ما تعبر عنه المجتمعات المشرقية المنفتحة على الاختلافات المتنوعة، رغم
القرب الجغرافي.فتبقى ممكنات التقارب قليلة، أما ممكنات التباعد فكثيرة، قد تصل
للمواجهة والصراع؛ الذي تفسره، نصيا، رمزية الصراع بين الجغرافيات المتجاورة:بين
دار المشرق ودار الحيرة، وبين دار الحلبة ودار الأمان.
ب-المعرفة الطبيعية والعمرانية:
تتحكم
في المتواليات السردية المنفتحة على المعرفة العمرانية، من زاوية سردية،
استراتيجية الانتقاء؛ لأن التحول والتنقل في الفضاء هو الذي يبرر للذات
المتنقلة/الرحالة اختياراتها، المتطلعة لالتقاط المميزات الطبيعية والعمرانية التي
يتحكم فيها عادة عامل التميز النوعي للفضاء ماديا ومعنويا.هكذا نجد(دار المشرق
عبارة عن عاصمة وأربعة مدن)[16]،
ذات طابع صحراوي[17]،
خالية من أي تميز عمراني، نظرا إلى سلطة"الفراغ الممتد المترامي"[18].مما
يكسب"دار الحيرة"تميزا نوعيا، تعبر عنه الخصائص الطبيعية والعمرانية
لعاصمتها:(إنها مدينة كإحدى مدن بلادي.فيها ميادين وحدائق، وشوارع وحواري، وعمائر
وبيوت ومدارس ومستشفيات، عامرة بالخلق، وفي كل موقع شرطي، وملاهي الرقص والغناء
موفورة وسوقها كبيرة مترامية متعددة الحوانيت…وبعث في جو الخريف المعتدل نشاطا..)[19].أما
عاصمة"دار الأمان"فتبني تميزها من مواصفات طبيعية وعمرانية خاصة:(مدينة
خالية، مهجورة، ميتة..عمائرها الضخمة، وأشجارها الباسقة..)[20].في
حين تمتاز"دار الغروب"بخصائص طبيعية فريدة:(أرض معشوشبة، نثرت على
أديمها أشجار النخيل والفاكهة، تتخللها عيون مياه وبحيرات)[21].
فقد يسعف قول"كولندستين"(الفضاء ينهض
بوظيفة رمزية)[22]
في كشف رمزية هذا التنويع المعرفي المحيط بالمكان في خصائصه العمرانية
والطبيعية.رمزية تعلن عن نفسها من خلال بعدين متعالقين؛ الأول صورلوجي يوحي بأهمية
العمران والطبيعة في تشكيل الصورة الحقيقية للأخر، عبر(الصورلوجيا القادرة على
غربلة"الحالة الخاصة"من"الحالة العامة"، وضبط "الافتراءات"
و"المغالطات"، لتخليص"الحقيقي")[23]
.والثاني حضاري، فالعمران يصبح مرادفا للتطور المجتمعي في النسق الحضاري العام،
ومعبرا عن هوية ذاتية مطلقة في الزمان، فتجعل الآخر يتواصل معها في أفق استنبات
نماذجها العمرانية المتطورة في الجغرافية المحلية، رغم التباين الطبيعي بين فضاء
الأنا والآخر.
ج-المعرفة السياسية:
تقدم الرواية معرفة سياسية مرتبطة بالجغرافيات
المتنوعة التي عبرها السارد، معرفة تقرب القارئ من نظم الحكم المختلفة، وكيفية
تدبير الشأن الداخلي لشعوب ومجتمعات هذه الجغرافيات النصية.بيد أن هذه المعرفة
تتعالى على الشرط الإبلاغي المباشر، كونها مندرجة في سياق تلفظي سردي جمالي يعارض
المنطق الدوغمائي المتصلب، والرؤية الغائية الضيقة، واللغة الخطابية العائمة، وهو
ما يفضي إلى كون(التعبير بالأدب لا يمكن أن يكون مماثلا للتعبير باللغة السياسية)[24].
هكذا، تقربنا الرواية من نظم حكم متنوعة
ومختلفة[25]:
بدءا بالنظام القبلي في"دار المشرق"المبنية سياسته للشأن العام عموديا؛ حيث ثمة أربع سادة مدن
وسيد العاصمة، في مقابل الباقية من الناس"عبيدا" كانوا
أم"مرتزقة"[26].
