ص1       الفهرس  81-90

 

 

البيئة البحرية في المغرب الوسيط وسبل حمايتها.

 

إعداد: الطاهر قدوري،

أضحى الحديث في الآونة الأخيرة عن البيئة وسبل حمايتها من المواضيع الأساسية في الملتقيات العلمية وفي الندوات التي تعنى بالحياة على وجه هذه البسيطة،وقد تضاعف الإحساس بضرورة تكريس الجهود من أجل العمل على صيانة البيئة وحمايتها من التدهور الخطير الذي لحقها في السنوات الأخير نتيجة جشع الإنسان وحبه إخضاع الطبيعة لسيطرته وتوجيهها لخدمة أغراضه حتى غدا من الصعب تصور حياة مريحة على الأرض فيما بقي من عمر هذا الكوكب،وعلى ضوء هذا الأمر كيف كان تصور المغاربة لبيئتهم البحرية؟وما السبل التي تبنوها لحمايتها والاستفادة من ثرواتها وعطاءاتها التي لا ينضب معينها؟

صورة البيئة البحرية لدى مغاربة العصر الوسيط:

نظريا فإن توفر بلاد المغرب على واجهتين بحريتين بحر الروم (البحر الأبيض المتوسط) و البحر المحيط(المحيط الأطلسي) يمكن من الوقوف على الثقافة التي كونها المغاربة عن البحر منذ أقدم العصور، وأنهم استغلوا ثرواته في وجباتهم الغذائية واستعملوا لجته في مواصلاتهم. إلا أنه وللأسف- لا نكاد نجد حضورا للبحر وشؤونه في الثقافة المغربية خلال الفترات القديمة والوسيطية، ولم تحفل أمهات الكتب سواء أكانت كتبا تاريخية أم كتبا فقهية أم كتبا تراثية بمعلومات من شأنها أن تمكننا من الوقوف على مدى اهتمام المغاربة بالبحر، ولعل هذه الوضعية دفعت العديد من الباحثين إلى وصف الثقافة المغربية والإنسان المغربي بأنه مرتبط بالبر أكثر من ارتباطه بالبحر، شأنه في ذلك شأن سكان الجزيرة العربية([1]). ومن الباحثين من لا يفرق بين المسلمين ويجعلهم على قدم واحدة بأنهم شعب ارتبط بالصحراء والثقافة البرية، ووصف الناقة والفرس أكثر من اتصالهم بالبحر والسفن([2]).  

وقبل أن نحاول بسط موضوع تعامل المغاربة مع البحر,يجمل بنا أن نستعرض بعض مواقف الدارسين الغربيين وأحكامهم تجاه المغاربة في علاقتهم بالبحر.

         فـ "  L-Brunot"يرى أن المغاربة والعرب بصفة عامة تكونت لديهم عقدة الخوف من البحر والمحيط وذلك منذ القديم و معتمده في هذا الزعم بعض الإشارات اللغوية، حيث يرى أن اللغة العربية تطلق كلمة البحر على النهر الكبير والعالم الكبير، كما أن المؤرخين عند تعاملهم مع وصف "المحيط الأطلسي" فإنهم يسمونه تارة بالبحر المظلم وتارة ببحر الظالمات ومرة أخرى بالبحر المحيط، وهو ما يدل على الخوف الشديد الذي تكون عند المغاربة نحو البحر المحيط، وفي موضع آخر يشكل البحر رمزا للعظمة والقوة، ومن ثم لا يجب سبه، ولعل هذا ما طبع الخيال الاجتماعي المغربي  فرسم صورة خاصة للبحر المحيط بألوان من التقديس والاحترام، ومن ثم لم يكونوا بحارة كبارا ولا مغامرين بحريين.

         وفي مكان آخر يرى الباحث نفسه أن "البربر" لا يعرفون في الغالب المراكب التجارية وأن وسائل صيدهم ظلت بدائية، كما أنهم لم يطوروا وسائلهم البحرية خاصة ما تعلق بترصيف الموانئ، كما أن التجارة البحرية ظلت مرتبطة بالأجانب الذين عملوا على تنشيطها، وحتى عمليات القرصنة التي مورست انطلاقا من الشواطئ المغربية، كان القائمون بها إما أتراكا وإما أندلسيين. ويستخلص خلاصة مفادها أن المغاربة وبالخصوص سكان الرباط وسلا لم يكونوا سوى بحريين متواضعين([3]).

