ص1       الفهرس  81-90

يحدث في عصر العولمة

الفكر والثقافة، التربية والإنسان: قيم أم حطامً؟

وائل كشك

هل نحن نعيش وسط ثقافة كونية خصخصت الأفكار وألحقتها بالاقتصاد على أساس قوانين العرض والطلب؟

هل أصبحت المؤتمرات التربوية مثلاً، فرعاً من فروع السوق الكونية التي يتم في إطارها تسليع الأفكار وتغليفها وتزيينها ضمن مرجعية السوق التنافسية لتصل بالعملية الربحية إلى أقصاها؟

هل نحن أمام واحدة من نهايات فوكوياما؟ هل نحن أمام نهاية التربية وغرق القيم في بحر السوق المضطرب؟

هل أصبح الهدف هو دمج التربية في النموذج الاقتصادي: الإنتاج، التوزيع، الاستهلاك؟

هل بدأ انطفاء هذه الشعلة التي أوقدها العقل عندما احتك بقصيدة شاعر؟ كيف ستتوافق الشعرية مع أخلاق السوق وتكوّن رؤية سوقية؟ هل الأخلاق خارج السوق؟ كيف تؤثر قيم السوق في الجمالية والفن والعلم والثقافة؟

هل نحن إذن أمام سؤال العولمة؟

عندما يُطرح سؤال العولمة يتشعب الحديث حولها كما لم يتشعب حول أي موضوع آخر، إنه يتشعب وأحياناً يتلغز ويتشابك: في محدداتها وطبيعتها، في تمظهراتها ونتائجها، في شموليتها وكونيتها، في علاقتها بالهويات والقوميات، في زوال الدول وتلاشي الحدود السياسية، في حركة المال والشركات المتعددة الجنسيات (التي أصبحت أخطبوطية بدون جنسية)، في أثر تغلغلها في النسيج الثقافي للمجتمعات وتفاعلها مع الفكر والعادات.

وعلى الرغم من ذلك، فإشكالية العولمة تطرح نفسها بعيداً عن العلماء والمتخصصين، فتقدم نفسها من خلال شعارات وتمظهرات اجتماعية وثقافية تعكسها شمولية الاقتصاد، وسرعة حركة رأس المال "المرتبط منطقه بالمنطق التكنولوجي في نوع من التحالف المقدس بين المال والتقنية والإرادة السياسية" (اليحياوي، 1999).

من أجل ذلك لن نطرح موضوع العولمة طرحاً أكاديمياً لنستعرض ما قاله هذا المفكّر أو ذاك الباحث -على أهمية ما قالوا- في تحديد المصطلح والبحث في أثر تكثيف السلع والخدمات والرساميل والتكنولوجيا وتعميمها لتشمل الكرة الأرضية ... لن نتطرق إلى الهوية الثقافية والقومية المعرضة للابتلاع من قبل وحش الرأسمال وثقافة السوق بأنيابها الإلكترونية ... لن نطرح الموضوع في بعده الاقتصادي، ونعيد ما كُتب مراراً وتكراراً عن اتساع الفجوة بين الغني والفقير، ونؤكد "أن 358 مليارديراً في العالم يمتلكون ثروة تعادل ما يمتلكه نصف البشر قاطنين على هذا الكوكب" (مقدادي، 2000) ... لن نجد داعي أن نُذكّر بسقوط قرارات مؤتمر كوبنهاجن الذي انعقد العام 1995، حيث وعد بدحر الفقر، وبعد عشر سنوات انتصر الفقر عندما أقرَّت الأمم المتحدة العام 2005 بازدياد الفجوة بين الغني والفقير، واستمرار سيطرة 20% من سكان العالم على 80% من ثروة الأرض ... الخ.

إننا وببساطة لن نُشغَل بالمفاهيم التجريدية، ولا بتحديد المصطلحات، ولا بمعطيات الاقتصاد ودلالات الأرقام، بل سنُشغل في البحث عن إشكالات العولمة وتداخلاتها في عالم التربية والفكر، والتأمل في الغايات والقيم من منطلق حسّنا بمسؤوليتنا كتربويين، ومنها سنتناول العولمة كمشروع لا يخلق عالماً بلا خرائط من خلال إلغاء حدود المكان وتجاوز الجغرافيا فحسب، بل كمشروع يخلق عالماً بلا معنى، إلغاء الزمان وتجاوز التاريخ، حيث يحل الموضوع مكان الذات والوسائل مكان الغايات.

لكي لا نشطح عن واقع الحال، سنستولد المعنى الأساسي والبسيط للمفهوم من خلال عرض مشاهد وصور ... ولأن البُعد التربوي هو ما يهمّنا في هذه المقالة، لذلك ستكون جميع الصور مجتزأة من أحد المؤتمرات التربوية الذي عُقد في إحدى الدول العربية في عام (2005)، حيث شارك فيه مركز القطان للبحث والتطوير التربوي من رام الله، تقابلها مشاهد تعكس رؤية لما يجري في الواقع المحيط والحياة، ومن خلال توظيف تقنية تقابلية المشاهد والصور، سأقوم بعمل مقاربة بين كل مشهد وصورة، محاولاً استجلاء المعنى على المستويين الكلي والجزئي، والربط بين التمظهرات المختلفة في كل مشهد وكل صورة.

العقل النفعي والمعرفة النافعة

"هناك من يظن بأن العلم والتقنية هما معيار التقدم الوحيدين ... ذلك وهم من يستعمل الكومبيوتر متسائلاً دوماً (كيف) وليس (لماذا)، وكأن التقنية تستطيع تحديد غاياتنا الأخيرة، فينحصر الاهتمام بالحاضر على حساب المستقبل، وبالوسائل على حساب الغايات ...".  (جارودي، 2000)

مشهد

يجلس خلف لوحة تحوي المئات من المجسات الإلكترونية والخلايا الحيّة وأشباه الموصلات، يضغط على أزرار ملونة تصل بهذه المجسات، وفي الوقت نفسه يرنو هذا الجندي بملامح طفولية إلى شاشة كبيرة تُظهر التماعات ضوئية في ليل المدينة الطويل ... لا تكفيه كثافة الالتماعات الضوئية فيوجه الإحداثي الهندسي الصاعد ليشير إلى تكتل يظهر على الشاشة، يضغط على الأزرار فتتصاعد الإضاءة ... في الوقت نفسه لم تر تلك الملايين التي تتابع أخبار القصف ببث حي ومباشر من هذه الإضاءة سوى صورة انبهار تتلاشى معها الأشكال والقيم والمواقع ... قليلون هم الذين رأوا الدم والدموع تنزف على أسوارها، قليلون شاهد طرقاتها تتشعب وتتشظى وتدور وتتفرق، وأقل منهم رأى تلك الملابس البالية تطل من نوافذ مكسرة، تحجب نواح وعويل نسائها ورجالها ... والقليل القليل من بكى بغداد تاريخها وحضاراتها!

 

"مع كل يوم أعير وزناً أقل فأقل الى العقل" مارسيل بروست

(صورة)

جداريات من التكنولوجيا وشعارات تشير إلى تسليم قبلي بإقصاء كل ما هو "غير علمي" من أجندة المؤتمر ... شعارات تعلن عن عالم سريع التغير تؤسس بدائية العصور الحديثة ووحشيتها ... الماضي هو بدائي والحاضر هو عولمي مفروض بقوة العلم ليتقدم الإبداع العلمي صفوف المؤتمر، ويتراجع الإبداع الأدبي إلى خط دفاعه الأخير، هذا إذا لم يكن قد أصبح ذكرى مخيلة الطفولة الإنسانية (الانفعالية).

