أطروحة گُلدْتْسيهِر عن مكانة العلوم العقلية
في الثقافة
الإسلامية
بنّاصر البُعزّاتي
للمستشرق
الهنغاري اِگناتْسْ گُلدْتْسيهِر (1850-1921) تصوّرٌ عن وضع العلوم العقلية
القديمة (أو علوم الأوائل أو علوم القدماء) في أحضان الثقافة الإسلامية مشهورٌ،
مؤدّاه أنّ هذه العلوم المقتبَسة بِقدر ما أقبل عليها بعضُ المسلمين منذ منتصف
القرن الثاني للهجرة، عارضها بعضُ المسلمين الآخرين، من منطلق فقهي متزمّت أو ديني
منغلق. فيسمّي گُلدْتْسيهِر هذه الجموع من الفقهاء المناوئين للعلوم العقلية
بالأرتودكسية أو فقهاء السنّة المتشددين.
اطلع
گلدتسيهر على الإسلام في سنّ مبكّرة، وسافر في مناطق الشرق الأوسط، وزار بعض
المراكز العلمية الإسلامية بالشام ومصر، مثل الأزهر، وحضر دروساً دينية؛ وعاشر
مسلمين عن قرب، ملاحظاً تنوّع الرؤى لديهم. ثم ألّف في صُلب الإسلاميات (الحديث
والفقه والتفسير) ومكوّنات الفضاء الثقافي الإسلامي عامّة، مبرزاً اختلاف التيارات
والتأويلات، سواء في التفسير أو في الحديث أو في الفقه. لكن تصوّره بخصوص مكانة
العلوم العقلية التي تَعرّف عليها المسلمون، وهي ذات جذور في الحضارات غير العربية
السابقة عن الإسلام، وموقف المتزمّتين منها، ضمّنه محاضرة ألقاها يوم 11 نونبر
1915، في نطاق جلسة من جلسات القسم الفلسفي التاريخي للأكادِمية الملكية البروسية
للعلوم؛ وقدّمت المحاضرة للطبع في نفس اليوم، وصدرت منشورة يوم 21 فبراير 1916 ببرلين.
والمقالة بعنوان: موقف الأرتودكسية الإسلامية القديمة [أو الأولى أو السابقة] من
العلوم القديمة.[1]
والعالِم
الدارس گُلدتسيهر يحظى بمكانة محترمة في الأوساط الأكادمية كافّة، لِما يتمتع به
من حسّ تحليلي مدقِّق للمعاني والمواقف ومتتبّع للجزئيات. إذ كتب عنه المرحوم بدوي
مثلاً: «وكان سيّدَ الباحثين فيه <الإسلام> من الناحية الدينية خاصة،
والروحية عامة، اجنتس جولدتسيهر»[2].
وكتب عنه أيضاً: «ومِن مكتبه في مدينة بودابست ظل جولدتسيهر أكثر من ربع قرن شمساً
ساطعة استمرّت تُرسل في عالَم البحوث الإسلامية ضوءاً يبدّد قليلاً قليلاً ما يحيط
بنواحي الحياة الدينية الإسلامية مِن ظلام، ويُنير السبيلَ أمام الباحثين في
الوثائق التي سجّلت فيها تلك الحياة [...]»[3].
ويشِيد بدوي بنظرة هذا المستشرق التحليلية النقدية الكاشفة عن التيارات المتنوعة
المتفاعلة في نسيج الثقافة الإسلامية، دون أن تبتعد عن النصوص الأصيلة؛ فيقول:
«وهذه النظرة إلى النصوص والوثائق [...] جعلتْه ينظر إلى المذاهب والنظريات
والآراء نظرة زمانية لا نظرة مكانية، نظرة حركية لا نظرة سكونية، نظرة تاريخية لا
نظرة مذهبية»[4].
