الملكية والإصلاح
- ملاحظات
أولية -
حسن طارق
تقديـم :
لا يمكن التفكير، مغربيا، في موضوع
"الإصلاح"، دون إثارة علاقاته الممكنة وترابطاته المفترضة مع المؤسسة
الملكية، فالمساحة التي تحتلها هذه الأخيرة داخل الساحة العمومية وفي الخطاب
السياسي، تجعلها في قلب رهانات الإصلاح، سواء نظرنا إليه كمسلسل أو كخطاب ومطلب.
فداخل الخطاب الذي تنتجه هذه المؤسسة حول
نفسها، نجد أن الوظيفة الإصلاحية بالمعنى العام تبقى إحدى مبررات حضورها السياسي
الطاغي، وفي نفس الوقت تتحول الملكية في خطابات الكثير من القوى السياسية المعارضة
إلى موضوع لإصلاح مطالب به.
لأجل ذلك نقترح معالجة منهجية للجوانب
الإشكالية التي يثيرها موضوع الإصلاح والملكية تتوخى الوقوف على موقع الملكية داخل
النظام السياسي والدستوري المغربي، ثم في جانب ثان التطرق إلى تمثل المؤسسة
الملكية لدورها الإصلاحي، وفي محور ثالث بحث تصور النخب والأحزاب لعلاقة الملكية
بالإصلاح.
I-
موقع الملكية في النظام السياسي والدستوري المغربي
تحتل الملكية مكانة سامية بين المؤسسات
الدستورية بحيث توجد على قمتها. فتكريسها كمؤسسة يبدو من خلال الضمانات المخولة
لها بمقتضى النصوص الدستورية
[1](1) فضلا على أن
هذا التكريس يكتسي طابعا احتكاريا، إذ حسب بعض الباحثين فالملكية وحدها تحتكر
الصفة المؤسسية، وهو ما يرمي باقي البنيات المكونة للمحيط العمومي والمجال
السياسي، في أحضان الغموض والمتغير واللاشكلية[2].
فإذا كان التركيز قبل منتصف الثمانينات، قد
انصب أساسا على الاختصاصات الكلاسيكية للملك كرئيس للدولة، حيث اتجه الباحثون إلى
إجراء مقارنات بين سلطات الملك وسلطات الرئيس الفرنسي، خصوصا من حيث التقارب
الحاصل في اختصاصات الفصل 19 في الدستور المغربي والفصل 4 في دستور الجمهورية
الخامسة الفرنسية، أو استعمال الفصلين 16 و35 لإقرار حالة الاستثناء أو لبعض الفصول المتعلقة بحل البرلمان، أو
المتعلقة بالحق في مخاطبة الأمة مباشرة[3].
فإن الأمر سيتغير عندما سيضطر الملك إلى استحضار وضعه كأمير للمؤمنين وذلك لكي
يهيكل الحقل الديني ويسد فراغ السلطة التشريعية (أكتوبر 83)[4]
. وهذا ما سيؤشر لنهاية ما سمي من طرف أحد الباحثين بمرحلة الرؤية الدنيوية للحكم
والسياسية[5].
وهكذا وبتوظيف الدلالات الدينية والمضامين
الثيولوجية من طرف المؤسسة الملكية، ستعيد هذه الأخيرة احتلال موقع الهيمنة في
الهرم الدستوري والسياسي برمته، انطلاقا من الفصل التاسع عشر، الذي سيصبح في عمق
كل القراءات الممكنة لنظام الحكم المغربي، وينص هذا الفصل على أن "الملك هو
أمير المؤمنين والممثل الأسمى للأمة وضامن
دوام الدولة واستمرارها، وهو حامي حمى الدين والساهر على احترام الدستور. وله صيانة
حقوق وحريات المواطنين والجماعات والهيئات وهو الضامن لاستقلال البلاد وحوزة
المملكة في دائرة حدودها الحقة".
إذ رغم القيمة الرمزية لهذا الفصل والتي تتجاوز
حمولته القانونية من حيث تنظيم السلطات، فقد فتح استثماره السياسي من طرف المؤسسة
الملكية، ما اعتبر قراءة جديدة للدستور[6]
أو تعايشا لدستورين أحدهما ضمني يجسده هذا الفصل وآخر صريح[7].
والواقع أن أهمية هذا الفصل لا تأتي فقط من
كونه مفتاحا مبدئيا لتحديد مركزية المؤسسة الملكية في البناء الدستوري، بل كذلك من
كونه يجسد المنطلقات العقائدية الكبرى التي تراهن عليها الملكية لإدارة دفة الحكم
في البلاد[8](.
وهذا ما يفسر استحضار الملك محمد السادس –الذي تولى السلطة رسميا في 23 يوليوز
1999- لمنطوق هذا النص في خطابه الثاني الموجه للشعب[9]
تأكيدا لاستمرارية العمق الديني والخلفية السلطوية لهذا الفصل.
وتظل المؤسسة الملكية، حتى بغض النظر عن حقل
إمارة المؤمنين التي تمكنها من ممارسة دور تحكيمي وتوفيقي كسلطة سياسية ودينية،
مؤسسة غير مقيدة، وسلطاتها غير مرهونة بأي حدود دستورية –بمعناها الضيق- إذ
باستثناء تقييدات إرادية شكلية ابتداء من دستور شتنبر 1992 ومكرسة في دستور شتنبر
1996، ليس هناك أي بند حصري للسلطة الملكية وخاصة في ما يتعلق بالجانب التقديري[10].
إن هذه الإثارة العابرة لوضعية المؤسسة الملكية
داخل النسق السياسي والدستوري المغربي، من شأنها أن تشكل مدخلا مفيدا لتناول
العلاقة بين هذه المؤسسة وبين "الإصلاح"، إذ تتجلى الجوانب الإشكالية في
هذه العلاقة، من خلال التساؤل عن مدى تجاوب المؤسسة الملكية كمؤسسة ذات حضور طاغ
وشامل ومكثف في كل الفضاءات السياسية والاقتصادية والاجتماعية، مع القضايا
والتوترات والأسئلة المطروحة على المغرب ؟
II-
تمثل المؤسسة الملكية لدورها الإصلاحي
1- أي مفهوم للإصلاح : خطاب الإصلاح
لا تحتاج الملكية إلى إقران استمرارها بنجاعتها
الإصلاحية، إنها داخل خطاب الشرعية الذي تنسجه حول ذاتها، تقوم بوظيفتها بناء على
"بيعة الإمامة الشرعية الموصولة بما
سبقها على امتداد أزيد من اثني عشر قرنا موثقة السند بكتاب الله ورسوله الكريم
ومشدودة العرى إلى الدستور المغربي"[11].