باحثون يستعرضون دراسات ترتكز على أن الموهبة والإبداع في مجال العلم والعلوم، برامج تدريبية وأبحاث تستند على العلوم منهجاً، والرياضيات مذهباً، لتعليم التفكير أو تربية الإبداع، وخطاب تربوي يسجن الموهبة والإبداع في حدود العلوم والتقنية أو يحددها في مستويات العقل الباردة، وفي الوقت نفسه يشير إلى المبدع في خارج أي سياق اجتماعي أو ثقافي.

في ظل الثقافة التكنوعلمية السائدة التي تكشف عن وجهها الوقائع والأحداث اليومية من عدوان على البشر والطبيعة، يظهر لنا أن العلم والتقنية يقدمان وسائل قوية جداً وليس غايات، وإذا رجعنا إلى مسلمات الثقافة الغربية المسيطرة منذ خمسة قرون، وهي مسلمة آدم سميث في العلاقات الإنسانية والقائلة "عندما يعمل كل منا في سبيل منفعته الخاصة، فهو بذلك يساهم في المنفعة العامة، ومسلمة ديكارت في علاقاتنا مع الوجود التي تجعلنا أسياداً وملاك وجود، ومسلمة فاوست في علاقاتنا المستقبلية، حيث قد يتحول الإنسان بفضل عقله إلى سيد أو إله" (جارودي، 2004)، نجد أن في هذه المسلمات يكمن منبع القوّة اللاعقلانية للعولمة المفتقرة للوجه الإنساني، والمرتكزة على تغيير الطبيعة لامتلاكها، وتشييء الإنسان والتلاعب بالأشياء من خلال عقلانية صارمة كانت نتاجاً لتفرد العلم المعاصر بمصدر معرفي وحيد (المصدر الإمبيريقي)، "الذي أزاح مصادر معرفية أخرى غير قادرة على المنافسة، وهذا هو ما يشكل لب العولمة" (الحمد، 1999).

الذي قال إن هناك طريقاً عالمياً ووحيداً للتقدم، عكس كارثة على التنوع والتعددية في الحياة، والعولمة تقع في هذه الخانة، وعلى هذا الأساس يُمكن أن نفهم غياب حقول الأدب والشعر والموسيقى في منطق العولمة (منطق الاستخدام أو الاستعمال)، لأنه "في الشعر والأدب والموسيقى لا نعبر عن العالم أو الشيء من زاوية بعده الاستعمالي، بل من زاوية بعده التأملي ... نتاج العلم استخدام، أما نتاج الشعر والأدب فكشف وانفتاح" (أدونيس، 2005).  إذا كان للشعر دور في هذه الحضارة المتوحشة فهو أنه "يساهم في تحرير الإنسان من عقلانية متعولمة تشيئ الإنسان وتسلعه" (جارودي، 1988).

إن تركيز الإبداع والموهبة على مجال ينطلق من عقلانية صارمة وباردة، يعني نفياً لما هو شعري ودافئ في الإنسان والعالم وترسيخاً لما هو آلي ونفعي في الإنسان والحياة ... نفياً لأعمق ما في الإنسان لما ليست له قيمة سلعية ولا يمكن أن تكون له ... نفياً لكل ما هو جميل في الوجود، (كيف سيكون الجميل جميلاً وقد ذابت كل القيم وانهارت المقاييس أمام الصنعة التكنولوجية الصاعدة؟ وكيف سيكون الجميل جميلاً وقد أصبح العالم يرى الآلة في منفعته العملية أكثر جمالاً من رؤية فنية داخل لوحة لبيكاسو أو غويا أو دافنشي؟).

ألم تُنتج ثقافة السوق قيمة الاستهلاك التي بدورها أفسدت الجمال حتى أصبح عصرنا يعاني جمالياً، حيث الكيماويات تؤمِّن أشكالاً لامتناهية من الأصباغ والبضائع البراقة حاجبةً الحقيقة الداخلية لتلك البضائع؟

ألم يَحِلْ التغرير في جدوى بضاعة معينة مكان الصدق والقيمة الحقيقية لهذه البضاعة؟

إن التدهور في جودة الحياة، من تلوث وأمراض وفقر ومجاعات، يعود إلى رؤى العقل في العلوم والأخلاق في الأوهام ... وهذا بدوره أدّى في أيامنا هذه إلى قَصْر العقل في العلوم وانحسار القيم في اقتصاد السوق، وبالتالي إطلاق العنان للتكنولوجيا لتنمو بصورة جهنمية على حساب صحة الإنسان وجمال الطبيعة ودفء العلاقات بين الناس ... يقول موران:

"كل ما كوَّن الوجه المضيء للحضارة الغربية يتزامن اليوم تدريجياً ومظاهر الانشطار والوحدانية والتمركز حول الذات وتقهقر التضامن ... والتقنية التي خلصت الإنسان من المتاعب العضلية بنقلها إلى الآلات قد استعبدته وفي الوقت نفسه رهنت المجتمع بمنطق الآلات الكمي ... هذا التحول نموذج لأزمة الحضارة التي نعيشها على اعتبار احتكام العالم إلى المنطق الاقتصادي والعلمي ..." (يحياوي، 1999).

إذن هل يكفي الحديث بانبهار وإعجاب عن الثورة المعلوماتية وثورة الاتصالات ودورها في تطور المجتمعات وما أضافته من كم معرفي وضعته في متناول أي إنسان، دون أن نتكلم عن تقلص الذكاء بسبب تعود الذهن على الكسل العقلي، حيث لكل سؤال جواب؟ هل يكفي أن نتحدث عن فضائل الإنترنت وسرعة الاتصال دون أن نتحدث عن غياب العلاقات و"تحول الكلام إلى صمت، واللغة إلى إشارة، والتخاطب إلى شيفرة؟" (حنفي، 1999).

من البديهي حدوث اتصال ذهني من خلال الشبكات الإلكترونية، ولكن هذا النوع من التواصل سيعزل حتماً الوجدان.

عندما اقتصرت حمولة العقل على الفكر والعلم تم تخريب الطبيعة والإنسان، ومن المفيد الذكر هنا أن أول من وضع أسس التجريب هم رجالات الفكر الغربي من بيكون الذي قال "إن علينا أن نقهر الطبيعة ونسخرها لخدمة الإنسان"، إلى ديكارت "الذي تساءل عن جدوى الحب والجمال في العمل في عالم يكون الإنسان فيه هو سيد الوجود"، إلى هوبس "الذي يرى أن القوانين الرأسمالية هي قوانين طبيعية، وقد أسس لمبدأ الملكية الفردية والتنافس دون هوادة"، إلى لوك "الذي روج لفكرة إنشاء البنوك عندما أشاد بنظام الفائدة الربوية اللازمة لحياة الدول" (جارودي، 2004) ... إنها بدائية عقلانية أصيبت بلذة الحوزة والاستملاك، وقد أدت فيما بعد إلى إصابة العقل بلذة الفهم المجرد!

 (من اللافت هنا أن سؤال العقل والفكر بدأ من الشرق في انزياحه الحضاري غرباً، استبعد المفكرون والعلماء الكونفوشية وزرداشت وبوذا وبدأوا من أثينا الإغريقية.)

عندما تختزل النظرة إلى العالم في البعد التقني ولا ترى العالم بتداخلات مكوناته البشرية والإنسانية، بل تراه تدفقات إلكترونية ورموزاً، فلا غرابة عندها أن يتقلص الإحساس بالمسؤولية الأخلاقية اتجاه الآخر، فيجلس جندي خلف المجسات الإلكترونية وأشباه الموصلات ويتسلى بلعبة القتل والتدمير ... وعندما تُختزل النظرة إلى العالم في البعد النفعي وتختل التوازنات البشرية مع الطبيعة، لا غرابة عندها أن تتقدم الآلة ويموت الإنسان، وأن تتطور الكاميرا ويموت الفن، وأن تزداد المتاحف وتموت الغابات!