ثم كتب بدوي في سياق آخر عمّا يتميّز به هذا الباحث المجريّ المرموق: «ولا عجب فإن
جولدتسيهر أعظم مَن بحَث في المذاهب الإسلامية في الكلام والتفسير والحديث، من بين
المستشرقين جميعاً؛ ولعله أن يكون أقدرَ باحث استطاع أن ينفُذ إلى طبيعة الحياة
الدينية في الإسلام، وأن يحلل تياراتها ويكشف عن جوهرها، والعوامل المؤثرة فيها
والتأثرات التي خضعت لها»[5]. وفي
حديثه عن مؤلفات گُلدتسيهر، يصفها بدوي بالروعة والعظمة والشمولية والتصوير
الرائع؛ ويقول عنه، في ارتباطه بالنصوص، إنه كان «في كل خطوة يخطوها يتّكئ على
النصوص ويعتمد عليها كل الاعتماد، وكان يسُوق الشواهد العديدة تأييداً لأقواله
وتأكيداته»[6]. وقد
ظل العالِم المجري بعيداً – نسبياً – عن مجرى الأحداث اليومية في زمانه، وانكبّ
على النصوص الأصلية بلغاتها المختلفة.
وبالطبع،
ففي الإنسانيات والاجتماعيات والتاريخيات لا توجد أحكام نهائية؛ بل حتى في العلوم
الصلبة، لا حكم نهائي. إذ لا مفرّ من أن تكون تفاصيل التصورات موضوع أخذ وردّ،
مهما تبلغ من الضبط؛ لكن سيرورة التنقيب والتدليل والاعتراض في العلم تؤدي إلى
التدقيق والفهم الأفضل على الدوام. أمّا الطعون من خارج النظر العلمي فلا تفعل إلا
أن تتّهم بدون أدلة وثيقة.
ما
معنى الأرتودكسية ؟ لا تشكّل المذاهب الفقهية الإسلامية كيانات منسجمة تمام
الانسجام. فالمالكية أساليب متنوعة، بحسب المزاج الشخصي ومستوى التكوين الفكري
والموقع الاجتماعي لكل فقيه ودرجة الولاء للماسكين بزمام السلطة (أو عدم الولاء).
والشافعية أساليب وميول أيضاً؛ وكذا الشأن بالنسبة للحنبلية وللحنفية، إذ تتخللهما
اجتهادات شخصية حسب الظرفيات. فلا شك، تتنوع النوازل والحالات، وتتعدد الرؤى،
وتؤثّر الطموحات في توجيه الفتاوى والأحكام. وأيضاً، قد يظهر فقيه في فترة تاريخية
ما، فيحاول إحياء المذهب الفقهي الطبري أو المذهب الأوزاعي أو المذهب الظاهري،
استجابة لمتطلبات معيّنة؛ وقد يحاول آخر الدمج بين مكوّنات مذهبين أو أكثر ...
وهذا في نطاق ما نسميه بالمذاهب السنيّة، دون إغفال وجود تيارات فقهية شيعية،
متشعبة هي أيضاً. والمذهب الفقهي الحنفي قد يمتزج مع جوانب من الفقه الشيعي (غير
المُغالي) والكلام الاعتزالي. والمتكلم الأشعري قد يكون مالكياً أو شافعياً ...
لذا عادة ما يكون تبادل الفائدة بين الحنابلة والمالكية، وبين المالكية والشافعية،
وأحياناً بين الشافعية والحنفية. لكن، يقف المذهبان الحنبلي والحنفي متباعدين، بدون
تفاعل مثمر، بل يصطدمان، وأحياناً يتبادلان العنف المادي والرمزي.
فالمذهب
المالكي، الذي قوي عودُه في بغداد من خلال مناظرات الباقلاني (توفي 403/1012) مع
المعتزلة، وبعدها، أصبح يتناول، عند منتصف القرن الخامس الهجري، مسائل تدليلية
متطورة مثل الترجيح القائم على تصنيف الأدلة والحجج. والمالكية الذين انخرطوا في
هذا الأسلوب وجدوا أنفسهم يمارسون علم الكلام (الأشعري)، وفي حوار تلقائي مع
المذهب الفقهي الشافعي الذي بدأ بدوره ينظر في سبل الاستدلال العقلي في نفس الفترة
التاريخية على يد إمام الحرمين الجويني (توفي 478/1085)؛ في حين رفض جلّ المالكية
بالغرب الإسلامي هذا الأسلوب البغدادي المنفتح من المالكية. وفي هذه السيرورة
التناظرية الغنيّة، قد ينتقل المالكي إلى الشافعية أو العكس، أو ينتقل الحنبلي إلى
الشافعية، أو يتخذ شافعيٌّ من أمرٍ ما موقفاً أقرب إلى مواقف الحنبلية. وهذا القول
الموجز في حاجة إلى توسيع وتدقيق.
