ص1       الفهرس  81-90

مفهوم المتخيل عند نجيب محفوظ

 

الغزيوي بوعلي

شكل المتخيل لدى نجيب محفوظ قاعدة ثورية، واستعارية رمزية وتخيلية، حيث ضمت بين صفوفها معان عدة تؤمن بالتأويل، والتحويل، منحت للمتخيل تماسكه الداخلي الذي أهله للسيطرة والتوظيف والتوليد، حيث يقدم حلا لكل مستويات التناقض في المجتمعات والذوات ولا يرتبط بنظرية واحدة تتجلى في الاختيارات السياسية والثقافية، بل يوصلنا إلى كشف كل النواقص والمحددات التي تثقل كاهل الذات الفردانية والجماعية داخل التنظيمات الاجتماعية والسياسة، حيث يشير بكل قوة إلى هذه الوضعية العربية في شكل سؤال يبرز"كيف يمكن أن يتصرف كل واحد من العاملين، أو كيف يتصرف فعلا كي يواجه وضعيته وضغوطاته؟ أية أهداف يلاحق؟ وأي إدارك أو توقع له إمكانية بلوغ هذه الأهداف ضمن البينة التي يعرف؛ أي ما هي الوسائل التي يملك، وما هو هامش الحرية التي يتمتع به، وبأية طريقة، وفي أية طريقة، وفي أية شروط وضمن أية حدود يمكن أن يستخدمها"[1].

إن انتشار هذا الوازع بين نصوصه، جعل المتلقي يشتغل على تفجير كل الاعتبارات التقليدية دون أن يتعامل مع المتن المدروس والمقروء على أنه صياغة جديدة، تتوالد فيها العلاقة بين الذات والموضوع والروائي والسياسي والسوسيولوجي والسيميائي، ويأخذ البعد الروائي تقاطعاته وصياغاته في شكل اختزالات قابلة للقراءة؛ لأن الرواية ما هي إلا إدماج للتاريخ في السياسة والسياسة في الرواية وإدراج الرواية في التاريخ، هذا الإدماج يتلاحق ببطء، ويكدس مكتسباته ويكتمل بالتدرج  ليكون صادقا عند التخوم الغائبة للتاريخ الروائي، ومحفوظ يريد أن يعيد التكوينات المنتظمة التي لا ترتسم إلا في الخطاب الروائي، مشكلة بذلك شروطها التاريخية.لأن نصوصه عبارة عن تناصات وحوارات تعيد الاستنطاق والتجلي، وكذا المسح لكن صياغة غير معقلنة التي تجعل المثقف"يحل التعارض بين اقتناعه بعقلانية وعلمانية وحداثة أوربا وإعجابه بها، وما بين العدوانية الفظة التي يمثلها الاحتلال، والتي تخضع عملية التقدم في الوطن العربي وتفسرها في اتجاهات أخرى لتحقق لها أكبر فائض للنهب والاستغلال"[2]فسلطة المثقف والنص قد أفرزتا بالضرورة سلطة ثالثة تمثلت في السعي إلى المتخيل، لأن ذلك لا يعني قطعا أن سلطة المتخيل والعلاقة بين القارئ والنص قد ظلت مغيبة، بل أمست العلاقة حوارية مبنية على أسس تنظيرية تخترق الأسئلة سمكها للوصول إلى ما هو قابع في صمت وراءها للحفاظ على صلابتها، وجعلها تنبجس في تعقيدها الخاص بها.يقول جان بول سارتر في هذا الشأن:"وما دامت حرية المؤلف، وحرية القارئ تبعت كل منهما عن الأخرى، ويتبادلان التأثير فيما بينهما من ثنايا عالم واحد فمن الممكن أن يقال:إن ما يقوم به المؤلف من اختيار لبعض مظاهر العالم هو الذي يحدد القارئ"[3].فتحديد هوية القارئ هو تحديد للمستوى التخيلي المتميز بين جمهور القراء المتعاقبين وبين التلقيات التي تمنح للقارئ صفة الخصوبة، وتضفي عليه صفة الأنوثة بقوله:"وهكذا يكون الجمهور الخاص بمثابة استفهام أنثوي فسيح، إذ هو انتظار مجتمع بأكمله على الكاتب أن يجذبه إليه مستجيبا إلى جميع رغباته، ولكن في سبيل ذلك يجب أن يكون هذا الجمهور حرا فيما يطلب، وأن يكون الكاتب حرا في إجابته"[4].فعرض المعنى هذا يفسح المجال أمامه للتمييز بشكل راديكالي بين تأويل المعنى ونقد الدلالة، عندما يؤول يشتبك في مناط يتحكم فيه الاحتمال وليس اليقين ولكي يحدد أي عدد من التأويلات الملائمة يطبق محفوظ قوانين الاحتمال على التأويلات الأدبية والدرامية، حيث يقدم عرضا لتوقع المعنى شبيه بالمعرفة المسبقة.وللحقيقة التأويلية التي يرى بموجبها أن لا تذبذب بين المتلقي وبين المبدع.

ومن المؤكد أن هذا المتخيل لا يتحدد بفعل إيقاعات تجريدية التي تستهدف فهم العالم والإنسان، لأن عملية انتقال من البساطة إلى التركيب لا يتم إلا بالقراءة الإنتاجية الباطنية التي تستبعد الوصف والشرح الكلاسيكي،"فالنصوص المحفوظية"في لحظة تحققها تفتح ذاتها على سلطة التمسرح والتأويل إلى درجة أن تصور نصوص روائية من وجهة نظر كلاسيكية تظل مرتبطة بسلطة التحقق الفيلولوجي وسلطة الدليل المغلق على ذاته، الشيء الذي جعل التصور إقرائي للنصوص الكلاسيكية عقيما يتصل بوهم تحليلي بسيط لا يتجاوز حدود الموروث القديم.لكن مع التحولات الحديثة في الستينيات من القرن الماضي، سيعرف الحقل الروائي تصورا مغايرا للنص وللإيديولوجية، ولم تعد القراءة ذلك الحدث البسيط الذي يمر به البصر مر الكرام، ولا هي قراءة استهلاكية، بل هي تلك العملية التي لا تنقب عن المعنى السطحي، وإنما تتسلل إلى بواطن النص، وطبقاته الرخوية لتكشف لنا عن كل الأنوية النصية والدرامية والجمالية.يقول ميشيل فوكو"لا أريد أن أقحم نفسي في هذا النظام الشائك للخطاب، لا أريد أن أرتبط بحده الفاصل ولا بحده القاطع، أريده من حولي شفافية هادئة عميقة مفتوحة بدون حدود، من خلالها يمكن للآخرين أن يردوا على انتظاري، ومن خلالها أيضا يمكن للحقائق أن تشرق واحدة بعد أخرى"[5].

