التراث بين مفهومي القراءة والخطاب
خاليد سليكي
تمهيد
:
قد تكون قضية التراث
من القضايا التي أصبحت مثار تحفظ لدى البعض، نظرا لما عرفته من نقاشات وجدالات ظلت
تدور في الغالب على هامش القضية؛ سواء تعلق الأمر بالندوات أو الدراسات المنشورة. والحال،
إذا ما تم القيام بجرد لأهم ما كتب وقيل عن التراث، فلن يجد الباحث أي تناول للمسألة
التراثية -باعتبارها قضية وإشكالا- إلا لدى
القليل من الدارسين، وهم يمثلون استثناءات. ونذكر على سبيل المثال محمد عابد الجابري
الذي قام بالبحث في القضية التراثية انطلاقا من البنيات الأساسية المشكلة للخطاب التراثي
بوجه عام. فهو يبحث عن قراءة مغايرة للفهم السائد؛ لذلك سعى إلى كتابة جديدة للتراث
وللأنظمة المعرفية التي أسهمت في "تكوين العقل العربي". لأن التصور الذي
يهيمن، يرى في التراث خلاصا وموضوع فخر واعتزاز.
لقد أصبح التراث إشكالية
تصعب الإحاطة بها في الفكر العربي المعاصر، الأمر الذي دفع الدارسين إلى وضع تصورات
منهجية يكون الهدف من ورائها القبض على الآليات المؤسسة له. وهكذا، تعددت الرؤى واختلفت
طرائق دراسته بين هذا الدارس أو ذاك.
غير أن الأمر الذي
يظل مثيرا، هو كون عدد كبير من الذين تناولوا المسألة التراثية قد اهتموا بالتراث من
حيث هو زمن، أو ركام، أو معرفة تاريخية، دون أن يكلفوا أنفسهم عناء البحث في تحديد
الإطار المفاهيمي والتاريخي الذي يشتغلون فيه. فقد أجمعوا على ضرورة البحث في المستوى
المتعلق بما يمكن أخذه من التراث، أو بالأحرى ماذا في التراث؛ في حين، أن القضية لا
تتحدد في هذا المستوى فقط، وإنما ينبغي للدارس، قبل أن يلج هذا المبحث، أن يبحث في
بعض التساؤلات التي تظل مطروحة، ونقصد تلك المستويات المتعلقة بالتراث وعلاقة
"الحاضر" به؛ وهو ما حاول جابر عصفور طرحه من خلال ثلاث زوايا، وهي :
"ما التراث؟ لماذا نقرأ التراث؟، كيف نقرأ التراث؟" محاولا الدفع بالمسألة
التراثية إلى مستويات لم يتم التطرق إليها بعد مشيرا إلى "أن الذين مارسوا قراءة
التراث لم يمارسوا هذه الأسئلة بل مارسوا سؤالا آخر هو ماذا في التراث؟"[1].
تبين لنا هذه الأسئلة
الثلاثة مجاهل الموضوع التي لم يتم طرحها بعد. ومن هنا، ارتأينا أن نبحث في المسألة
التراثية انطلاقا من الإجابة عن هذه الأسئلة التي تمثل في نظرنا محاور مهمة نحن في
حاجة إلى تدقيقها والنفاذ إلى أعماقها.
يبقى من الصعب التمييز
بين هذه المحاور الثلاثة لما تعرفه من تداخل، إذ الحديث عن مفهوم التراث هو حديث عن
العودة إلى هذا التراث؛ والعودة إليه لا بد أن تتضمن آليات تفضي بالدارس في النهاية
إلى الكيفية التي ينبغي أن يقرأه بها. غير أننا سنحاول، إجرائيا، التطرق لكل على حدة،
في محاولة لمعرفة الحدود والتقاطعات التي تجمع كل هذه العناصر.
ويجرنا الحديث عن
القراءة وعن مفهوم التراث، من حيث هو نصوص، إلى الحديث عن مفهوم آخر هو الخطاب ليس
من الزاوية اللسانية، ولكن من الزاوية الفوكوية (نسبة إلى فوكو Foucault) وما عرفه هذا المفهوم
من تطور على يد جوناتان دوليمور Jonathan
Dollimore وفرانسيس باركر F.Barker
وغيرهما من مؤسسي
المادية الثقافية Cultural
Materialism.
وبذلك، يكون مفهوما
القراءة والخطاب، مفهومين إجرائيين سيساعداننا على فهم بعض المرتكزات التي يقوم عليها
التراث، من جهة، وتحديثه من جهة ثانية. وننطلق في ذلك كله، من فكرة مؤداها، أن التراث
خطاب منفتح ينبغي قراءته باستمرار، كما ينبغي أن تتعدد قراءته؛ لأن تعدد القراءة سيفضي
بنا إلى مفهوم التأويل. والبحث في الخطاب، هو في جانب آخر، بحث في سلطة هذا الخطاب.
ومن ثم، فإن البحث عن التراث هو بمثابة بحث في خطاب هذه السلطة.
ثمة إذن، علاقة متبادلة
ومتداخلة بين هذين المفهومين؛ واستدعاء أحدهما ليس سوى استدعاء لهما وبحث فيهما في
الآن نفسه. وهكذا سيكون هذا القسم، محورا للحديث عن التراث باعتباره "مقروءا"،
من جهة، و"خطابا للقراءة" من جهة أخرى؛ وباعتباره سلطة فاعلة في الخطابات
المعاصرة. فكيف قرئ التراث، وكيف ينبغي قراءته؟ ثم أين تكمن تجليات سلطة الخطاب؟
I
–
في مفهوم التراث
على الرغم مما قيل
عن التراث، فإنه يظل الموضوع الأكثر غموضا وانفلاتا لما اتسم به من زئبقية. فكلما تم
الاقتراب منه إلا وازداد غموضا وتناسلت التساؤلات، وشكل حقلا لعدد من القضايا المتشعبة
والإشكاليات التي يصعب الحسم فيها بدراسة أو اثنتين. خصوصا في المرحلة التاريخية التي
نجتازها، في ظل هيمنة النمط اللاعقلاني المحدد لعلاقة الحاضر بالماضي.
تبدأ هذه الإشكالية،
انطلاقا من الذات العربية الحاضرة في علاقتها بماضيها. فالقضية المطروحة مزدوجة : إنها التراث، باعتباره قضية يمكن تتبعها
بمعزل عن الذات التي تقوم بدراسته؛ وعلاقة الذات الحاضرة بـ"حاضر ماض". ويمكن
أن نرجع بعض أسباب هذا الغموض إلى عدة عوامل تتحدد أساسا في غياب تحديد دقيق للتراث
كـ"مفهوم" حديث العهد لم يتم تداوله إلا في مرحلة محددة وفي ظروف تاريخية
وحضارية محددة أيضا.
ومن جهة أخرى، عدم
حصر التراث في إطاره الزمني؛ أي أنه لم يتم وضعه في إطاره العام الذي تشكل فيه، ونقصد
حدوده التاريخية، ومن أين يبدأ وأين ينتهي. ذلك، أن أغلب الباحثين الذين تناولوا هذه
المسألة، لم يبحثوا في هذه التدقيقات؛ وهي رغم ما يمكن أن تبدو عليه من بساطة، فإن
أهميتها تظل كبيرة، كما أن النتائج التي ستترتب على كل دراسة ستظل ناقصة ما دامت لم
تحدد مفاهيمها، وتدقق الإطار الذي تشتغل فيه. لذا سنحاول أن نعرف التراث انطلاقا من
البحث في زمنيته وتاريخيته. فكيف عرف العرب القدامى التراث؟ وماذا يقصد بالتراث؟
لم يسبق للعرب أن
عرفوا قضية/إشكالية العلاقة بين "الحاضر" و"الماضي". ورغم ما عرفوه
من صراعات بين "القديم والمحدث"-والذي تجلى في الشعر على وجه الخصوص- فإن
هذا الصراع لم يفجر إشكالية العلاقة بين الماضي والحاضر من حيث إن الماضي تراث، بل
تعاملوا مع الماضي باعتباره نموذجا، وليس قضية. وحين نبحث في بعض المعاجم العربية القديمة،
فإننا لا نجد أي تعريف للفظة "التراث". فلسان العرب، مثلا، يورد مجموعة من
التعاريف في مادة ورث من غير أن يخص لفظة تراث بتعريف خاص : "الورث والورث والوراث
والإراث والتراث واحد. الجوهري : الميراث أصله موراث، انقلبت الواو ياء لكسر ما قبلها،
والتراث أصل التاء فيه واو. ابن سيدة : والورث والإرث والتراث والميراث : ما ورث؛ وقيل
والميراث في المال، والإرث في الحسب"[2].
يقدم هذا التعريف بعض المعطيات حول الحمولة الدلالية التي كانت تتضمنها كلمة التراث،
ويمكننا إيجازها في ما يلي :
1 –
ليس هناك خصوصية اصطلاحية
لهذه الكلمة، الأمر الذي لا يسمح بالحديث عن التراث باعتباره مفهوما لدى العرب القدامى،
كما أنه لا يوحي بوجود إشكالية تتضمنها هذه الكلمة، إذ تندرج لفظة تراث ضمن الحقل الدلالي
للإرث من غير أن تنفرد بمعنى خاص ومتميز.
2 – إن جميع هذه الألفاظ المندرجة في سياق الإرث،
لا تشير إلا إلى إرث مال أو حسب.