إن
التّشدّد والتّزمّت والانفتاح منازل ومستويات، حسب مدى استيعاب المسائل النظرية
والأمزجة والظرفيات المحلية والخارجية، وحسب موقع الفقهاء في المجتمع وعلاقتهم
برجال الحكم، ومدى اعتبارهم للمصلحة الشخصية أو التزامهم المذهبي؛ ويرتبط كل هذا
بمدى الرخاء المادي أو انتشار الفقر في المجتمع أو تعرّض لتهديد خارجي. إذن،
الأرتودكسية موقف متشدد متزمّت، نسبة إلى مذهب أو إلى علم أو إلى تصوّر أو إلى
ممارسة ما ... ومسلّم أن الحنبلي متشدد مقارنة مع الحنفي؛ والحنفي متزمّت مقارنة
مع فيلسوف عالِم؛ وبعض الفلاسفة متحجّرون بالنظر إلى موقفهم من التجديد العلمي.
فالأرتودكسية إذن مفهوم مطّاط وتقريبي ونسبي، قد تتّسع سعتُه الدلالية أو تضيق حسب
خصوصية المجال موضوع النظر وحسب حدّة التشدد في الموقف.
مثلاً،
في سمرقند خلال القرن الخامس الهجري، كان الشافعيون يصلّون في اتجاه الجنوب،
والحنفيون في اتجاه الغرب.[7]
والفقيه البزدوي الحنفي اتّهم الشافعيين بقصور النظر، إذ عارضوا الاستناد إلى
الحساب الفلكي في ضبط أوقات العبادات واتّجاه القبلة، حيث يقول: «ثم إن السلف
من الأئمة أكثرهم أعرضوا عن التأمّل في أمر القِبلة واكتفوا بالتقليد، وإن كان وضع
القبلة ليس بواجب عليه التقليد؛ وإنما فعلوا ذلك لأنه لم يكن لهم آلة معرفة
القبلة؛ فإن القبلة لا تُعرف إلا بعلم الحساب، وما كان لهم بَصَر بالحساب، فقلّدوا
غيرَهم لِعجزهم عن معرفتها بالدلائل [...]»[8].
وفعلاً، قلة من الفقهاء السنيين، وأغلبهم أحناف، أدركوا أن هذه الآليات الرياضية
مفيدة في كل المجالات، وليست ضد المعتقد الديني، وأنها غير خاصة بثقافة دون أخرى.
بل إن عدم التدقيق الحسابي قد كان وراء أخطاء في بناء المَحاريب. وبعض الشافعية،
رغم دعوتهم إلى الاجتهاد والقياس، لم يقبلوا بهذه الآليات العقلية في البداية؛
فيعلّق عليهم البزدوي: «ثم إن بعض المتأخرين من أصحاب الشافعي ممّن لم يشم رائحة
الحساب بما وراء النهر وخراسان خطّأوا السلفَ الصالح وحرّفوا القبلة ما بين مشرق
الشتاء ومغربه [...]»[9]. واضح أن الخلاف سائد بين المذاهب الفقهية، والتهمة بالتشدد منتشرة حتى
فيما بين الفقهاء أنفسهم؛ بل تصل التهمُ أحياناً إلى التكفير.
ما
العلوم العقلية ؟ لا تشكّل 'علوم الأوائل' أو 'العلوم القديمة' وحدة عضوية منسجمة
تمام الانسجام، لأن الأبنية المفهومية في العلم متداخلة مع المذاهب الفلسفية، وهذه
متعددة ومتنوعة ومتدافعة، بل متصارعة أحياناً. والعلوم مرتبطة بهذه المذاهب
الفلسفية برباط تاريخي، لكن الرباط ليس لزومياً بين علمٍ ما ومذهب فلسفي محدد، حيث
التحول مسترسل: إذ يمكن أن ينخرط عالِمان في نفس التقليد العلمي ويختلفان في
جزئيات فلسفية. والتفاعل بين الأفكار والتصورات والمعتقدات بديهية تاريخية.