         ويرى مهتم آخر بشؤون البحر أن المغاربة وبعقليتهم البدوية، شكل البحر لديهم رعبا كبيرا حتى أنهم نزعوا إلى تقديسه والخوف من ركوبه، فشاع لديهم أن من يركب البحر مفقود ومن ركبه وعاد ناجيا فإنه يكون كمن ولد من جديد، ويحاول  هذا الباحث أن يفسر هذا الإعراض عن البحر فيفترض أن طبيعة المنطقة هي التي تحكمت في ذلك حيث تتميز بقلة الأنهار الصالحة للملاحة وأن شواطئه غير آمنة، كما أن عواصمهم التي  قامت بأدوار كبيرة في  تاريخهم كانت بعيدة عن البحر نموذج القيروان وفاس ومراكش و تينملل. ويشير في موضع آخر إلى أن اهتمام المغاربة بالبحر كان مع زوال سبتة وقرطاجة واندماج المغرب في العالم الروماني، ففي هذه المرحلة أخذت بوادر الاهتمام المغربي بالبحر تظهر مع تأسيس  الوندال دولة معتمدة على نشاط القرصنة.([4])

         أما روجي كواندرو فلا يختلف عن سابقيه  بشأن الأحكام التي كونها عن المغاربة وخوفهم من البحر حتى أنه اعتبر ذلك أمرا وراثيا توارثته أجيال المنطقة([5])، وكان شاهده في ذلك ما أورده صاحب المقدمة (ابن خلدون)، ولا شك أن ما جاء به ابن خلدون في كثير من الأحيان لم يفهم فهما صحيحا، خاصة وأن بعض الدارسين يأخذون آراء ابن خلدون مجزأة بعيدة عن سياقها العام،و يحاول كواندرو أن يفسر هذا الرعب الوراثي الذي تكون لدى المغاربة بأمرين أساسيين:

         1- العظمة الخفية للمحيط الأطلسي.

         2- طابع التمنع للشواطئ الأطلسية.

         وفي مكان آخر يرى أن المغاربة حتى إذا ركبوا البحر فإنهم يبدون رفضا كبيرا لاستعمال التقنيات الملاحية. بيكار وخرائط ومقياس الزمن... وبالتالي "لا يمكنهم مع ذلك إدراك الملاحة التنجيمية ولا يمكن لأحسنهم سوى استعمال الملاحة التخمينية"([6]).

         وهكذا نلاحظ انطلاقا مما سلف أن الذين تناولوا موضوع المغاربة والبحر من الأوربيين لا يتوانون عن ترديد عبارات بل أحكام كادت تصبح من المسلمات التي لا يمكن نقضها من قبيل تقديس المغاربة للبحر، والاعتقاد في قوة خفية تتحكم في البحر، إذا لم يتم إرضاؤها فإنها سوف تغضب على كل من يركب البحر. لهذا لابد من تقديم القرابين لها([7]).

لكن الذي يلاحظ حول هذه الكتابات أنها جاءت تغطي مرحلة قصيرة من تاريخ المغرب، فروجي كواندرو خصص كتابه لقراصنة سلا في الفترة التي انتعشت فيها ظاهرة القرصنة السلاوية الرباطية، بينما "برينو" حاول أن يبحث في الموروث اللغوي البحري لمنطقة الرباط وسلا خلال فترة الحماية، ومن ثم فإن الأحكام التي خرجوا بها كانت أحكاما  عامة ويسحبونها على كل فترات التاريخ المغربي، وكأن المغاربة لم يكن لهم أي اهتمام بالبحر وشؤونه حتى أن كواندرو يجعل اهتمام المغاربة مرتبطا بالمساعدات الخارجية([8])، إلا أنه لا يفصح عن مكان قدوم هذه المساعدة  هل من المشرق أم من الأندلس؟ وقد نستبعد المشرق باعتبار أن أحكام الأوروبيين في الاهتمام بشؤون البحر تجمع بين المغاربة والعرب على حد سواء، أما بالنسبة للأندلسيين، فيبقى الأمر مقبولا خاصة في مرحلة انتعاش القرصنة ولجوء الأندلسيين أو "المورسكيين"([9]) إلى الشواطئ المغربية وممارستهم لعمليات القرصنة.

         وبصفة عامة فمؤرخو العهد الاستعماري يربطون بداية الاهتمام المغربي بالبحر بمجيء الأوربيين خاصة الفرنسيين، فإلى أي حد يمكننا قبول هذه الآراء أو رفضها؟.

         بالنسبة لعملية تقديس البحر فلا شك أن هذه الظاهرة تكاد تكون عامة عند مختلف الشعوب التي دأبت منذ القديم على تقديس قوى الطبيعة التي كانت تعتقد فيها جلب الخير ودرء الشر([10]).