يبين لنا هذا التعريف
كيف تخلو لفظة تراث من أي محتوى للزمن الحضاري، ومن كل ما له صلة بالمجال المعرفي،
وما يرثه الإنسان من معارف عن الذين سبقوه في الحضارة. ومن هنا، يتجلى لنا الفارق الواضح
بين شحنة الكلمة كما يتم تداولها، اليوم، في العالم العربي، وبين مضمونها في الأصل.
كما يتضح لنا غياب الإشكالية التي تطرح اليوم في الثقافة العربية القديمة.
يبدو من خلال ما تقدم
أن العرب القدامى لم يعرفوا إشكالية العلاقة بين القدامة والحداثة بنفس الحدة التي
نعيشها اليوم. صحيح، أن علماء اللغة كانوا يتعصبون لكل ما هو قديم، وأن هناك من الشعراء
من كانوا يسلكون مسلك القدامى في مقابل آخرين يثورون على كل نموذج قديم، لكن هذا لا
يدخل ضمن إشكالية التراث كما تطرح في السياق الثقافي المعاصر. بل يمكن اعتبار ذلك نموذجا
حداثيا متقدما، وأن مجاوزة التراث كانت خطوة انبنت على الاستيعاب الواعي للإرث الذي
تقدم.
ولعل أهم خلاصة يمكن
استنتاجها، كوننا لا نجد لمفهوم التراث موضعا في المعاجم العربية القديمة؛ لذلك صار
من اللازم البحث فيه، انطلاقا من مكوناته الحاضرة ومن التعاريف التي ألحقت به. هل يمكن
أن يكون التراث هو الإرث الذي خلفه القدامى من معارف وتجارب مدونة في الكتب التي وصلتنا؟
أم أنه شيء آخر غير ذلك يمكنه أن يشمل مكونات أخرى غير مكتوبة؟ أي هل التراث هو الجانب
المكتوب من الحضارة، أم أنه يتجلى في الجانب الصامت واللاواعي من وجودنا؟ كما أنه،
ضمن أي تصور عن الزمان التاريخي تطرح هذه المسألة؟ وضمن أي فلسفة عن الهوية والاختلاف؟[3].
يحق لنا، من خلال
ما سبق إذن، أن نطرح التساؤل التالي : ما التراث في الثقافة العربية؟ وماذا نقصد بكلمة
تراث في ثقافتنا المعاصرة؟
يقدم محمد عابد الجابري
جوابا عن هذين التساؤلين معتبرا التراث هو الموروث الثقافي والفكري والديني والأدبي
والفني، وهو الحمولة التي أصبحت تحملها هذه الكلمة في خطابنا العربي المعاصر، لم يكن
حاضرا لا في خطاب أسلافنا ولا في حقل تفكيرهم، كما أنه غير حاضر في خطاب أية لغة من
اللغات الحية والمعاصرة التي نستورد منها المصطلحات والمفاهيم الجديدة علينا. إن هذا
يعني أن مفهوم "التراث"، كما نتداوله اليوم، إنما يجد إطاره المرجعي داخل
الفكر العربي المعاصر ومفاهيمه الخاصة، وليس خارجهما. فإلى هذا الإطار يجب نتوجه ونبحث
فيه عن الخصوصيات التي تميزه[4].
لقد أصبحت كلمة تراث
تعني الفترة المشرقة في الماضي العربي، وذلك في مقابل الحاضر الذي يعيش فيه العربي
الضياع المعرفي وخلل الكينونة الحضارية. والحال أن التراث ليس هو الماضي، وقد ابتعد
عنا بفعل الزمن، بل هو حدود وعينا وعلاقتنا بهذا الموروث. وإن محاولة الاقتراب من السؤال
"ما التراث؟"، هي تحديد ما يربط الدارس العربي بالماضي، وتحديد المرحلة التي
يحياها العربي في مجاله الحضاري المعاصر. كما أن طرح هذا السؤال (ما التراث؟) يمثل
تعبيرا عن مرحلة التمزق والفوضى والخلط اللذين أصبح يعيشهما الدارس العربي في مقارنته
مع الآخر الغربي الذي تجاوز المسألة التراثية منذ قرون عدة، وعمق معرفته التي تجاوز
بها باقي معارفه الموروثة. أما العربي، فلم يعرف بعد، كيف ومن أين يبدأ؟ وبهذا، فالتراث،
وعلى الرغم من اختلاف التعاريف التي حاولت مقاربته، يظل مرحلة تاريخية ماضية تفصلنا
عنه مسافة زمنية، وهو ما يستوجب الحديث عن الحدود الزمنية لتلك الفترة التي تقع في
الماضي.
I-1-الحدود
التاريخية للتراث :
سبقت الإشارة إلى
أن الخطأ الذي يقع فيه العديد من الباحثين، هو عدم تحديدهم للإطار الزمني والمفاهيمي
الذي يشتغلون فيه. لذا، يمكن القول "إن "التراث" هو من إنتاج فترة تقع
في الماضي وتفصلها عن الحاضر مسافة زمنية تشكلت خلالها هوة حضارية فصلتنا وما زالت
تفصلنا عن الحضارة المعاصرة : الحضارة الغربية الحديثة، وحين نضع في حسابنا الغرب باعتباره
نموذجا للمقارنة، فليس ذلك راجع إلى سلطة ميتافيزيقية أو من موقع الغرب كمستعمر، بل
من موقعه المعرفي الذي ينتظم في سياق عقلاني، ذلك "العقل الذي يسعى إلى اكتمال
المعرفة. واكتمال المعرفة لا يمكن أن يتحقق بالنقل أو التقليد، لأن الأول إلغاء لوجود
الناقل، والثاني إلغاء لعقله"[5].
تأتي "نموذجية" الغرب المعرفية من تحقيقه للتواصل مع تاريخه المعرفي، ومع
تاريخ معرفة الأمم الأخرى، بحيث لم يقطع صلته بالموروث العالمي الذي بدأ منه نهضته،
ومن تراث العرب كأمة عرفت ازدهارا معرفيا قبل
النهضة التي ارتكزت على ذلك التراث. بالإضافة إلى الأساس العقلاني الذي بنى عليه مستويات
علومه ودراساته.
إن الغرب منفتح على
الموروث العالمي؛ وهو في ذلك يستفيد منه إلى حد كبير، محاولا استيعابه والحفاظ على
خصوصياته الثقافية، لأن الذين صنعوا المعرفة الغربية ظلوا يحرصون على استمرارية ثقافتهم.
على أن العرب مكثوا ينظرون إلى "التراث" بأنه "شيء" يقع
"هناك". فما يميز التراث العربي الإسلامي
هو أنه مجموعة عقائـد ومعارف وتشريعات ورؤى. يضاف إلى ذلك، اللغة التي تحملها وتؤطرها
والتي تجد إطارها المرجعي التاريخي والإبيستيمولوجي في عصر التدوين (القرن الثاني والثالث
للهجرة) وامتداداته التي توقفت آخر تموجاتها مع قيام الإمبراطورية العثمانية في القرن
العاشر للهجرة (السادس عشر لميلاد) أي مع انطلاقة النهضة الأوروبية الحديثة[6].
فالجابري، مثلا، يرى أن :
ـ التراث، هو ما أنتج
خلال الفترة الممتدة بين عصر التدوين والقرن العاشر الهجري،
ـ وبذلك، فزمن التراث
هو المرحلة التي امتدت بين القرن الثاني الهجري وانتهت مع القرن الثامن للهجرة. وهي
المرحلة التي تؤرخ لإنتاج المعرفة وتطور آلياتها.
هناك من الباحثين
الذين ما زالوا يعتبرون أن ما أنتج في بداية عصر النهضة تراثا. فلا يميزون بين الجرجاني
والقرطاجني وروحي الخالدي[7].
إذ هل يمكننا أن نلغي الحدود الزمنية ونتنقل كيفما شئنا، داخل فترات زمنية متباينة
من دون وعي بالخصائص المعرفية والتاريخية لكل فترة.
إن إلغاء الحدود التاريخية
يؤدي إلى تجاهل تاريخية المعرفة العربية. وهو ما يدفع إلى التأكيد على ضرورة التمييز
بين التراث البعيد والتراث القريب، وبين النهضة والتراث. ولا يجوز لنا أن نضع عصر التدوين
في نفس المستوى التاريخي مع عصر النهضة. خصوصا، وأن هذا العصر يمثل، بالنسبة للعرب،
المرحلة التاريخية التي أفرزت الخطاب الذي أصبح، من خلاله، الحديث عن ما يسمى التراث.
يبقى التراث، إذن،
هو مجموع ما وصلنا من الماضي وخصوصا المكتوب؛ لأن التراث خطاب يتجلى عبر نصوص تتم قراءتها
باستمرار. لكن التراث، يمثل المرحلة التي كانت فيها الثقافة العربية في حالة اشتغال
وتفاعل مع الآخر، تستوعبه وتطور أساليب معرفتها وآلياتها. فحين نتحدث عن التراث، فإننا
نتحدث، ضمنيا، عن معرفة تنتمي إلى زمن تاريخي بعيد عنا. ولا يستقيم الحديث عنه، إلا
بعد أن ينقطع ذلك التسلسل. أما حين تكون المعرفة متواصلة وتنتج باستمرار وتتطور، آنذاك
نكون أمام حلقات متواصلة يفضي السابق منها إلى اللاحق، وتفضي الحلقة إلى الأخرى وتطورها
بإضافات جديدة. وآنئذ فقط، نتحدث عن الاتجاهات والمدارس والتيارات، وعن الاختلاف.