هكذا تبرز الإشكالات التي يطرحها النص الروائي بشكل صريح، يعري أمامه واقعه المزيف ليصبح فيها كذات مبدعة، يمارس فيها حضوره وتأويلاته التي يهدف من ورائها تجديد الأبعاد الجمالية للنص وإدراك مغزاها الإيديولوجي في التاريخ العربي.يقول بريخت:"إن الفن ليس قديرا على نقل المفاهيم الفنية من المكاتب إلى آثار فنية، فمن شأن الجزمات وحدها أن تصنع على القياس رد على ذلك ذوق عدة أشخاص هم من الناحية السياسية جد مثقفين، يتغير وبالتالي يمكن إهماله...."[6].وبريخت يسعى إلى استجلاء علامات الذوق التي تتماثل مع الواقع اليومي من أجل استنباط تركيبات جديدة لكي لا يبدو العالم واحدا ونهائيا، ذلك أن المؤول يشرع في العمل على النص فقط، وإنما هو في الحقيقة يغرق في الوحل كليا ليستنبط كنهه وجوهره، فلا غربة أن تصير قراءة في قراءة، وظيفة تمسرحية لكل ظاهرة تخييلية تعلن عن هويتها وانتمائها، وتربط مع الواقع علاقة وجود ودلالة وإيديولوجية.وفي المنظومة الروائية لا يمكن لتلك الوظيفة أن تتم إلا عن التعقلن السياسي الذي يمنح للعلاقة صورتها الخاصة يجعل منها مسكنا للإنسان حسب تعبير هيدجر، إذ هو ليس منهجا للكتابة بل هو الكتابة ذاتها، هذا التصور كما قلنا جعل من المتخيل قاعدة ذات وجهين:

1- وجه تنظيمي يرتب كل النصوص بشكل واعي باعتباره فعلا تأويليا ونقديا.

2- وجه تعقلني يمنح للذوات الفاعلة في العملية الإبداعية وجودها الابستيمي التي تعمل على تقعيد كل إرث واقعي وعقلاني وسياسي وملحمي ودياليكتيكي؛ أي أن هذا الطرح التنظيمي والمتعقلن يسعى إلى الانفصال عن مشكلة المهادنة والمسالمة، لأن الحجب والتدجين التي يوظفها الخطاب الكلاسيكي والنهضوي العربي تجعل الفهم والتأويل غير قابلين لتلقي الحقيقة الواحدة وإنما هما نمط للتأريخ الإنساني في هذا الوجود.

وعلى هذا النحو يكون الفعل الابستيمي سابقا على الفعل التفسيري يقول جورج غادامير (Gadamer):"ليست مسألة التأويل والفهم تخص الجانب العملي وحده، إنما ترتبط ارتباطا بالتجربة الشاملة التي يعيشها كل كائن حي في هذا العالم الذي نعيش فيه"[7]إذن فتطور هذا الفعل الإبستيمي لن يقف عند البعد النصي الدرامي، بل يأخذ مع محفوظ وقفة ضرورية وتركيبية بنيوية كمحطة وعلامة كبرى انعطف المتخيل خلالها وسيظل لأمد طويل فكرا ليس وليد نزوة أو لحظة من اللحظات، بل وليد عمر من البحث والتنقيب والمقاربة، مما جعل هذا المتخيل يتميز بثلاث مميزات.

1-             حاول الإمساك بأزمة الذات العربية وتناقضاتها وانكساراتها.

2-             فهم آليات الخطاب السياسي والطبقي المهيمن.

3-             أعلن التحريض على كتابة مغايرة.

هذه المكونات أعطت لنفسها حرية الاختبار لكي تقتحم مجالات اجتماعية وسياسية وتنظيرية، هذا التعدد جعل التراكم لديه محملا بعدة تساؤلات معرفية، جعلتنا ندرك أن هذه النظرية الروائية في الوطن العربي تريد أن تقوم كبديل عن نظريته القديمة في صورتها التقليدية، وكل نظرية تنسب نفسها إلى أن تكون حلا نهائيا وحاسما لكنها تقع في الواقع في تناقض مع الأسس التي تنبني عليها ومع نسبية المستوى المعرفي الذي يسمح لها بطرح مسألة السياسة ضمن إشكالية معينة.حيث إن كل نظرية هي بحث في مسألة النهضة والتأسيس والتأصيل والتحديث...والتعقلن، هذا البحث يرتبط بمستوى معين من تطور المعرفة الإنسانية، وحين تحاول أية نظرية أن تتجاوز خصوصية شروطها وأن تعمم النتائج الحاصلة عن هذه الشروط بإقامة تصور عام عن المتخيل السياسي، فإنها تجد نفسها في تناقض مع تطور المعارف السابقة والمعاصرة.إن التطورات السياسية العربية قد تؤدي إلى تفسخ موضوعي للنظريات الروائية في الواقع، كما وقع لنظرية الرواية بوتور، فقد أدت التطورات السياسية إلى دحض فكرة المسالمة كأداة للهيمنة، بينما يأتي الفعل الإبستيمي"لكي يقدم لنا البديل عن هذا الخطاب الذي استنفذ أهدافه بخطاب يحدد لذاته مهام جديدة تتلاءم والصورة الجديدة للعلاقة بين الفلسفة والعلم"[8].

بحث محفوظ في هذه النظريات مما جعله يدرك أنها ترتكز أساسا حول شرطين هما اللذان يوفران لكل متخيل من تلك الفنون التعبيرية والوظيفية.