هذه ليست دعوة لإلغاء العلوم والعلم، بل دعوة إلى تغيير النظرة إلى العلم رؤيته كأفكار جافة ومجردة إلى رؤيته كحقائق لها خلفية قويّة من عواطف الإنسان ومشاعره وثقافته الواسعة التي تجعل صاحبها قادراً على الارتقاء، ليس بعقله فحسب، بل بروحه ونفسه، فيستعيد وجدانه في الإدراك والفهم ... إنها دعوة أيضاً إلى تغيير النظرة مما يعطينا العلم وينفعنا به في الإطار الفردي الضيق إلى ما يأخذه منا ويضرنا به في الإطار الإنساني الواسع، من خلال رؤية ترتكز على التعددية والتنوع ... إنها دعوة إلى بناء عقل يكون قادراً على تنويع محمولاته من قيم وأخلاق، كما كان قادراً على حمل معقولياته من علم وأفكار.

ثقافة السوق وتسليع التربية ... خصوصية الفكر واستيراد الفكرة

"إن هذه الحضارة- المجتمعات الصناعية- قادرة على إضفاء صفة الحاجة على كل ما هو زائد عن الحاجة، وفي هذه المجتمعات يتعرف الناس على أنفسهم في بضائعهم، ويجدون جوهر روحهم في بيتهم الأنيق وفي أجهزتهم".(ماركوز، 1988)

(مشهد)

يستيقظ "إنسان العصر" على صوت خارج من تلفزيون كوري صُنعت أجزاؤه في اليابان، يشرب شاياً مستورداً من سيلان ومعبأً محلياً بأغلفة مصنوعة في الصين، يشاهد رقصة التانغو الأرجنتينية يرقصها الشبان في المغرب ورقصة الصالصا الكوبية ترقصها الشابات في رومانيا ... يجلس في سيارة مصنوعة في فرنسا، ولكن معظم أجزائها من مختلف أنحاء العالم ... يصل مكتبه ويجلس أمام الحاسوب المتصل مع جميع أنحاء العالم، يتم اختزال العمل في أكبر قدر من الزخم في المحتوى وضغط الزمن، في مجموعة من النبضات الإلكترونية والصور تتدفق بكثافة، تجعل هذا الإنسان يعيش حاضراً مكثفاً ومشحوناً، سرعان ما يصبح ماضياً ... يتجول عصراً مبهوراً بآخر التقليعات التكنولوجية التي تغزو السوق، يريد أن يقتني الهاتف الخلوي الأجمل ذا الصوت الأنقى أو الثلاجة الأكبر التي تُبَرِّد أسرع ... ملصقات على واجهات المحلات يعلن أصحابها أن بضائعهم هي الأفضل والأجمل والأقوى ... اقتناؤها يدل على ذوقك الرفيع، وبها تحقق مكانة اجتماعية أعلى أو أرفع ... الخ.

يتوجه إنسان العصر مسرعاً إلى بيته لكي لا تفوته مباراة كرة القدم بين الفريق المغربي والإيطالي، الفريقان يلعبان بملابس متفق عليها والاختلاف الوحيد هو في اللون ... ملايين الناس تشاهد المباراة في اللحظة نفسها، وجميعهم يتنافسون على الكأس نفسه ... جداريات الملعب ممتلئة بإعلانات شركة كوكاكولا تربط بين السلعة والصحة والجمال، وتثير الإحساس بالعطش وسط تصبب عرق اللاعبين، فيميل المشاهد لشراء السلعة لكي يروي عطشه وكبريائه ... يتخلل إعلانات الشركة الراعية إعلانات لمختلف الشركات تتأسس دعايتها على مفردات الأكبر والأجمل والأقوى والأفضل ... الخ، حتى يخيل أن المباراة الرياضية هي للإعلان عن سلع هذه الشركات.

إعلانات تتوسط المباراة تبث صوراً تربط السجائر بالقوة والفروسية من خلال فارس يعشق المغامرة، ويسابق كل شيء وسط الضجيج والغبار، وتأتي المكافأة حسناء وسيجارة بعد التعب والمطاردة... تليها إعلانات العطور والمساحيق تربط بين التميز والجمال، وتؤكد أن هذا العطر هو الطريق الأضمن للوصول إلى القمة.

 

"أريد أن تهب ثقافات كل الأراضي بمحاذاة منزلي، وبكل حرية، لكني أرفض أن أنقلب بهبوب أي واحدة منها". "غاندي"

(صورة)

رجل جاء من جمهورية السودان وهو أستاذ في علم النفس في جامعة الخرطوم، يستعرض دراسة قال إنه راجع فها خمسين بحثاً في مجالات الإبداع والذكاء والموهبة في العالم العربي، حيث أظهرت هذه الدراسة أن غالبية مقاييس الإبداع والذكاء والموهبة، صُممت في أمريكا، وتُرجمت وكُيفت في مصر، وطُبقت في بعض الدول العربية الأخرى.  ووجد أن سبعين بالمائة من هذه الدراسات لا توجه أي نقد، وأنها في غالبيتها أُجريت على شرائح طلابية.  وقد أشار في مداخلته إلى تكرار وتقليد الباحثين العرب للنماذج الغربية في الأبحاث التربوية والبرامج التدريبية، ومحاولة هؤلاء الباحثين من خلال عربنة الأبحاث-وليس تعريبها-  إسقاط منهجياتها وأدواتها، وأحياناً نتائجها قصراً على الواقع المحلي، وبهذا ينجح الباحث العربي- على حد قوله- في التركيم والمزج والتكويم ...  أنهى مداخلته بعدد من التساؤلات منها:

-        "لماذا الإطار الغربي هو المحك الرئيسي لفهم الإبداع في العالم العربي؟"

-        "هل الباحث العربي لا يستطيع فهم الإبداع العربي وتحليله وتقييمه إلا بالرجوع إلى كتابات جيلفورد، وتورانس، وجاردنر، وتيرمان؟"

"ينهي هذا الشخص مداخلته ويخرج الحاضرون في موعد الغذاء ... المأكولات كانت موضوعة على طاولات لا تبعد إلا بضعة أمتار عن تلك الطاولات التي تعرض كتباً تربوية، أحدها كان مكتوباً على غلافه "تعلم الإبداع في ثلاثين يوماً"... الثاني "أقصر طريق لتعليم التفكير مع برنامج كذا"، وعنوان "وجبة سريعة لتعليم التفكير" يظهر على غلاف مجلة تهتم ببرامج تعليم التفكير!

قد نكون في هذا العصر أمام أشكال للفكر الاستهلاكي بمسمياته كافة مع قليل من أشكال في الفكر الأصيل، ويميز فاشه (2002) بين نوعين من الفكر: "فكر استهلاكي وفكر أصيل له جذور"، حيث الأول يكون باستيراد النظريات والمعارف والبرامج والأدوات من الخارج وتغليفها بغلاف محلي، فتصبح سلعة تباع إلى الناس "كوجبات معرفية"، وكأن فيها من الحقائق ما هو أكثر حقيقية من حقائق الحياة، ومرجع هذا الفكر إما نظرية فلان أو نتائج بحث علان من علماء الغرب وباحثيه ... والنوع الثاني ينبع من الحياة ويتكون بالفعل والتفاعل والحوار والتأمل والاجتهاد والقراءة، ولا يحتاج إلى غلاف لأن الجوهر يغلفه، أما مرجعيته فهو "الصدق مع الذات"!