         أما بخصوص بعد العواصم المغربية الوسيطية عن البحر فهذا صحيح بالنسبة لفاس والقيروان ومراكش، لكن الأمر غير مقبول عندما يعمم على كل المدن المغربية، فصحيح كذلك- أن القيروان وفاس ومراكش مدن قامت بدور متميز في تاريخ المغرب، وأرخت لنشوء دول ارتبطت بالصحراء. لكن هذا الزعم لا يمكن الأخذ به، فأين نضع المهدية التي أسسها المهدي الشعبي بإفريقية وبجاية التي كانت عاصمة الصنهاجيين وقامت بأدوار متميزة المنطقة؟ وأين نموقع مدينة نكور عاصمة بني صالح وسبتة التي ارتبطت بالبحر وفضالة عاصمة البرغواطين؟ ألم تكن هذه المدن عواصم لدول أنشئت على السواحل وارتبطت بالبحر؟

         وفي ما يتعلق "ببرونو" فيجب التنبيه إلى أنه باحث في اللغة وفي اللهجات، وعلى الأخص الدارجة المغربية، وقد أفادنا بشكل كبير في جمعه ودراسته للدارجة التي كانت تستعملها ساكنة الرباط وسلا على عهد الحماية([11]). إلا أن الأحكام التي خرج بها تتنافى والروح العلمية التي يجب أن يتحلى بها الباحث في العلوم الإنسانية، فإذا كان النشاط البحري للمغاربة أو على الأخص سكان العدوتين الرباط وسلا قد شابه نوع من الضعف قياسا بالتطور البحري الذي عرفت أوربا في هذه المرحلة([12])، فإن ذلك لا يجب تعميمه على كل تاريخ البلاد المغربية التي شهد في حقها أكثر من واحد من المؤرخين والباحثين على مدى التفوق الكبير للمغاربة في الميدان البحري خاصة خلال العصور الوسطى([13]). ويرى أحد الباحثين أن خلو اللهجة المغربية سواء عربية أم بربرية (أمازيغية) من المصطلحات المتعلقة بالبحر وشؤونه لا يقوم دليلا قويا على اتهام المغاربة بإدارة ظهورهم للبحر والخوف منه([14]).

         وكثيرا ما يتم الاعتماد على ما ورد في رحلة ابن جبير وابن بطوطة والتيجاني والمقري التلمساني، فهؤلاء الرحالة سافروا بحرا وخلفوا أوصافا حية للبحر وأهواله خاصة عند اضطرابه واشتداد الأنواء، فتلك النفسية المضطربة التي يتم استخلاصها من وصف الرحالة من قبيل :

         البحر صعب المـرام جدا             لا جعــلت حاجـتي إليه

         أليس مـاء ونحـن طين              فما عسـى صبرنـا عليه ([15])

         فيتم الاعتماد عليها لتفسير خوف المغاربة من البحر([16])، إلا أن هذا كذلك لا يرقى إلى مستوى نفي أي اهتمام أو خوف للمغاربة من البحر، ولعل تلك الحالة من الخوف تكاد تكون طبيعية وتنتاب كل من يركب البحر لأول مرة، أو حتى الذي يكون متمرسا في ركوبه خاصة إذا كانت الأنواء شديدة. ولعل رحلة هؤلاء الرحالة بحرا  حجة قوية  لصالح المغاربة وليس ضدهم، فلا يمكن لمن يخاف من الشيء أن يقبل عليه حتى ولو كان الطريق البري غير مأمون العواقب([17]).

         إن علاقة المغاربة بالبحر ضاربة في القدم، وقد أكدت ذلك الأبحاث الاركيولوجية التي أجريت في بعض المواقع الساحلية المغربية،إذ تم العثور على بقايا لإنسان في موقع سيدي عبد الرحمان قرب مدينة الدار البيضاء ومواقع تمارة الصخيرات، حيث توجد عدة مغارات استغلها المغاربة القدامى إما ملاجئ آمنة وإما أمكنة لدفن موتاهم([18]). وستستمر علاقتهم بالبحر عبر الفترات الزمنية المتعاقبة حتى سيطروا على الإبحار في البحر المتوسط([19])، ولم تبدأ مرحلة الضعف والتراجع إلا في العصور الأخيرة([20]).

         ودائما في إطار اهتمام المغاربة بالبحر، فإن البحار المغربي بلغت شهرته الآفاق([21]  عندما قام بحارة قادس برحلات تجارية جابت شواطئ البحر المتوسط أيام الإمبراطور أوغسطس، ووصلوا إلى بلاد العرب، وكانت رحلاتهم معدة بشكل منظم([22])، بل إن منهم من غامر في بحر الظلمات بقصد اكتشاف مجاهله([23]) ومعرفة حدوده والشعوب التي تسكنه.