وعليه، فحين ينقطع
الإنتاج الثقافي يبدأ التكرار (تكرار المعارف السابقة والاكتفاء بشرح ما كتبه القدامى،
واعتبارهم النموذج الوحيد الذي لا ينبغي الانزياح عنه وبداية التقديس كما كانت الحال
في القرون المتأخرة)، كما يبدأ الانقطاع الذي تنتج عنه الهوة التي ستصبح مسؤولة فيما
بعد عن الجمود، أو لنقل الوجه الآخر للجمود، فتصبح هذه الحلقات قطعة معزولة في التاريخ،
وكلما تقادم الزمن ازدادت اغترابا.
انطلاقا من مفهومي
الهوة والانقطاع-اللذين يتأسس عليهما مفهوم التراث، باعتباره الهوة هي المساهمة في
خلق الإحساس بالفارق بين الحاضر المعيش والحاضر المعاش، بين الآن والهناك- نصل إلى
أن هذا الأخير يمثل مجموع النتاج المعرفي والفكري الذي أنتج بين عصر التدوين (القرن
الثاني الهجري) ونهاية القرن الثامن الهجري. وأما التاريخية التي تلت ذلك، أي من القرن
الثامن الهجري إلى الآن، فيمكن اعتبارها مرحلة التكرار، وفيها نميز بين عودتين (تكرارين)
:
أ ـ عودة تكرارية
خالصة، هي ما عرف بعصور الانحطاط، لكونها المرحلة التي تمثل مرحلة الانقطاع عن العصر
المعرفي الذي كانت تنتشر فيه المعارف وتتجدد، حيث كانت سيادة التقليد وهيمنة العقل
الفقهي الذي كان قد ابتدأ مع عصر التدوين والعصر الذي تلاه.
ب ـ وعودة إحيائية،
مثلت مرحلة الوعي بالهوة التي تفصل الحاضر عن الماضي، وأخرى تحديثية (هي التي ستكون
موضوع دراستنا من خلال بعض النماذج)، ونمثل لهذه الانقطاعات بالخطاطة التالية :

الجاهلية التدوين زمن الانحطاط = التكرار النهضة العودة إنتاج
إلى
المعرفة التراث
الـــــــــــــــتــــــــــــــــــــــــراث
يتضح لنا مما سبق،
أن التراث هو الحلقة المعرفية المفتقدة التي توجد في الماضي، والتي ينبغي البحث عنها،
لإعادة التواصل بينها وبين الحاضر. لأن الماضي تشكل وتطور في ظروف تاريخية معينة، فهو
يحمل رصيدا معرفيا غنيا هو ثمرة جهود العلماء القدامى. وتفصل الحاضر عنه مراحل تاريخية
يطلق عليها عصور الانحطاط التي اقتصر خلالها علماء العرب على التكرير، واجترار ما كتب.
وحين يتم اللجوء إلى الماضي، بحثا عن هذا الإرث، فذلك من أجل البحث عن حلقة نصل بها
حلقتنا. لكن هل يمكن أن ينطبق هذا التحديد الزمني على المجال الذي نشتغل فيه، ونقصد
التراث النقدي؟
حين نعود إلى التراث
العربي القديم، فإننا سنلاحظ أن كل المعارف قد تزامن ظهورها، وأثرت في بعضها البعض،
فالحركة المعرفية نشطت على جميع المستويات، سواء في الشعر، أو النقد، أو الفلسفة، أو
غيرها. ومن ثم، يشمل الحديث عن التراث كل ما كان يقع خلال الفترة الزمنية والتاريخية
التي حددناها سابقا.
نخلص في الأخير، إلى
أن التراث هو النسق المعرفي العام الذي تأسس في مرحلة تاريخية كان فيها العلماء يبدعون
ويسهمون في إنتاج المعرفة. إنه كل متكامل، يشكل في مجموعه خطابا منسجما يتغذى بالاختلاف
الذي أثرى به العلماء تصوراتهم وآرائهم. ولا يمكن أن ننفي التأثير الذي تركه الماضي
علينا، لأننا لسنا سوى جزء منه، فهو حاضر فينا، سواء عن وعي أو غير وعي، "فما
فينا أو معنا من حاضرنا، من جهة اتصاله بالماضي، هو تراث أيضا"[8].
ذلك، لأن ما نريد، بل ما يمكننا التعامل معه من حيث
هو معرفة ماضية، ليس التراث كما عاشه المتقدمون، أو كما وصلنا. بل إن التراث هو المعرفة
التي ظلت صالحة، وبإمكانها أن تساهم في تطوير معرفتنا وبلورة مشاغلنا، علما من أنه
هو نفسه يظل قابلا للإغناء والتطوير[9].
I-2-التراث
والهوية :
نعيد طرح القضية بصيغة
أخرى وهي : لماذا العودة إلى الموروث الثقافي العربي القديم، خصوصا وأنه أنتج في ظروف
تاريخية وثقافية لا تتطابق مع ظروفنا الراهنة، ولا تعبر عن همومنا المعرفية.
"وفرق بين من يعود إلى الماضي ليثبت أو يؤكد وضعا متخلفا في الحاضر، وبين من يعود
إلى الماضي ليؤصل وضعا جديدا قد يطور الحاضر نفسه، وينفي بعض ما فيه من تخلف وتأصيل
الجديد يعني أن نقتله علما، لنعرف أصله الذي جاء منه، وأصولنا التي يمكن أن تنقله وتدعمه،
وبمثل ذلك : يؤصل الجديد، أي يصبح له أصل، ويتحول إلى قوة مؤثرة كل التأثير، بعد أن
وجدت أصلا تضرب بجذورها الفتية فيه"[10].
لا تكتسي أهمية التراث
دلالة، إلا إذا كنا نعرف طبيعة هذه العودة وأهدافها. فالعودة إلى التراث كيف ما كانت
طبيعتها لا بد أن تكون إعادة للنظر فيه، ومراجعته وإعادة كتابته من جديد، وذلك من خلال
إنتاج خطاب معاصر يقوم بمناقشة هموم الحاضر وما يطرحه، وتحديد طبيعة العلاقة بين الحاضر
"الآن" بانشغالاته، والماضي بما يمكن أن يقدمه للحاضر. فما دمنا نؤكد على
الحضور التراثي فينا وفي خطاباتنا، فإن الانشغال به والعودة إليه، تمثل في النهاية
جزءا من الانشغال بمشروعنا[11]
وتأصيلا للهوية الثقافية.
لهذا لم يكن من قبيل
الصدفة، أن تتم العودة إلى التراث العربي القديم، بل كانت من ورائه دوافع يمكن إيجازها
في ما يلي :
ـ الانحطاط الحضاري
الذي عاشه على امتداد زمن طويل.
ـ الصدمة الحضارية
التي تجسدت في الغياب التام للممارسة المعرفية أو التقنية، التي يمكن للإنسان العربي
أن يقدمها.
ـ تساؤل الإنسان العربي،
ومراجعة واقعه وطبيعة المرحلة التي يعيشها. فهناك فارق واضح أضحى يفرض نفسه، وهو تقدم
الغرب وتأخر العرب، ومعاناتهم من سيادة العقل الخرافي.
لقد كان لتطور العلوم
بشتى فروعها وأنواعها، وللحياة الثقافية في الغرب، أثر واضح على الإنسان العربي الذي
أصيب بالصدمة، مما دفعه إلى القلق وإعادة النظر في موقعه الحضاري. وهكذا، كانت النهضة
أحد ثمارها بحيث استطاعت هذه الأخيرة أن تؤسس خطابها وأن تؤسس قطيعة مع النموذج التكراري
البسيط، واجترار ما سبق إليه السلف، مع إعاد طرح القضية من زاوية جديدة تتأسس على بنية
السؤال، بمعنى أن الخطاب السلفي لم يكتف في عمقه بتكرار النموذج القديم في الشعر أو
في النقد مثلا، بل كان تكراره يتضمن عودة مسائلة وتجريبية – إلى حد ما. بمعنى أن الخطاب النهضوي كان
يسائل ويعيد مساءلة ماضيه، كما كان يعيد تأسيس علاقته بالتراث. فالخطاب النهضوي كان
حريصا في البحث عن سبل لمواجهة الدهشة الغربية والتفوق العلمي الذي لم يكن على علم
به. وبذلك طرحت قضية الهوية والتأصيل في علاقتها بالتراث.
غير أن ما وقع فيه
هذا الخطاب هو تعلقه بهذا التراث الذي رأى فيه نموذجا يتوفر على سمة الكمال. فإذا كانت
الخلفية التي دفعته إلى العودة إلى التراث، خلفية حضارية سعى من خلالها إلى البحث عن
مخرج لأزمته، فإن السبيل التي سيسلكها فيما بعد، ستعمل على تحويل المشروع إلى مجرد
تكرار جديد. الأمر الذي ظل منحصرا في إضفاء القداسة عليه، دون محاورته وتفكيكه وتحديثه،
انطلاقا من علاقة جدل تسائل ولا تبحث عن الجواب الجاهز. وقد كانت العودة احتماء بالماضي
وانطواء على الذات، واغترابا لم يزد إلا من مضاعفة الإشكال. ومن هذا المنظور تصبح الأصالة
رديفة الاتباع لا الإبداع، والسير على منوال النموذج التراثي المتجسد في مفهوم (السلف
الصالح). ولا يكفي الشاعر، مثلا، أن يكون عربيا "أصيلا"، وإنما صار عليه
-مع هذا الخطاب- أن يكتب على غرار القدامى
وبـ"روحهم". وهكذا صارت الأصالة تكرارا للأشكال القديمة، وليست إبداع أشكال
جديدة مغايرة تعمق الوعي وتغني الأشكال القديمة[12].