وإجمالاً، فإن الأفكار تتفاعل وتتدافع وتتحوّل عبر تنقّلها من نسيج ثقافي إلى آخر،
تاريخياً وجغرافياً.
لا
يمكن أن يكون عالِمُ الرياضيات عند بداية الحكم العباسي إلا تلميذاً لإنجازات
اقليدس و/أو اَرخميدس وشرّاحهما، أو عليه أن يبدأ من أبجدية العلم؛ لكن قد يكون
الرياضيُ أفلاطنياً أو أرسطياً أو رواقياً أو فيثاغورياً أو زرادشتياًً أو مسلماً
أو مانوياً أو مسيحياً أو يهودياً أو صابئياً ...، أو يمزج بين مسلّمات معتقد ديني
ما ومكوّنات مذهب فلسفي معيّن.
وعالِم
المنطق في نفس الفترة قد يكون أرسطياً أو رواقياً أو جالينياً (نسبة إلى جالينُس)،
أو يجمع ويؤلف بين هذا وذاك؛ ويمكن أن ينخرط في التقليد الهندي للمنطق الممتزج
بفلسفة الصيرورة الأنطولُجية؛ وقد يتمسك شخصٌ ما بفهم لغوي للمنطق كما لدى ابن
السكّيت. فالبيروني مثلاً تعمّق في الرياضيات، وأدار ظهره إلى المنطق والفلسفة
المشائية؛ في حين أن الغزالي تحمّس للمنطق، وتحفّظ من التعمّق في الرياضيات،
وتهجّم على الفلسفة. وهناك من أشار إلى الانفصال الممكن بين المنطق الصوري ووسيلته
اللغوية وخلفيته الفلسفية.
والانخراط
في الفيزياء (الفلسفة الطبيعية) يقتضي اطلاعاً على تصورات دمقريتس وأرسطو ويوحنا
النحوي (فِلوبوُنُس) في باب العناصر والحركة. وقد عرف الفكر تنافساً بين تصوّري
اَرسطو وفِلوبوُنُس، حيث موقف الفارابي قريب من موقف أرسطو بينما موقف ابن سينا
قريب من فِلوبونُس. هكذا تتطور التصورات في تفاعل وتنافس؛ ولكن لا تساهم كل التصورات
بنفس القدر في التجديد والنقد والبناء المعرفي.
صلب
دعوى گلدتسيهر. يرى الدارس المجري أن الفقهاء المتشددين اتخذوا مواقف مناوئة بإزاء
العلوم العقلية، وعبّروا عن ذلك بأشكال متنوعة. فأحياناً يدعون إلى إحراق كتب
العلوم والفلسفة والمنطق، وأحياناً يتّهمون المقبلين على قراءة تلك الكتب بالكفر
أو الزندقة أو المروق، وأحياناً يصدرون أحكاماً وفتاوى بالسجن أو التعذيب أو النفي
أو المنع من التدريس. وأغلب الأمثلة على تلك المواقف، يأتي بها گلدتسيهر من مواقف
الفقهاء الحنابلة، وبعض المالكية والشافعية. ويتتبّع أحياناً تغيّر الموقف لدى
بعضهم، مثل إسماعيل الأزجي (توفي 610/1213) الذي كان حنبلياً، ثم أقبل على قراءة
علوم الأوائل، حيث برع فيها ودرّسها، فاتّهم في دينه. وأتى بمثال سيف الدين الآمدي
(توفي 631/1233) الذي كان حنبلياً، ثم تحوّل إلى الشافعية، وأقبل على العلوم
العقلية، فأدانه الحنابلة واضطهدوه وأباحوا دمه وهرب ... ويأتي بأمثلة من مفكرين
ضحايا التهم، مثل الكندي والسرخسي ... وقد أتى المستشرق بنصوص من عند ابن الجوزي
وابن الصلاح وابن تيمية والشاطبي والسيوطي تمنع النظر في العلوم العقلية، أو حتى
قراءة كتبها. بل يبرز أن التشدّد يمنع أحياناً حتى من التعمّق في الدراسة اللغوية.