مرورا بالنظام الإقطاعي في"دار الحيرة"؛ حيث يحكم"الملك
الإله"الذي(ينشئ الجيش ويختار له قواده فيكون جيش النصر، ويعين من أسرته
المقدسة الحكام، وينتخب من الصفوة قادة للعمل في الأرض والمصانع)[27].مما
يساهم في اقتران الديكتاتورية بهذا النظام المتعفن، وانتفاء الشعور بالكينونة
الإنسانية، نظرا إلى التراتبية الاجتماعية التي تجعل"الرعية"في الموقع
المفضي إلى العالم الغريزي/الحيواني السفلي:(أما بقية الناس فلا قداسة بهم، ولا
مواهب، يعملون في الأشغال اليدوية، ونوفر لهم اللقمة، يلي هؤلاء الحيوانات، ويلي
الحيوانات النبات والجماد)[28].إنه
نظام يبني علاقات الهيمنة والسلطة، ويهدم مبدأ التشارك في تدبير قضايا المجتمع.
لكن من يؤيده يعتبره"نظاما عادلا"، كما تجسده نصيا هذه المفارقة
الساخرة:(نظام محكم كامل يضع كل فرد في موضعه محققا بذلك العدل الأكمل..)[29].وصولا
إلى النظام الليبرالي في"دار الحلبة"، الذي يفسح المجال أمام العلمانية؛
لأن(الدولة لا شأن لها بالأديان..)[30].ويبدو
تشييد الهرم السياسي في هذه الجغرافية، كما يقدمها أحد سكانها للسارد الرحالة،
محكوما بفلسفة الديموقراطية في تدبير الشأن السياسي:(إن رئيس دولتنا ينتخب تبعا
لمواصفات علمية وأخلاقية وسياسية، فيحكم مقدار عشر سنوات، ثم يعتزل ليحل محله قاضي
القضاة، وتجرى انتخابات جديدة بين الرئيس المعتزل والمرشحين الجدد..)[31].انتهاء
بالنظام الشيوعي في"دار الأمان"، حيث تنتخب"الصفوة الثورية"الرئيس،
الذي يقدمه المرافق الملازم للسارد/الرحالة"ابن فطومة"ممثلا للدولة في
كل جوانبها قائلا:(إنه المهيمن على الجيش والأمن والزراعة والصناعة والعلم والفن،
إذ إن الدولة عندنا هي صاحبة كل شيء، والرعايا موظفون كل يعمل في حقله لا فرق في
ذلك بين الكناس والرئيس)[32].
أما "دار الغروب"فتتقدم مجردة من أي نظام، غير نظام الحرية؛ حيث(لا حاكم
لهذه الدار)[33].
تعبر هذه المعرفة عن عدة مضمرات دلالية تحملها
رواية"ابن فطومة"، من بينها:
-التحسيس بأهمية التباين السياسي للمجتمعات، في
أفق استثماره لأجل بناء نظام داخلي يكون فيه تدبير الشأن السياسي الوطني قويا
بمبادئه الديموقراطية، وقوانينه الإنسانية، وأسسه الأخلاقية.كما تجسده الطموحات
المضمرة في تساؤلات موجهة للرحالة/السارد تفضي إلى شروخ نفسية عميقة:(انظر يا
قنديل وطنك دار الإسلام فماذا تجد به؟.. حاكم مستبد يحكم بهواه فأين الأساس
الأخلاقي؟ ورجال دين يطوعون الدين لخدمته فأين الأساس الأخلاقي؟، وشعب لا يفكر إلا
في لقمته فأين الأساس الأخلاقي؟)[34]
-تأسيس فلسفة التعايش القائم على احترام الآخر
بتقاليده السياسية، وأعرافه في الحكم والنظام؛ مما يؤدي إلى تدعيم
فكرة"التحاور الحضاري"، بدل"الصدام الحضاري"الذي تغذيه
إيديولوجية التفوق، والاعتداد بنظام سياسي دون آخر.
-تدعيم مبدأ التعلم الذي يجعل المجتمعات تخترق،
بلغة كارل بوبر، سلطة"الإطار المغلق"[35]،
برؤية منهجية بناءة تحارب عوائق(قبول بعض المؤسسات، وتعديل البعض الآخر، ورفض
السيئ منها..لأن الواقع قليلا ما يماثل الإيديولوجيا، أي قليلا ما يماثل الصورة
المفترضة له)[36].
