نجيب محفوظ قارئا
لروايته"أولاد حارتنا"
سعيد خـرو
يعد العمل الأدبي ملكا لصاحبه طالما كان في
رعايته الخاصة، وعندما ينشره على الجمهور ينفصل عنه انفصال الوليد عن أمه، ويصير حقيقة موضوعية للقارئ أن يفسره على الوجه الذي يرتضيه الكاتب أو لا
يرتضيه.لكن هذا لا يعني أن نهمل حديثه حين يُقوِّم عمله من خلال حوارات قد تجرى
معه أو من خلال اتهامات قد تنسب إليه فيسعى إلى الرد عليها.
وفي هذا المقام فالتصريحات التي يدلي بها من
شأنها أن تساهم في ترسيخ الأهمية التاريخية لعمله وإعادة إرشاد قرائه، كأن يكشف عن
عدم التطابق بين نواياه باعتباره ذاتا متلفظة وبين مقاصد النص، وذلك وفق طريقتين
كما يرى أمبيرتو إيكو Umberto Eco،
هما:
-اعتراف الكاتب بأنه لا يقصد في عمله المحتوى
أو النتيجة التي استخلصتها قراءة ما شاكرا القارئ على مجهوده.
-خروج الكاتب عن صمته ليبدي وجهة نظره فيما يخص
مدى شرعية قراءة ما، على اعتبار أن هناك تأويلات قد تنطلق من مقاصد النص وتؤول
تأويلا»شرعيا»بغض النظر عن نوايا الكاتب.وهناك تأويلات
متعسفة تحاول أن تسقط أهواءها على النص أو أن تربط بين مقاصد النص ونوايا الكاتب
ربطا آليا(1).
وعندما يقوم الكاتب بهذا النشاط فإنه في حقيقة
الأمر يقرأ عمله ويقومه بشكل أو بآخر. وهذا لا يعني أن نترك له الكلمة الفصل في
تقرير حقائق عمله، لأنه يعتبر في هذه الحالة مجرد قارئ قد يساهم في إغناء وتوسيع
الفهم التاريخي لعمله، وقد ينير له بعض القراء جوانب لم يكن واعيا بها أثناء
الكتابة. وقد وجدنا في نجيب محفوظ مثالا نستطيع تجميع بعض أفكاره وآرائه، وإعادة
صياغتها، وذلك بناء على التصريحات التي كان يدلي بها في مناسبات مختلفة سواء في
سياق حوارات كانت تجرى معه على أعمدة المجلات أو الصحف، أم في سياق الرد على
الاتهامات التي طالت روايته"أولاد حارتنا"التي اعتمدناها هنا على سبيل
المثال.ويمكن تقديم تصريحاته بصدد هذه الرواية على الشكل التالي:
- الاعتراف بالتجديد في الشكل الفني للرواية
- الدعوة إلى الفصل بين اللغة الأدبية واللغة
العادية.
- تقويم المضمون العام للرواية.
1-الاعتراف بالتجديد في الشكل الفني.
لم تخل تصريحات نجيب محفوظ التي كان يدلي بها
بين الفينة والأخرى من الحديث عن الشكل الذي استحدثه في روايته"أولاد حارتنا"،
إذ اعترف بخروج هذه الرواية عن النمط الروائي المألوف والمتمثل في النموذج الواقعي
وفي مقدمته ثلاثيته الشهيرة(بين القصرين، قصر الشوق، السكرية).وفي هذا المقام تحدث
عما أسماه "الأدب الفكري" و"القصة الحوارية" و"الشخص
العام"، وهذا ما يمكن استجلاؤه من خلال ما يلي:
-اندراج رواية"أولاد حارتنا"ضمن
الأدب الفكري لأنها ظهرت في"مجتمع يتعرض للتغيير في كل لحظة"، بخلاف"الثلاثية"التي
ظهرت"في مجتمع ثابت، مستقر، واضح الملامح"(2).
- إسناد البطولة إلى"الشخص العام"الذي
هو"الإنسان في قضاياه الكلية والرئيسية "بدل" الشخص الخاص"المحدد
كما كان في الرواية الواقعية(3).
-تميُّز رواية"أولاد حارتنا"بالتفكير
والحوار أكثر من الوصف والسرد، وهذا ما جعل منها"قصة حوارية"(4).
-رواية"أولاد حارتنا"هي نقد للأسطورة
عن طريق الواقع وليس العكس كما فعل "سويفت" في رحلته، وبذلك يقول نجيب
محفوظ:"لقد ألبست الأسطورة ثوب الواقع ليزداد الواقع أملا وفهما"(5).