وهذان الشرطان هما التحديد المنهجي لموضوع البحث من جهة، وإتباع مناهج ودرجة سيرورتها من جهة ثانية، فالإبستيمولوجي ينبغي أن يتعاون مع عالم النفس والسوسيولوجي والسياسي والمسرحي لكي يدرس تطور الذات؛ لأن المتخيل الروائي جزء من الدراسة من حيث هو واقع، يعمل على إبراز هذه الذات كفعالية دون أن تكون محاكاتية أو مثالية، إذ جعل المتخيل يرتكز على الموضوع المستقل عنا دون  أن نلمسه في الواقع؛ لأن الأمر يتعلق بصفة خاصة بإستمولوجية ترى في هذا الشأن المعرفي تركيبا مستمرا وعنفا للواقع وفي الوقت ذاته بداية تأسيس المجال الخصب للصراع والتناظر والتناقض بين مختلف التيارات الفكرية والاجتماعية وهو ما جعل تجربته في فضاء هذه المرحلة وما بعدها، ساخنة ومحملة بالأسئلة القلقة، وبالخطابات الصادقة وبالشعارات السياسية التي كانت خلفية تحرك المتخيل وتدفعه إلى تخطي الأجوبة الجاهزة واليقينات السائدة والأنماط المعلبة في الإنتاج الروائي السابق.لم يكن هذا الفعل التخيلي ممكن التحقق الفعلي في القديم نتيجة لطبيعة الإنتاج المادي السكوني في المرحلة السلفية والكلاسيكية، ونظرا لعدم توفر معطيات موضوعية ثانيا، لذلك سادت الترجمات والاقتباسات وغرق المتفرج في حمى الأساطير، والشخصيات المعبرة عن مصالح الطبقات المهيمنة، فرغم ذلك بقي المتخيل أعظم نظرية في عمقها وغناها وشموليتها، حولت الواقع إلى معطى كثيف وعقلاني يراعي شروط المجتمع وقضاياه الإنسانية.

إن البحث عن الحقيقة التي تنسجم مع ما يريد أن يعبر عنه، راحت هي التي تخدم قضية الإنسان، لأنه وجد في هذه الكتابة سبيله مجالا معنويا للتعبير عن هذه المرحلة التاريخية التي لا تعتمد على التحديد المعاني، ولا الزماني، بل اعتمد على التجريد والرمز، وأمسى الشخص المتلفظ هو موضوعا للملفوظ، لأنه يتحدث عن نفسه ولم يعد هو نفسه بمفهوم فليب لوجون(Philippe le jeune)، ويكون السارد في هذه المرحلة مستعصيا على التحديد والتسمية وحتى وإن أعطيناه اسما، ففي هذه الحالة لا يدل على شيء يذكر، مما ينتج عنه تعاقد غير صريح بين المبدع والمتلقي أساسه التواصل، وبذلك تتقلص المسافة الجمالية بين النص ومتلقيه الذي سيقرأ هذا النص وفق معاييره؛ لأن المتخيل يتستر بستار كثيف ليتخذ قيمة مهيمنة تقوم على السببية أو الوظائف بمفهوم رولان بارت، وعلى القرائن المفتوحة غير الهيكلية.

إن رؤية الشخصيات تفرض طريقتها وبالتالي حوارها الذي يكشف عن طاقات معرفية جديدة دون أن تكون الغاية إبراز الذات، بحكم أن الاستراتيجية التي توجه العمل جعلت محفوظ نفسه ينتبه إلى ذلك في مراحل نصوصه الأخرى عندما قرر أن يجري حوارات باللغة الواقعية في رحلة ابن فطومة، ففي هذه الرواية يدعونا إلى الكشف والإظهار عن سبب استغلال السلطة والإجهاز على ما تبقى من مكتسبات الجماهير، لأن قراءة الواقع بهدف بلورة القواسم المشتركة يفتح عالم الديموقراطية الذي يوحد الإيمان الإنساني في مواجهة الغير القادرين على الفعل والتفاعل اليومي، وتندرج كما قلت في تعرية كل من يقف وراء الحاكم الذي لا يتغير في حقيقته، والمدخل الرئيسي لأي تغيير سياسي لا يتم إلا بالقطيعة مع الماضي، لأن هذا التوجه كما تتبناه الرواية هو بناء جهاز مفاهيمي يستند إلى حقائق الواقع الموضوعي بمختلف طبقاته، وألوانه المعرفية، بحيث أنه ينطلق من التجربة الملموسة لصعود الحركات الثورية وأزماتها وأسئلتها ليتواصل مع نقد التجارب الماضوية التي تعتبر نفسها امتدادا للواقع الجديد وهذا ما نستخلصه من رواية أولاد حارتنا إذ تقرب لنا الحاكم وبعض الوصوليين الذين يبررون الأزمة، والإصلاح بعدم المشاركة في اتخاذ القرارات من طرف القاعدة.

ومحفوظ في تنظيماته البنائية والتخيلية، جعلنا ندرك أن البعد السياسي قد حدد تصوره انطلاقا من الأهداف التي يريد أن يصل إليها، لأن نوع هذه الأهداف هي التي تملي على الكتابة نوع الممارسة غير الفاعلة، والتي تحول الأفكار إلى مصلحة شخصية يلعب فيها الحاكم دور الوسيط بين أصحاب الامتيازات، والجماهير الميؤوسة أي بين ما هو"إطاري"وما هو"جماهيري"بمفهوم موريس دوفيرجيMaurice Duverger.لأن تحديد معنى المتخيل من الناحية الوظيفية لابد أن نعتمده كمعيار أساسي بمدى ارتباطه بالواقع الاجتماعي، أما من الناحية التوظيفية فهناك جملة من المواصفات المرتبطة بمفهوم"النص"والذي يمثل أداة أساسية لترجمة معنى الإقصاء والاستغلال، فالكتابة تبرز لنا فضاء فارغا تتخلله طاولة في الوسط وفوقها زجاجة وكوب فارغ وفنجان قهوة، وكرسي يناجي أيامه، ورجل غريب الأطوار والملامح يشبه الكرة، يثرثر وحده، خالقا عالمه الجنوني، متوهما أنه وسط عائلة أو مجتمع، فهو يتكلم ولا يدري ماذا يريد، مجنونا يحلم باليوم الوعيد والسعيد، تبدو عليه الفخامة والحلاوة وبجانبه طاولات مبعثرة رسمت بريشة خشنة.