ويأتي
گُلدتسيهر بأقوال معبّرة، مثل ما يروي أبو طالب المكي عن القاسم بن المخيمرة
القائل: «"<العربية> أوّلها كبر وآخرها بغي". وقال بعض السلف:
"النحوُ يُذهِب الخشوعَ من القلب"؛ وقال آخر: "من أحبّ أن يزدري
الناسَ كلّهم فليتعلم العربية". ومعنى هذا أن بعض الفقهاء كانوا ينهون عن
التحليل النحوي والصوتي للغة، لأن التحليل قد يؤدي إلى بحث فيلولُجي وتاريخي، وإلى
دراسة تفاعلية مقارنة للغات ... كما كانت تنتشر تُهم ضد النحو بذريعة أن النحو
يؤدي إلى الزيغ أو الحمق. وكان يقال إن أغلب النحاة يميلون إلى التشيّع لعلي بن
أبي طالب ... وعلّق گُلدتسيهر: «ويرتبط <أو ينسجم> هذا جيّداً بكوْن الرواية
المألوفة في أمر بداية النحو العربي كانت تميل إلى شيعة علي»[10].
وفعلاً، فجلّ النحاة المرموقين كانوا شيعة أو معتزلة.
وبالطبع،
ليس تشدّدُ الفقهاء بالضرورة على وتيرة ثابتة؛ إنما يخِفّ التشدّد أو يحتدّ حسب
الملابسات المجتمعية والسياسية. وفي ذلك كتب گلدتسيهر: «ومع تزايد سيطرة
الأرتودكسية القاتمة <أو المظلمة>، يبلُغ عدمُ الثقة مِن لدن الدوائر
الدينية بالإسلام المَشرقي بإزاء الاشتغال بعلوم الأوائل تعبيراً أكثر فأكثر حدّة.
وإزعاج الفيلسوف الكِندي خلال البعث الأرتودكسي تحت <حُكم> المتوكل هو أقدم
مثال بكيفية جيّدة. ولكن، لحسن الحظ، لم تُفلح تلك المضايقات في أن تجعل العنايةَ
الدؤوبة بهذه العلوم عديمةَ الجدوى. ولم يتوجّه عدمُ الثقة ضد الأبحاث الفلسفية بالمعنى
الضيّق فحسب»[11].
خلال
سنوات لم ينظر الدارسون في دعوى گلدتسيهر هذه نظراً ذا بال، ربما لأنها اعتبرت
وصفية عادية ومن باب أوائل المعرفة. والدارس فرانتس روزنتال لا يناقش تصور
گلدتسيهر، لكنه يعبّر بنفس الألفاظ: «شعرَت الأرتودكسية الإسلامية بأنها مرغَمة
على محاربة العلم والمعرفة اليونانيين لأسباب دينية، ولذلك كانت تميل بالطبع إلى
تصوير الإرث اليوناني بمثابة العدوّ الأصلي المخلوق من طرف الشيطان»[12].
نظرة
جورج مقدسي. يناقش مقدسي أفكار گلدتسيهر حول مدارس التعليم ومحتوى التدريس ومكانة
الفقه والصراع بين المذاهب الفقهية من أجل نشر تعاليمها، فيقول: «لقد كان في مدرسة
الفقه الحنبلية حيث كان العنصر المحافظ أقوى [...]»[13].
ويشير إلى أن الخلاف كان يتخذ أحياناً شكل عنف دموي بين الحنابلة والمتكلمين
الأشاعرة.[14]
أما الصراع بين المذاهب السنية من جهة والباطنية من جهة أخرى فقد كان عنيفاً باستمرار.
في
نظر مقدسي، يخطئ گلدتسيهر إذ يعتبر المدرسة النظامية مؤسسة لعلم الكلام (الأشعري)؛
بينما يرى هو أن المدرسة مؤسسة فقهية؛ حيث كان كل مذهب فقهي يؤسس ما استطاع من
مدارس، في سياق تنافسي.[15]
ولكنه يذكّر بكون «الفقه كان يُقصي الإلهيات الفلسفية باعتبارها أجنبية عن
الإسلام»[16]. ويؤكد
مقدسي المعارضة التي لا هوادة فيها من لدن الفقهاء السنة، خصوصاً الحنابلة، بإزاء
علم الكلام الفلسفي، في غير ما مكان.[17]
والبحث يغتني يومياً، ويسمح بتهذيب بعض المواقف، لكن ليس هناك تراجع عن الأساسي.