وما يسوغ هذا التدليل هو انفتاح الرواية
المستمر على بنية التقابل الترميزي بين الأوطان التي قصدها السارد/ الرحالة، وبين
الوطن الأم:(من أجل ذلك قمت برحلتي يا شيخ حمادة، أردت أن أرى وطني من بعيد، وأن
أراه على ضوء بقية الديار، لعلي أستطيع أن أقول كلمة نافعة..)[37].فالاستعارة
البصرية، في المقطع السردي، تعكس البعد الوطني لانفتاح السارد/الرحالة على العوالم
السياسية، فيصير محكي السفر حاملا لمشروع بناء الهوية الذاتية؛ مادامت(النقلة
تستدعي، ضرورة، إلحاح الرحلة على تقديم"الآخر"هناك، ومقارنته بوضع"الأنا"هنا
في اختلافهما المعرفي والفضائي)[38].
د-المعرفة الاجتماعية/الثقافية:
يتداخل الثقافي والاجتماعي في الرواية كثيرا،
لذلك، سنتعامل معهما من منطلق تعالقهما الدال في النص.وانطلاقا من كون(معرفة
الرواية غير منتهية، ومرونة شكلها تفضي بسهولة لاحتواء شساعة الواقع)[39]،
فإن رواية"رحلة ابن فطومة" تمنحنا معرفة متنوعة بالمنظومة الاجتماعية
للجغرافيات التي زارها الرحالة/السارد؛ سواء تعلق الأمر بقضايا اجتماعية، أم
بممارسات تعبر عن نمط اجتماعي خاص.ولضرورة منهجية، يمكن معالجة بعض القضايا
الاجتماعية/الثقافية كما يلي:
- علاقة المرأة
بالرجل:
يشكل الحديث عن العلاقة بين المرأة والرجل في
مجتمع ما استحضارا لنسق اجتماعي نووي لكل بنية مجتمعية. والعلاقة المقصودة هي التي
تؤسسها الرواية عبر التمثيل التخييلي المتجسد في علاقة السارد بغيره من الذوات
الأنثوية النصية.والظاهر أن محكي روية"رحلة ابن فطومة"منذ البداية يضع
القارئ أمام علاقة متوترة بين الرجل والمرأة من زاوية عاطفية متقاطبة: الأولى عمودية
يجسدها"قنديل"في علاقته مع"حليمة عدلي الطنطاوي"التي فسخ
أبوها خطوبتهما، بعدما عزم الحاجب الثالث للوالي الزواج بها، باعتبارها الزوجة
الرابعة.والثانية أفقية تمثلها رغبة"فطومة"في الزواج من الشيخ"مغاغة"دونما
مراعاة لمشاعر ابنها"قنديل".إنها علاقة تؤسس، في السياق الروائي،"بلاغة
الخيانة"؛ لكن ليس ببعدها الأخلاقي المدنس، ولكن ببعدها الفكري، حيث الآخر لم
يفكر في الأنا ومشاعرها، والآثار التي سيتركه انفصام العلاقة بين
الطرفين:(..خانتني أمي، خانتني حليمة، ألا لعنة الله على هذه الدار الزائفة..)[40].
وتتقدم العلاقة بين الرجل والمرأة، في المسار
السردي، عبر آلية الإبدال الرمزي.فتظهر في علاقة
حسية إيروتيكية تثير العجب والدهشة لدى السارد/الرحالة، لما
التقى"عروسة"[41].
أو في علاقة تواصلية عميقة، تعبر عن الحرية والمساواة، وترسم صورة جديدة للكينونة
الأنثوية، مما يثير الإعجاب والاستغراب:(وأذهلتني انطلاقة الأم وكريمتها في
الحديث.. تحدثا بتلقائية وشجاعة وصراحة كالرجال سواء بسواء)[42].أو
في علاقة روحية مجردة؛ لأن الذوات تصير منتظمة في نسق صوفي قوامه: التأمل، التطهر،
المجاهدة:(وكلما توغلت صادفني آخر على مثل حاله، رجل أو امرأة، فأبذل المحاولة من
جديد ولا ألقى إلا الرفض أو التجاهل، حتى خيل إلي أنها غابة من الصم والبكم العمي)[43].فالعلاقة
تتقدم متدرجة بالانتقال من الجزئي والبسيط والمخادع، إلى الكلي والمركب والصحيح؛ فكان،
بذلك، البناء الفني الرحلي لرواية"رحلة ابن فطومة"وراء جعلها(معبرة عن
تجربة روحية تتدرج في المراتب والمقامات تدرج الرحالة في اكتشاف البلدان واكتساب
المعارف)[44].