         وساهم البحار المغربي مساهمة فعالة في الحروب الصليبية واكتسب شهرة طيبة([24]) إبان إخراج الصليبيين من أبلة، وكان المسؤول عن دار الصنعة بالإسكندرية أيام المماليك رجل مغربي اسمه إبراهيم التازي الذي أبلى البلاء الحسن في محاربة الصليبيين([25])، وقد  شاع عند المشارقة أن الفرنج لا يقهرهم إلا المغاربة الذين يجاورونهم في جزيرة الأندلس لأنهم كانوا عارفين بطرق قتالهم([26])، ولعل هذا هو السبب في إرغام كل مغربي وجد في مصر على الخدمة في الأسطول، بل وكانوا يسجنون حتى إذا حان وقت الحاجة إليهم أخرجوهم وأركبوهم الأسطول لرد أخطار الصليبية([27]).

         وفي عهد صلاح الدين كان قائد أسطوله عبد السلام المغربي الذي وصف بالحذق والشجاعة وظل متصلا بالبحر إلى أن توفي غريقا في حصار صور عام 583هـ/1187([28]). ولعل هذه المشاركة للمغاربة في الحروب الصليبية حملت الصليبيين على التضييق على الحجاج المغاربة بمختلف أنواع المغارم كإجراء عقابي "فجزاهم الإفرنج بهذه الضريبة المكسية ألزموها رؤوسهم فكل مغربي يزن على رأسه الدينار المذكور في اختلافه على بلادهم"([29]).

         فإذا كانت هذه النماذج توضح لنا بما لا يدع مجالا للشك مهارة المغاربة في شؤون البحر وتمرسهم على ركوبه، ويبقى لنا أن نحاول إبراز علاقة بعض الفئات الاجتماعية في المجتمع المغربي بالبحر، وسنركز في هذه النقطة على المتصوفة دون سواهم وذلك لعدة أسباب أهمها المكانة التي احتلها الأولياء والمتصوفة في المجتمع المغربي الوسيط فكيف تعامل المتصوفة مع البحر؟

         لقد شغل تسخير البحر للأولياء وإظهار كرامتهم فيه جزء مهما من كتاب التشوف([30]) وهذا يدل على مدى قوة الولي لتسخير قوى الطبيعة، حتى اعتبر المشي على البحر من بين الأمور التي تمكن المريد من أن ينخرط في سلك المريدين،ومن الأولياء من كان ينام على لجة البحر وفي حجره كتاب لا تصله أمواج البحر أو حتى رشاشها ومنهم من استطاع أن يحول ماء البحر من ماء مالح أجاج إلى ماء عذب فرات وبعضهم كان يتدخل لتهدئة البحر والحد من هيجانه([31]).

         يرى أحد الباحثين([32]) أن هذا الوضع يفسر بكون العامة تعتقد في الأشياء الخارقة للعادة ومن ثم نسبت للأولياء وغرائب الأمور، ويلجؤون إليهم عندما يضطرب البحر وتكثر أنواؤه، فالولي هو ذلك الشخص الذي وضعت فيه قوة إلهية تمكنه من التحكم في الظواهر الطبيعية وأن البحر يرمز للحياة الطاهرة،وهو نجاة لمن يرغب في الخلاص.

*سلوك المغاربة نحو البيئة البحرية وسبل حمايتهم لها.

بعد هذه الوقفة التي حاولنا من خلالها رصد الصورة التي كونها المغاربة في المراحل الوسيطية عن البحر وخوض أهواله وقطع مراحله،فإننا في النقطة الموالية نسعى من خلالها معالجة السلوك الذي كونه المغاربة عن البحر في إطار تعاملهم اليومي معه خاصة سكان السواحل،فقد ألفوا الإقدام على عدة أمور قبل أن يركبوا لجته،خاصة وأن الخوف من تغير أهوال البحر بين الفينة والأخرى كان أمرا واقعا كما أن الخوف من الوقوع في قبضة العدو (القراصنة)كان أيضا لا يقل أهمية عن العنصر الأول،لهذا كان لابد لراكب البحر أن يردد عدة تراتيل وأدعية، ومن ذلك ما اشتهر عند المغاربة بحزب البحر.

وهذا الحزب ينسب لأبي الحسن الشاذلي([33])وهو في عمومه مجموعة من الأدعية والتراتيل التي كان يقوم بها هذا الولي وحافظ عليها تلامذته عند ركوبهم البحر،وقد استقى أبو الحسن الشاذلي هذا الحزب من خلال قراءته الواسعة للقرآن الكريم،حيث يستشهد بالعديد من الآيات القرآنية والبدايات الأولى لمجموعة من السور ويرفقها بأدعية متنوعة تنتهي في مجملها إلى الدعاء والتضرع لله قصد الحماية من خطر العدو والنجاة من أهوال البحر .