إن النهج الذي يمكن من خلاله تمثل مجال موضوعية ما، يتسم بعملية الإنتاج والإبداع أي بإلقاء الضوء على العالم كعملية تأويلية، يجعل المتخيل يتسم ببعدين، بعد يتحقق انطلاقا من الواقع المغاير، وبعد يؤسس فرجته انطلاقا من الملموس، فالمتخيل لا ينهض إلا باختيار الأحداث والوقائع والشخصيات، وهو المعطى الذي تتكفل به التجربة الروائية تبعا لسنة التطور والنمو، لكن هذا لا يعني أن المتخيل العربي قد أصبح امتدادا وبحثا انطلاقا من التجارب الملموسة، بل العكس هو الصحيح، لأن القراءة التأويلية لم تعد ممكنة إلا حينما تحولت التجربة الجمالية إلى معطى تاريخي معرفي، تاريخ صلب له مميزات وخصوصيات، لذا يجب إعادة قراءته من زاوية الاختلاف وكذا القراءة البصرية لهذا الواقع تجعل المتلقي يحدد مجموعة من الإحالات المرجعية والدلالية التي يمكن اعتبارها مكونات إيحائية تفيد في بناء عجلة التواصل مع العالم الخارجي، فالبعد السياسي ما كان له أن يكون إلا لأن ماهيته من طبيعة التصور والتخيل والتأمل والفكر واضحة، بينما البعد التخيلي لم يكن له مكان في عصر النهضة لأنه لم يكن بحثا، ومن ثم فمعرفته قد تمت بواسطة الانفتاح والصراع والأزمة، وأصبح يشكل جزءا لا يتجزأ من التجربة الفنية أي كتجربة استكشافية ركحية حتى وإن كان الغربيون قد استعملوه بشكل واسع ووظفوا أدواته ووسائله المحددة في نصوصهم وإخراجهم، لأن ما ينقصه هو العنصر الحاسم في التجربة التخيلية الحديثة التي لم تبدأ إلا مع بداية القرن العشرين. فهذا الإقرار بمصطلح الكتابة معناه إيماننا القطعي بأن الكتابة فعل تواصلي يستدعي شروطا متعددة، تصاحب الفعل السياسي ذات وظيفة تخييلية، تمكن المبدع والمثقف والقارئ من استخلاص المعاني لإعادة بنائها من جديد، وكذا ممارسة لعبة القراءة خاصة في اللحظة التي بدأ فيها الإنسان العربي يتحدث عن الواقع والتاريخ. إننا نراهن على الفعل السياسي والفني، بكل مستوياته وشروطه التداولية في فهمنا لواقعنا العربي، سواء كان هذا الواقع مهزوما أو مكلوما، وإن كان البعض يذهب إلى اعتبار أن من خصوصية الخطاب العربي عامة التشويش والعتمة، لكن محفوظ يبني علاقته بالكتابة على التوتر والقلق، مما يجعل الأنا تتشبث بتمردها، رافضة كل أنواع الخضوع والهيمنة، لأنه كلما ازداد الإنسان تمردا وثورة على الأنا كلما ازداد إبداعا وتجديدا، وبذلك واجه الروائي الرفض المزدوج، الرفض للأنا المتعالية والرفض للجماعة المسيطرة.

إن اقتراح تجربة الكتابة معناه:تمثل مبدأ لمجموعة من الحركات والأحداث، والشخصيات القابلة للملاحظة، والمراقبة، وعليها يتم توظيفها انطلاقا من رؤية سياسية واجتماعية داخل التصميم الأساسي لمجال الرواية الذي يراد تأسيسه واختباره، وانطلاقا مما سبق يبدو جليا مدى الاختلافات التي يكتنف تحديد:المتخيل"سواء عند المهتمين بحقل علم النفس، أو عند المهتمين بحقول معرفية أخرى، لكن إذا توقفنا عنده فالمقصود بكلمة"المتخيل"هي إبداع الشيء وتأسيسه على غير وجود سابق، لأنه يتحدد بكونه"فعالية إنسانية وخلقا، ينبغي تجاوز الواقع المعتاد، وتخطي ما هو مألوف وسائد، بهدف إنتاج صور ورموز وأفكار مغايرة واستشراف آفاق جديدة، تبرهن عن الملكة الخلاقة للفرد ككائن عملي يسعى دوما إلى تغيير واقعه وصياغة علاقة أكثر ملائمة لطموحاته والحرية والعدالة والتقدم المألوف"أي السابق في الوجود"إنه ليس تقليدا بمفهوم أرسطو، ولا محاكاة"بمفهوم أفلاطون، وباركلي"أو انعكاسا بمفهوم"ماركس"و"لوكاتش"، بل هو اختراق للواقع وتغيير قوانينه وأنساقه وأهداف الموضوعية والذاتية، فالكتابة وفق هذه المسطرة المتبعة يمكن اعتبارها كتجسيد"لجهد إنساني، إما أن يبقى في الحدود الذاتية للفرد، وإما أن ينصهر في إيقاع جماعي، يحفز مختلف القدرات الذاتية على تطويع الواقع وتحسين شروط العيش"[9].من  هذا المنطلق يبدو أن تعامل المبدعين مع إبداع الحداثيين العرب يسير وفق نمطين:

ـ نمط نفسي ذاتي"فردي"يؤكد فيه أولوية ذاتية على المخزون الفردي في الإبداع، باعتباره تفجيرا لرغبات وصور وأفكار لم يتمكن الكائن التعبير الصريح والمباشر عنها، فيجد في المجال الإبداعي متنفسا ولحظة تعويضية يكشف فيها عن تلك الصور والرغبات بشكل أكثر شمولا وجمالا"[10].