-النظام
القيمي:
تتعد القيم التي تجسدها الرواية في منحاها
التخييلي، بتعدد الفضاءات التي عبرها السارد/الرحالة؛ حيث تصير القيم أداة للتعرف
على ثقافة الآخر، ولإدراك كيفية توظيفها والتعامل معها، لأنه(إذا كانت القيم في
مستواها المحايث (التجريدي العام) تتميز بالكونية والعمومية، فإن وجودها ضمن وقائع
الوجود الفعلي الإنساني هو الذي يمنحها تلوينا خاصا يسهم في بناء ما يسمى بالثقافة؛
أي الطريقة التي تتم وفقها عملية تقطيع وتشكيل النسخ البادية من خلال الممارسة
الإنسانية)[45].ففي"دار
الإسلام"تتراجع الأخلاق والحقيقة والحق...أمام سلطة المال والخداع والزيف.أما
في"دار
المشرق"فتهيمن سلطة المجون والفراغ.في حين تخضع"دار الحيرة"لقيم
التيه والخضوع المطلق للفئة المسحوقة للقوى الأرضية الحاكمة.وتعلو قيم الحرية
والتسامح والديموقراطية وتقديس العمل والعلم...في"دار الحلبة".
أما"دار الأمان" فتنتشر فيها قيم الاستبداد والتسلط والحرية
الشكلية.وتبقى"دار الغروب"، المفضية إلى العالم المثالي"دار
الجبل"، جغرافية المساواة والسلم والحرية، وعالما نتشويا يمكن من سبر الأعماق؛
لأنه(بالتركيز الكامل يغو الإنسان في ذاته)[46].فتنفتح،
بذلك، هذه الدار على (الزمن الآخر، زمن الخلود والحقيقة المطلقة)[47].
والملاحظ أن مختلف القيم السابقة تأتي مقترنة
بقيمة المعرفة الحكمية، يجسدها نصيا حكيم كل الجغرافيات التي عبر منها
السارد/الرحالة.علاوة على اقترانها بنظام متنوع من الطقوس والعادات، بوصفها جزءا
من البنية التركيبية للمجتمعات النصية[48]؛
سواء تعلق الأمر بتقاليد اجتماعية، مثل ظاهرة العري في"دار المشرق"، أم
طقوس دينية، كما هو الشأن مع (ليلة البدر .. ليلة حضور الإله والعبادة)[49]في
نفس الدار.أم طقوس صوفية، كما نجد في"دار الغروب"؛ حيث (جماعة من نساء
ورجال تجلس فوق الأرض على هيئة هلال، بين يدي شيخ هرم يتخذ مجلسه تحت شجرة وارفة،
وكأنه يعلمهم الغناء وهم يرددون الصوت في حنان بالغ)[50].
على سبيل الختم:
حققت رواية"رحلة ابن فطومة"لنجيب
محفوظ نموذجا تمثيليا لاستيعاب الخيالي المكون المعرفي، إلا أن ذلك لا يحطم جمالية
النص الروائي وفنيته.كما برهنت على(أن المعرفة التي تمنحها الرواية شاسعة بمقدار
تنوعها)[51]؛
معرفة يتلاشى طابعها الموضوعي، وتصير مندمجة في النسق التخييلي العام للرواية،
والمشيد ببلاغة التمثيل.من هنا، نقول مع الأستاذ محمد برادة:(لا تكون المعرفة التي
تحملها الرواية مقتصرة على معرفة"الواقع"من خلال نقل المعلومات
و"الحقائق" أو تفسيرات الظاهرات أو وصفها؛ بل إن المعرفة الروائية، نتيجة
للمخيلة والتخييل وإمكانيات التشكيل، تتسع وتتشعب وتتخصص من خلال العالم التخييلي
للنص الروائي لتدفع القارئ إلى التذكر والتأمل والمقارنة، والقبول أو الرفض لما
ينسجه الخطاب الروائي الذي يمتح من مجالات متعددة، متداخلة الحدود)[52].
[2] -عبد
العزيز طليمات، الوقع الجمالي وآليات إنتاج الوقع عند وولف غانغ إيزر، مجلة دراسات
سيميائية أدبية لسانية، المغرب، العدد 6، 1992، ص55.
[3] -محمد
بوعزة، رهان التأويل، مجلة ثقافات، كلية الآداب البحرين، العدد 10، ربيع 2004،
ص17.
[4] -تتجلى
صورة الرحالة نصيا في كونه ساردا داخل حكائي ومشارك في الأحداث التي يحكيها، مما
جعله ساردا وشخصية رئيسية في الرواية.
[5] -الرواية،
ص8.
[6] -استفدنا من
مفاهيم النموذج العاملي لكريماص، أنظر: سعيد بنكراد، مدخل إلى السميائيات السردية،
دار تينمل للطباعة والنشر، مراكش، ط1، 1994، ص47 – 53.
[7] -الرواية،
ص19.