يبدو أن التراث ليس
مشكلة نظرية وفكرية وحسب؛ وإنما، هو أيضا، مشكلة سياسية واجتماعية. وتبدو، تبعا لذلك،
أهمية النقد وضرورته : أي نقد الثقافة التقليدية السائدة ونقد مفاهيمها، خصوصا مفهومها
للتراث، أمرا ضروريا لا سبيل إلى مجاوزته. والذي ينبغي نقده هو مفهوم التراث ذاته،
إذ إلى جانب غموضه، يرى فيها الخطاب السلفي، أنه بمثابة جوهر وأصل كل نتاج[13].
وقد ساهم هذا النمط في تعطيل النهضة وتعثرها ولا يمكن للهوية أو التأصيل أن يتحققا
بهذه العودة السلبية. إذ أصبحت الوسيلة غاية في ذاتها، "فالماضي الذي أعيد بناؤه
بسرعة قصد الارتكاز عليه بـ"النهوض" أصبح هو نفسه مشروع النهضة. هكذا أصبح
المستقبل يقرأ بواسطة الماضي"[14].
لكن ما يمكن الإشادة
به للخطاب السلفي هو :
1 –
وعيه بالفارق الحضاري
الذي يفصله عن الغرب، وبالتالي وعيه بتخلفه على جميع المستويات.
2 –
واعتباره التراث مكونا
حضاريا يشكل نصيبا مهما من الوجود الثقافي، ومن ثم، لا بد من العودة إليه، لأنه لا
يمكن الانخراط مطلقا في تراث الآخر وحضارته حتى نذوب فيه.
3 –
طرح مسألة الهوية
التي تميز الذات العربية وخصائصها عن الآخر.
وتبعا لذلك، فإن تقدم
الغرب المعرفي والتقني لا يعني التخلي عن الهوية ومكونات الذات بقدر ما يعني البحث
عن خاصياته النوعية وعن الاختلاف، الذي يمكن من خلاله أن ينظر العربي إلى الغرب،
"ذلك أن جنيالوجيا الذات هي في نفس الوقت جنيالوجيا الآخر. فالسؤال عن "النحن"
يعني أيضا السؤال كيف أصبح غيرنا "الآخر" وما هي أشكال "الغرب : التي
صنعها الخطاب العربي؟"[15].
لأن الهوية تتضمن بعدا من أبعاد الاختلاف والتميز؛ وبوجود الاختلاف تكون إمكانية تجاوز
مفهوم "النموذج" والمعرفة الواحدة، بحيث إن الهوية بحث في الأصول ومحافظة
على خصوصية الذات إلى جانب الإفادة من الآخر دون أن يستلبها، وإقامة علاقة بالجذور
الأولى دون أن يعني ذلك العيش في عزلة عن العالم. وليست الهوية سوى بحث في التراث،
وأن طبيعة البحث فيه هو المحدد لطبيعة العودة وقوتها. فـ"اللحظة الراهنة في تاريخنا
العربي الحديث ما زالت لحظة نهضوية، ما زلنا نحلم بالنهضة.. والنهضة لا تنطلق من فراغ
بل لا بد فيها من الانتظام في تراثنا هي. تراث "الغير"، صانع الحضارة الحديثة،
تراث ماضيه وحاضره، ضروري لنا فعلا، ولكن لا كـ"تراث" نندمج فيه ونذوب في
دروبه، بل كمكتسبات إنسانية، علمية ومنهجية، متجددة ومتطورة، لا بد منها في عملية الانتظام
الواعي العقلاني النقدي في تراثنا"[16].
وهذا ما ينطبق على الخطاب السلفي الذي عمل جاهدا من أجل الانتظام في تراثه فقط، ولم
يستفد من المناهج التي كانت تزخر بها الساحة الغربية.
إلا أن الانطلاقة
التي عرفتها النهضة، لم تنحصر في نمط واحد (أي الخطاب السلفي فقط)؛ فلقد توالت العودة
إلى الماضي، حيث تفطن الجيل الجديد من الرواد، في بداية هذا القرن، إلى مزالق الخطاب
السلفي الذي طغت عليه النزعة التقديسية. ونقصد بالجيل الجديد أولئك الذين تشبعوا بروح
الحضارة الغربية ومناهجها في الدراسة والتحليل، وكانت عودتهم إلى التراث تهدف إلى تأصيل
المناهج أو تطبيقها. ونذكر على سبيل المثال ما فعله طه حسين حين قام بدراسة الشعر الجاهلي
المنحول. ولا يهم ما أثاره من نقاش وردود فعل حركت أقلام العديد من النقاد وما ترتبت
عليه من تهم تمس المستوى العقدي لدى الرجل، -وإن كانت لهذه الردود دلالتها وخطورتها-
بقدر ما يهم الجانب المعرفي الذي يتجسد في فضح هشاشة الخطاب السائد، وفضح مرتكزاته
التي كانت تقوم على أسس التقديس، تنزه الماضي من الخطأ وتضعه في موضع بعيد عن السؤال.
لقد كانت العودة إلى
التراث تتحرك داخل بنية معرفية مشحونة بصور التقديس، وصار التشكيك في بعض النتاجات
المعرفية أو في أصالتها أو النظر إليها من زاوية مختلفة عن الرؤية السائدة أو إعادة
لكتابة تاريخ المعرفة العربية الإسلامية، بمثابة التشكيك في كل الإرث. لقد رأى طه حسين،
أنه من الضروري الالتفات إلى ما يوجد في العصر الراهن وما ينتج لدى الآخر : "الغرب".
غير أنه لا ينبغي الوقوف عند هذا الحد. فليس المهم لدى العربي التشبع بالمناهج الغربية
لدراسة الشعر الفرنسي أو الإنجليزي، مثلا، والانصهار في تراث الآخر، وإنما الإفادة
منه. ولا يمكن للعربي أن يجد نفسه في كل ما يقدمه الغرب، لأنه لا ينتمي إليه ولا يشكل
هويته، بل هو جزء فقط؛ ومن ثم فإن العودة إلى التراث العربي هي السبيل الوحيد.
وكانت العودة مع هذا
الجيل- الذي يمثل طه حسين أحد رواده- عودة مسائلة وتأريخية. تتجلى مساءلة الماضي، في
رصده وتتبع مساراته؛ أما المستوى التأريخي فيتجلى في إعادة كتابة التاريخ النقدي العربي[17].
وكان هناك من الدارسين من تركوا الدراسات والتحليل جانبا، إذ رأوا أن هذه العملية لا
يمكن أن تتم إلا بعد التمهيد، وخلق المناخ العلمي لها؛ أي لا بد من إعادة النظر في
الإرث المكتوب الذي وصلنا، وهي العملية التي اتسمت بتحقيق الكتب التراثية، وضبط متونها
وتقريبها إلى فهم القارئ المعاصر.
وليس التحقيق عملية
بسيطة، بل هي خطوة ضرورية في التشييد العلمي للتراث. كما يساعد على إعطاء صورة حقيقية
عن النصوص القديمة، ويقوم بـ"غربلتها" من الشوائب التي علقت بها، سواء كانت
تحريفا أو حذفا. وقد ازدهرت هذه العملية في مرحلة ما بين الحربين، حيث تم خلال هذه
الفترة تحقيق العديد من النصوص تحقيقا علميا.
وإذا كانت العودة
إلى التراث قد تمت عبر مرحلتين هما[18]
: العودة السلفية التي أفرزت الخطاب السلفي، والعودة التأريخية المتمثلة في مستويين
هما : العودة المسائلة، والعودة التوثيقية، فإن هناك نمطا آخر ما زال يتشكل في العالم
العربي، وقد تمكن لحد الآن، أن يبرز ويؤسس خطابا متميزا هو ما يمكن أن نطلق عليه
"الخطاب الحداثي". وتتجلى أهميته في كونه استطاع أن يتجاوز مسألة الهوية
والتأصيل إلى مسألة الاختلاف الذي يقصد به إبراز خصوصيات الذات في مقابل الآخر، والبحث
عن نمط جديد لا يكون بالضرورة نمطا غربيا، بل ينطلق من تأسيس اختلاف مع الغرب؛ وهو
اختلاف يتأسس على الخطاب الموروث. ونكتفي بالإشارة إلى بعض أعلامه : جابر عصفور، وحمادي
صمود، ونصر حامد أبو زيد، ومحمد مفتاح، ومحمد العمري... وغيرهم.
إن عودة هذا الخطاب
إلى الماضي، ليست مسائلة أو محققة فقط، كما وجدنا في الخطابين السالف ذكرهما، بل هو
نمط تمكن من استيعاب ماضيه. وقد تجلى هذا الاستيعاب فيما يلي :
1 –
عودته إلى التراث
باعتباره مصدرا لا بد من الإفادة منه (وهو في هذا يستفيد من مفهوم الهوية والتأصيل).
2 –
عودته إلى النصوص
المحققة تحقيقا علميا، حيث يتسنى له البحث بصورة علمية دقيقة (وهنا استفادة من مفهوم
الشك والمساءلة).
3 –
اطلاعه على النتاج
الغربي في مجال الدراسات وفلسفات المناهج، بغية الارتقاء بالتراث العربي إلى مستوى
إنتاج معرفة تستوعب المعرفة الغربية والمعرفة التراثية.
وهكذا، تتفق جميع
هذه الخطابات حول العودة إلى التراث، لأن الذين يتخلون عنه ويلغونه هم واهمون؛ ولأن
إلغاءه لا يمكن أن يتم إلا بتحقيقه[19].
لذلك، كانت العودة إلى التراث أمرا ضروريا حتمته الظروف التاريخية والحضارية على الإنسان
العربي، من جهة، كما كانت ضرورة تستوجبها كل عملية تتوخى خلق حداثة معرفية في شتى المجالات،
سواء تعلق الأمر بالنقد أو الفلسفة أو غيرهما، حيث تساعد الدارس على معرفة الإطار الذي
يحكم خلفيته الثقافية والمرجعية.