إن هذا المنطق في تحديد شرعية النظام السياسي
الملكي، كشرعية تاريخية ودينية، هو الذي كان يجعل الحسن الثاني لا يتردد في الجزم
بأن المؤسسة الملكية هي التي "صنعت المغرب" وأنها "ضرورة
ولزوما" وأنه "لولا ملكية شعبية لما كان المغرب أبدا"[12].
وبهذا المعنى فإن "الإصلاح" ليس مبررا للوجود بالنسبة للملكية، لأنها لا
تعمل داخل حقل سياسي تنافسي مبني على المسؤولية والمحاسبة، ولذلك سيصرح الملك محمد
السادس في إحدى حواراته الصحفية بأنه لا يمضي وقته في عد إصلاحاته.
إن "الإصلاح" داخل الخطاب السياسي
للملكية ليس عنصرا لإضفاء الشرعية على نفسها، لأن الشرعية مكتسبة. إنه إحدى
تمظهرات ممارسة الإمامة، ومن هنا الاستناد على المرجعية الدينية داخل خطاب الإصلاح
من خلال إنهاء بعض الخطب الملكية مثلا بالآيات
القرآنية "إن أريد الإصلاح ما استعطت
وما توفيقي إلا بالله"[13]،
أو التذكير في إحدى الحوارات الصحفية التي أجراها الملك محمد السادس بأن مهمته كملك تجعل منه الخديم
الأول للمغاربة[14].
على مستوى تحليل المضمون فإن الخطب الملكية
استعملت كثيرا مفهوم الإصلاح، فضلا عن الحضور القوي لبعض المفاهيم المجاورة أو
المحملة بذات النفس الإصلاحي، مثل التحديث، التأهيل، التحديث الشامل، التأهيل
الشامل، الإصلاحات الجوهرية، الإصلاحات المؤسسية العميقة، التحديث الاقتصادي،
التحديث الاجتماعي، الإصلاحات الهيكلية، التأهيل السياسي، التحديث التشريعي،
الإصلاحات الجذرية.
وعموما يقدم الخطاب السياسي للملكية الإصلاح كوعي بالأزمة وكاستمرارية، كما يندرج الإصلاح
ضمن هذا الخطاب ضمن مشروع معياري، ويبدو في الأخير كمسلسل شامل.
يبدو خطاب الإصلاح، كخطاب واع بالشروط
الموضوعية للبلاد، من خلال تلمسه لخطاب الحقيقة، أو التعرض المباشر والواضح لكل
الاختلالات والأزمات التي يعرفها المغرب، وخاصة تلك المرتبطة بالوضعية الاقتصادية
والاجتماعية، ولعل أبرز نموذج على هذه
السمة التي تطبع خطاب الإصلاح، تلك الفقرات التي تتطرق للوضعية الاجتماعية
المزرية، في الخطاب الملكي حول مبادرة
التنمية البشرية، والتي تعيد إلى الأذهان خطاب "السكتة القلبية" الذي
كان قد أطلقه الملك الراحل الحسن الثاني.
كما يحرص خطاب الإصلاح، على أن لا يبدو مؤسسا
على القطيعة، لذلك يقدم الخطاب السياسي للملكية الإصلاحات المتحققة كاستمرارية لما
تم تحقيقه في الماضي، بمعنى أن زمن الإصلاح ممتد ليس فقط إلى عهد الحسن الثاني بل
إلى عهد محمد الخامس، ولذلك نجد التأكيد في إحدى الخطب الملكية لمحمد السادس على
ما يلي : "لقد أنجزت في عهد والدنا المقدس رضوان الله عليه إصلاحات كثيرة تحث
على الاعتزاز والافتخار"[15]
وفي خطاب آخر يتم الإقرار بما شهدته "مملكتنا من إصلاحات عادت على الوضع
الاقتصادي بنتائج ملموسة"[16].
إن تعدد حلقات ومواضيع الإصلاح، تجعل الخطاب
السياسي للملكية يقدم الأمر كما لو تعلق بمسلسل شامل متعدد الحلقات، إذ هناك حديث
عن إصلاح الإدارة وعن إصلاح القضاء، وعن الإصلاح الاقتصادي وإصلاح مدونة الأسرة
والإصلاح التعليمي، وإصلاح الحقل الديني...
وإذا كانت إشكالية الإصلاح، تطرح دائما مسألة المرجعية،
مرجعية المقارنة والقياس، فإنه من الواضح أن هذه المرجعية بالنسبة لخطاب الإصلاح
هي مرجعية معيارية، تتجلى في ما يسميه الخطاب السياسي للملكية "بالمشروع
المجتمعي" المراد تحقيقه، حيث يتحول الإصلاح أو الإصلاحات إلى وسيلة لبلوغ
هدف مرجعي ومعياري هو المشروع المجتمعي.
2- إطار الإصلاح : المشروع المجتمعي الديمقراطي
تقدم الخطب السياسية للملك محمد السادس، إطارا
عاما لمختلف مناحي الإصلاح، إنه "الهدف الأسمى"[17]
الذي يتعين على المغرب وصوله، و"التوجه الاستراتيجي"[18]
للبلاد. هذا الإطار العام هو "المشروع المجتمعي" الذي تدافع عنه المؤسسة
الملكية، تارة تحت شعار "المشروع المجتمعي الديمقراطي التنموي"[19]،
وتارة أخرى تحت شعار "المشروع
الديمقراطي الحداثـي"[20]،
وفي حــالات أخــرى يتم الاكتفاء بمفهـوم "المشروع المجتمعي" دون أية
إضافة[21].
وإذا كانت وظيفة المؤسسة الملكية هنا، هي تحديد
التوجهات الكبرى لهذا المشروع المجتمعي فإن "على المؤسسات الدستورية،
والهيئات السياسية، والقوى الحية في البلاد، أن تقوم بتجسيد هذه التوجهات على أرض
الواقع، من خلال برامج مضبوطة في أهدافها، ووسائل تمويلها، وآماد إنجازها
وتقييمها"[22].
يضع هذا المشروع نصب أعينه بناء "مجتمع
حداثي قوامه ترسيخ دولة الحق والقانون وتجديد وعقلنة وتحديث أساليب إدارتها وإعادة
الاعتبار للتضامن الاجتماعي والمجالي وتفعيل دور المجتمع المدني وإنعاش النمو
الاقتصادي وحفز الاستثمار العام والخاص وإطلاق تنمية شمولية وإقلاع اقتصادي يضع في
صلب أولوياته تشغيل الشباب والنهوض بالعالم القروي والشرائح الاجتماعية والمناطق المعوزة
وتأهيل الموارد البشرية"[23]،
وذلك انطلاقا من استيعاب "حقيقة مجتمعنا في سياقه التاريخي والعمل على تغييره
نحو الأرقى والأفضل بواقعية بعيدة عن الشعارات الجوفاء والمقولات الجاهزة وقادرة
على التفاعل مع متغيرات العصر"[24].