إن هذه النظرة نحو "الشيء" الجاهز المنقطع عن أي جذور، وهذا الانبهار بتلك السلع المستوردة -العينية منها أو الفكرية- فتح الباب أمام منطق العولمة، حيث مصادر مكوناتها مختلفة، فتُجمَّع وتتعولم وتصبح أكثر تجانساً وتشابهاً لأنها موجهة إلى السوق العالمية، وعلى مرويجيها القيام بغسيل دماغ من خلال صور تثير الخيالات والأوهام، وتعطل الحس النقدي، وتهدف إلى توحيد الاستهلاك وتقريب الأذواق، وبهذا نكون أمام منتج عولمي:

لاعبين تتوحد ملابسهم، تلفزيونات وسيارات تتوحد أشكالها، برامج تدريبية تتوحد غاياتها، وبحوثاً تتوحد أدواتها ومعاييرها وأحكامها.

إذا توقفنا مثلاً أمام البرامج الرائجة في مثل هذه الأيام والمتعلقة بتعليم التفكير، نلاحظ أنه جرى إعدادها وفقاً لأسس الهندسة الاجتماعية والثقافية للغرب، وهيَ تُعلِّم النشء كيف يعمل وليس كيف يفكر ... وهي أيضاً تتوحد في غاياتها وتتفق على ضرورة السرعة في تحقيق أهدافها ... إن استيرادها يعني أن المعلومة أصبحت سلعة ولم تعد خدمة، أصبحت حقاً لمن يملكها وليست واجباً عليه اتجاه الآخرين!

 

في مجتمع السوق لا تُجرَّد "التربية" من صفة القداسة، بل تصبح سلعة في سوق التربية، وكما أي سلعة أخرى، تصبح التربية قيمة يُتاجر فيها، وتبضيعها يفتح المجال أمام نجومية صاحبها، بحيث يتولى الإعلان الترويج لمالكها، وبالتالي "فإن استيعاب القيم على أنها قيم تجارية ليس فساداً يضرب المجتمع، بل هو جوهره" (بسطاويسي، 2001).

إذن لا غرابة في خضم بحر العولمة أن تتحول برامج تعليم التفكير في عالم سريع ومتغير إلى "وجبات سريعة لتعليم التفكير"، فتتسلع هذه الوجبات وتُدرج في سجلات غرف التجارة والصناعة فتُوثق لوكيلها وتعطيه الحق لامتلاكها، فاتحةً الباب أمام نجومية تصنعها المؤتمرات والمؤسسات المالكة للثروة والمال.

إن هذه "الوجبات" مستوردة  من الغرب -بشهادة وكيلها- وكما ظهرت في إحدى المجلات التي تُروِّج لأحد برامج تعليم التفكير، فإنها وجبات ماكدونالد التي تُُعبِّر عن مرحلة المستر ماكدونالد الذي يشترط حتى الخبز ورقائق البطاطا على وكلائه، ولا مانع من رش بعض الملح والبهار المحلي عليها التزاماً منه بديمقراطية السوق، التي تمنح المستهلك هامش حرية اختيار يعادل هامش حرية الاختيار بين البيبسي كولا والكوكاكولا، أو ما يعادل هامش اختيار لاعب كرة القدم لألوان ملابسه! كما أن هذه "الوجبات" تقلّص العلاقة الحميمة بين الإنسان وبين الخبرة المباشرة بعمله وبالحياة من حوله ... وجبات تغنيه عن الانتقال في الزمان والمكان، تغنيه عن معاناة تطوير خبرته الجمالية لأن تَلقّيه للمعارف والخبرات يكون تلقّياً آلياً، وبذلك لا نبني إنساناً مبدعاً ذا فكر افتراقي، بل مسخ مكرر ذو فكر واحد وذوق واحد.

أمام ثقافة السوق ينتعش المنظور التسليعي للتربية، هذا المنظور الذي يرى البشر لا في أبعادها الإنسانية والقيمية، بل كموارد اقتصادية يمكن تشكيلها وتبضيعها وتسويقها، وذلك بفضل الوسائل الحديثة في تلقين المعارف والقيم وأنماط الموضات والسلوك وتلقيها في عصر شديد السرعة، يصبح فيه حتى التفكير يقدم "كوجبة" جاهزة وضرورية لكل فرد حتى يواكب عصراً يتكوّن طعامه من مأكولات سريعة تُقدَّم في مطاعم فاخرة، ولن أقول أرستقراطية لأن الأرستقراطية هي فن شكل الحياة، ولكن المناخ الذي يسود تلك المطاعم لا فن فيه ولا حياة!

إننا نرى أن الاستهلاك يشكل شريان هذه الحياة، حتى أن المعرفة تحولت إلى سلعة وأصبح المفكر نفسه بضاعة في سوق الاستهلاك ضمن الآلة المؤسساتية التي تتنافس في دفع المال لهذا الباحث أو ذاك المفكر، وهو في الواقع ثمن لهؤلاء. وقد تستبدل هذه المعرفة حاجاتها بفضل متطلبات السوق، ولذلك فإننا أمام "استلاب معلوماتي" يتمثل بأنماط مصنعة وجاهزة للاستخدام، حيث أن الأبحاث التربوية بمجملها تستند إلى مصفوفات الأرقام وفراغات الاستبيان وبطاريات ومعايير مستوردة ... ويبدو أن الاستلاب المعلوماتي هو شرط لازم لتحقُق الاستلاب الاستهلاكي المرتبط بالخواء النفسي والروحي، حيث يُوهم الفرد بحيازة المعرفة تماماً كما يحوز على سيارة أو قطعة ملابس، ولكن هذه المعرفة معرضة للاندثار أمام معارف-بضائع جديدة، ومن هنا ربما نفسر حديث التربويين عن الموضة في المنهجيات والوسائل والاختبارات وبرامج تعليم التفكير.

من ناحية ثانية، فإن واقعاً مبنياً على سوق حر ومرن لا رحمة فيه وكله نزاع وقتال من أجل السيطرة والربح، "يُخرج من هذا الأتون المستعر قيماً في داخل المجتمع مثقلة بالنفعية والواقعية" (أدهم، 2003)، وتندمج هذه القيم في منظومة القيم السائدة، ويصبح بالتالي الانتماء إلى السوق فيه انتماء إلى قيمة التملك التي تؤسس لها "حاجة"، يروج لها إعلام الإعلان من خلال شبكات هائلة تمارس عملية غسيل "قيم"، وتصنع الموافقة من خلال خطاب يرتكز على الخصخصة والمنافسة (سواء على كأس في ملعب كرة قدم أم على برنامج تربوي في مؤتمر)، ومفرداته هي أفعال التفضيل: أكبر، أسرع، أجمل، أطول ... الخ، ومن شأن هذا الخطاب تجذير قيم الأنانية (هذا الوحش الغريب الذي باستطاعته أن ينام تحت أشد الضربات عنفاً، ثم يستيقظ مجروحاً حتى الموت بسبب خدش بسيط على حد تعبير الروائي البيرتو مورافيا) ... هذه الأنانية تغدو كمرجعية في تصور العالم وتمثله، وتُشكِّل خطراً على الكون والطبيعة والإنسان عند أقل خدش لمصلحة صاحبها.  إن شدة الحرص بأفعال التفضيل تجعل كل فرد يعتقد أنه الأجدر والأولى، فتتصاعد الرغبة بالتملك، وتدفع الفرد إلى سباق وتنافس من أجل تحقيق الغاية مهما كانت الوسيلة.

في منطق العولمة كل شيء يتسلّع، وذلك من خلال إعلان مُكثَّف ومشغول بإتقان يقوم على بيع الأحلام ودغدغة المشاعر وإثارة الرغبات-في عالم محاصر بالرغبات- عن طريق مختلف أشكال الربط بين السلعة والصحة والجمال ... حتى الأوهام سُلعت؛ فأوهام الثروة تباع للفقراء، وأوهام الحرية للمضطهدين، وأوهام النصر إلى المهزومين، وأوهام تعليم التفكير إلى المحتكرين!