[8] -عبد
الرحيم مودن، أدبية الرحلة، دار الثقافة، الدار البيضاء، ط1، 1996، ص30.
[9] -الرواية،
ص20.
[10] -الرواية،
ص145.
[11] -Henri Mitterand,
Le discours du roman, éd
PUF , Paris, 1980, p139.
[12] -د.حسين
محمد فهيم، أدب الرحلات، سلسلة عالم المعرفة، الكويت، العدد 138، يونيو، 1989،
ص150.
[13] -محمد
برادة، نقد الرواية وإنتاج المعرفة، ضمن:الرواية العربية في نهاية القرن: رؤى
ومسارات، منشورات وزارة الثقافة، سلسلة ندوات، فبراير 2006، ص253.
[14] -نفسه،
ص18.
[15] -سناء
كامل شعلان، الرحلة الأسطورية في رواية"رحلة ابن فطومة"لنجيب محفوظ،
مجلة عمان، الأردن، العدد 135، أيلول 2006، 59.
[16] -الرواية،
ص31.
[17] -الرواية،
ص27.
[18] -الرواية،
ص27.
[19] -الرواية،
ص61.
[20] -الرواية،
ص124.
[21] -الرواية،
ص142.
[22] -جينيت
وآخرون، الفضاء الروائي، ترجمة: عبد الرحيم حزل، أفريقيا الشرق، المغرب، 2002،
ص34.
[23] -عبد
النبي ذاكر، الواقعي والمتخيل في الرحلة الأوروبية إلى المغرب، طبع منشورات كوثر،
الدار البيضاء، 1997، ص34.
[24] -حميد
لحمداني، الرواية العربية بين الواقع والمحتمل، ضمن:الرواية العربية في نهاية
القرن: رؤى ومسارات، مذكور، ص141.
[25] -يقدمها
الأستاذ عبد السلام أقلمون في جدول توضيحي مفصل، انظر: النص الروائي والتراث
السردي، الأحمدية للنشر، الدار البيضاء، ط1، 2000، ص149.
[26] -الرواية،
ص31.
[27] -الرواية،
ص65.
[28] -الرواية،
ص65.
[29] -الرواية،
ص65.
[30] -الرواية،
ص88.
[31] -الرواية،
ص92.
[32] -الرواية،
ص132.
[33] -الرواية،
ص136.
[34] -الرواية،
ص114.
[35] -كارل
بورب، أسطورة الإطار: في دفاع عن العلم والعقلانية، ترجمة: أ.د.يمنى طريف الخولي،
سلسلة عالم المعرفة، الكويت، العدد 292، أبريل/مايو 2003، ص74.
[36] -نفسه،
ص74.
[37] -الرواية،
ص91.
[38] -عبد
النبي ذاكر، الواقعي والمتخيل في الرحلة الأوروبية إلى المغرب، مذكور، ص44.
[39] -Nathalie Piégay-Gros, Le roman, éd Flammarion, Paris, 2005, p25.
[40] -الرواية،
ص17.
[41] -الرواية،
ص42.
[42] -الرواية،
ص96.
[43] -الرواية،
ص143.
[44] -نور
الدين لمحضري، البعد الصوفي وآثاره على البنية الفنية في رواية"رحلة ابن
فطومة" لنجيب محفوظ، مجلة ثقافات، كلية الآداب البحرين، العدد13، 2005، ص97.
[45] -سعيد
بنكراد، النص السردي: نحو سميائيات للإيديولوجيا، دار الأمان، الرباط، ط1، 1996،
ص53-54.
[46] -الرواية،
ص151.
[47] -نور
الدين لمحضري، البعد الصوفي وآثاره على البنية الفنية في رواية"رحلة ابن
فطومة"لنجيب محفوظ، مذكور، ص100.
[48] -إن
ما نصفه بالمجتمع النصي ينبني على فكرة مفادها أن الرواية لا تقدم لنا، عبر آلية
التمثيل الجمالي، صورة حقيقية عن مجتمع معين، بل هي ترسم لنا ملامح مجتمع ما؛ لأن الروائي
في الحقيقة لا يصور لنا المجتمع بطريقة فوتوغرافية، وإنما يقدم لنا تصوره عن
المجتمع المتحدث عنه؛ لذلك فالمجتمع الذي تقربه الرواية هو مخالف بالضرورة للمجتمع
في صيغته الواقعية.
[49] -الرواية،
ص33.
[50] -الرواية،
ص144.
[51] -Nathalie Piégay-Gros, Le roman,
éd Flammarion, Paris, 2005, p23.
[52] -محمد
برادة، نقد الرواية وإنتاج المعرفة، مذكور، ص253.