ـ نمط ثاني جماعي يتمثل في أن الإنسان من حيث هو كائن اجتماعي لا يمكن أن يبدع إلا داخل سياق اجتماعي، سيسمح بتغيير قدراته الإبداعية؛ لأن الإبداع ليس رؤية اجتماعية فقط، من حيث دوافعه وشروط إمكانه، بل هو اجتماعي في مضمونه وأدواته(...)ومهما يكن من شأن هذا التقارب والنظر إلى العملية الإبداعية، فإن ما هو موضع اتفاق هو أن الإبداع رهين بمجموعة من الشروط الذاتية والمجتمعية التي توفر له إمكانات الظهور والتحقق"[11].

إن الكتابة ليست سهلة التحديد والملاحظة، بل تتطلب الدقة الشاملة والامتداد البصري بين السطور وما تحتها، تجربة تثبت نوعية الفرجة داخل إطار التصميم الدقيق للرؤية والتأمل، وما يماثل تجربته هو نقد الأصول الواقعية والفكرية السائدة من أجل الكشف والإثبات وتأويل مختلف روافد التجربة"الذاتية والموضوعية"، حيث تتفاعل فيما بينها وتتظافر، كما أنها تعمل فعلها في عملية التمسرح"الأدبي والفني". لكن الأساس في كل ذلك يبقى للذاتية عشقا يجعل منها في النهاية المسكن للذات التي لا تقف عند الظاهرة إلا بعد أن تكون قد تبلورت وتغذت من شرايين الواقع العربي المكسور، وعبر هذه الذات المتنوعة تخرج النصوص لتعري التاريخ المصنوع والمغلق بالإسمنت.يقول هيدجر"إن التاريخ يمكنه أن يصير موضوعا للتمثل إلا إذا مضي فما هو ثابت مستقر في الماضي أي لحسابه يستطيع التفسير التاريخي أن يحيل المتعدد والفريد في التاريخ إليه هو ما كان دائما يشكل مجموعة ما تتم مقارنته، إذ انطلاقا من المقارنة الثابتة للكل بالكل يتم وضع تقرير حول ما هو قابل للفهم والذي يتم إثباته وتزكيته كتصميم للتاريخ إن مجال البحث في هذا الميدان لا يمتد ّأبعد مما يستطيعه التفسير التاريخي...إن التاريخ لا يتطلب نقد الأصول كأداة لموضعته إلا أنه من حيث هو بحث، يعرض للماضي ويقدمه كسلسلة من النتائج القابلة للاكتشاف والتفسير ما إن يقترب من العمل الصحافي حتى يجد هذا النقد معاييره قد شرعت تتغير"[12].

هذا الاختيار التاريخي يهدف إلى معرفة الجوانب الخفية والسلبية التي جعلت المتخيلي عيش خارج لعبة الكتابة والسلالة، دون أن يرغم هذا الجسد أن ينتج نقده الذاتي ليخلق إبداعه ونقده ولغته، وطقسه ويخرج نظريته الفنية من صقيع الوحشة ودروب التقليد، لأن المراد منه هو استجلاء هذا اللبس الذي خيم على الإنسان والمجتمع والفن، واكتشاف بنيته الوظيفية، باعتبارها تشكل منظومة من الدلالات الممكنة للثقافة الإنسانية، فالتعرض لهذه الإشكالية هو استنطاق لكل الفواصل التي تكون الجسد العربي والتي عبرها نرى كيف نمارس وعينا الجماعي، ولنفتح لذواتنا اللانهائية والغير الملجمة، بدون وعي ذاتي نظل نقف عند الظواهر ولا نتعداها، مما جعل نجيب محفوظ يضع الإنسان العربي رهن إشارته من أجل المواجهة بين رؤى العالم المسيج وبين هذا الصراع الدينامي، حيث تحول الإنسان إلى قوة لا محدودة لاكتمال ماهيته، وإدخاله في مرحلة إعادة الحصول على حقيقة الواقع الممكن"وهذا ما نجده في رحلة ابن فطومة تبدأ بإشكاليات الإنسان العربي خلال تنقلاته للعواصم العربية، وراء اكتشافه للتناقض الموجود بين القاعدة والقمة، وقد شكل هذا الناقض الحافز الأكبر في توجيه مجال أبحاثه نحو الاهتمام بالأعمال الاجتماعية والسياسية والفنية، ومقاربتها مقاربة سيوسيوثقافية، شبيهة بتلك المقاربات التي يحتلها تحليل الأحلام والرموز من منظور علم النفس، حيث أقر بمدى فعالية المقاربة السوسيوثقافية للأدب، واتسمت آراءه بالاجتراح والاستنطاق ليشمل البحث الجانب الأهم من الأعمال الفنية، لكن ثمة أسئلة تطرح نفسها ما علاقة المتخيل بالإبداع بالخصوص؟ وأين يكمن وجه الشبه بين هذين المفهومين؟ وكيف تتم العملية الإبداعية في غياب البعد الثقافي؟ يقول فرويد"إن الظاهرة النفسية صادقة كأصدق ما تكون الظاهرة النفسية، إنه تحقيق رغبة، والطريق موصول بينه وبين ما نعقل من شتات في يقظتنا"[13].

فالمتخيل حسب الطرح الفرويدي يعتبر من أنبل الظواهر النفسية، والإنسانية وهو صورة من صورها، وهو تحقيق رغبة وتنفيس، يتيح للذات تحقيق مجموعة من الرغبات والطموحات والنزوات التي لم تستطع أن تحققها في يقظتها.لهذا عمل على اختراق محدودية المعنى، وربط العمل التأويلي بالتحقيق والاكتمال الرؤيوي، وتحويل الفعل الروائي من مرحلة الكمون إلى مرحلة تأسيس الوجود الحيوي، لأن"هذا الوجود ليس ركن من أركان التأويل"[14].هذا الاهتمام بالسياق الدرامي والبحث فيه والتنظير له كأداة إجرائية في الدر س الروائي هو وليد أرضية لغوية وتراثية وتاريخية ورمزية، أخذ معها الإبداع الروائي أسئلته ومنطلقاته وتصوراته، مما نتج عن ذلك تعدد الاتجاهات التداولية والتواصلية، لذا فالحديث عن الوصف التأويلي يجب أن يكون بصيغة الجمع لا بصيغة المفرد، هذا التأويل يحول هذا المعطى الوجودي من منطقيته وقوانينه الصارمة إلى بعد فرجوي، يصبح معه الجسد خاضعا للتأويلات وللتعبيرات المشهدية وللرغبات التي أحبطها الواقع إما بالعوائق الخارجية أو بالمتطلبات الأخلاقية، فالرواية إذن، هي نوع من الحفاظ على الحياة، والروائي هو إنسان يبتعد عن الواقع، لا يستطيع"أن يتخلى عن إشباع غرائزه، لذا يسمح لرغباته الشبقية أن تلعب دورا أكبر في عمليات التخييل، حيث إن التشابه الحاصل بين البعد الإبداعي والتخييلي، جعل الرواية ترتبط بالبعد الاجتماعي والنظامي كما عند اليونان والرومان، والعرب والغرب،؛ لأنه يبيح للروائي أن يمسرح إنسانيته وواقعه، في صلب العمل الأدبي المرتبط بالمجتمع والسياسة ارتباطا أوثق ما يكون الارتباط.