الإنسان الذات ... الإنسان الموضوع

"كم هو خطير أن نتأقلم مع حضارة الكم والعقل النفعي والمنطق الديكارتي وديانة الوسائل، وكل هؤلاء يقطعون الطريق إلى الغايات النهائية ومعاني الحياة ...".(جارودي، 1999)

 (مشهد)

معلومات هائلة تحصل عليها المخابرات الأمريكية في كل ما يتعلق بالعراق، وذلك بواسطة شبكات الكمبيوتر الضخمة.  يصرح فؤاد عجمي (أكاديمي وأحد أعضاء الحزب الجمهوري في أمريكا) لتلفزيون الجزيرة عشية الحرب على العراق "إن التقنية الأمريكية المذهلة قادرة على رسم توقعات لما ستؤول إليه عملية تحرير العراق بنسبة خطأ لا تزيد على خمسة بالمائة ... تم استخدام كل الأدوات العلمية في التحليل واستخلاص النتائج ... بعد احتلال العراق تفشل هذه المعلومات الكمية والأداة العلمية في التنبؤ بالكرامة العراقية.

 

إن العقلانيين هم الذين يبدو أنهم لا يأبهون بالدخان والضباب اللذين يستخدمهما اللاعقلانيون لزرع الشكوك حول الوضوح للمفاهيم المتآلفة مع بعضها في أحسن الأحوال ... إن الإفراط في الوضوح على صعيد الكم، يعادل تماماً الإفراط في التعجب على صعيد الكيف، فغالباً ما يكون الوضوح العددي انتفاضة في الأرقام مثلما يكون العجب "ثورة في التفاصيل".(باشلار، 1996)

 

 (صورة)

كان معظم مقدمي البحوث في المؤتمر يجتهدون في إقناع الجمهور بأن التعديلات التي أجريت على مقاييس الذكاء والإبداع تُناسب البيئة المحلية، وكان معظمهم يصف طريقة لقياس متغيرات الدراسة أكثر مما يصفون واقع الموضوع، كانوا يتحدثون عن الإطار ويهملون السياق والجوهر، كانوا يكتفون بإعطاء بعض الأمثلة للتدليل على الخفة في الانتقال من قياس كمي إلى آخر... حتى أثناء الحوار من قبل الحاضرين كان خطاب الباحثين التربويين فيه رفض للغموض، ما قد يعني رفضاً لما لا يخضع للعقلية الحسابية، رفض لما لا يخضع إلى تنظيم أو نسق.

في عصر فقدت الكلمات معانيها في زحمة السرعة، غابت اللغة وأصبحت مجرد أداة لتكنولوجيا الاتصال، فطغى الرقم وتربع على عرش البحوث التربوية.  ويبدو أن العلوم الإنسانية منبهرة أمام هذه الثورة العلمية الكاسحة، ويبدو أيضاً أن أصحابها مضطرين إلى تقليد العلوم فاستعاروا مناهجها وأصبحت العلوم الإنسانية في جوهرها "تقنيات للتلاعب بهدفها الذي تحوّل من الطبيعة إلى الإنسان، معتبرةً هذه العلوم الإنسان شيئاً" (جارودي، 1988).  هنا أصبح الرقم والقياس عندهم يؤشر إلى الحياد والموضوعية، وقد نُصِّبَت الموضوعية معياراً أعلى للحقيقة، وأنذرت بتحويل الذات إلى موضوع، الأمر الذي أفقد الإنسان فرصة أن يكون ذاتياً وحطّ من حقه في الخيال.

 (ألم يفقد الطفل حقه في الخيال، وبالتالي ذاتيته عندما نأخذ نحن التربويين على عاتقنا تعليمه كيف يصبح موضوعياً؟).

إن إخضاع السلوك الإنساني للقياس فيه مسخ لقيمة الإنسان وتلاعب في المصير والغايات ... كل الأرقام والمعطيات لا تستطيع قياس القيم والرغبات ولا تتنبأ بمقدار الحزن ودرجة الكرامات ... كما أن إخضاع الظواهر الإنسانية للمحكات والمعايير يطرح سؤالاً عن جدوى هذه المسطرة المعيارية ومدى الأهمية في تقسيم وتصنيف الناس وترتيبهم على سلّم ليس من نتاج ثقافتهم وبيئتهم؟ وفي هذا السياق، نعتقد أنه لا يجوز أن نستورد اختباراً لقياس الإبداع ونواتجه ليصبح نموذجاً لتقسيم الناس إلى مبدع وغير مبدع، أو موهوب وعادي، في هذه الحالة كيف "نبرر تطبيق مقاييس عالمية على كل الناس في عالم متنوع بشكل كبير؟" (فاشه، 2002)، أم أنها ثقافة السوق أو هي داؤه؟ ... داء التمايز وفي الوقت نفسه داء انعدام الخصوصية؟

حتى ندرس الإبداع يجب أن نعمق التناقض بين النمذجة واللانمذجة، أن نلغي النمط والطراز والشبه، وأن نوطن ليس علم نفس محلياً، بل نوطن الحركة والطريق والتجاوز.

الإبداع في عالم سريع ومتغير...

"بعد أن كافح الإنسان في الماضي كي لا يتحول إلى عبد، عليه أن يناضل كي لا يتحول إلى آلة...  (آريك فروم)

 (مشهد)

يجلس أفراد الأسرة صامتين دون حراك يشاهدون مسلسلاً أجنبياً "أكشن" ... ينتهي المسلسل وتنتقل الصورة إلى روبي، ونانسي، عجرم، وهيفاء وهبي، فتثار أكثر الهوامات المتعلقة بالرغبات والأحلام، ويتحول الواقع إلى سوبر خيال يجري فيه هذا الإنسان لاهثاً على أمل الوصول إلى الجنة الموعودة، ويبقى يجري وراء وهم الوصول غارقاً في أوهام تمنحه فرصة هروب من واقع الحياة ... يصحو على نشرة أخبار فيها جرعة حزن تعيد لهذا الإنسان حالة من وهم التوازن، وتؤكد له أن العالم يغرق ويحترق، وعلى الرغم من ذلك فهو بخير ... تبدأ نشرة الأخبار بتقل أحداث المآسي والمجازر والحروب وصور الشهداء، وذلك في لقطات سريعة ومسلوخة عن سياقها تكون هذه اللقطات متراكمة ومتزاحمة لا تقدم من المشكلات إلا مظهرها، وقبل أن تصل نشرة الأخبار إلى نهايتها تكون نشرة الأحوال الجوية في دقيقة، ثم هياج البورصة وأسعار المال فأخبار النجوم وعارضات الأزياء وتُختم بأهم الكوارث البيئية التي حدثت على الكرة الأرضية.

 

"تفقد الألفاظ في الزحمة والسرعة والتراكم معانيها، وتصبح اللغة في غياب المعرفة مجرد أداة لتكنولوجيا الاتصال، وتصبح الكلمات مرجعيتها في الواقع المحسوس مجرد كلمات". (عثمان، 1999)

 

(صورة)

جدل سريع حول المعاني الاصطلاحية للموهوب والمبدع والخارق، نقاش أسرع حول صفات الموهوب والمبدع، دراسات تجتهد في وضع المعايير العالمية وتكييفها ... دراسات للمبدع والمبدعين خارج السياقات الاجتماعية ولا أثر للتمايزات الثقافية في هذه الدراسات.

يبدو أن المعارف في عصر العولمة تتطور بالانطباع لا بالإقناع، حيث شاشة الحياة -كما هي شاشة التلفزيون-في عجلة من أمرها، فلا وقت للتفكير والتأمل والتحليل والاستيعاب، وعلى الرغم من الزخم والكثافة، "فكل شيء يُطوى ويتقادم في سرعة ويظهر إنسان العصر كالمسافر في قطار فائق السرعة، لا يكوّن عن المشهد الخارجي سوى انطباعات عامة جدا" (حجازي، 1998).