وتظل "المواطنة"
بشكل من الأشكال إحدى نقط الارتكاز القيمية التي طالما أكد عليها المشروع المجتمعي
للملك، حيث تواترت الدعوة غير ما مرة لتجاوز النظرة التواكلية والانتظار، بل
والسلبية التي قد تطبع سلوك الشعب المغربي، فعند الإعلان عن مبادرة التنمية
البشرية في خطاب 18 ماي 2005، نجده يجعل من بين مرتكزات المبادرة "المواطنة
الفاعلة والصادقة". وفي خطاب افتتاح الدورة التشريعية الرابعة للبرلمان في
أكتوبر 2005، يلح الملك على ضرورة توعية كل مغربي بأن مصيره يتوقف على مبادراته
وإقدامه على العمل الجماعي...". وفي نفس الخطاب نعثر على قولة لها دلالة، إذ
يقول "... تركيزنا على بناء ثقافة المواطنة الإيجابية بكل ما نعنيه من تحول
إلى عقلية المواطن الفاعل –المبادر- المشارك- المنتج، بدل السلبية والتواكلية
والانتظارية". وفي خطاب العرش بتاريخ 30 يوليوز 2005 نجد الملك يلح على ترسيخ
قيم المواطنة المسؤولة باعتبارها الغاية والوسيلة للنهوض بالأوراش الكبرى...
المواطنة الكاملة التي ننشد لكافة المغاربة، بمرجعياتها الدينية والوطنية
التاريخية، المتمثلة في الإسلام والملكية والوحدة الترابية والديمقراطية (...) المواطنة
الحقيقية ستبقى ناقصة وصورية وهشة وغير مكتملة ما لم يتم توطيدها بمضمون اقتصادي
واجتماعي..."[25].
وفي خطاب ملكي آخر بتاريخ 18/05/2005 سيتم
التأكيد بشكل أكثر تكثيفا على ما يمكن اعتباره مرتكزات أساسية لهذا المشروع
المجتمعي، وذلك من خلال جرد "مبادئ الديمقراطية السياسية والفعالية الاقتصادية،
والتماسك الاجتماعي، والعمل والاجتهاد، وتمكين كل مواطن من الاستثمار الأمثل
لمؤهلاته وقدراته".
وقبل ذلك، كان الملك قد عبر في خطاب العرش لعام
2003، عن أن الجميع مسؤول عن البناء الجماعي للمجتمع الديمقراطي الحداثي، فرادى
وجماعات، سلطات وهيآت، أحزابا وجمعيات، وذلك باعتبار ذلك المشروع مشروعا للأمة
بأسرها.
إن الملاحظات التي يمكن إثارتها إجمالا حول ما
يمكن اعتباره داخل تمثلات المؤسسة الملكية حول ذاتها، كمشروع مجتمعي، مرتبطة أولا
باستراتيجية خطاب المشروع المجتمعي، كخطاب يعيد مركزة الملك في قلب النظام
السياسي، ليس فقط كحكم فوق الصراعات، وليس فقط كرئيس دولة بمرجعية دينية أو
دستورية، بل كذلك كفاعل استراتيجي حامل لمشروع، بغض النظر عن ماهية هذا المشروع
وعن إمكانيات تحققه.
الملاحظة الثانية ترتبط بالطبيعة الجماعية
والتوافقية التي يضفيها الخطاب الرسمي على هذا المشروع، إنه مشروع الملك، وهو غير
قابل للنقاش أو للمناقشة أو للمحاسبة، وما على باقي الفاعلين الثانويين سوى العمل
على تطبيقه والاجتهاد في حسن تأويله وتجسيده.
وهكذا إذا لم يقدر لهذا المشروع التحقق، أو
اعترضت سبيله عوائق ومثبطات، فإن المسؤولية تقع على الهيئات والمؤسسات الدستورية
التي قد تكون، في هذه الحالة، حادت عن التوجهات الملكية، أو أنها لم تجتهد في
تطبيقها على الوجه المطلوب، أما إذا تحقق هذا المشروع المجتمعي الديمقراطي الحداثي،
إن كلا أو بعضا، فالفضل في ذلك يعود، بالدرجة الأولى للملك الذي سطر الأهداف
والغايات[26].
الملاحظة الثالثة، ترتبط بالعمر المفترض لهذا
المشروع المجتمعي[27]،
الذي كثيرا ما يتحول من مجال القيم والمرجعيات الكبرى والمرتكزات الاستراتيجية،
إلى مجال البرنامج السياسي المحدد زمنيا ومجال السياسات العمومية، كما هو الحال
مثلا في خطاب العرش لسنة 2004، والذي تطرق لبرنامج السنوات المقبلة إلى غاية 2010
مسطرا الأهداف التالية : "إيجاد حل نهائي لقضية الصحراء، وتحصين الانتقال
الديمقراطي، وترسيخ مبادئ المواطنة الملتزمة، عبر
استكمال ميثاق التربية والتكوين، وإصلاح الحقلين الديني والثقافي، ووضع عقد
اجتماعي جديد، والنهوض بالتنمية القروية
وبالقطاع الفلاحي، وبناء اقتصاد عصري منتج ومتضامن وتنافسي، وتعزيز مكانة بلادنا،
كقطب جهوي وفاعل دولي، في عالم يعرف تحولات حاسمة ومتسارعة"[28].
3- مضمون الإصلاح : إصلاح اقتصادي واجتماعي
أم إصلاح سياسي
دون أي نزعة تبسيطية تسعى إلى التحقيب، نعتقد
بأن جدول الأعمال الإصلاحي، كما يمكن استخلاصه من تتبع الخطب الملكية، موزع بين
لحظتين أساسيتين، وهما لحظتين ليستا متعاقبتين بالضرورة في الزمن، رغم أن دينامية
الأسئلة المطروحة على المغرب قد تقرر أفضلية نسبية بين اللحظتين تجاوبا مع حاجيات
المجتمع والمحيط.
فقد لا يخطئ المرء إذا اعتبر أن الإصلاح
الاقتصادي والاجتماعي قد بدا في الخطب الأول للملك محمد السادس كأولوية مطلقة، ليبدأ
الإصلاح السياسي في العودة شيئا فشيئا لجدول الأعمال "الملكي" خاصة بعد
أحداث 16 ماي، ثم لتتحول الأولويات داخل نفس لحظة الإصلاح الاقتصادي والاجتماعي،
بالتركيز أكثر على الشق الاجتماعي وذلك من خلال المبادرة الوطنية للتنمية البشرية.