وهكذا فإننا نصل بذلك إلى النقطة الأخيرة من هذه الورقة والمتعلقة بالتقنيات والوسائل التي استخدمها المغاربة للحفاظ على بيئتهم البحرية وسنحاول مقاربة هذا الجزء عبر نقط أساسية.

تتعلق النقطة الأولى باستغلال الثروات البحرية،وهنا نشير إلى أن المعلومات التي تقدمها لنا كتب الجغرافية والرحلات على قدر كبير من الأهمية،والفضل يرجع  لهذا النوع من المصنفات في الكشف عن أنواع الأسماك وأوقات خروجها وتكاثرها وأماكن اصطيادها،إلا أننا لن نقف عند كل هذه المعطيات وسنكتفي بما يخدم موضوعنا.

لعل من نافلة القول التذكير أن أقدم الإشارات المصدرية المتعلقة بالثروات السمكية هي تلك التي أوردها كل من ابن حوقل في"صورة الأرض" والبكري في"مسالكه" وهي الإشارات نفسها تقريبا التي أوردها الإدريسي في "نزهته" وصاحب "الاستبصار"،والأمر لم يقف عند استغلال الأسماك بل تعداه إلى استخراج ثروات أخرى أهمها المرجان الذي كان يجمع من موقعين نالت شهرتهما الأفاق:مرسى الخرز([34]) ومرسى سبتة([35]).ومن خلال مقابلة الروايتين يمكن أن نستنتج استمرار أهمية مرسى سبتة في استخراج المرجان هذا في الوقت الذي تراجعت فيه أهمية مرسى الخرز،ولعل الأمر هنا يمكن تلمسه في الإمكانات البحرية التي أصبحت تتوفر عليها مدينة سبتة قاعدة الأسطول المرابطي والموحدي خلال القرنين 5و6هـ/11. 12م.

ولحماية هذه الثروات وعقلنة عملية استخراجها فإن الدولة كانت تسهر مباشرة على عمليات الاستخراج بتعين أمناء ونظار يتولون الإشراف على عمليتي الاستخراج والبيع ([36])،وهذه العملية كانت تقوم بها سفن تخرج مجتمعة تصل إلى خمسين قاربا قد يشغل القارب الواحد حوالي عشرين بحارا.([37])

والعملية ذاتها يمكن أن تسحب على الثروات السمكية،فهل كانت عملية الاصطياد خاضعة لتنظيم خاص من شأنه أن يحافظ على التنوع الطبيعي للأسماك، بمعنى هل كانت مراقبة من قبل الدولة أو على الأقل من قبل ديوان البحر أو المحتسب؟أم أنها كانت عملية حرة يمارسها كل من توفرت له إمكانية الحصول على مركب وشباك؟مما يدفعنا للتساؤل عن إمكانية وجود"جمعيات" ينتظم فيها الصيادون ويسهرون على تنظيم هذه العملية وحل الخلافات التي قد تظهر بين التجار والصيادين والزبناء؟

ربما يكون من الصعب جدا في الفترة الوسيطية الحديث عن وجود مثل هذه الجمعيات التي تحاول تنظيم عمل المجموعات ذات المهن المتشابهة،أما بشأن الفتوى التي أوردها الونشريسي ([38]) فأنها تتعلق أساسا بما يمكن أن نسميه بشركة صيد بحري يتم توزيع الإنتاج فيها حسب مشاركة كل صياد في هذه الشركة،وكان معيار تقسيم الإنتاج يأخذ بعين الاعتبار عدد الشباك التي ساهم بها كل صياد،فالذي ساهم بثلاث شبكات يأخذ سهمين من الإنتاج والذي ساهم باثنين يأخذ سهما ونصف،والذي ساهم بواحدة يأخذ سهما واحدا. إلا أن النازلة لم تجد استحسانا من قبل أبي القاسم الغبريني الذي لم يبح حصة النتاج التي يأخذها المساهمون في مثل هذه الشركات،وهذه الإشارة الوحيدة التي نتوفر عليها بشأن هذه المسألة لا تجعلنا نتحمس للإقرار بوجود "جمعيات"تتولى تنظيم الصيد السمكي وحماية الثروات البحرية.