حين تحدثنا عن الانحطاط
أو ما سميناه "عصر بداية التكرار"، لم يكن القصد من ذلك، أن التراث قد توقف
عن الوجود وأن المعرفة قد ظلت محصورة في المخطوطات والكراسات، بقدر ما كنا نقصد أن
العلماء العرب لم يعودوا في مستوى ما كان عليه أجدادهم، في تطوير أدواتهم المعرفية،
بل اكتفوا بما ورثوه ورأوا فيه الحقيقة التي ليس للمتأخر الحق في مجادلة من تقدمه.
من هنا، ظل التراث حاضرا في مجموع الخطاب العربي.
إن التراث يتسلل إلى
النصوص المعاصرة، بل يمكننا اعتبار هذا الفتور مسؤولا عن هيمنة الموروث السياسي والشعري
والديني والفلسفي. وقد كان الأخذ عن الغرب، أهم مقولة روجها الفكر النهضوي العربي فيما
بعد، وهي مسؤولة عن كثير من الإحباطات التي وقع فيها الفكر العربي. ويكمن العيب أساسا
في ممارسته لهذه المقولة من غير أن يعي خطورة المنهج والسياق الذي أنتجت فيه[20].
إن العيب لا يكمن في الاطلاع على النتاج الغربي، بل في غياب الوعي بخطورة المفاهيم
والمناهج وحمولتها لما تختزله من شحنة معرفية تشكلت عبر مراحل طويلة من التراكم المعرفي؛
وأي توظيف له داخل السياق العربي، الراهن على الأقل، لن يكون سوى مساهمة في تعميق الهوة
والأزمة. ومن ثم، "لا سبيل إلى بناء نهضة فكرية إلا متى اقتنعت مجتمعاتنا بأنها
في ظروفنا الراهنة مجتمعات لا تنمي المعرفة"[21].
ولا تتحقق تنمية المعرفة إلا بالعودة إلى الأصول الأولى التي تأسست فيها المعرفة العربية
معتمدة على إمكاناتها ومعطياتها.
وعليه، فإن العودة
إلى التراث تعني في إحدى أبعادها، البحث في المرجعيات التي تحكم الثقافة؛ وحين يتعلق
الأمر بالثقافة العربية فإن ذلك يكون ذا أهمية كبيرة؛ لأن تراثنا لم يتم استغلالها
بالشكل الحقيقي، ولم يتم توظيف جوهره لخلق الطاقة التي تمكن من الدفع بالمعرفة إلى
الأمام. كما أن المناخ الذي نشأت فيه العلوم والمعارف العربية ما زال حاضرا فيها (سواء
تعلق الأمر بالبلاغة أو علم الكلام أو النحو..). بحيث ما تزال تتنفس داخل المناخ والتاريخ
العربيين القديمين، ولم تدرس بالقدر الذي يمكنها من حمل أشكال وحمولات معرفية وثقافية
تساعد على مقاربة الهموم والقضايا الراهنة؛ "غير أن ما ينبغي التأكيد عليه هو
أن هذه الأصول، كما يؤكد هايدغر مرة أخرى، لا تعرض علينا نفسها بقدر ما تخفيها وتغلفها.
فالتراث لا يوجد وجودا تاريخيا وهو ليس محفوظا بين دفات كتب الأصول. إنه موشوم على
جسم "الشعب"، عالق بآذانه، منقوش على جدرانه، حال في لغته، في لا وعيه"[22].
وبهذا تصبح العودة
إلى التراث أمرا ضروريا لكل عملية تتغيا البحث في الذات وفي جذورها وتاريخيتها : والتي
يكون الهدف من ورائها ليس الاحتماء فقط، بل مراجعة تاريخ أخطاء هذه الذات وتاريخ حركيتها.
فما "من شك أن هناك هيمنة قوية للموروث القديم على فكرنا، الشيء الذي جعل أدوات
إنتاجنا الفكري تخضع، إن قليلا أو كثيرا، لهذا الموروث القديم بوصفه بنية عامة سواء
أردنا أن نمارس تفكيرا عقلانيا أو لا عقلانيا، ولكن ممارسة العقلانية أو التفكير العقلاني
تجعل صاحبها يعي أكثر فأكثر هذه الهيمنة ويحاول أن يتحرر منها، هذا شيء طبيعي، ولا
أحد يستطيع الادعاء بأنه تحرر نهائيا من الموروث القديم بكل سلبياته وبكل إيجابياته"[23].
وتبعا لذلك فإن الحديث
عن التراث، لا يتم إلا مقترنا بتصور ونظرة محددين. لذا، تبقى عودة نظرتها، وهذا ما
سنطلق عليه "قراءة التراث"؛ لأن كل عودة هي في العمق قراءة. غير أن القراءات
التي أنتجت كانت في أغلبها تكريسا للخطاب التكراري الذي لم نعد في حاجة إليه، بل صار
من اللازم تجاوزه والتخلي عنه، مقابل نموذج قرائي جديد يكون بإمكانه الدفع بالتراث
نحو منعطف جديد، وهو النموذج الذي ما زال يبحث عن نفسه.
II
–
التراث والقراءة
:
ليس التاريخ زمنا
متعاليا عن الوعي البشري، بل هو مجموع التجارب التي خاضها الإنسان. يضاف إلى ذلك، أنه
ليس وجودا مستقلا عن وعينا وعن أفق تجربتنا الحاضرة، لأن الوجود الحاضر لا يمكننا أن
نفصله عن ماضيه، لما له من تأثير عيه. فالوجود الإنساني تاريخي ومعاصر في الآن نفسه،
وسيكون من الصعب عليه تجاوز أفقه الراهن، في فهم الظاهرة التاريخية، إذ لا يستطيع أن
يتحول إلى الماضي ليشارك فيه ويفهمه بموضوعية[24]،
ولهذا فإن "علاقتنا بالتاريخ تقوم على الجدل والحوار لا على الإنصات السلبي، تماما
كما أن تلقينا للعمل الفني عملية جدلية تقوم على ما يطرحه علينا من أسئلة هي التي شكلت
وجوده. إن التاريخ مثله مثل الشكل في العمل الفني وسيط يمكن المشاركة في فهمه"[25].
يقتضي الحديث عن تاريخية
النص الحديث عن إشكالية القراءة، خصوصا أن عملية قراءة نص ما تستدعي تأويله. وبهذا
وجب القول إن القراءة تأويل. والتأويل بحث في الدلالات الممكنة التي يمكن أن يقدمها
النص. وهي العملية التي يتم، من خلالها، اختبار عمق النص وقوته. لأن تعدد دلالاته يعني
أنه منفلت عن قبضة زمنه، وعن سياقه التاريخي. وفي هذه النقطة تكمن أهمية الكتابة، ذلك
أن النص المكتوب، يتخذ قيمته من كونه نصا مكتوبا؛ فهو يحافظ على حقيقته كنص، منذ كتب،
وكما كتب، مما لا يدع مجالا للتحريف والضياع. إنه يظل حاضرا متعاليا عن الزمن كما أنه
يحضر ككتابة منظمة لها نسقها الخاص. لهذا كان التعامل مع التراث باعتباره نصوصا مكتوبة.
كما أن من خصوصيات النص المكتوب، أنه يتحدد كهوية، أي أن الكتابة تمنح النص هويته.
أما حين يتعلق الأمر بالنص الشفهي، فإن الدارس يكون أمام هويات متعددة وأمام عدد غير
محدد من النصوص.
لا تكتب النصوص بدافع
ترف معرفي، بقدر ما تريد أن تحمل هما معرفيا للاحقين. ومن هنا، تأتي ضرورة دراستها،
لأنها تكون الدافع نحو تطوير بعض تصوراتها ونظرياتها. كما تكون من وراء الجدال الذي
تتولد عنه معرفة أصيلة. وتفوق دلالة النصوص بكثير حدود النص؛ لأن هذا الأخير عالم من
الدلالات التي تزداد توالدا واتساعا كلما ازداد الدارس اقترابا منه. على أن كل إعادة
إنتاج هي تأويل؛ ومن ثم، تصير إعادة الإنتاج هاته فهما[26].
والتأويل لا يتحقق إلا بالفهم العميق للنصوص، كما أنه يسعى إلى أن يصير هو نفسه أداة
فهم النصوص التي تكون قيد الدراسة.
وعليه، فالنصوص التراثية
تطرح قضية المسافة الزمنية التي تفصل الدارس عنها. وكلما ازداد ابتعادا إلا وازداد
غموضا وتطلب تجديد قراءته، لأن النص الذي يكتفي بالقراءة الواحدة، يتوقف عن الاستمرار
والتجدد. وهو ما حدث في القراءات التي ارتبطت بالمستوى السطحي للنصوص. إن كل الشروح
والتفسيرات تظل واحدة ولا ترقى إلى مستوى القراءة والتأويل، ولا يمثل فهم النصوص وتأويلها
مجال العلم فقط، ولكنها يمتحان أيضا من التجربة العامة التي يخلقها الإنسان مع العالم[27].
هكذا، ينبغي أن تتم
قراءة النصوص انطلاقا من الفترة التاريخية المعاصرة للدارس؛ أي "الحاضر الراهن"
لا "الحاضر الماضي"، مع مراعاة السياق العام الذي تشكل النص في إطاره؛ كما
لا يمكن للتأويلات أن تكون على حساب حقيقة النص، بل يجب أن تستنطقه وتبحث عن حفرياته
المشكلة له. إلى جانب ذلك، تبقى ضرورة البحث في النص عن ما يقوله، بالإحالة إلى انسجامه
السياقي الخاص، وإلى حالة الأنساق الدلالية التي تشكل مرجعيته، وعن ما يجده المرسل
إليه destinataire بالإحالة إلى أنساقه الدلالية الخاصة[28].