أ- لحظة
الإصلاح الاقتصادي والاجتماعي
طورت المؤسسة الملكية في بداية عهد الملك محمد السادس، خطابا يعتبر الإصلاح
الاقتصادي والاجتماعي أولوية عمل أساسية، منطلقا من قراءة معينة للتاريخ، تجعل من
عهد محمد الخامس عهدا للاستقلال الوطني، ومن عهد الحسن الثاني عهدا لبناء
المؤسسات، وهذا ما يترك للملك محمد السادس، المهمة التي تواترت خطبة على نعتها
بالجهاد الأكبر الاقتصادي والاجتماعي[29].
وهكذا كثيرا ما تخللت هذا الخطاب السياسي
الملكية في بداياته نبرة تتعامل مع المنجز السياسي المغربي كمنجز مكتمل البناء
والحلقات، وتقدر أن الوقت قد حان للتوجه إلى "الأهم" ألا وهو التحدي
الاقتصادي[30].
وبشكل واضح تعبر الرسالة التي وجهها الملك محمد
السادس إلى الوزير الأول عبد الرحمن يوسفي بتاريخ 16 دجنبر 1999، أبرز معبر عن
تصور الملكية لمكانة الإصلاح الاقتصادي والاجتماعي، حيث يتم التأكيد على أنه
"إذا كان لابد من ترتيب أولويات استراتيجية عملنا المستقبلي فواضح أنه يتعين
التطلع إلى تسريع أنساق النمو الاقتصادي بوتيرة تمكن من تحسين ظروف عيش المواطنين
وإرضاء حاجياتهم الأساسية من ضمان صحي وسكن لائق مع الاستجابة لمتطلبات التشغيل
ولاسيما تشغيل الشباب الذي يجب أن يكون على رأس ما نحن به معتنون ومهتمون".
وتضيف الرسالة الملكية تسطير الأولويات من خلال
الحديث عن تنمية العالم القروي وتعزيز التنمية الاقتصادية والاجتماعية عبر تشجيع
الصادرات وتنويعها وإنعاش السياحة وتنمية الصيد البحري وتحسين جودة واندماج
المنتوج الصناعي، مع الحرص على تحقيق التوازنات الاجتماعية وعلى الاهتمام بالعنصر
البشري عبر إصلاح النظام التربوي والتعليمي .
إن هذا التأكيد على أن الأولويات هي بالأساس
اقتصادية واجتماعية[31]،
لا يلغي الإشارة إلى أنه مع الإعلان على المبادرة الوطنية للتنمية البشرية، قد وقع
تحول على مستوى ترتيب هذه الأولويات، على أساس ليس فقط إعادة مركزة المسألة
الاجتماعية على رأس جدول أعمال المغرب الرسمي، بل كذلك من خلال تجاوز نظرة تقنوية
للقضايا الاجتماعية بشكل يجعل هذه الأخيرة رهينة بشكل تبعي لحل إشكالية النمو
الاقتصادي، دون التفكير في أدنى سياسة إرادوية وتدخلية بمضمون تضامني.
ولعل أقوى مؤشر على هذا الاختيار نجده في نص
الخطاب الموجه إلى الأمة بتاريخ 18-05-2005، والذي أعلن من خلاله الملك عن مشروع
المبادرة المذكورة، حيث نجد الإشارة الواضحة إلى "المعضلة
الاجتماعية" كأكبر تحد يعرفه المشروع
المجتمعي التنموي
ب- لحظة
الإصلاح السياسي
ترتبط هذه اللحظة، بالخطاب الذي أنتجته المؤسسة الملكية تقييما لأداء مختلف
دوائر الفعل السياسي الوطني من أحزاب سياسية وتعددية حزبية وممارسات انتخابية وعمل
برلماني وتمثيلي.
واضح إذن أن الإصلاح السياسي لدى الملكية، يعني
إصلاح باقي الفاعلين ومختلف البنيات التي توجد في مستوى أدنى.
والواقع أن هذا الخطاب ذي الحمولة النقدية قد
تواتر بشكل كبير خاصة بعد أحداث 16 ماي 2003
التي هزت مدينة الدار البيضاء، فهل كان الانتباه إلى هشاشة المجال السياسي
التأطيري والتمثيلي مرتبطا بحجم التساؤلات التي طرحت على المجتمع المغربي بعد صدمة
"الإرهاب" ؟
هكذا يقف الخطاب الملكي على تشخيص قاس لوضعية
الأحزاب السياسية الموزعة بين "هيئات قائمة على تقسيم المجتمع إلى طوائف
دينية أو عرقية وأخرى لا هم لها إلا الأغراض الانتخابية بدل التنافس على البرامج
الملموسة وتكوين النخب الواعية المسؤولة ... وهيآت أخرى تركب في المواسم
الانتخابية مواضيع أو شعارات لا تسمن ولا تغني من جوع ..." بعد ذلك يتحدث
الملك عن ضرورة تحصين المشهد الحزبي، وتأهيل العمل الحزبي انطلاقا من "أن
ترسيخ الديمقراطية لن يكتمل إلا بوجود أحزاب سياسية قوية وما قوتها إلا في النهوض
بدورها الفاعل في تأطير المواطنين وتمثيلهم، وفي مقدمتهم شباب الأمة، والعمل على
تعزيز سلطة الدولة وتوفير مناخ الثقة في المؤسسات ..."[32].
وفي هذا السياق المتعلق بهاجس الإصلاح الحزبي،
ستتم إعادة إحياء طرح قانون الأحزاب "كإطار تشريعي يستمد منه الحزب شرعيته
ومشروعيته... قانون يأتي بإجابات جماعية متميزة عن قضايا مجمعية عريضة وليس تلبية
لمطامع شخصية أو فئوية ضيقة... ويساعد على عقلنة وتجديد وتحصين المشهد السياسي
الوطني، كما أنه يعد تجسيدا لحرصنا على توطيد التحديث المؤسسي بما يكفل عدم إضرار التعددية الحزبية العشوائية
بالقطبية السياسية الفعالة ..."[33]
وبنفس النبرة النقدية يتم توجيه اللوم إلى
طريقة تدبير الصراعات الانتخابية وإلى طبيعة الممارسة التمثيلية سواء الوطنية منها
أو المحلية.
4-وسائل الإصلاح : ملكية تنفيذية ذات حضور شامل
عمليا لم يسجل انتقال العرش إلى ملك جديد، عام
1999، أي تغير على مستوى تصور وإشتغال الملكية كملكية تنفيذية وحاكمة، إذ أن خطاب
الخصوصية ظل مستمرا في هذا الباب، فإذا كان الحسن الثاني قد اعتبر أنه "إذا
كانت الملكية الدستورية تعني عادة نظاما يسود فيه الملك ولا يحكم، فإن خصوصيات
المغرب تجعل وجود ملكية يسود فيها الملك ويحكم ضرورة حتمية"[34].