2-الدعوة إلى الفصل بين اللغة الأدبية واللغة
العادية:
لقد تم فهم رواية"أولاد حارتنا"على
أساس أنها وثيقة دينية كما هو الشأن بالنسبة إلى مؤسسة الأزهر التي أثارت الرواية
غضبها بدعوى أنها أساءت إلى الله والأنبياء في الوقت الذي لازالت تسرد فصولها
مسلسلة في جريدة"الأهرام"التي كان يديرها محمد حسنين هيكل.إذ ما كاد هذا
الأخير ينتهي من نشرها حتى أتى صبري الخولي– بصفته مندوبا لجمال عبد الناصر–نجيب
محفوظ فقال له:"إنه من الصعب السماح بطبع الرواية داخل مصر لأنها ستصنع ضجة
كبيرة نحن في غنى عنها"(6). وقد كتب شيخ الأزهر آنذاك محمد
الغزالي تقريرا عن الرواية وبعثه إلى جمال عبد الناصر وبموجبه تم منعها(7)وفي
سنة 1986 أًصدر الأمين العام لمجمع البحوث الإسلامية التابع للأزهر الدكتور عبد الفتاح بركة، قرارا يقضي بحظر
تداول أو نشر الرواية مقروءة كانت أم مسموعة أم مرئية داعيا المسلمين إلى ضرورة الالتزام
بهذا القرار كما يتضح في النص التالي:"والأمانة العامة لمجمع البحوث
الإسلامية تلفت الأنظار إلى هذا الحظر وتدعو المسلمين إلى ضرورة الالتزام به
وبالله التوفيق"(8). ولم
تر هذه الرواية النور حتى طبعت في بيروت بدار الآداب التي يديرها آنذاك د.سهيل
إدريس.وفي بداية التسعينيات أغضبت"أولاد حارتنا" أيضا تيارات دينية كما
هو الشأن بالنسبة إلى الفتوى التي أصدرها عمر عبد الرحمان زعيم تنظيم الجهاد
الإسلامي في مصر، وهي الفتوى التي أباحت إهدار دم نجيب محفوظ مشبهة إياه بالروائي
الهندي الأصل سلمان رشدي المقيم في بريطانيا من خلال روايته"الآيات
الشيطانية"، وكان من نتائج هذه الفتوى محاولة اغتيال نجيب محفوظ سنة 1994. وفي
المقابل ذهب الناقد المصري محمد حسن عبد الله-وهو من التيار الديني-إلى أن
رواية"أولاد حارتنا"تمثل دفاعا قويا عن القيم الإسلامية الروحية(9).
ومن جانب آخر تم فهم الرواية على أنها وثيقة
تاريخية كما هو الشأن بالنسبة إلى الناقد غالي شكري–وهو من التيار الماركسي-حيث
ذهب إلى أن رواية"أولاد حارتنا"تدافع عن القيم الاشتراكية(10)، ومن نفس التيار يرى محمود أمين العالم أن هذه الرواية تجتهد لتقديم موقف
بديل أو رؤية تبشيرية لأزمة السلطة الناصرية(11).
لهذه الاعتبارات لم يترك نجيب محفوظ فرصة إلا
وأفصح فيها عن مرماه الأساسي في روايته داعيا إلى ضرورة التمييز بين النص الأدبي
والنص الديني، وبين لغة الرواية ولغة التاريخ، وبين معتقدات الكاتب ومقاصد
الرواية.ولذلك نجده يقول:"مشكلة" أولاد حارتنا أنني كتبتها رواية وقرأها
بعض الناس كتابا، والرواية تركيب أدبي فيه الحقيقة وفيه الرمز، وفيه الواقع وفيه
الخيال، ولا بأس بهذا أبدا، ولا يجوز أن تحاكم الرواية إلى حقائق التاريخ التي
يؤمن الكاتب بها. لأنه باختيار هذه الصيغة الأدبية لم يلزم نفسه بهذا أصلا وهو
يعبر عن رأيه في رواية"(12).
3-تقويم المضمون العام للرواية:
لم يدل نجيب محفوظ بأي رأي أو توضيح يهم
المضمون العام لرواية"أولاد حارتنا"دفعة واحدة، بل جاءت تصريحاته في هذا
المقام لتكشف في كل مرة عن مضامين خاضعة لشروط زمانية وسيكولوجية وتاريخية
واجتماعية... إلخ.
ففي مرحلة أولى قريبة نسبيا(1975) من الفترة
التي ظهرت فيها رواية"أولاد حارتنا" (1959) ذهب نجيب محفوظ إلى أن عمله
استهدف نقد النظام الناصري من حيث الطريقة التي نهجها في تطبيق الاشتراكية،
مستلهما الرسالات الدينية الكبرى كمرجعية قائمة على مبادئ وقيم عادلة.إذ صرح
لجريدة"القبس"الكويتية (1975) قائلا:"كنت أسأل رجال الثروة هل
تريدون السير في طريق الأنبياء أو
الفتوات؟ فقصة الأنبياء هي الإطار الفني، ولكن قصدت نقد الثورة والنظام الاجتماعي
الذي كان قائما، فقد رأيت طبقة جديدة تنمو وتثري بصورة غير عادية في هذه الفترة،
وكان السؤال الذي يحيرني:هل نحن نسير نحو الاشتراكية أم نحو إقطاع من نوع
جديد؟"(13).