لا يمكن تكوين معرفة ذات معنى بالانطباع، وبالتالي لا معنى لفعل هو خارج السياق الحقيقي والواقعي، فلا يمكن مثلاً أن ندرس الإبداع بعيداً عن واقع التجربة والحياة، أو بعيداً عن تصادم الخيال والحلم بالواقع ومشكلاته، وعلى حد قول سلامة موسى "فإن الإبداع والعبقرية يتربيان بالاشتباكات الاجتماعية ومصادمة المشكلات في المجتمع ومحاولة حلها، ولا ذكاء ولا عبقرية لإنسان ينفصل عن المجتمع" (الفقهاء، 2002).  وكما أنه لا يُمكننا أن نفصل المبدع عن المجتمع، فإننا لا يمكننا فصل ذات المبدع عن الموضوع (الواقع)؛ لأن المبدع يأخذ من الواقع المتوتر عناصره فيحسها ويعقلها ... إن الإبداع يقتضي التحام ذاتية المبدع والواقع والتفاعل بينهما، فلولا التحام فان كوخ بتلك الطبيعة الفائقة الجمال لما رأينا تلك الحقول الملتهبة بالضياء، ولولا حسرة الكسندر فلمنغ على من ماتوا من أقاربه بالمرض لما اخترع البنسلين ... كما أن أعمال المبدع ليست أعمالاً فردية أو أعمالاً تخصه وحده، فهاملت شكسبير هو نتاج المجتمع الأرستقراطي في عصر النهضة، وجان فلجان هيجو هو نتاج الظلم الاجتماعي في مرحلة ما بعد الثورة الفرنسية، وأعمال ديكارت هو رأس الجبل الجليدي المغمور في محيط تطور العقلانية العلمية ... الخ.

ما نود قوله هنا هو أن الأفكار الإبداعية لا تأتي من فراغ، وإنما تلهمنا إياه أعمال وأفكار وإنجازات الآخرين وتجاربنا والتأمل في خبراتنا.  إن حركية الفكر الواحد تؤرخ لهذا الفعل الجديد في ظل العولمة، ليس في أنظمة الدول والمؤسسات الاقتصادية فحسب، بل في مراكز البحوث والمؤسسات والمعاهد ... هذا الفكر الواحد ينبني على ركائز مفادها أن "كل إنسان في المجتمع يفكِّر كما يريد لا كما يريد له سلم القيم المشتركة أن يكون، ولذلك فليس مهماً أن ينظر إلى المنتج الإبداعي من خلال تأثيره على القيم أو قيمة المنتج في حد ذاته، بقدر تقييم هذا المنتج وفق المصالح الخاصة والمنفعة" (يحياوي، 1999).  لذلك، يرى أصحاب الفكر الواحد كل المشاكل فردية والإبداع شيئاً فردياً ولا يخضع في نهاية المطاف لتصور القيم المنبثقة من الروح والعقل والشعور الجمعي ... ولهذا، يجد إنسان هذا العصر نفسه في عزلة، يهرب من الواقع ولا يتفاعل معه فيبتعد عن الواقع أو الواقع يبتعد عنه، ويتحول هذا الواقع إلى "واقع موضوعي" قدري وحتمي، ويتم التفاعل معه بصورة مجردة بلا روح ولا أثر للحياة فيه ... يهرب هذا الإنسان وحده إلى نانسي وروبي وهيفاء، مبتعداً عن فاطمة وبهية ووفاء ... ومع الوقت تصبح هذه العزلة أحد مظاهر الأنانية المنبثقة من العولمة في مفهومها المادي ومرجعيتها الاقتصادية النفعية الجافة، التي تتعامل مع الفرد كذات مجردة، تائهة، مفردة، مستسلمة للصورة ومنبهرة في التكنولوجيا، وهنا عندما تخرج الكلمة من الحاسوب أو الصورة من التلفزيون، فإن الإنسان يستقبلها بدون تفكُّر أو تأمُّل أو تذكُّر، ويتحول بذلك إلى مستهلك صور، أو مُستقبل كلمات مجردة من أي معنى إنساني، وبالتالي فإن العزلة التي يجد الإنسان نفسه فيها هي إحدى بذور اللامبالاة بالآخر ... ومن هنا يكون القلق من المبدع وليس على المبدع ... القلق مصدره اللامبالاة بالحياة والإنسان في علاقتهما الراهنة، فمن كان لامبالياً بالواقع القريب سيكون قاسياً على كل ما هو بعيد.

أسئلة تستولدها الصورة وتساؤلات يفرضها المشهد

لا شك أن التأمل في المشهد الواقعي يضعنا أمام الكثير من الأسئلة والتساؤلات التي تتعلق بواقع حياتنا وواقع عملنا ... في هذا الإطار أسوق بعض التساؤلات، ليس بهدف التشجيع على تقديم إجابات، بل ربما للحث على إثارة المزيد من الأسئلة والتساؤلات:

- عندما تتحول التربية إلى سلعة والفكر إلى وجبة، كيف – كمعلمين- ستكون أشكال بضاعتنا؟ كيف سيصير مضمون رسالتنا؟ كيف سنحمي إنسانيتنا؟

- عندما تتوحد القيم والأذواق بفعل العولمة خدمة لقوانين السوق ... عندما يتوحد الذوق ويُلقى الطَعْمَ في مذاقات الكوكاكولا والهامبرغر والجاز ... إلا يحق لنا أن نسأل: كيف سنبني تعليماً فيه احترام للتعددية والتنوع في الحياة؟

- عندما يسود القياس ويطغى في البحوث، هل من المفيد قياس سلوك الناس وتصنيفهم بناء على معايير غيرنا؟

- عندما يكون الرقم أساساً لترفيع الطلاب وقبولهم في الجامعات، هل من العدل اختزال قيمة الإنسان برقم؟ ثم لماذا تصنيف الناس أصلاً؟ ... كيف نفهم مجتمعاً يُنجب طبيباً جيداً ولا ينجب كناساً كفئاً؟

- عندما يتطلب تجميع المعارف والإبداع ضرباً من التركيز والصفاء، في حين يلغي الاستهلاك التركيز ويشوش الصفاء ... عندها، كيف نفرق بين الكون الفيزيائي والحياة؟ كيف نتوحد مع العالم الخارجي الثري والداخلي الأكثر ثراء؟ ... كيف سيكون شكل الحياة إذا لم نعطِ للعالم الخارجي سوى المعنى الذي ينتج عن قياس آلات الفيزياء؟

- عندما تفقد الكلمات في عصر السرعة معانيها وتصبح اللغة في غياب الثقافة مجرد أداة لتكنولوجيا الاتصال ... ما شكل معارفنا، حيث أصبح حتى "المثقف" ملولاً، يطالع بدايةً ما يقرأ ثم يمارس التزلج بنظراته على الحروف قاضماً سطراً هنا ومعضعضاً فقرة هناك حتى يصل إلى السطر الأخير؟

- عندما تبدأ الأشجار بالشحوب ... عندما تتأوه الطبيعة اختناقاً وتعتصر ألماً ونسمعها تشكو إنساناً يستمر في ضربها بسياطه، كيف نبني مفهوماً للعلم يكون أكثر رحمة بالطبيعة والإنسان؟

- عندما تتحرك كائناتنا اليوم كالدمى الدائخة في دائرة هذا المظهر الاستعراضي الذي تتفاخر به، وتزهو متنامية على حساب نقاط وجودها الحقيقي ... ماذا نفعل أمام فقدان هذا "الوزن النوعي" الداخلي الإنساني؟