ولذلك "فالشعب المغربي لا يستطيع أن يفهم كيف يمكن أن يكون ملك ولا يحكم،
فلكي يستطيع الشعب أن يعيش، وتكون الدولة محكومة، يجب أن يعمل الملك وأن يأخذ بين
يديه سلطاته ويتحمل مسؤوليته... فالدستور لا ينشئ مؤسسة جديدة، وإنما يقرها
استمرارا للتاريخ، على عكس المؤسسات الأخرى التي يمكن اعتبارها من صنع
الدستور"[35]،
فإن الملك محمد السادس قد دافع عن نفس المقاربة، عندما أجاب عن سؤال صحفي حول ماذا
كان من الممكن تصور أن يصبح المغرب ملكية برلمانية، معتبرا أنه لا يعني نقل نموذج
أنظمة الملكيات الأوروبية، فـ "للمغرب خصوصياته والتزاماته"[36].
إن العمق السياسي لمفهوم الملكية الحاكمة أو
التنفيذية، ينطلق من أسبقية وسمو المؤسسة الملكية على الدستور نفسه، الذي يصبح مفرغا
من حمولته الغربية والدستورانية، حيث لا يعني بالضرورة تقييدا للسلطة وتجسيدا لفصل
السلط.
فالمؤسسة
الملكية تعتبر أنه إذا كان هناك من "فصل للسلط – يقول الحسن الثاني-
لا يمكن أن يكون في مستواي، بل هو في مستوى أدنى، فالملك يحكم بلاده ويسير سياستها
مستعينا بسلطتين.... السلطة التنفيذية والسلطة التشريعية"[37].
وهكذا ما جعل بعض الباحثين يعتبرون أن النظام
السياسي المغربي لا يتوفر عن توزيع عمودي للسلط بل عن توزيع "أفقي"[38]
في ما ذهب آخرون إلى أنه ليس من الممكن الحديث أصلا عن سلط
خارج المؤسسة الملكية، بقدر ما هناك توزيع للوظائف "Fonctions"[39].
إن الملك في النظام السياسي المغربي هو الرئيس
الفعلي للجهاز التنفيذي، حيث يترأس المجلس الوزاري مما يمكنه من توجيه السياسة
الحكومية، ويتدخل بشكل مباشر في الحياة البرلمانية عبر مخاطبة البرلمان دون أن
يكون خطابه محل أي نقاش. وتتضح صورة الملكية الحاكمة في تدبيرها للملفات ذات
الطابع الاقتصادي، وفي التعيين في الوظائف المدنية والعسكرية[40]
والقضائية.
الواقع أن مساحة التحرك هذه، التي تخلقها
الملكية لنفسها هي التي مكنتها من ضمان حضور شامل على مستوى مشاريع الإصلاح
المعلنة، مستندة إلى حقلين متداخلين، حقل إمارة المؤمنين (إصلاح مدونة الأسرة –
إصلاح الحقل الديني...) أو حقل الملك الدستوري (المفهوم الجديد للسلطة – الإصلاح
الحزبي...) ومستعملة أدوات تدخل متعددة منها :
أ- مأسسة
المجال الملكي
إن المأسسة هنا لا تحتمل القراءة الحداثية التي
تجعل من الفرز المؤسسي دليلا على عقلنة وحداثة التنظيمات البشرية، بقدر ما تصبح
مجرد امتداد للشخصنة لضمان حضور أكبر للفاعل المركزي داخل مجاله المحفوظ .
ولا شك أن دينامية المأسسة و التلجين عرفت
تسريعا مكثفا على عهد محمد السادس[41]،
دون أن يعني ذلك أن سياسة خلق اللجان أو الهيئات أو المجالس الاستشارية هي سياسة
مستحدثة[42].
وإذا كان هناك من قسّم هذه اللجان والمؤسسات
إلى صنف ينتمي إلى الأدوات التي تعتمدها الدولة للقيام بوظائفها الاقتصادية
والاجتماعية... وصنف آخر يندرج ضمن الوسائل التي تلجأ إليها الدولة لتعزيز أدائها
السياسي وتقليص عجزها المحتمل على مستوى تغذية مشروعيتها[43](43)،
فإنه يبدو من الصعب اعتماد هذا التصنيف إذ
أن العديد من المؤسسات، مثل مؤسسة محمد الخامس للتضامن، على الرغم من
وظيفتها الاجتماعية المباشرة فإنه لا أحد يمكنه إغفال الوظيفة الإيديولوجية
المفترضة لمؤسسة كتلك المذكورة على مستوى تسويق صورة "إنسانية" و
"اجتماعية" للملك، "كملك للفقراء" وهو ما يساهم في تغذية
مشروعية المؤسسة الملكية.
وهكذا بفعل دينامية الهيكلة تحول المجال الملكي
إلى مجال أكثر كثافة وحضورا، انطلاق من لجنة الاستثمارات، مؤسسة محمد الخامس
للتضامن، صندوق الحسن الثاني للتنمية، وصولا إلى المؤسسات الاستشارية المتعددة
كهيئة الإنصاف والمصالحة والمعهد الملكي للثقافة الأمازيغية والمجلس الاستشاري
لحقوق الإنسان، مرورا بالمؤسسات الكثيرة التي تحمل اسم محمد السادس والتي تعنى
بقضايا مختلفة.
ب- إستثمار
الفصل 19
يتعلق الأمر هنا بالإصلاحات التي تتبناها
الملكية، انطلاقا من استثمار الحمولة الدينية للفصل 19 واستنادا على أرضية إمارة
المؤمنين. وهكذا أعلن الملك محمد السادس بمناسبة الذكرى الخمسين لثورة الملك
والشعب، أنه أصدر تعليماته إلى اللجنة الاستشارية المكلفة بمراجعة مدونة الأحوال
الشخصية لكي ترفع له حصيلة أشغالها، ليتولى بعد ذلك بصفته أميرا للمؤمنين، والممثل
الأسمى للأمة إطلاع الشعب بما يستقر عليه نظره في شأن مشروع المراجعة[44].
وبعد ذلك سيقوم بعرض مشروع المدونة على
البرلمان، "لأول مرة لما يتضمنه من التزامات مدنية، علما بأن مقتضياته
الشرعية هي من اختصاصات أمير المؤمنين"[45].
وفيما بعد سيعلن انطلاقا من نفس الصفة (أمير
المؤمنين) عن "تخويل الطفل من أم مغربية حق الحصول على الجنسية
المغربية"[46].
واستنادا إلى نفس المرجعية، سيعلن الملك كذلك عن
تأهيل وإيجاد هيكلة للحقل الديني وذلك "باعتبار أمير المؤمنين مرجعية دينية
وحيدة للأمة المغربية، فلا مجال لوجود
أحزاب أو جماعات، تحتكر لنفسها التحدث باسم الإسلام أو الوصاية عليه، فالوظائف
الدينية هي من اختصاص الإمامة العظمى"[47].