وفي مرحلة ثانية(1975)صرح نجيب محفوظ بأن روايته تقترح حلا للإنسان في كل
مكان بصفة عامة قصد معالجة مأساته الوجودية(الموت)والاجتماعية (الفقر)، حيث
قال:"إن التقدم قد يخفف من بلوى المأساة الأصلية وقد يتغلب عليها، وقد قلت
ذلك في"أولاد حارتنا"، قلت إن معالجة الشرور الاجتماعية بالاشتراكية
يفرغ الإنسان لمعالجة مأساته الأولى وهي الموت، فإذا انقلب أهل الحارة، حارة
الجبلاوي، بفضل توزيع الوقف بالمساواة والعدل والإنسانية، أتيحت لهم الفرصة ليكونوا
جميعا سحرة علماء ليعكفوا على حل مشكل الموت"(14).
أما في مرحلة ثالثة(الثمانينيات)فنجده يقول بأن
روايته استهدفت قضية الدين والعلم في العصر الحديث بسبب الأزمة التي يعيشها هذا
الأخير والمتمثلة في العدمية أو العبث.وضرب لذلك مثالا بأوروبا التي كانت"تؤمن
بالعلم ثم فقدت الإيمان به وبدأت تتجه من جديد إلى الميتافيزيقا"(15)،
وأضاف في هذا الصدد قائلا:"فأولاد حارتنا كانت في الواقع صدى للتفكير في أزمة العصر الحديث"، ثم قال
أيضا:"في هذه الرواية ظن العلم أنه في غنى عن الجبلاوي(الله، الدين) فقتله،
وهذه النهاية توصله إلى الخواء وإلى الإحساس بمرارة الحياة، وهي النتيجة التي وصل
إليها"البيركامي"حين اعتقد أن الحياة لا معنى لها وأن العبث هو المعنى
الوحيد"(16).
من خلال ما سبق يمكن القول بأن نجيب محفوظ كان
يرى في روايته نقدا للناصرية من جهة أولى، ودعوة موجهة إلى إنسان العصر الحديث من
جهة ثانية، ثم دعوة موجهة إلى الإنسان قصد الاستهداء بالدين وليس بالعلم وحده من
جهة ثالثة.
الهوامش:
1-Umberto Eco, les
limites de l’interprètation. Traduit de
l’Italien par Meryeme Bouzaher, Bernard
Grasset, Paris, 1992.p141, p142.
2- أنظر السؤال
الذي وجهه عبد الرحمان أبو عوف إلى نجيب محفوظ حول مسألة التجريب في الرواية
الجديدة من خلال كتابه: الرؤى المتغيرة في روايات نجيب محفوظ. سلسلة دراسات أدبية،
المطبعة العامة المصرية للكتاب. 1991، ص 155.
3-نفسه: 155
4- نفسه:155
5- نجيب محفوظ، أتحدث إليكم، دار العودة،
بيروت، ط.1، 1977، ص70 ص71.
6-أنظر، الحوار الذي أجراه مصطفى عبد الغني مع
نجيب في كتابه:"الثورة والتصوف"، الهيئة المصرية العامة للكتاب، 1994، ص
50، ص51.
7-انظر: د.نصر حامد أبو زيد إعطاء
"العيش" لخبازه أو العودة لمحاكم التفتيش، مجلة أدب ونقد، السنة 8،
نونبر 1991، العدد 75، ص28.
8-أنظر د.محمد يحيى، معتز شكري، الطريق إلى
نوبل 1988 عبر حارة نجيب محفوظ، ط1، أمة برس للطباعة والنشر، ص 148.
9-أنظر كتابه: الإسلامية والروحية في أدب نجيب
محفوظ، دار مصر للطباعة، ط2، القاهرة، 1978، ص:295 ص:296.
10-"المنتمي، دراسة في أدب نجيب محفوظ.
منشورات دار الآفاق الجديدة ط3. 1982. أما الطبعة الأولى فترجع إلى سنة 1967، ص
239، ص 265.
11- انظر: أولاد حارتنا بين خصوصيتها المصرية
وعموميتها الإنسانية، محمود أمين العالم، مقال ضمن سلسلة "كتاب اليوم"
التي تصدر عن دار أخبار اليوم، ص:103 ص:119.
12-انظر: أحمد كمال أبو المجد، شهادة حول
"أولاد حارتنا". 1994، ضمن كتاب"في حب نجيب محفوظ" لرجاء
النقاش. دار الشروق، ط1، ص 297.
13-انظر: غالي شكري في مقاله"في مواجهة
نجيب محفوظ" المنشور في مجلة الفكر المعاصر، القاهرة، العدد 157، دجنبر 1995،
ص65.
14- نجيب محفوظ، أتحدث إليكم، ردا على سؤال
غالي شكري حول تأثير المأساة الاجتماعية والوجودية على الإنسان، ص 72، ص 73.
15-انظر: نجيب محفوظ في مقاله: اتجاهي الجديد
ومستقبل الرواية، المنشور في كتاب غالي شكري: نجيب محفوظ، إبداع نصف قرن، دار
الشروق، ط.1، 1989، ص13، ص14.
16- المرجع السابق، ص 14.