لهذا السبب كان من اللازم عدم الالتزام بالظاهر النصي، وإلا صارت دراسة التراث لذاته،
وتحول إلى نص ميت. فما يهم من مجموع النصوص التراثية هو المستوى الصامت والمسكوت عنه
فيها؛ خصوصا أن النص يمارس، دائما، عملية التغييب والإظهار، الخفاء والتجلي. ذلك أنه
عالم من الرموز المنتظمة والمفكر فيها سلفا. فهو يخضع للتأمل والبحث، كما أنه يشحن
بوعي يسعى إلى مجاوزة المرحلة. ففي النصوص التراثية فجوات أو ثقوب-على حد تعبير أمبرطو
إيكو- ينبغي ملؤها أثناء عملية القراءة[29]،
ومن هنا، تأتي الأهمية القصوى التي يتمتع بها فعل القراءة والتأويل. إن كل من يريد
فهم النص التراثي لا بد أن يحمل مشروعا[30]؛
بمعنى أن مقاربة هذه النصوص، التي تتمتع بخصوصيات نوعية تفترض في العمق مشروعا تحديثيا.
يبقى المشروع الذي
يلزم الدارس تبنيه، اليوم، تجاه التراث، والتراث النقدي على الخصوص، هو مشروع قراءة
جديدة تعتمد على آليات التأويل والقراءة، من منظور يجعل التراث مكونا من مكونات الوعي
العربي المعاصر. وقد أبانت جل المقاربات التي عادت إلى التراث عن حدودها وقصورها في
تقديم قراءة تصدر عن وعي عميق به، وعن الارتقاء به إلى مستوى الفهم والتأويل. لأنها
لم تتمكن من استيعاب تراثها، بمعنى أنها لم تفهمه حق الفهم، وهذا ما جعلها تدور في
دائرة التفسير والشرح ولا تخرج عنها.
إن التراث يبدأ في
الاشتغال، منذ اللحظة التي يبدأ فيها فعل القراءة مساءلة نصوصه واستقرائها والكشف عن
خلفياتها وموجهاتها. إذ القراءة تجلية وتحيين Actualisation،
أي إن دراسة النص التراثي، كيفما كانت طبيعته، هي تفكيك له وتسليط للضوء على البنيات
المشتغلة فيه، ورصد تحركاتها وطرائق اشتغالها. وهي عملية لا تكون هدفا في ذاتها بقدر
ما تشكل العتبة التي بواسطتها يتمكن الدارس للتراث من فهم النص وآلياته، كما تقتضي
من جانب آخر فعل التأويل. فما هي الآليات التي يمكن توظيفها في عملية تأويل النصوص
التراثية؟
II-1-مفهوم
القراءة :
ينطلق ياوس، كما ينطلق
أمبرطو إيكو، من كون النص ميكانيزم كسول واقتصادي[31]؛
فهو لا يقدم أية دلالة إذا ما ترك على حاله. إنه رسالة يبعثها المرسل (كاتب النص) ولهذا
لا بد للرسالة من مرسل إليه)، هو المتلقي الذي معه تكتمل الدورة التواصلية. ولا تتعدى
وظيفة المرسل إخراج النص إلى الوجود؛ فحين يصل النص إلى الجمهور تنتهي وظيفة الكاتب؛
وهي إعلان عن موت المؤلف-بالتعبير البارطي-. إن بداية مهمة المتلقي رهينة بموت المؤلف،
ومن ثم يدخل المتلقي في علاقة حوار مع النصوص معتمدا في ذلك على مستويين اثنين هما
:
1 –
تفكيك سنن الرسالة،
وفهمها؛
2 –
مساءلة النص من خلال
علاقة السؤال/الجواب.
يتشكل فعل القراءة
من هذين المستويين باعتباره فعلا يبحث عن طرائق لتشغيل النص وإخراجه من مدار الجمود
إلى الحركة. وبالتالي، إخراج النصوص المنتمية إلى فترات تاريخية قديمة، من ظلمات وتصورات
العالم القديم، إلى التنفس في الفضاءات المعرفية المعاصرة. وتوجد بنية السؤال مطروحة
في كل تجربة[32]
كما أن القراءة تقترن بالأفق الذي تبنيه. فبحسب كادامير يبقى السؤال هو البنية التي
تجعل الباحث يعي بأنه لا يعرف[33]
: والوعي بعدم المعرفة هو المحفز الوحيد الذي يساعد على الاقتراب أكثر من فهم النص.
وتكمن استمرارية النص وقوته في مدى إمكانيته في الانفلات من الدائرة المغلقة، تلك التي
قد تقدم جوابا وحيدا وتعجز أمام باقي التساؤلات المطروحة، سواء في الفترة التاريخية
الواحدة (هنا تتدخل تفاوتات القارئ من حيث ثقافته ومحيطه) أو الفترات التاريخية اللاحقة.
إن فن السؤال، هو فن الاستمرار فيه، ومن ثم، فهو فن التفكير والجدل الذي يقود إلى تلك
العلاقة الجدلية التي تجمع بين السؤال والجواب[34].
يتبين لنا أن فعل
القراءة الذي يتأسس على "الفهم" ومساءلة النص من حيث علاقة "السؤال/الجواب"
يقدم أدوات تنطلق في أساسها، ليس من خصوصية النص فقط؛ بل تستند إلى النص/الخطاب بصورة
عامة. ذلك، أن مفهومي "الفهم" و"السؤال/الجواب" اللذين يعودان
إلى مجال التأويل، يظلان صالحان لممارسة العملية التأويلية التي تتوخى الكشف عن المستويات
الصامتة.
وإذا نحن سلمنا، بأن
التراث هو مجموع النصوص التي بين أيدينا، فإنه سيمكننا القول، إن دراسة التراث تتضمن،
في العمق، دراسة نصوصه. ومن هنا، نصل إلى الخلاصة التالية : كون التراث نص. و"نصوصية"
التراث تجعل منه إرسالية تحتاج، دائما، إلى فاعل يقوم بتفكيك محتواه؛ أي الدارس/المتلقي
لهذه الإرسالية.
لقد أثار كادامير
قضية العلاقة المتمحورة حول السؤال/الجواب، التي تمثل محور التقاء الدارس/المتلقي والنص؛
لذا على القارئ أن يسأل وعلى النص، في المقابل، أن يجيب. ونمثل لذلك بالخطاطة التالية
:
-------< السؤال
التراث = النص الدارس = المتلقي
الجواب >------
لقد قدم كادامير مفهومين
جوهريين، يمكن اعتبارهما من أهم المرتكزات التي تساهم في تلقي الخطاب التراثي ونقصد
: "الفهم" و"التأويل" اللذين يمثلان عصب نظريته. فما "الفهم"
وما "التأويل"؟
II-2-الفهم
والتأويل :
إن الفهم هو محاولة
الدارس إدراك المعاني والدلالات التي تتفجر في النص وهو يستلزم دائما إعادة بناء تاريخية
لعالم "الماضي"، حيث يشكل هذا العمل جزءا منه. وسيكون هناك، دائما، في فهمنا
وعي بالانتماء المشترك لهذا العالم[35].
فالفهم يطرح كإشكالية حين يتعلق الأمر بالنصوص القديمة التي تفصلنا عنها مدة زمنية
معينة. ذلك أن النص، كلما كانت منتميا إلى عصر ليس عصرنا، إلا واجتهد الدارس في تفكيكه
واستنطاقه بغية الاقتراب من فهمه. ومن ثم، فإن الفهم يكون فعلا يسعى إلى احتواء النص
واستكناه حقيقته في تعددها. إذ النظر إلى التراث من زاوية تاريخية، يولد إحساسا بالفهم[36].
حين يعود الدارس إلى
التراث، فإنه ينطلق من فهمه الخاص الذي تتفاعل فيه مكونات سياقه العام، بمعنى أنه محكوم
بأفق وانتظارات تصدر عن طبيعة التساؤلات والقضايا المطروحة. وهكذا، تشكل كل لحظة للقراءة
جدلا بين أفق مستقبل فارغ ينبغي أن يملأ، وأفق قد تحقق ولا يتوقف عن الانمحاء[37]،
إذ لا يمكن الحديث، بصورة جازمة، عن إمكانية تغييب الحاضر أثناء العودة إلى الماضي؛
وذلك وضع معرفي يفيد منه قارئ التراث النقدي، من حيث هو مؤرخ آخر يكتب تاريخه بعيني
الحاضر ومن منظور مشاكله؛ أي بالأدوات المعرفية
لعصره، وداخل علاقاته، وبأساليبها، التي يستعين بها على فهم تراثه فهما واقعيا غير
مجرد؛ وهو فهم يتنزه عن ادعاء نزعة علمية وضعية تفصل التراث المقروء عن الوعي أو النزعة
الذاتية التي تفصل التراث المقروء عن عصره[38].
ليس التراث هو ما
كان أو الحاضر الذي ينتمي إلى فترة تاريخية انتهت، ولكنه بالأحرى، يظل مستوى من مستويات
الوعي المعاصر. فلا يتحقق وجوده إلا حين يتم القيام بتجليته وتحيينه Actualiser عبر ممارسة القراءة والفهم اللذين يجعلان
النص حاضرا، وليس جعل الحاضر حاضرا في الماضي، وهو فعل التحيين الذي يعمل على جعل النص
معاصرا.