إن ما يمكن إثارة الانتباه بصدده في باب استثمار
حقل إمارة المؤمنين، هو أولا أنه مع حالة إصلاح المدونة، فإن إصلاحا تحديثيا جريئا
قد انطلق من حقل التقليد وهي وضعية مفارقة تستحق التأمل. ثانيا لوحظ في نفس الحالة
تعايش حقل التقليد وحقل المؤسسات في إنتاج الدينامية الإصلاحية لوضعية المرأة.
ثالثا سجل لجوء الملك إلى الفصل 19 للتشريع في أمور تدخل عادة في اختصاصات
البرلمان ولا تتحمل أي صبغة دينية، كما هو الحال مثلا مع إنشاء المجلس الأعلى
السمعي البصري أو إحداث ديوان المظالم.
ج- صلاحيات
الملك الدستوري
إنها الحالة الأكثر طبيعية والأكثر انضباطا
للنصوص الوضعية للدستور المغربي، حيث يتولى الملك توجيه تعليماته وتوجيهاته لباقي
المؤسسات، سواء كانت حكومة أو برلمان.
إنه موقع الفاعل الاستراتيجي، الحريص على تنظيم
الحياة السياسية الوطنية (إصلاح وضعية الأحزاب)، والموجه للعمل التشريعي (انتقاد
عمل البرلمان)، وللعمل الحكومي (الدعوة للإصلاح الإداري والقضائي وتجسيد المفهوم
الجديد للسلطة وتشجيع الاستثمارات...)، والذي لا يتخلى عن صفة الملك المشرع[48]
بل يعيد إنتاج هذه الصفة بشكل مكثف ...
د- حالة
الانخراط الشخصي
هنا فإن المتتبع يلاحظ نوعا من الحرص الشخصي
والمباشر من طرف الملك على سير بعض المشاريع، كمؤسسة محمد الخامس للتضامن[49]
أو كمشروع ميناء طنجة-المتوسط، حيث يتحدث الملك عن هذا المشروع بنبرة
"شخصية" واضحة. يقول مثلا في إحدى حواراته الصحفية : "لقد كافحت
طيلة سنة وناقشت بقوة مع المختصين في الأشغال العمومية والمهندسين الذين كانوا
يرون أنه من المستحيل بناء ميناء على البحر الأبيض المتوسط وذلك بسبب طبيعة الموقع
الجغرافي وعزلة المنطقة. إنه بالنسبة إليهم تحد يصعب رفعه، وبالنسبة لي أعتقد على
العكس من ذلك أن مثل هذا الإنجاز قد يعطي دفعة جديدة للمنطقة. فبهذا الميناء
الجديد سيمكننا تخفيف الضغط على المنطقة المينائية الحالية بطنجة وجعلها أكبر منياء ترفيهي في منطقة حوض المتوسط
بأكملها. وإذا تمكنا من خلق منطقة للتبادل الحر وميناء صناعي إلى جانبها فسيكون
الأمر رائعا"[50].
5- في المرجعيات الحديثة للإصلاح :
تقريري
هيئة الإنصاف والمصالحة، و50 سنة
من التنمية البشرية
وفي إشارة دالة اختار الملك أن يوجه خطابا واحدا إلى الأمة بمناسبة حدثين الأول هو انتهاء
مهمة هيئة الإنصاف والمصالحة والثاني يتعلق بتقديم دراسة حول التنمية البشرية
بالمغرب.
وفي نفس الخطاب سيصدر الملك قراره بنشر كل من
التقرير النهائي لهيأة الإنصاف والمصالحة، المعتبرة بمثابة لجنة وطنية للحقيقة
وللإنصاف والمصالحة، والدراسة حول حصيلة
وأفاق التنمية البشرية ببلادنا.
إن الأمر في نظرنا يتعلق، بغض النظر عن أي
رهانات أخرى محتملة، بمحاولة تأسيس مرجعيات حديثة للمشروع الإصلاحي للمؤسسة
الملكية.
مرجعيات تحمل نفس الروح "التوافقية"
و"الإجماعية" التي تحاول الملكية إلصاقها بمشروعها المجتمعي، حيث بعد
طرح عناصر ومرتكزات المشروع المجتمعي للتجسيد وللتنفيذ، تطرح المؤسسة الملكية
عناصر لقراءة "واحدة" تحظى بأكبر توافق ممكن، لماضي المغرب (تقرير الهيئة)
ولمستقبله (دراسة 50 سنة).
ملاحظة أخرى، هي أن المرجعيات الحديثة للمشروع
المجتمعي للملكية، مرجعيات "وطنية"، عكس حالات سابقة، حيث شكل مثلا
تقرير شهير للبنك العالمي حول الوضعية الاقتصادية والاجتماعية للمغرب، مرجعية
للنقاش السياسي والاقتصادي للبلاد، خلال أواسط التسعينات.
لابد كذلك من التساؤل، خاصة مع التعامل
الإعلامي الرسمي مع الدراسة المتعلقة بخمسين سنة من التنمية البشرية، ما إذا كانت
المؤسسة الملكية قد لجأت إلى نوع من الإصباغ "العلموي" و"التقني"
على مشروعها المجتمعي؟ !
وفي الأخير فإن الملاحظة الأساسية تبقى في هذا
المستوى، هي قدرة الملكية على اختصار الدورة التقليدية للمطالب داخل النسق السياسي
المغربي، إذ أنها تبدو مع هذه التقارير كبنية سياسية مستعدة للإصلاح الذاتي، بناء
على توصيات هيئات تنتمي إلى المجال الملكي، وليس انطلاقا من تجاوب مفترض مع
دينامية مطلبية خارجية (أحزاب سياسية – رأي عام...).
III-
تصور النخب والأحزاب لعلاقة الملكية بالإصلاح
1-الإقرار بالوظيفة الإصلاحية للملكية
يرتبط هذا الإقرار بجزء من الثقافة السياسية
الحاضرة لدى النخب المغربية، والمؤمنة بمركزية الدولة في عملية التحديث داخل الشرط
الوطني، اعتبارا لكون "الدولة تحتل في مجتمعنا الراهن موقعا مركزيا من حيث
تحكمها في توجهات ومضامين تطوره العام وبالتالي فلا سبيل لتوجيه هذا التطور نحو
مسار التقدم دون إعادة هيكلة علاقة الدولة بالمجتمع..."[51].
إن النخب لا تتردد في منح الصدارة
"للدولة" في مشاريعها المجتمعية، مطالبة إياها بالتكفل بالمجتمع، مما
يجعل الدولة تظهر كمحرك رئيسي للتغيير الراديكالي[52].