- عندما تكون النتيجة كلية الأهمية وتقاس على أساس قوانين السوق الكمية، كيف سنواجه انفصال الوسيلة عن غايتها؟ كيف نفهم علاقة الوسيلة بالغاية خارج علاقة البذرة بالشجرة، حيث الشجرة لا تُبررها البذرة بل توجدها؟

محاولة إيجاد طريق تبتكر الدرب

"إن الشعور الأصلي بالوجود هو امتلاء داخلي، ينعدم اليوم لصالح استثارة حواسية دائمة صنعها بريق تكنولوجيا الإعلان، وانعدام الشعور بالذات ينعكس حتماً في غياب إحساسها بوجود الآخرين، بحيث يتمدد "المجال الحيوي" للجسم متطاولاً على مجالات الآخرين، متعدياً عليه". (جارودي، 2000)

يقول أحد منظري الرأسمالية ميشال البير: "إن غاية الربح هي الربح، وإن الضرورة المهمة هي انتزاع المسألة الفلسفية من الغاية للتركيز على دراسة الوسائل دراسة تقنية" (جارودي، 2000) ... وهكذا في عصر التكنولوجيا وما رافقها من تهميش لدور الإنسان، وجد مجتمع جعل من دماغ الإنسان آلة كومبيوتر، وبالتالي تم تغييب حقيقة أن ميزة الإنسان هي التساؤل عن الأسباب والغايات، ولذالك -وكما يقول المفكر الفرنسي روجيه جارودي- فإن "الاهتمام بالحاضر على حساب المستقبل يتواصل، وبالوسائل على حساب الغايات، لأن الحاضر هو الرابح من دون أية غاية" (جارودي، 2000).

ليست الإشكالية في حضور الوسائل على حساب الغايات فحسب، وإنما بتنوع الوسائل وارتفاع كُلفتها وتكلُّف أفعال مستخدميها، بعيداً عن الفعل التقشفي، ولا نقصد هنا بالفعل التقشفي القلة والحرمان، بل تحقيق الكثير بالأقل، وعدم استخدام وسائل باذخة من أجل غايات فقيرة، بل استخدام وسائل بسيطة لابتكار غايات غنية، وهذا يعني فيما يعني حياة بسيطة من حيث الوسائل وغنية من حيث الغايات ... ولذلك:

من أجل إنسان المستقبل-إنسان الغايات ... يتوجب الكفاح في طريق بناء فكر غير استهلاكي، فكر لا يجتر أفكار الآخرين، فكر حي، ناقد وأصيل، ولهذه الغاية يجب أن يقترب الفكر من الذات حتى يحيا الإنسان فينا، ومن أجل ذلك يجب أن يكون الفكر في داخل سياق ضارباً جذوره في التربة المحلية الحيّة، وأن تنبثق المعرفة من فضاءات الواقع، ولذلك يتحتم علينا ملء الفجوة بين المدرسة والحياة ... ولأننا نحيا في عالم معقد ومتشابك، ليس ثمة فعل في الواقع ليس في الواقع تفاعلاً، ولهذا فإن طريقة بناء الفكر غير الاستهلاكي يكون عن طريق التفاعل مع الناس وسماع حكاياتها، فعندما يستمع الناس إلى قصص الآخرين، ويقفون أمام الوجه البشري المثقل بحواسه -لا أمام الشاشة المثقلة بملامحها الإلكترونية- عندها ينفذ المعنى بطاقة الضمير لا بطاقة الضوء!

يقال إن الروائي الروسي تشيخوف كان يدفع لبعض أفراد أسرته وأصدقائه أموالاً إذا قدموا له قصصاً وحكايات ... من هنا كان يربط الفن بالواقع ... من هذا السياق التفاعلي جاء بالإبداع ... لن يكون هناك إبداع إذا تم الفصل بين الفكر والمحيط الذي يعيش فيه الإنسان ... لن يكون هناك إبداع دون أن يتغذى الفكر من تربته الحضارية والثقافية، وإلاّ فنحن أمام إنسان يستورد حتى الأفكار ... إن الذي يبدع الجمال هي هذه الجبلة التي يجبلها المبدع من تراب الواقع ومن الحلم والرؤى الخصوصية النافذة في التاريخ والجغرافيا.

من أجل إنسان المستقبل-إنسان الغايات ... يجب تعزيز الثقة بالنفس وترسيخ العلاقة بين الذات والمجتمع والطبيعة، وإتاحة الفرصة للفرد بالتفاعل مع الماضي والحاضر وممكنات المستقبل، ولن يكون ذلك قبل "التحرر من الانبهار بالآخر كنقطة جذب وإطار مرجعي" (حنفي، 1999).  يجب المزج العضوي بين الماضي والمستقبل ووضعه في الحاضر، وهذا يُعطى كل إنسان فرصة أن يبدع كلٌ في حقله، وليتناغم هذا العمل المبدع مع إيقاعات التغيُّر الكوني.

من أجل إنسان المستقبل-إنسان الغايات ... يجب أن يكون في مدارسنا مساحة لمسائل الفنون بجانب مسائل العلوم، ومساحة للإنسان الشاعر لا تقل عن المساحة للإنسان العالم ... مساحة ليتفاعل الناس مع بعضهم ويشتركون في بناء المعاني ويعطون الغاية والمعنى لأنفسهم وللكون المحيط بهم وكما يقول ماكس فيبر : " إن الإنسان كائن يتشبث بشبكة المعاني التي نسجها بنفسه" (الحمد، 1999).

من أجل إنسان المستقبل- إنسان الغايات... ندعو إلى الانتقال في مناهجنا الثقافية من المنهجية الموضوعية التي عزلت الأشياء والإنسان، وأصبح موضوعاً مفرداً ينتظر في فضاء مختبر الموضوعية من يشرحه، إلى منهجية المشاركة؛ لأن الحياة باختصار مشاركة، والمشاركة تتأسس على التعاطف والشعور بالآخر وعلى فهم خاص للحياة وهذا يجعل الإنسان يرى نفسه جزءاً من الكل، وبالتالي ترتفع مسؤوليته عن الكل.

من أجل إنسان المستقبل-إنسان الغايات ... علينا استعادة تقنية التأمل بالوجود من خلال تدريب أنفسنا على الإصغاء إلى تلك الموسيقى الكونية التي تعكس تناغم توترات الحياة عبر هرمونيا حكيمة تصدح بتآلف عناصر الوجود ... عندها لن يكون الفكر فردانياً أو خطياً يأخذ ولا يعطي، بل إهليجيا يأخذ من الطبيعة ويعطيها في حركية متناغمة مع حركة الأرض حول الشمس، حتى تعود السماء إلى إرسال نيازك مياهها النقية هدايا إلينا قبل أن يزداد هطول الدم ويسيل أنهاراً ... .

إن هذا التأمل في الطبيعة والإنسان والوجود يُمكِّن من نسج روابط بين الإنسان والعالم، فعندما نطوف بأفكار تنتظرها أشجار ... أو نقفز بخيال من نجمة إلى نجمة في سماء ليلة باردة، أو نسمع صوتاً في الضوء الغارب، عندها تبدأ الشرايين تنبض فيتوهج الرأس مرسلاً ملايين الإشارات إلى نجمة تحكي ضوئها على سطح البحار، وتلوِّن بأطرافها أفرع الأشجار ... إننا بذلك نوحد بين كون الداخل وكون الخارج، حيث يصبح قلب الإنسان شمساً وعروقه أشجاراً ودمه بحاراً، وبهذا ينضج إحساسنا بالمسؤولية الأخلاقية اتجاه الطبيعة، وهذه بدورها تعادل خبرة المسؤولية الأخلاقية اتجاه غيرنا من الناس، فيزداد حبنا للناس وللطبيعة، وليس صعباً أن نتلمَّس حَبْك هذه المسؤولية وهذه العاطفة في نسيج العلاقات الاجتماعية والقرارات السياسية.