إلا أن الأكيد أن الثروات البحرية كانت على درجة كبيرة من الأهمية،وقد أدركت الدولة المركزية في هذه المرحلة أهمية ما يستخرج من البحر،لهذا كانت تسعى إلى تنظيم عملية الاصطياد.ويفيدنا المقري التلمساني بإشارة غاية في الأهمية تتعلق بمدينة سبتة التي كان يشرف بها عامل المضارب وأعوانه على تنظيم عملية بيع السمك في المرسى واستخلاص عائداتها،وإذا سلمنا بكون عامل المضارب تابعا لإدارة الميناء ومنها يستخلص حقوقه وحقوق أولئك المشتغلين معه،فإنه في مدينة سبتة على عهد آل العزفي نتوفر على إشارة طريفة وفريدة من نوعها أوردها "صاحب أزهار الرياض"مفادها أن عامل المضارب كان له الحق في أخذ عائدات السمك طيلة يوم كامل وأن يأخذ بيت المال عائدات يومين. وقد جعلت العائدات السمكية إذا كان يوم عامل المضارب الشريف أبي العباس الحسني لفائدة المساكين والضعفاء والمتنزهين الذين كان يعز عليهم الحصول على السمك في الأيام العادية،وكانت تحصل له عائدات كبيرة قدرها المقري ب" فيتصل بيده من فائدة يومه مئة الدينار وسبع المائة،وربما يزيد وينقص،وقد انتهى في بعض الأحيان إلى ألفي دينار في اليوم حسب يسنيه الله عز وجل".([39])

وهكذا فإن عملية صيد الثروات البحرية في المراسي الأساسية سبتة.المعمورة.فضالة.سواحل الريف-كانت تدر على الدولة أموالا مهمة تستعين بها لتغطية حاجاتها المتزايدة ولا نعتقد أن قطاعا من هذه الأهمية كان خارجا عن مراقبة الدولة خاصة إدارة الموانئ للحفاظ على التنوع البيئي في السواحل المغربية الوسيطية.

وارتباطا بموضوع السمك،فإن مما أنيط بالمحتسب -إلى جانب جودة السمك- أن ينبه على ما يمكن أن يلحقه استخفاف باعة السمك بالمستهلك،فقد كان عليه أن ينبه باعة السمك والذين يتولون قلي السمك في السوق إلى أن يتخذوا رواقا خاصا بهم،تفاديا لما من شأنه أن تسببه روائح السمك وأبخرتها من إزعاج للمارة ولباقي التجار،لهذا ألزمهم بضرورة تنظيف الساحة التي يشتغلون فيها،"ويمنعون من طرح حوت البحر في الماء العذب فإنه يفسده"([40]).

القرصنة:

أثارت ظاهرة القرصنة أو الجهاد البحري نقاشا حادا بين الباحثين قديما وحديثا،فمنهم من اعتبرها نشاطا عاديا وأمرا طبيعيا وهي بذلك قديمة قدم الملاحة البحرية،وبين من اعتبرها أمرا طارئا عكر صفو التنقلات البحرية والنهرية،منهم من جعلها آفة لصيقة بالأمة الإسلامية،وبعضهم عمم أفكاره فجعلها خاصة بالشعوب البحرية.ولا نود الخوض في هذه الجزئيات المصطلحية والشحنة الحضارية التي تحملها،([41])وإنما نروم رصد هذه الظاهرة على مستوى تغيير السلوك البيئي البحري الذي كانت تحدثه.

من خلال تصفحنا لمجموعة من الإشارات الواردة في مصادرنا،فإن المسلمين عموما والمغاربة خصوصا قد تعرضت سفنهم لعمليات النهب التي مارسها بحارة من مختلف المدن الأوربية،ورغم أن الغرر كان يغلب على الطريق البري بسبب القلاقل التي أحدثها الغزو الهلالي بالطرق البرية الرابطة بين بلاد المغرب ومصر([42])فإن المغاربة وخاصة أولئك الذين عزموا على زيارة البيت الحرام غالبا ما كانوا يسافرون على متن سفن توصلهم إلى بلاد مصر ليواصلوا بعد ذلك الرحلة إلى بلاد الحجاز إما برا وإما بحرا.

إن تفضيل المغاربة الطريق البحري لا يعني أن البحر كان أكثر أمنا من الطريق البري بقدر ما يدل على أن الخطورة كانت متفاوتة بين الطريقين،وحتى إذا ركبوا البحر فإنهم كانوا ينتظرون في كل لحظة أن يقعوا في قبضة العدو ولعل الحالة النفسية التي عاشها ابن جبير وابن رشيد السبتي وأحمد المقري على متن المراكب التي أقلتهم إلى ديار مصر خير دليل على قلة الأمن في بحر الروم"البحر المتوسط"([43]). والخوف من مباغتة العدو كان له انعكاس على فلسفة العمارة في السواحل المغربية إذ عمد سكان السواحل إلى اتخاذ رباطات وحصون منيعة ومنارات تمكنهم من مراقبة السواحل ورصد حركة السفن.([44])وإنذار قومهم بوسائل الإنذار المعروفة وقتئذ(إطلاق الدخان إذا كان الوقت نهارا وإشعال النار إذا كان الوقت ليلا هذا بالإضافة إلى قرع الطبول).