وتؤسس هذه النخب لرهانها على الوظيفة الإصلاحية للملكية، بكون هذه الأخيرة تبقى هي
المؤسسة الأعرق والأقوى مقارنة بالمؤسسات الاجتماعية –السياسية الأخرى : القبيلة،
العائلة، الزاوية قديما، الحزب، النقابة حاليا ... وباعتبارها إحدى مقومات الكيان
المغربي الأساسية، حولها يتجمع المغاربة للدفاع عن وحدة الكيان ونصرة قيم الإسلام،
معها وبها يلتفون من أجل الإصلاح والعدل والرقي والأمن والاستقرار[53].
ليخلص هذا التحليل إلى أنه إذا كان بالأمس أساس
وظيفة وشرعية المؤسسة الملكية هو ثالوث :
الإسلام والذود عن الحدود والحفاظ
على الوحدة، فإنها اليوم مطالبة، إضافة إلى ما سبق، بالدفاع ومعانقة ثالوث جديد
قوامه : الوحدة الترابية، الإصلاح الديمقراطي الحداثي، مكافحة الفقر والأمية[54].
2-الملكية كموضوع للإصلاح
أ- إصلاح
الملكية من وجهة نظر يسارية : تصور الحزب الاشتراكي الموحد
بالنسبة لهذا الحزب الذي يشكل جزءا من مدرسة
سياسية تطالب بإقامة ملكية برلمانية، يسود فيها الملك ولا يحكم، فإن الملكية، إذا
لم تصلح ستتحول إلى عبء على المجتمع وليس إلى أداة من أدوات إصلاحه.
إن الملكية البرلمانية من وجهة نظر هذا الحزب
هي صيغة التوفيق الوحيدة بين الملكية الوراثية والديمقراطية، والتي تمكن من
الوصول إلى مرحلة يصبح فيها الوزير الأول يتعاقد مع الشعب وينفد برنامجه الذي يشمل
الجوانب الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، الداخلية والخارجية.[55]
إن إصلاح الملكية بهذا المعنى، يتطلب ضرورة
النص على سبيل الحصر، على المهام التي يجب أن تناط بالملك، دستوريا، وتعويض صيغة
"شخص الملك مقدس" الواردة في الدستور الحالي بصيغة جديدة تشير إلى
"تمتع الملك بحصانة مطلقة"، وفيما يتعلق بالفصل 19، يقترح هذا الحزب
تجزئته إلى مادتين، الأولى تحدد معنى لقب أمير المؤمنين، الذي يعني سلطة إشراف
رمزية على الشؤون الدينية للمسلمين بدون أن يخل ذلك بسير المؤسسات أو القوانين
القائمة، والثانية تتولى تحديد وظائف الملك باعتباره ممثلا للدولة في المحافل
الدولية ورمز لوحدتها وضمان دوامها واستمرارها والمساهم في صيانة حقوق وحريات
المواطنين وضمان استقلال البلاد وحوزة المملكة في دائرة حدودها الحقل مع تذييل هذه
المادة بالعبارة التالية : "يمارس الملك جميع وظائفه في حدود بنود هذا
الدستور[56].
وغني عن البيان أن المطالبة بملكية برلمانية، تستتبع
بالضرورة، تقوية سلطات الحكومة التي تصبح مسؤولة عن التدبير التنفيذي بمختلف
مستوياته، وسلطات البرلمان سواء فيما يتعلق بالتشريع أو بالمراقبة.
ب- إصلاح
الملكية من وجهة نظر إسلامية : تصور جماعة العدل والإحسان[57].
على العكس من بعض التيارات الإسلامية التي
تتبنى العمل في إطار نظام الملكية الدستورية وتقر بإمارة المؤمنين، تبدو جماعة
العدل والإحسان مدافعة عن خطاب ذي مرجعية دينية وبتصور سياسي يسعى لطرح نفسه كبديل
شامل.
من هذا المنطلق تقر الجماعة بمجموعة من
التحفظات على مفهوم " البيعة" الذي يربط الملك بالشعب، شكلا ومضمونا
وعلى الصفات التي لا تتوفر في المرشح لمنصب الحكم، ولذلك فإن "كل تعاهد بين
المؤمنين ... ما دون البيعة الخلافية إنما يلبس ثوب زور حتى وإن أطلقنا عليه اسم
"بيعة" ..."لأنه في هذه الحالة سيتحول إلى "نوع من الحفلات
التهريجية يقدم فيها القربان الرمزي للحاكم الذي أصبح يستعبد الناس لشخصه من دون
الله".
إن البديل الذي تطرحه الجماعة هو "الخلافة
على منهاج النبوة"، وهو مفهوم يحيل إلى النموذج السياسي الذي ينهجه الرسول
(ص) وبعده الخلفاء الأربعة والذي لم يعمر أزيد من ثلاثين سنة .
وللوصول إلى ذلك فإن جماعة عبد السلام ياسين
تطرح ضرورة وضع دستور جديد يكون متفقا مع "روح الإسلام"، ومصاغا من طرف
جمعية تأسيسية منتخبة انتخابا حرا، وتعيد نصوصه إمكانية بناء هياكل الحكم على أساس
سيادة الدعوة وتفرغ رجال الدولة لتسيير الشؤون العامة وتدبيرها".
من التشكيك في المشروعية الدينية لإمارة
المؤمنين وطريقة "البيعة"، إلى الدفاع عن هدف استراتيجي هو تحقيق الخلافة على منهاج النبوة،
تبدو جماعة العدل والإحسان لا ترمي فقط إلى إصلاح شكل الدولة ونظام الحكم بها،
بقدر ما تهدف إلى تغيير شامل للسلطات السياسية.
[1]-
رقية المصدق "القانون الدستوري والمؤسسات السياسية" الجزء
الثاني-الطبعة الأولى 1988-صفحة 61.
[2] - عبد اللطيف أكنوش
"واقع المؤسسة والشرعية في النظام السياسي المغربي على مشارف القرن 21"
مكتبة بروفانس-الدار البيضاء-الطبعة
الأولى 1999-صفحة 162.
[3] - مؤلفات الراحل
عبد الرحمن القادري حول المؤسسات السياسية والقانون الدستوري، وبعض مجايليه من
أمثال عبد الرحمان أمالو وعبد القادر القادري...
[4] - محمد الطوزي، مقال حول "الإصلاح السياسية
والانتقال الديمقراطي" في "التحولات الاجتماعية بالمغرب" كتاب
جماعي صادر عن مركز طارق بن زياد للدراسات والأبحاث، الطبعة الأولى 2000، صفحة
155.
[5]-
يتعلق الأمر بالأستاذ عبد اللطيف
أكنوش.
[6] - Abdellatif Menouni, « le recours à l’article 19 une
nouvelle lecture de la constitution ? » in « Revue juridique
économique et sociale de Rabat, n° 15. 1er trimestre 1984.