انتقاد
عبد الحميد صبره. يناقش الأستاذ صبره دعوى گلدتسيهر في نطاق ما يسميه دعوى
الهامشية، أي الدعوى التي تعتبر أن العلوم العقلية لم تندمج اندماجاً عضوياً في
نسيج الثقافة الإسلامية، بل بقيت على الهامش؛ أي ظلت أجنبية عن البيئة الإسلامية،
لأن المقبلين عليها في الغالب كانوا غير عرب وغير مسلمين سنّة. وعنده أن هذه
الدعوى (هامشية العلوم العقلية) متهافتة وباطلة. ولكن صبره لا ينسب الدعوى إلى
گلدتسيهر؛ بل ينبّه على أن المرء قد يقع في فهم سيئ لمقالة المجري؛ ثم إن گلدتسيهر
غيرُ مسؤول، وأنه لم يكن يقصد تقديم موقف الإسلام عموماً؛ «فهذا التعميم غير
مقترَح [وغير موحى به] في مقالته»[18].
في حين يرى صبره أن وجود العلوم العقلية في أحضان المجتمع الإسلامي من قبيل امتلاك
طبيعي أمْلتْه شروطٌ تاريخية جعلت المجتمع الإسلامي يحتاج إلى هذه العلوم. لكن
صبره، وهو يحاول التخفيف من حدّة مقاومة المتشددين السنّة للعلوم العقلية ومن مدى
تأثيرهم، يأتي بمثالين: الأول عن المأمون العبّاسي الذي شجع العلوم العقلية ضداً
على المناوئين أعداء المعتزلة (أي الحنابلة)، والثاني عن الخليفة الموحدي (أبو يعقوب
يوسف بن عبد المؤمن وأبو يوسف
يعقوب بن يوسف المنصور)
الذي رعى وحمى ابنَ رشد، غير مبال بتهديدات المالكيين المتشددين. وهذان المثالان
لا يسيران ضد دعوى گلدتسيهر، ولا حتى ضد دعوى الهامشية، بل يؤكدانها، لأن الحماية
والرعاية أتتا من الحكّام، ضد تشدّد الفقهاء المحافظين. ويعود صبره إلى تأكيد
فكرته مع تغيير بسيط، حيث يخطّئ تصور گلدتسيهر هذه المرّة باعتباره تقييماً
إجمالياً، لكنه يقرّ بالقيمة التوثيقية الشاملة لمقالة المجريّ الرائدة؛ وذلك في
سياق هامشي بدون تفصيل.[19]
ولكنه لا يناقش عمق فكرة گلدتسيهر، بينما يقرّ بوجود هذه النصوص المندّدة بالعلوم
العقلية وبقيمتها التاريخية. ثم يعود صبره إلى التأكيد على الاستمرارية بين الإرث
العلمي القديم والعلوم العقلية التي نمت لدى المسلمين.[20]
إذن، مناقشة صبره لا تفنّد دعوى گلدتسيهر؛ وكيف يمكن إنكار نصوص بيّنة؟ ثم إن صبره
يشير أحياناً إلى وجود هذه الأرتودكسية.
انتقاد
دِمتري غوتاس. يبدأ الأستاذ غوتاس بالحديث عن الترجمة الإنجليزية وما يرى أنها
أدّت إليه من سوء فهم. ثم ينتقد گلدتسيهر في عدم تحديده للمقصود من الأرتودكسية
وبأساس التفريق بين القديمة والحديثة.[21]
ويلاحظ غوتاس أن گلدتسيهر، تحت تأثير تشبّعه بالعقلانية في دراسته، ارتمى في موقف
مناوئ للحنبلية باعتبارها لاعقلانية، معتبراً إياه من قبيل موقف إديولُجي من لدن
گلدتسيهر. ويرى غوتاس أنه لا يوجد تشريع مركزي، كما هو الشأن لدى الكنيسة
الأرتودكسية والكاتولكية، يسمح بإصدار فتوى نافذة كلياً.[22]
ثم يأتي بمثال الفاطميين في مصر، الذين كانوا أقلية وشجّعوا على العلوم العقلية.