ينضاف إلى ذلك كله،
أن قوة النص وأهميته، تقاس بمدى إمكانه أن يكون معاصرا وأن يثري المعرفة الحاضرة. ولا
تقوم استراتيجية القارئ سوى على التوق إلى التحيين[39].
وبذلك لا يتوقف الحاضر والماضي معا، في مسار القراءة، عن التلاقي ليتجليا بصورة واضحة،
إلى درجة تصبح فيها وجهة النظر المتحركة، تجلي النص باعتباره شبكة من العلاقات في وعي
القارئ[40].
وتكمن أهمية هذه الحركية التي تشكلها هذه الوجهة في كونها تمكن القارئ من إظهار النص
في تعددية زواياه[41]
Perspectives.
من هنا، يكون الفهم
هو المكون الجوهري لعملية القراءة. فإن تفهم النص، هو دائما أن تمارس التأويل. ومن
ثم، يكون التأويل هو الشكل الظاهر للفهم[42].
ذلك، أن الفهم والقراءة والتأويل وجوه متعددة لعملة واحدة، يستدعي كل منها الآخر، ويمهد
السابق منها للاحق. إن فهم النص، وفهم لغته، يعني النجاح في القيام بعمل يستوجبه النص.
ولكن لتحقيق ذلك، ينبغي فهم النص[43]
الذي يتضمن خلفية معرفية، يتحرك فيها، إلى جانب صيرورته التاريخية؛ لأن فهم التراث
يستلزم أفقا تاريخيا[44].
كما أن الفهم يعني تحديد مكان النص في سياق تاريخي معين من لغة وشكل أدبي أسلوبي في
مجموع السياق التاريخي[45].
غير أن محاولة الفهم تقتضي محاولة الوصول إلى "المغزى" المعاصر للنص التراثي.
وليس الوصول إلى هذا المغزى بالأمر الاختياري. بحيث تتحقق القراءة في الحاضر بكل ما
تعنيه الكلمة من وجود ثقافي إيديولوجي، ومن أفق معرفي وخبرة محددين[46].
الأمر الذي يساهم في البحث عن تأويلات ووجود دلالات النصوص خارج الصورة اللغوية المعطاة.
إن النص نسيج من الأصوات
المتعددة، كما أنه نسيج من العلاقات المعرفية والتاريخية، التي تتقاطع ضمن علاقات دلالية
منفتحة؛ وهو ما ينتج عنه ظهور "فجوات" تظل في حاجة لملئها من قبل القارئ/المتلقي.
ويخضع هذا إلى السياق الثقافي الذي تتم فيه هذه القراءة، أي "الحاضر" المتجدد.
فالنصوص التراثية لا تقرأ ولا تؤول إلا من حيث هي نصوص قديمة تتضمن شحن تاريخية تتجدد
بفعل انفتاحها. ولا يتم الاهتمام بالتراث والبحث في نصوصه وتأويله لمجرد أنه ماض؛ بل
إن أهميته تكمن في السعي نحو القبض عليه؛ ويأتي ذلك من ثلاث زوايا :
ـ إن المعرفة التراثية
نفسها كانت تستند على المعرفة العقلية لا على التكرار والنقل فقط. لقد كانت تعمل على
فهم وتفكيك القضايا التي كانت معروضة، لذا فهي تقدم بعض الحقيقة التي تستدعي البحث.
ـ إن التراث ماض،
(بل ماضينا)؛ وبذلك فهو يشكل تجربتنا وتصورنا الخاص، في مرحلة لم تنته، وتظل قيد التشكل
والتأويل. والحاضر جزء منا ولا يمكن لأفق الحاضر أن يتشكل إطلاقا بدون ماض[47]،
كما أن الماضي هو محور الحاضر وجوهره.
ـ ينضاف إلى ذلك كله
أنه يشكل سلطة على الخطاب المعرفي المعاصر.
بناء على ما تقدم،
يشكل الفهم والتأويل أهم الآليات الموظفة في فعل القراءة، ويمثلان الوجه الخفي لها.
من هنا، كان التأويل يشتغل في إطار الهيرمونيطيقا[48]
التي تضع في مقدمة اهتماماتها فهم ملفوظ النص على أساس الحالة الملموسة التي تشكل فيها[49].
ولا يعني التأويل مجرد عملية الفهم لمعطى محدد سلفا، له وجود خارجي محايد عن المتلقي
الذي يحاول أن يفهم. فـ"بين المتلقي والنص الأدبي شيئا مشتركا هو تجربة الحياة.
هذه التجربة ذاتية عند المتلقي، ولكنها تحدد له الشروط المعرفية التي لا يستطيع تجاوزها.
وهذه التجربة –من
جانب آخر- موضوعية في العمل الأدبي. وعملية الفهم تقوم على نوع من الحوار بين تجربة
المتلقي الذاتية والتجربة الموضوعية المتجلية في الأدب من خلال الوسط المشترك"[50].
ولهذا، وتكون القراءة، وما تستند إليه من إواليات، مجالا خصبا يمكننا من العودة إلى
تراثنا المعرفي عامة، والنقدي خاصة عودة منهجية تشتغل على قطبين هما : فهم النص/التراث
في بعده وسياقه التاريخي، ثم قراءته من زاوية معاصرة تنطلق من هموم الخطاب الفكري وإشكالياته
من حيث هو "حاضر" زمنيا ومعرفيا. وهاتان الخطوتان هما اللاتان تمكنان الدارس
من إدراك التراث بصورة أعمق، كما تساهمان في خلق حداثة فكرية لازالت المعرفة العربية
المعاصرة في حاجة إليها. وتأتي أهمية التأويل، من الإمكانات التي تضعها أمام المتلقي
للنصوص، علما بأن التراث النقدي على الخصوص، ليس سوى مجموع النصوص التي وصلتنا. إن
التأويل يفترض في أساسه النص؛ و"النص عالم مهول من العلاقات المتشابكة، يلتقي
فيه الزمن بكل أبعاده، حيث يتأسس في رحم الماضي، ويؤهل نفسه كإمكانية مستقبلية للتداخل
مع نصوص آنية"[51].
إذا نحن سلمنا بأهم
الركائز والمنطلقات التي تنبني عليها القراءة بوجه عام، فإنه ينبغي إعادة النظر في
جل الأنماط القرائية التي تهيمن على الدراسات المهتمة بالنقد العربي. كما ينبغي الابتعاد
عن الأنماط التي تجعل من التراث نصا كبيرا وواحدا، يمكن التنقل فيه من غير احتياط أو
مساءلة لأن قراءة التراث النقدي التي تمثل جزءا من مشروع قراءة التراث العربي، لا يمكنها
أن تتقدم إلا إذا تمكن القارئ من الوعي بالتمييز بين الذات والموضوع، إلى درجة يصبح
معها هذا الوعي قادرا على تأمل نفسه في علاقته بمعطيات التراث المقروء، والكيفية التي
يدرك بها هذه المعطيات، ليدرك أن جهاز قراءته قد كشف في النص الذي قرأ عن معنى ذي دلالة
في السياق التاريخي وأفقه الزمني، وذي دلالة في السياق التاريخي لهذا القارئ وأفقه
الزمني الخاص في الآن نفسه[52].
فما قيمة هذا التراث إذا لم يستطع الإسهام بمعرفة نوعية –لا كمية- في الحاضر المعاصر الذي يختلف في
سياقه وقضاياه عن السياق النصي المقروء؟ وما قيمة القراءة التي لا تغني الخطاب النقدي
المعاصر حي دراستها للتراث؟
إن التأويل عملية
جوهرية تمثل أهم مرتكز في قراءة النصوص، فهو يساهم إلى حد بعيد في تحيينها وفهمها في
سياقها التاريخي، أي في السياق الذي أنتجت فيه، وفي السياق الذي تقرأ فيه. خصوصا، أن
النص كيف ما كانت طبيعته يظل مجالا لتعدد القراءات. والنصوص التي تتميز بانفتاحها الدلالي،
تظل منفتحة على عدد لا منته من القراءات الممكنة[53]
التي يقدمها كل قارئ/دارس.
وعليه، فإن لكل قارئ
ذاكرة معرفية يتم من خلالها تفكيك النص وتأويله، كما أن لكل نص استراتيجية محددة تخضعه
لنسق وانسجام داخليين. وهذه الاستراتيجية هي التي تمكنه من التحاور مع التلقي، وترسم
له الحدود التي لا ينبغي تجاوزها. لأن التأكيد على انفتاحية النص [التراثي] لا يعني
أنه يقبل كل التأويلات، أو بإمكانه أن يقدم "جوابا" على كل "الأسئلة"
المطروحة من لدن المتلقي المعاصر. ذلك أن النص جهاز، ونسق من العلاقات الداخلية التي
تقوم بـ"تحيين" Actualiser
بعض العلاقات الممكنة
وإقصاء أخرى. فغالبا ما تقول النصوص أكثر مما كان يريد كتابها قوله، ولكن أقل بكثير
مما يريد العديد من القراء أن تقوله[54].
إن النص نسيج من العلاقات
المنفتحة التي توجد، دائما، في حاجة إلى إعادة ترتيبها، والكشف عن بنياتها. لكنه ليس
مجالا لكل أنواع القراءات ولكل التأويلات، الأمر الذي يدفعنا إلى اعتبار الاستراتيجية
النصية جهازا يجب تحديده ومعرفة حدوده. ومن ثم، وجبت الإشارة إلى أن للتأويل حدودا
يجب مراعاتها. لأن حين يتحول التأويل إلى آلة لجعل النص يقول ما ليس له علاقة به وبالأخص
ما يتعلق بالنصوص التراثية، فإنه سيدفع بالمعرفة إلى الوراء، وسيؤدي ذلك إلى تقديس
الماضي من جديد. في حين أن العملية التأويلية تتأسس على العلاقة التي يقيمها الدارس
المعاصر مع النصوص.