[7] - Rkia El Mossadeq, "Consensus au jeu de consensus", Casablanca, 1995, p.35.
[8]-
(8) يونس برادة "الملكية والأحزاب في المغرب : مقاربة السياسة الحزبية
للملكية"، مجلة فكر ونقد، عدد 65، يناير 2005، الدار البيضاء – صفحة 5.
[9]-
(9) بتاريخ 20 غشت 1999.
[10]-
يونس برادة "الملكية والأحزاب..." م س صفحة 13.
[11]-
خطاب الملك محمد السادس في 20 غشت
1999.
[12]-
ذكرها يونس برادة "الملكية
والأحزاب..." م س صفحة 9.
[13]-
الخطاب الملكي بتاريخ 12 أكتوبر
1999 والخطاب الملكي بمناسبة عيد العرش 30 يوليوز 2000.
[14]-
الحوار الصحفي الذي خص به الملك أسبوعية "باري ماتش" 13
/ 10 / 2001.
[15] - خطاب ملكي
بمناسبة افتتاح أشغال المجلس الأعلى للقضاء. 15 دجنبر 1999.
[16] - خطاب ملكي
بمناسبة افتتاح السنة التشريعية 1999 – 2000.
[17] - خطاب ملكي بمناسبة افتتاح أشغال المجلس الأعلى
للقضاء. 15 دجنبر 1999.
[18] - خطاب ملكي
بمناسبة افتتاح السنة التشريعية 1999 – 2000.
[19] - نفسه.
[20] - الخطاب الملكي الذي قدم في أعقاب العمليات
الإرهابية لــ 16 ماي 2003.
[21] - الرسالة الملكية الموجهة إلى الوزير الأول عبد
الرحمان يوسفي. 16 دجنبر 1999.
[22] - خطاب ملكي بمناسبة عيد العرش 30/07/2004.
[23] - الخطاب الملكي
بمناسبة عيد العرش، تاريخ 30 يوليوز 2000.
[24] - نفسه.
[25] - عبد اللطيف
حسني "الملك الفاعل السياسي الأول "مقال في" حالة المغرب
2005-2006"، كراسات استراتيجية، مشورات وجهة نظر، النجاح الجديدة، الدار
البيضاء، الطبعة الأولى 2006، صفحة 17.
[26] - سمير بلمليح "المشروع التنموي للملك محمد
السادس بين المرتكزات ومعيقات الإنجاز" مقال في "المغرب في مفترق الطرق
2004-2005" ركاسات استراتيجية، منشورات وجهة نظر، النجاح الجديدة، البيضاء،
2005، صفحة 9.
[27] - يلاحظ الأستاذ عبد الله ساعف أن "عمر
المشروع المجتمعي، إن وجد، لم يعد يتجاوز مرحلة انتخابية، مما ينتج عنه ضعف كبير
في الأداء يعتري الحياة السياسية" أنظر "قراءة في أفق 2007"
افتتاحية جريدة دفاتر سياسية، العدد 80، أبريل – ماي 2006، صفحة 3.
[28] - الخطاب الملكي
بمناسبة عيد العرش 04/07/2003.
[29] - خطاب ملكي أمام
مجموعة من الفاعلين الاقتصاديين بالجرف الأصفر بتاريخ 25 شتنبر 2000، تم خطاب
العرش لعام 2000.
[30] - من المؤكد أن
تعيين الوزير الأول إدريس جطو سنة 2002، والخطاب الذي رافقه حول النجاعة والفعالية
الاقتصادية يشكل أحد أقوى تمظهرات هذه اللحظة.
[31] - حوار للملك محمد السادس مع جريدة الشرق الأوسط
– 23 يوليوز 2001 .
[32] - الخطاب الملكي بتاريخ 30 يوليوز 2003 .
[33] - الخطاب الملكي
بتاريخ 08 أكتوبر 2004 .
[34] - الحسن الثاني : "التحدي" المطبعة
الملكية، ط 2، 1983
[35] - نفسه صفحة 189.
[36] - حوار للملك محمد السادس مع جريدة "إيل
باييس" بتاريخ 16/01/2005.
[37] - خطاب ملكي بمناسبة الانتخابات التشريعية لعام
1977.
[38] - خطاب ملكي بمناسبة الانتخابات التشريعية لعام
1977.
[39] - M. Shemi : « la prépondérance de pouvoir Royal
dans la constitution marocaine » R.D.P.S.P
France et à l’étranger. Juillet. Aôut. 1984. Page 172
(39) محمد ضريف:
"النسق السياسي المغربي المعاصر" منشورات المجلة المغربية لعمل الاجتماع
السياسي أبريل 1993 : ص.197
[41] - علي كريمي "الملكية السائدة والحاكمة"
مقال بمجلة نوافذ العدد 24. أكتوبر 2004. صفحة 40.
[42] - أحمد الحارثي، حوار في "الملكية والانتقال
الديمقراطي – حوارات" منشورات الأحداث المغربية، دار النشر المغربية، نونبر 2004 صفحة 141.
[43] - نفسه، صفحة 142.
[44] - الخطاب
الملكي بتاريخ 20/08/2003.
[45] -الخطاب الملكي في
افتتاح الدورة الأولى من الولاية التشريعية السابقة، 10/10/2003.
[46] - الخطاب الملكي بمناسبة عيد العرش 30/07/2005.
[47] - الخطاب الملكي بمناسبة عيد العرش بتاريخ 03/07/2003.
[48] - عبد اللطيف حسني "الملك الفاعل السياسي
الأول..." م س صفحة 12.
[49] - أنظر حوار الملك محمد السادس مع مجلة
"لاميدينا" بتاريخ 11/07/2002.
[50] - حوار للملك مع أسبوعية "باري ماتش"
31/01/2001.
[51] - "أزمة
المجتمع والبناء الديمقراطي" دفاتر المؤتمرات IV
دار النشر المغربية 1988 صفحة 7.
[52] -Saaf (A) « tendances
actuelles de la culture politique des élites marocaines » in « le
Maroc actuel : une modernisation au miroir de la tradition » End
C.N.R.S P.256
[53] - محمد المريني "الملكية" مقال بمجلة
نوافذ، ع 24، اكتوبر 2004، صفحة 98.
[54] - نفسه صفحة 99.
[55]-
"الحزب الاشتراكي الموحد يطالب بحدف الغرفة الثانية وبتحديد اختصاصات
الملك بشكل حصري"، مجلة الصحيفة المغربية، العدد 37، 8-2 يونيو 2006، صفحة 17-16 .
[56] - نفسه .
[57] - أنظر أساسا : د. عبد العلي حامي الدين
"الدستور المغربي ورهان موازين القوى" دفاتر وجهة نظر، 2005 الصفحات 196
– 223.