إن قراءة هذا متن نجيب محفوظ يمكننا من الوقوف على الطبقات الترسبية المبثوثة في تضاريس النص المرتبط بهذا المتخيل، لأن الكلاسيكي الذي ساد لفترة طويلة في الرواية العربية التصق بها، في المقابل ظل المتخيل هامشيا مرادفا للسرد والوصف التقريري، وأن مفهومه حول النص من مستوى قدحي إلى مستوى هدفي ووظيفي واستنباط لما يبطنه النص في طابعه العلائقي، وما يتبدى في تلك الصيرورة التمسرحية التي يفرضها الروائي.لأن الوصول إلى الجوهر الدلالي في مواجهة الظاهر"أي العالم، واللغة، والإنسان، والخطاب، والمؤسسة"...يجعل النص الروائي يربط بين مقاصد الواقع، وسنن التأويل، لأن النص بدون متلقي لا يملك أية رسالة ولكن بتمغنطه للقارئ في المعنى وانتمائه لاستراتيجية المؤلف، والمخرج يصبح هو المحدد والمؤول[15].

هذا يعني أن المتخيل يستدعي بعض الانتظارات لدى المتلقي التي تعوجها، ومن ثم فإن جزءا من المعلومات الموجودة في كل نص، لن تكون معروفة بالتساوي لدى كل متلقي للنص، ومع ذلك فإن الاختلافات الجوهرية بين التوقعات ستساهم في تشكيل ما يعرف بروح العصر، فالمتخيل في دلالته لا يبرز إلى الوجود بطريقة حرة إلا لكون الأنا الواعية الغائبة الحاضرة، تظل تتأرجح بين البعد التكثيفي والنقل، مما يمنحها تنوعا من التعالي والاندفاع نحو عالم يتيح لها أن تصبح حالمة مع الفنان[16].

هذا التعالي يساهم في تحقيق الوحدة العضوية، ويقوم بنقد وظيفة محدودة.إنه يتجه لمحاصرة أوجه متعددة من الخيالات الفكرية والتاريخية المعبرة عن تجليات الجدل السائد، في فضاء الروائي في ديناميته، حيث يقوم المبدع الروائي محفوظ بكشف خلفياتها النظرية وأبعادها الفرجوية ليصل إلى إبراز علاقتها بالمتخيل السائد في الواقع، موضحا دوره الجوهري والأساس في لحم الصراعات الابستيمية لمصلحة المبدع والمتلقي، ومحفوظ في احتراصه أثناء اختياره للمواضيع التراثية لا يفاضل بين الواقع والفكر مهما تباعدت مسافة النظر الإبداعي، وهو بهذا الموقف يدعو إلى بناء فعالية نظرية ثورية للإنسان العربي، هذا الفعالية تقتضي بضرورة مواجهته لواقع الصراع الطبقي، وفرويد ينظر إلى الأدب والفن نظرة واسعة لا تقف عند العتبة السفلى بل تمتد إلى التخييل، واللعب، والحلم، والإنسان، والفنان، والشاعر، والروائي، يتخيل نفسه شهريار، ونيرون، وأجاممنون، والمتنبي وبواسطة الإبداع يصنع لنا قوانينه، وعالمه للظفر بالقوة والحياة والمجد حسب مفهومه[17]، والتشكيل البصري لهذا العالم الممكن خلق أمكنة داخل جسم الخطاب المؤسساتي، وحفر لنية السؤال والجواب لكل الإشكالات النهضوية العربية، لذا فالتشاكلات التي يصوغها الفعل التاريخي العربي اليوم، بداية بنهاية تبني الموضوعات بشكل انزياحي لا رجعة فيها، بعيدة عن التمثلات الذهنية وعن مرجعيتها الواقعية البسيطة؛ لأن فهم نص ما يعني أولا وقبل كل شيء"تطبيقه على أنفسنا وإدراك طابعه الأحادي بالرغم من كونه يمنح نفسه كل مرة بصورة مختلفة ويفهم بطرق مغايرة"[18]، بهذا يأخذ نص المقهى الزجاجي"تقاطعات وانفصالات"، ويغدو الموضوع طريقا لنقل الواقع إلى عالم الروابط واقع سياسي مر،  أناس غارقون في الصراع يلوكون أطباق الذكريات، ويستشرفون نحو آفاق مجهول،      لايعرفون وجودهم، ليس هنا حركة ولا فعل، بل هناك تسكين للأمور ويقول ونوس في هذا المقام"بالطبع في الماضي كان هناك شيء تبسيطي، كان هناك اعتقاد جازم بأنه يكفي أن تغير السلطة لكي نغير المجتمع ونحقق التقدم المنشود، أما الآن أعتقد أن المسألة ليست بهذه البساطة، فتغير السلطة هو الشيء الذي جربناه دائما، وكان في كل حالاته عمليات انقلابية سطحية، لكن الشيء الأصعب هو الذي لم نجربه وهو تغيير المجتمع، الأصعب هو أن تحاول هز سكون واستغراق المجتمع بالخرافة"[19]ومحفوظ أعاد رسم الحدود ورتب العلاقات بين المفاهيم بكيفية كلية وبصورة تمكنه من عدم خلط الوراق وتغيير المعادلات على الساحة الفنية، ومع ذلك فإن الخطاب المهيمن عنده يمارس الحجب والتعتيم، لكن نصوصه الدرامية تجاوزت هذا السائد، كما قلنا آنفا، حيث شكلت كينونة تتغير احتمالاته المشروطة بكثافة تكوينية ومحكومة بالامتلاء والتقاطعات، وتلف"النص"خيوطا من التأويلات اللامنظورة الذي سوف يتجلى في الحضور الركحي المفترض، حتى لا يكون"مجرد الدعاء من قبل الكاتب، لذلك يجدر أن نعمل على إنطاق الصمت كي لا ننساق خلف سير هيمنة ه على الباطن"[20].