وهذه الوضعية يعكسها البادسي في حالة الرعب التي كان يعيشها سكان السواحل الريفية جراء التردد المستمر لسفن النصارى-الأوربيين-على السواحل المغربية وما كانوا يقومون به من سلب ونهب وأسر للسكان في إطار عمليات القرصنة.فكان السكان يعمرون السواحل في زمن الشتاء الذي يواكب التوقف القسري للسفن بسب اضطراب البحر وكثرة أنوائه وأهواله ،وعندما يأخذ الجو في الاعتدال إبان فصل الربيع والصيف فإن السكان يصعدون إلى الأماكن المرتفعة طلبا للحماية من هجومات القراصنة ويخلون السواحل إلا من أعداد قليلة من السكان.([45])

وللحد من هذه الظاهرة ومحاصرتها وحماية البيئة البحرية التي سخرها الله للإنسان وكانت بذلك أساس التكريم الإلهي للإنسان.([46])فإن الدول المغربية الوسيطية كانت لها مواقف رائدة في تثمين أي مبادرة لحماية السفن والسكان والسواحل عامة من هذه اللعنة التي لحقت الملاحة في العصور الوسيطية لهذا وجدنا الموحدين في إطار ضبطهم لسواحلهم ينصون في معاهدات السلم والصداقة التي كانت تجمعهم بالدول الأوربية خاصة الجمهوريات الإيطالية(خاصة جنوة وبيزا والبندقية) على ضرورة محاصرة هذا السلوك.([47])

وهكذا، فإن ما يمكن أن نخلص إليه من خلال هذه الورقة أن المغاربة تعاملوا مع البحر وفق ثقافة خاصة تسعى إلى محاولة استغلال ثرواته واستخدام لجته في حياتهم اليومية محاولين الحفاظ على بيئتهم البحرية وتنوع عناصرها البيئية محققين بذلك أساس التكريم الإلهي للإنسان وتفضيله على سائر المخلوقات.

 

 



[1]- أنور عبد المنعم، الملاحة وعلوم البحار عند العرب، سلسة عالم المعرفة،ع.13،يناير 1979. 

[2]  -  L. Brunot. La Mer dans les traditions indigènes à Rabat et Salé,Paris,1920,.p 1 et 240.

[3]- Ibid,p4.11.12.64..240

[4]  - Jean MonLaü: Les Etats Barbaresques, Pais, 1964, p 14.17.  

[5]  - كواندرو، قراصنة سلا،ترجمة،محمد محمود،نشر جامعة محمد الخامس،1991،ص: 17-18.

[6]  -نفسه، ص: 47.

[7]  -   E. Laoust , « Pêcheur Berbers du sous », Hes, 1923 t3. pp 347-348-361.   

[8]  - كواندرو، م.س. ص 18.

[9] - محمد زروق، الأندلسيون وهجراتهم إلى المغرب خلال ق 16-17، الدار البيضاء. 1991، ص 210 وما بعدها.

[10]  - Halima FERHAT, «  Démos et Merveille: l’Atlantique dans l’imaginaire Marocain

 Medieval », le Maroc et l’Atlantique- U.Med V. F.L. Rabat. Colloque n° 21, PP 21-32-35                      

[11] - مpمد زنيبر، المغرب في العصر الوسيط، منشورات كلية الآداب، الرباط، سلسلة رقم 24. ط 1 ، 1999، ص: 388.

[12] - بداية تراجع اهتمام المغاربة بالبحر تسجله سنة 1415م/817هـ التي أرخت لاحتلال سبتة من قبل البرتغال، وما لحق السواحل المغربية من دمار من جراء هذا الغزو:انظر، حسن الوزان، وصف إفريقيا،ترجمة محمد حجي ومحمد الأخضر،ط2،دار الغرب الإسلامي،بيروت،1983. ج 1 ص: 318.

[13]  - محمد الطويل،النقل والتنقل في المغرب خلال العصر الوسيط، رسالة مرقونة كلية الآداب الرباط، ص. 212.

[14] -  كذلك، عبد المجـيد القـدوري،" البحر في المتخـيل المغربي" مجلة  الملتقى. ع 4. السنة 3. 1999، ص: 5-24.

[15] - أحمد بن محمد المقري التلمساني، نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب، تحقيق إحسان عباس، دار صادر بيروت. 1968 ، المجلد الأول. ص: 33.

[16] - اعتمد عبد المجيد القدوري في نقده للكتابة الاستعمارية التي تناولت المغاربة والبحر على ما جاء عند الإدريسي وابن بطوطة. م.س، ص: 8-9-10. إلا أنه يمكن توسيع الدائرة لتشمل كتب النوازل وكتب الجغرافية ورحلة ابن جبير.