في رواية "البطء" لميلان كونديرا يلتقط الكاتب الفكرة حول عصر السرعة، ومن خلالها يرصد تأفف الناس من كل شيء وشعورهم السريع بالملل، يتابعهم وهم يلهثون طوال ساعات الليل والنهار، ويتلمس رغبتهم في تغيير كل وضع يجدون أنفسهم فيه، فيصوِّر كونديرا هؤلاء الناس وهم مندفعون إلى خارج إطار الحياة التي تمر من تحت أقدامهم المسرعة، دائماً مسرعون ومتزاحمون في محاولة للحاق بالقطار، يتنافسون في الوصول إلى المحطة وفي شراء التذاكر وفي الركوب، ولكنهم يجدون أنفسهم متأخرين، فيتعمق شعورهم بالخسارة ... الكاتب يجد الحل في البطء في هذا العالم سريع الإيقاع والتغير،... بالبطء يتمكن الإنسان من أن يتأمل في الغايات ويصحو على حقيقة وجوده في العالم (كونديرا، 1997).

من أجل إنسان المستقبل- إنسان الغايات ... ندعو إلى بناء ثقافة عالمية بما تمثله من انفتاح على الثقافات الأخرى من العالم مع الاحتفاظ بالهوية، لا إلى ثقافة معولمة من حيث هي نفي للآخر ... ندعو إلى ثقافة عالمية من حيث هي "تلاقح الخصوصيات للارتفاع إلى ما هو كوني وعالمي، لا إلى ثقافة عولمية من حيث هي اختراق وسلب للخصوصيات" (السعدون، 2000).  ندعو إلى ثقافة توسِّع إلى أبعد حد التأمل في الغايات، وتساهم ذاتياً في تحديد هذه الغايات مع الآخرين ومع الطبيعة وجميع الممكنات المستقبلية من خلال الانفتاح على الأفكار لا استيرادها.

وقفة أخيرة

عندما أوشكت على الانتهاء من كتابة هذه المقالة كانت حرائق الغابات لا تزال مشتعلة في وسط أوروبا وفي الوقت نفسه كانت الفيضانات في بعض الولايات الأمريكية تُغرق عشرات الآلاف من المنازل، وتقتل الآلاف من الناس، وزلزال كشمير يخلِّف دماراً هائلاً وعشرات الآلاف من القتلى ... وفي المقابل كان العشرات يسقطون في مدينة تلعفر العراقية بفعل التكنولوجية الأمريكية كما سقط قبلهم عشرات الملايين من البشر بفعل التقنية المتقدمة ... ويبقى الكون يسخر من كل ما قيل ويقال عنه، ويبقى التاريخ يؤكد تلك الحقائق العنيدة:

- الكون ليس قرية داجنة في أقفاص الإنترنت ولا هو مستوطنة تكنولوجية ... إنه كون غامض فيه مسارات واسعة لاضطراب الحياة، ويستولد توترات لا طاقة للإنسان على تهدئتها ... وله كيمياء تُزاوجه بين الأدب والفلسفة، بين العلم والأخلاق.

- التكنولوجيا إذا ملَكتْها وسيطرت عليها عقلية تقنية أحادية البعد وترى الفرد منتجاً أو مستهلكاً سعياً وراء غاية واحدة وهي زيادة المتعة والربح زيادة كمية، فهي حتماً مدمرة للأرض والسماء والبشر ... فالتكنولوجيا رؤية للواقع وليس مجرد استعمال أدوات، وعندما نتفاعل مع الناس بواسطة التكنولوجيا، فإننا لا نفكر كيف نكون رحماء ومحبين، إنما نفكر كيف نكون أكفاء ومسيطرين .... .

وسؤال ... أخيراً

عندما ندخل زمناً أكثر بربرية من الذي سبقه، وتبدو فيه جرائم الأزمنة السابقة شمعة شاحبة أمام طبقات النار الموقدة فيه، وتصبح حتى أكثر الفعاليات اتصالاً بالطبيعة- مثل استنشاق الهواء النقي- يتطلب حدوثها ثورة على النظام الصناعي العالمي: هل نوسّع من حقول الأرض حتى تتسع لآهات الإنسانية؟ أم نسمح لعيون الليل أن تفيض بأشجاننا؟ أم نملأ سمع النهار بيقظتنا؟

 

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 

المراجع:

أدهم، سامي.  العدمية النهيلستية: بحث في انطولوجية الخير والشر والجمال، ط1، بيروت: دار الأنوار. (2002)

أدونيس.  زمن الشعر، ط6، بيروت: دار الساقي. (2005)

بسطاويسي، محمد.  آفاق الإبداع ومرجعيته في عصر المعلوماتية، ط1، دمشق: دار الفكر.

باشلار، غاستون.  لهب شمعة،  ترجمة د. مي عبد الكريم محمود، الطبعة الأولى 2005، عمان: أزمنة للنشر والتوزيع. (2001)

باشلار، غاستون.  تكوين العقل العلمي: مساهمة في التحليل النفساني للمعرفة الموضوعية. ترجمة د. خليل أحمد خليل، ط5، بيروت: المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع. (1996)

بن عثمان، حاتم.  العولمة والثقافة، ط1، بيروت: دار الفارس للنشر والتوزيع.

جارودي، روجيه   أمريكا طليعة الانحطاط.  ترجمة عمرو الزهيري، ط1، القاهرة: دار الشروق. (1999)

جارودي، روجيه.  الإرهاب الغربي، الجزء الأول. ترجمة د. داليا الطوخي، د. ناهد عبد الحميد، د. سامي منظور. ط1، القاهرة: مكتبة الشروق الدولية. (2004)

جارودي، روجيه ، مشروع الأمل، ط2، بيروت-باريس: دار الآداب. (1988)

جارودي، روجيه  حفارو القبور: نداء جديد إلى الأحياء. ترجمة: رانيا الهاشم، ط1، بيروت-باريس: منشورات عويدات. (2000).

حجازي، مصطفى.  حصار الثقافة: بين القنوات الفضائية والدعوة الأصولية، ط1، بيروت: المركز الثقافي العربي. (1998)

الحمد، تركي الثقافة العربية في عصر العولمة، ط1،  بيروت: دار الساقي. (1999).

حنفي، حسن، صادق، جلال).  ما العولمة؟، ط1، دمشق: دار الفكر. (1999

السعدون، حميد حمد. العولمة وقضاياها، ط1، عمان: دار الفارس للنشر والتوزيع. (1999-2000)

فريري، باولو المعلمون بناة ثقافة: رسائل إلى الذين يتجاسرون على اتخاذ التدريس مهنة. ترجمة: د.حامد عمار، عبد الراضي إبراهيم، لمياء محمد أحمد. مجلة آفاق التربوية، ط1 القاهرة: الدار المصرية اللبنانية. (2004).

الفقهاء، عصام نجيب   جدليات الإبداع: من هامش الحرية وجدلية الثقافة، ط1، عمان: دار البركة للنشر والتوزيع. (2001).

كونديرا، ميلان).  البطء. ترجمة منيرة مصطفى، الطبعة الأولى، سوريا: ورد للطباعة والنشر والتوزيع. (1997

ماركوز، هربارت (1988). الإنسان ذو البعد الواحد.  ترجمة جورج طرابيشي، ط1، بيروت، دار الساقي.

مقدادي، محمد (2000). العولمة: رقاب كثيرة وسيف واحد، ط1، بيروت: المؤسسة العربية للدراسات والنشر.

اليحياوي، يحيى (1999).  العولمة: أية عولمة؟ بيروت: أفريقيا الشرق.

الثقافة والتعليم في التنمية العربية (ديسمبر 2002):