ويلاحظ غياب تحليل الشروط التاريخية والمجتمعية المحيطة بالتصريحات التي يأتي بها
گلدتسيهر على لسان المتشددين الموجهة ضد علوم الأوائل. ولدينا بعض الملاحظات على
انتقاد غوتاس:
أوّلا:
لا شك أن الحديث عن العقلانية التي كانت تغذّي فكر گلدتسيهر قد يجعلنا نفهم أفضل
دقائق التحليل والحكم عنده؛ لكن، لن يُلزمنا الكشفُ عن خلفية گلدتسيهر العقلانية
على رفض الدعوى. فلا تطغى لدى الدارس المجري الأحكامُ المعيارية بالشكل الذي
يجعلنا نستنتج أنه يؤوّل النصوص المختارة تأويلا بعيداً ومخلاً، على ضوء قيم
معيّنة؛ بل حرص على استنتاج أحكامه من النصوص.
ثانيا:
لو سُئل گلدتسيهر عن غياب التحليل التاريخي والسسيولجي في مقالته، لكان الجواب لا
محالة بأن ذلك يجب القيام به من أجل فهم أفضل للعلاقة المتشعبة بين العلوم
'النقلية' والعلوم 'العقلية'، ومدى تنافسها وتدافعها، والمصالح وراء اختيار
المواقف، وإرادة التحكّم والسيادة والاستمرار لدى الفاعلين في الحياة الثقافية
والفكرية. وتلك مهمّة الدارسين اليوم.
ثالثاً:
هل يسير التحليلُ التاريخي والسسيولجي ضد تصوّر گلدتسيهر لمكانة العلوم العقلية في
نطاق الثقافة الإسلامية ؟ لا. بل سيتكوّن عندنا فهمٌ أفضل للملابسات السياسية
والمجتمعية بدون شك؛ وسنفهم أيضاً مدى قبضة رؤيةٍ معيّنة للمعتقد الديني على
الأذهان، ومدى حرص المتشددين على منع البحث المتقصّي والتفكير النقدي، لاعتبارات
مصلحية وسياسية.
رابعاً:
مثال الفاطميين لا يدحض تصوّر گلدتسيهر ولا يدعمه؛ فهو خارج مجال القول، لأنهم
شيعة. ثم إن گلدتسيهر لا يقرر صراحة بأن التشدد آت من السنّة وحدهم، ولا يقول إن
كل الفقهاء متشددون. والمعروف أن هناك من الحكام من رفض مواقف أشخاص (حالة
السرخسي)، لا العلوم العقلية ذاتها.
خامساً:
لنفرض أننا اكتشفنا مئات النماذج من الإبداع الفني الرائع والابتكار التقني
الفعّال والتجديد العلمي المضبوط، أنجزت في أركان المجتمعات الإسلامية؛ هل يَدحض
(يفنّد ويبطل) اكتشاف هذه النماذج فكرةَ وجود نصوص لفقهاء متشددين مندّدة بالعلوم
العقلية والفنون؟ لقد وجد علماء ساهموا في البناء الحضاري خلال قرون؛ ولكن تمسّك
المتشدّدون بموقفهم المناوئ للإبداع والابتكار والتجديد.
وهناك
رأي السيدة سُنيا برنتجس الذي يشكك في فعالية التشدد من لدن الفقهاء؛ بل تتحدث عن
«أسطورة الموقف الإسلامي المضاد للفلسفة» باعتباره منتوج الجدال المسيحي ضد
الإسلام من القرن الثاني عشر إلى القرن الرابع عشر.[23]
ولكن النصوص والمواقف الفقهية متوفرة، والأحداث مشهود بها، وليس الأمر أسطورة؛ ولم
يقل أحدٌ إنّ كل الفقهاء متشددون بنفس الحدّة.