والكتابة تخترق نمطيته الواقع واللفظية، وتفارق كل الترسبات الماضية في حدود الأدائية لتنزاح عن هذا التوليف والبساطة، ولتنخرط في قبول الممكن.من تم فهي كامنة في اللغة، حيث تنسج تآلفها وتناغمها لتتلاقح مع الدلالة والمكان والزمان...وكل التأرجحات الممكنة على مستوى التجسيد قصد استخراج كل المدلولات المتجددة والتداعيات التجاورية والتجانسية"[21].فالحكمة التأويلية في طرح البدائل السياسية وتوسيع دائرة التأويل الواقعي، جعلتها تحتل مركزا في ذاكرة المتلقي الذي يقوم بفك الرموز، لأن الفعل الحضوري مندمج في شكله التركيبي في الآداء، وإن كان يدل على الإحساس، والحدس، فثمة مدلول ينبثق من وراء السطور، لا المدلول"لا ينسل تحت الدال وينجح في مقاومة محاولتنا لتحديد مكانه ورسم حدوده أي أن هيمنة الدال على المدلول نظهر لنا بداية العيان"[22].يتركب الفعل إّن، بحسب التحليل الذي نقوم به من نصوص صوفية وعبثية ووجودية...منح للإبداع ثورا كلية تجمع بين الأبعاد التخيلية والإنسانية والجمالية، والاجتماعية، وأجاب عن السؤال الملائم لدراسة الإنسان العربي، وتلك هي المهمة التي أخذها محفوظ في ذاكرته وبين نصوصه، حيث يؤكد اهتمام المسرحيين في السنوات الماضية بالتسلية التي تتستر في الزمن ولا تتحول مع المناهج والتيارات، لذا يبقى السؤال الخاص بالتاريخ الروائي معلقا بطبيعة العلاقة التي تربط بين الذات المبدعة والواقع العربي، مما جعله يعيد النظر في الإدراكية المعرفية والانفعالية والمفهومية، فاتحا إشكالية سياسية تتيح لنا إمكان التفكير والتعبير بالرموز، لأنها تمكننا من الخروج من قوقعتنا الفكرية وأصوليتنا ولكي يأخذ الواقع خصوصيته الانفتاحية بدل الانغلاق، وكل تصور إمبريقي الذي يقفز فوق الوقائع التي تدعي القبض عليها، إنه يؤول بنا إلى نفي ما يحدث بوصفه عبثا وإنكار كل التخريجات الماضية بوصفها بدعة أو هرطقة، لأن التعالي عن الواقع باسم الدفاع عنه، جعلنا نسقط في المثالية بكل شيعها، هذا السقوط أدخل التاريخ والحقيقة في صلب الإرشاد والأخلاق، لذا أصبحت القراءة ضد التاريخ، لأنه"لا يصمد في النهاية إلا القوي القادر على التجدد، ولا يبقى إلا المتفتح المزدهر المنخرط في التاريخ والواقع"[23]. هذا الانفتاح المنهجي شيد النظريات الخاصة بالمجتمع وبالمسرح انطلاقا من مختلف المفاهيم التي تساعدنا على التفكير في الاستمرارية في الوحدات التي تهتم بها مثل:ما السياسة؟ ما المسرح؟ وما المبدع حسب تفكير ميشيل فوكو؟[24]

فالصياغة إذن، وظفت خطابات ودلائل إبلاغية وسيكولوجية واجتماعية، جعلت هذا النمط من التوظيفات يواجه في مقاربته للواقع مشكلة أساسية ترتبط بتمفصل التاريخ والواقع الإنسان، ففي هذا النوع من المقاربة تتأسس تاريخية الذات، وإن اقتصرت على السمات الأساسية للممارسة إبداعية فردية، بمعنى أن النص الروائي هنا يأتي في المرتبة الثالثة، بعد الذات والخيال كتمثيل للعالم دون أن يكونا سجيني الأبعاد كما قلنا سابقا.جاعلا غايته النهائية تتجاوز المعطى الوجودي والحسي، قصد الوصول إلى بواطن الواقع وتجلي المعرفي، حتى تصبح الكتابة رسالة بيداغوجية تنقل المتلقي من البساطة إلى المكاشفة بمفهوم الصوفية.معنى هذا أن رؤيته تحدد لنا المقام العام وتوصلنا إلى ماهية الأشياء فنحس بنوع من الثبات في التنوع لنا المقام العام وتوصلنا إلى ماهية الأشياء فنحس ينوع من الثبت في التنوع، والوحدة في التعدد، لذا تحتاج القراءة إلى تأويل، بينما لا تحتاج النصوص الماضوية إلى مثل هذا التجريح أو التخريج؛ لأن هذه المعرفة اليقينية لازمة للأولى، وهي عتبة تمدنا بالمواد الأساسية والتي تجعل مادتها قابلة لتأويل هذا الوجود الخيالي وفهم حقيقته الباطنية"[25].