[17]  - س.د. جواتياين، دراسات في التاريخ الإسلامي، والنظم الإسلامية، ترجمة عطية القومي، الكويت. ط 1 . 1980. ص: 217 218.

[18]  - عبد المجيد القدوري، م.س، ص: 17-18.

[19]  - ابن خلدون، المقدمة، ط1،دار الكتب العلمية،بيروت،1993.ص.198.

[20]  - عبد المجيد القدوري، م.س ، ص: 10-11.

[21] -  عبد العزيز بنعبد الله،" دور الملاحة المغربية في البحار طوال ألف عام"، مجلة المناهل،ع 32،عام 1985، ص.89.

[22] - خوان برنيط،"هل هناك أصل عربي إسباني لفن الخرائط البحرية"، ترجمة محمد مختار العبادي، .مجلة.معهد.الدراسات.الإسلامية.مدريد،عدد. 1 سنة 1953. صص. 82 83.

[23] - عبد العزيز بنعيد الله، م.س، ص. 89.

[24] - أنور عبد المنعم، عالم المعرفة، م.س، ص: 98. 

[25] - عبد العزيز بنعبد الله، م.س، ص: 109.

[26]- المقري، نفح الطيب..، م.س،  ص: 245.

[27] - جواتياين  م.س،  ص:245.

[28]- ابن الأثير، الكامل في التاريخ، تحقيق جماعة،ط4، دار الكتب  العربية. بيروت، 1983،ج11 ص. 210. 

[29]  -ابن جبير، رحلة بن جبير، مقدمة مصطفى زيادة، د.ت، ص: 210.

[30]  - أبو يعقوب يحيى التادلي، التشوف إلى رجال التصوف، تحقيق أحمد توفيق، منشورات كلية الآداب. الرباط ط 2. 1997. صص. 121 160-210-211-234 و 127.

[31]  عبد المجيد القدوري، م.س، ص.14.

[32]- ابراهيم القادري بوتشيش، المغرب والأندلس خلال عصر المرابطين، ط1، دار الطليعة، بيروت 1993، ص: 144.

[33] - وهو أحد متصوفة مصر كان يردد هذا الحزب عند ركوبه البحر،وقد حافظ تلامذته على عادة شيخهم ولسنا ندري الطريقة التي وصل بها هذا الحزب إلى بلاد المغرب وهل كان للمتصوفة المغاربة الذين كانوا يزورون مصر وبلاد المشرق عموما دور في نقل هذا الحزب إلى المتصوفة والموريدين المغاربة.للاطلاع على هذا الحزب يرجع للملحق الذي ذيل به المحقق لرحلة ابن بطوطة،تحفة النظار..،تحقيق.علي منتصر الكتاني،ط1، دار الغرب الإسلامي،بيروت.1979.

[34] -ابن حوقل،صورة الأرض،منشورات دار مكتبة الحياة،بيروت،1979،ص73.

[35] -الإدريسي،المغرب العربي من كتاب نزهة المشتاق،نقله إلى العربية،محمد حاج صادق،O.P.U بلجيكا،1983ص.183.

[36]- ابن حوقل،م.س،ص.73.

[37]- الإدريسي،م.س،ص.173.

[38]-أبو العباس الونشريسي،المعيار المغرب..،تحقيق جماعة،طبع وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية ،ج.8،ص.189.

[39]- المقري التلمساني،أزهار الرياض في أخبار عياض،ج12،نشر صندوق إحياء التراث الإسلامي،د.ت،ص.43.

[40]- أحمد بن عبد الرؤوف، ثلاث رسائل أندلسية في الحسبة والمحتسب،جمع ليفي بروفنصال، القاهرة، 1955.ص.97.

[41] - يمكن الرجوع ل:روجي كواندرو،قراصنة سلا،ترجمة محمد محمود،نشر جامعة محمد الخامس.1991.

[42] - الوزان ،م.س،ج.1.صص65. 66.

[43] - ابن جبير،ص.69. 114. 219. المقري،مج.1.صص33. 35.

[44] - البكري، المغرب في بلاد إفريفيا والمغرب،جزء من المسالك والممالك، تقديم وتحقيق M.G.Deslane،د.ت،ص.91. 105. 107.

[45] - عبد الحق البادسي،المقصد الشريف..، تحقيق سعيد أعراب،ط2، المطبعة الملكية الرباط،1993،ص.51. 61. 67. 75.

[46] - "ولقد كرمنابني آدم وحملناهم في البر والبحر"الإسراء.71

[47] - Mas Latrerie,Traités et document divers concernant les relations des chrétiens et les arabes au moyen age,Paris,1968,p91     . البنذ 19.