خلاصة :
لعل أهم ما يمكن استنتاجه،
هو أن التراث مجال يمكن دراسته وتحيينه بواسطة فعل التأويل والبحث عن دلالته المتعددة
من حيث هو مقروء. فهو يمثل، سلطة على المعرفة الحاضرة. وبهذا يمكن القول بأن القراءة
وما تحمله من تأويلات، ليست سوى تجليات لخطاب تراثي ظل مهيمنا ومتجددا باستمرار، وأن
قراءته هي محاولة لتجلية حدوده ومرتكزاته سلطة هذا الخطاب.
المصادر
والمراجع :
1-
المراجع العربية :
- أدونيس؛ الثابت
والمتحول، دار الفكر، الطبعة الخامسة، 1986.
- إشكاليات القراءة وآليات التأويل، المركز
الثقافي العربي، الطبعة الأولى، 1992.
- ابن منظور؛ لسان
العرب، دار الرشاد الحديثة.
- ابن طباطبا العلوي؛
عيار الشعر، شرح وتحقيق عباس عبد الساتر، دار الكتب العلمية، الطبعة الأولى، 1982.
- بنعبد العالي عبد
السلام؛ التراث والاختلاف، دار التنوير، المركز الثقافي العربي، 1985.
- الجابري محمد عابد؛
التراث والحداثة، دراسات ومناقشات، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء، 1991.
- تكوين العقل العربي، دار الطليعة،
الطبعة الأولى، 1984.
- نحن والتراث، المركز
الثقافي العربي، الدار البيضاء، الطبعة الخامسة، 1986.
- عصفور جابر؛ مفهوم
الشعر : دراسة في التراث النقدي، دار الثقافة للطباعة والنشر، الطبعة الأولى،
1979.
- قراءة التراث النقدي، مؤسسة
عيبال، الطبعة الأولى، 1991.
- الغذامي عبد الله؛
الخطيئة والتكفير، النادي الأدبي الثقافي، الطبعة الأولى، 1985.
- مجموعة من الباحثين؛
التراث ومشكل المنهج، دار توبقال، الطبعة الأولى، 1986.
- مجموعة من الباحثين؛
قراءة جديدة لتراثنا النقدي؛ النادي الأدبي الثقافي لجدة، الطبعة الأولى، 1990.
المجلات
:
الحياة الثقافية،
العدد 48/49، السنة 1988.
المراجع غير العربية
:
- Barker F.
& Hulme P. Nymphs and reapers heavily vanish. The discursive contexts of
the tempestm in Alternative Shakespeares. Ed. Routledge – London, 1991.
- Catherine Belsy. Towords cultural history – in theory and practice,
volume 3, Number 2-3 Summer 1989.
- Dollimore and Sinfield. Political Shakspeare. New essays in Cultural
Materialism. Manchester University Press. Manchester, 1985.
Cultural and textuality. Debating cultural Materialism
in, Textual Practice. Volume 4, Number
1/1990.
- Eco U. Les limites de
l’interprétation, Traduit de l’italien par Myriem Bouzaher, Bernard Grasset,
1992.
Lector in Fabula : le rôle du lecteur. Traduit de l’italien
par. Myriem - Bouzaher, Grasset – Livre
de Poche, 1990.
- Foucault M. La volonté de
savoir, Ed. Gallimard, 1984.
- Gadamer H.G. Vérité et
méthode, Ed. Seuil.
Izer W. L’acte de lecture,
Traduit de l’allemand par Evelyne Sznycer. Ed. Pierre Mardaga. 1985
[1] - جابر عصفور، قراءة
جديدة لتراثنا النقدي، ضمن كتاب قراءة التراث النقدي، المجلد الأول، النادي الأدبي
الثقافي بجدة، 1990، ص119.
[2]- ابن منظور، لسان
العرب، مادة "ورث" المجلد الثاني، دار الرشاد الحديثة، بدون تاريخ، ص200.
[3] - عبد السلام بنعبد
العالي، التراث والاختلاف، دار التنوير، المركز الثقافي العربي، 1985، ص12.
[4] - التراث ومشكل المنهج،
ص74. في كتاب المنهجية في الأدب والعلوم الإنسانية، دار توبقال، الدار البيضاء، ط1،
1986.
[5] - جابر عصفور، قراءة
التراث النقدي، مؤسسة عيبال، ط1، 1991، ص124.
[6] - التراث ومشكل المنهج،
ص83.
[7] - نحيل على سبيل
المثال لا الحصر إلى محمد برادة الذي قدم دراسة ضمن أعمال ندوة تحت عنوان "قراءة
جديدة لتراثنا النقدي"، تناول فيها كتاب "تاريخ علم الأدب عند الإفرنج والعرب
وفكتور هوجو" لروحي الخالدي (1864-1913)؛ انظر قراءة جديدة لتراثنا النقدي، المجلد
الثاني، ص541.
[8] - محمد عابد الجابري،
التراث والحداثة، دراسات ومناقشات، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء، 1991، ص60.
[9] - محمد عابد الجابري؛
نحو والتراث، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء، ط5، 1986، ص47.
[10] - جابر عصفور، مفهوم
الشعر : دراسة في التراث النقدي، دار الثقافة للطباعة والنشر، ط1، 1979، ص12.
[11] - التراث والحداثة،
ص46.
[12] - أدونيس، الثابت
والمتحول : 3 –
صدمة
الحداثة، دار الفكر، ط5، 1986، ص143.
[13] - نفسه، ص228.
[14] - نحن والتراث، ص13.
[15] - التراث والاختلاف،
ص15.
[16] - التراث والحداثة،
ص33.
[17] - نشير بهذا الصدد
إلى بعض الكتابات التي تعتبر رائدة في هذا المجال، وهي كتابات سعت إلى إعادة كتابة
تاريخ الأدب أو النقد العربيين ككتاب "تاريخ النقد الأدبي عند العرب : من العصر
الجاهلي إلى القرن الرابع الهجري" لطه أحمد إبراهيم مثلا.
[18] - لا يمكن تحديد
هذه المراحل زمنيا، فهي غير واضحة، ولم تعرف تعاقبا عبر تاريخ النهضة التي ابتدأت في
القرن الماضي، فلقد تزامنت في الوجود وما تزال متزامنة إلى اليوم.
[19] - التراث والحداثة،
ص104.
[20] - حمادي صمود؛ حوار
مع حمادي صمود، الحياة الثقافية، العددان 48-49، 1988، ص31.
[21] - نفسه، الصفحة نفسها.
[22] - التراث والاختلاف،
ص13.
[23] - التراث والحداثة،
ص252.
[24] - نصر حامد أبو زيد؛
إشكاليات القراءة وآليات التأويل، المركز الثقافي العربي، الطبعة الأولى، 1992، ص42.
[25] - نفسه، ص42.
[26]
- H.G. Gadamer ; Vérité et méthode, 2ème édition, Ed. Seuil, 1976, p12.
[27] - Ibid, p20.
[28] -U.Eco ; Les limites de l’interprétation,
Traduit de l’italien par. Myriem Bouzaher, Bernard Grasset, 1992, p29-30.
[29] - U.Eco, Lector in Fabula : Le rôle du
lecteur, édition livre de poche, 1990, p63.
[30] - Vérité et méthode, p104.
[31] - Lector in Fabula : Le rôle du lecteur, p63.
[32] - Vérité et méthode, p208.
[33] - Ibid, p209.
[34] - Ibid, p213.
[35] - Vérité et méthode, p130.
[36] - Ibid, p144.
[37] - Izer W. L’acte de lecture, Traduit de l’allemand
par Evelyne Sznycer. Ed. Pierre Mardaga, 1985, p205.
[38] - قراءة التراث النقدي،
ص36.
[39] - Lector in Fabula, p76.
[40] - Vérité et méthode, p212.
[41] - Ibid, p215.
[42] - Ibid, p148.
[43] - Les limites de l’interprétation, p95.
[44] - Vérité et méthode, p145.
[45] - Ibid, p180.
[46] - إشكاليات القراءة
وآليات التأويل، ص6.
[47] - Vérité et méthode, p147.
[48] - يجب أن نشير هنا
إلى قضية مهمة، ونحن نتحدث عن التأويل والهيرومونيطيقا، وهي أن العرب القدامى قد عرفوا
هذا المبحث وقدموا فيه الكثير، ويمكننا الإفادة من أعمال المتكلمين الذين أدلوا بدلوهم
في هذا المجال، وهو ما يلخصها نصر حامد أبو زيد هذه القضايا في كتابه إشكاليات القراءة
وآليات التأويل إذ يقول : "الهيرومونيطيقا –إذن- قضية قديمة وجديدة
في نفس الوقت. وهي في تركيزها على علاقة المفسر بالنص ليست قضية خاصة بالفكر الغربي،
بل هي قضية لها وجودها الملح في تراثنا العربي القديم والحديث على السواء"، ص14.
[49] - Vérité et méthode, p177.
[50] - إشكاليات القراءة
وآليات التأويل، ص27.
[51] - عبد الله الغذامي،
الخطيئة والتكفير، النادي الأدبي الثقافي، ط1، 1985، ص14.
[52] - قراءة التراث النقدي
: مقدمات منهجية، ص116.
[53] - Les limites de l’interprétation, p130.
[54] - Ibid, p130.
.