انطلاقا من هذه المنظومة الفكرية التي تؤكد على أن فهم النص لا يكون إلا بربطه بالواقع فتلك لازمة كما قلنا، غير أن حركة اليقين نحو اللامتناهي، هي التي تكون صورة الفكر إن تنفصل عن الأحداق التي تحيل إلى المتخيل، ولا تحيل على المعيش، بوصفها فوق كل موضع للأشياء، أحداثا متعددة ومتنوعة ومفاهيم لا تحتاج إلى إحالة بعدية، بذلك تغدو الذات بوصفها مفاهيم تتأقلم وتنشأ أفقيا وعموديا في حقل الكتابة، لذا بدأ مشروعه النقدي من دعوة الفن إلى معرفة الواقع العربي، كي يصبح واعيا بغايته وأهدافه، واعتبر أن الهدف للعقل العربي ليست هي غاية النصوص المؤسساتية، لأن النص ملكة تنسيق وسائل غير مباشرة، هدفها بناء المتخيل وتشر يع قوانين محسوسة ومعقولة، جعلت الرواية مفتوحة على تصورات خارج الإدارة اليقينية.لذا يقيم محكمة للنص المؤسساتي، يكون فيها الروائي حاكما في شأن السياسي، لذا لاهي مركبة بجدلية تحمل مأساتها في واقعها الثقافي، لذا عمل على تشكيل هذا الواقع العربي من  خلال»البعد السياسي"والصراع الطبقي والانغلاق الفكري، وبحث في بنية الثقافة العربية والنموذج التراثي الذي فقد هيمنته واستمراريته نظرا إلى سلطة الكليشهات تأخذ الكتابة صولتها وهدفيتها إلا من خلال السياق الاجتماعي والتاريخي.

الخلاصة:

 إن كتابة نجيب محفوظ تذكرنا بالوقائع التي ليست بسيطة التلقي والاستجابة بل هي مركبة بجدلية تحمل ماساتها في وافقعها الثقافي.لذا عمل على تشكيل هدا الواقع العربي من خلال البعد السياسي والصراع الطبقي والانغلاق الفكري وبحث أيضا في بنية الثقافة العربية التي فقدت هيمنتها واستمراريتها نظرا لسلطة الكليشيهات العقائدية، ولاشك أن رواياته المتنوعة المضامين تجسد اغتيال الوعي العربي، حيث لا يصدر عن رؤية كونية، وهذه الذات أمست خاضعة للانكسار، وتهاوت أركانها دون مقاومة تذكر، لذا أمسى الفكر بشتى تمظهراته يحمل اتجاهين، الأول يرمي إلى تخليص المفهوم مما ألحق به من حمولات ومركبات خارجة عنه، والثاني هدفه الحفاظ على مكتسبات النص وإبقائه الموجه للمتخيل بوصفه مشروعا لم يكتمل.

 



 

الهوامش

 

[1]- Erhard Friedberg, l'acteur et le système les contraintes de l'action collective", paris ed du seuil éd – 1981 p 16.

وانظر بيار أنصار"العلوم الاجتماعية المعاصرة" ترجمة نخلة فريفر، المركز الثقافي العربي– ط 1– 1992 ص 196.

[2] سعد الله ونوس:"الحداثة قضايا وشهادات"كتاب دوري رقم(2) المقدمة مؤسسة عيبال للدراسات والنشر 1990، عامل:نمط الإنتاج الكولونيالي دار الفارابي ط 2- بيروت 1978 ص 94-95...

[3] جان بول سارتر:"ما الأدب؟ ما الكتابة؟ لماذا نكتب؟ ولمن نكتب؟"ترجمة محمد غنيمي هلال-دار العودة بيروت 1984 ص 86.

[4] جان بول سارتر -م س ن- ص: 180.

[5] مشيل فوكو:"جنيالوجيا المعرفة" ترجمة أحمد السطاتي وعبد السلام بنعبد العالي، دار توبقال الدار البيضاء-ط 1- 1988-ص: 5-6.

[6] هنري افون:"الجمالية الماركسية"ترجمة جهاد نعمان- منشورات عويدات- بيروت باريس- ط 2- 1982- ص 137.

[7]- H.G Gadamer.Vérité et méthode»ED seuil – 1960 p 20.

[8] محمد وقيدي:"ما هي الإبيستيمولوجيا"دار الحداثة ببيروت ط الأولى- 1983 ص: 39.

[9] - محمد سبيلا:"الإبداع والهوية والقومية"مجلة الوحدة -ع: 58-59- يوليوز- دمشق-ص:7

[10] - المرجع نفسه، ص:7.

[11] - المرجع نفسه، ص:8.

[12] - هيدجر مارتن، التقنية، الحقيقة، الوجود، ترجمة محمد سبيلا وعبد الهادي مفتاح- المركز الثقافي العربي- ط. 1- 1995- ص:148-149.

[13] - س. فرويد:"تفسير الأحلام" ترجمة مصطفى صفوان-راجعه مصطفى زيعر-دار المعارف، 1919، ص:140.

[14] -Skofmane –»Nietzsche et la métaphore» Galilée -Paris, 1972, p. 177.

[15] -  ED Hirch validity« in interprétation university Chicago» prèss 1967, p. 141. et voir aussi H.R jouss “pour une herméneutique littéraire”, Gallimard, Paris 1982, p. 15.

[16] - حسين الواد:في مناهج الدراسات الأدبيةّ منشورات الجامعة ـ 1984، ص. 58. وانظر حميد الحميداني:النقد النفسي المعاصر، مجالاته وتطبيقاته في مجال السرد - منشورات دراسات سال، ص. 11.

[17] - حسين الوادي، في مناهج الدراسات الأدبية، ص. 58-59.

[18] - أدامير اللغة نموذج لبلوغ الوعي التأويلي" العرب والفكر العالمي ـ ع 3، 1988، ص. 10.

[19] - مجلة الطريق، ع. 1، 1996، السنة 55 مقال حوار ونوس عن كتاباته الجديدة، أجرته معه د. ماري إلياس، ص. 99.

[20] - صلاح الدين بوجاة، مقالة في الرواية، بيروت-1994، ص 13.

[21]-«Stylistics and Psychology investigation of Grounding» , Peer Wilies Van Crromhelm London 1986, p. 16.

[22] - جون ستروك، البنيوية وما بعدها، ترجمة د. محمد عصفور ـ الكويت عالم المعرفة ـ فبراير 1996، ص. 26.

[23] - علي حرب، نقد النص، النص والحقيقة- المركز الثقافي العربي-ط.02، 1995، ص. 145.

[24] - مشيل فوكو: أركيولوجية المعرفة"، ص. 12.

[25] - نصر حامد أبو زيد، فلسفة التأويل، دراسة في تأويل القرآن عند محيي الدين بن عربي، ط. 3، 1996، ص. 211.