مدى
التهذيب. لا شك أن البحث سيكشف عن الملابسات الثقافية والسياسية، وحتى الشخصية،
التي كانت وراء اتّخاذ هذا الفقيه أو ذاك لهذا الموقف المتشدّد المتزمّت أو وراء
عدم الاكتراث الذي يميّز موقفاً آخر. فتظهر نصوص وقرائن، تكشف عن ترابط بين
الوقائع، وتفسّر الشروط المحددة للمواقف تفسيراً أفضل من السائد الآن. لكن، هل ذلك
التفسير سيكذّب دعوى گُلدتسيهر ؟ كيف يمكن تكذيب (إبطال أو دحض أو تزييف) أنّ
الفقهاء المتشدّدين وقفوا ضدّ اندماج العلوم 'العقلية' ضمن الثقافة الإسلامية
والعلوم 'النقلية'؟ هل كل هذه النصوص المحرّضة على إتلاف الكتب الفلسفية والمنطقية
والعلمية وإحراقها منحولة ؟ بل هناك أسماء لفقهاء آخرين ساروا في نفس التشدد، لم
يوردها گُلدتسيهر، مثل ابن أصبغ وابن العربي والسكوني وآخرين كثر. والكتابات من
فترات مختلفة تشهد على ذلك، قبل گُلدتسيهر.
إن
كتاب البخلاء من تأليف الجاحظ؛ وغداً قد يكتشف البحث أن جل محتوى الكتاب مسروق من
مؤلَف لكاتب سابق، أو أن الجاحظ كتبه في ظروف نفسية وسياسية معيّنة. ولكن، لن
يغيّر ذلك الاكتشاف كون الكتاب موجوداً.
إذن،
تظل دعوى گُلدتسيهر متمتّعة بنصيب مهمّ من الصواب؛ وقد تتزايد درجة الصواب في نفس
القارئ على إثر اكتشاف نصوص أخرى للمتشددين؛ وربما تتراجع درجة الصواب على إثر
تقديم تبرير ما لبعض النصوص؛ بل لا نقول "تتراجع" إلا من قبيل المرونة
الفكرية، لأنّ عدد النصوص المتوفرة المعروفة منذ زمن، التي تحرّض على تجنّب العلوم
'العقلية' ومنعها، كاف لدعم دعوى گُلدتسيهر. وقد كوّن العالِم الهنغاري فكرتَه
نتيجة تحليل نصوص واضحة لا غبار عليها. ولن يتناقص عدد النصوص، بل قد يتزايد.
ليس
في تصوّر گُلدتسيهر تحامل أو إجحاف بيّن؛ إنما النسبية العلمية تقتضي أن لا يبالغ
أحد لا في الإطراء ولا في الطعن. ويمكن الاستئناس بقول بدوي: «وهكذا كان منهج
جولدتسيهر منهجاً وسطاً استطاع به أن يتجنب خطرين: خطر الضيق والسطحية في المنهج
العلمي بالمعنى الدقيق، وخطر الإفراط في السعة والتأويلات البعيدة الخيالية في
المنهج الوجداني الاستدلالي»[24].
أما ما يقول غوتاس عن وقوع گُلدتسيهر ضحية الأفكار السائدة فمحدود المرمى. وغوتاس
نفسه لا يقول شيئاً عن تلك النصوص ولا ينكرها؛ وقوله لا ينفذ إلى صلب المسألة.
وليست
معارضة العلوم الوضعية خاصّة بالفقهاء المتشددين المسلمين، بل إن المعارضة تصدر
أيضاً عن فقهاء متشددين مسيحيين أو يهودٍ أو صابئة أو غيرهم؛ وتأتي أحياناً من
فلاسفة. وكم من مثال لمقاومة التجديد العلمي من لدن علماء مرموقين من نفس الميدان
العلمي!
ولا
يقول گلدتسيهر إن مقاومة المتشددين أوقفت الفاعلية الفكرية والعلمية في أحضان
الحضارة الإسلامية. فقد أكد مرات عكس ذلك؛ حيث يقول: « ولكن، لحسن الحظ، لم تَفلح
تلك المضايقاتُ في أن تجعل العنايةَ الدؤوبة بهذه العلوم عديمةَ الجدوى»[25].
ثم يقول في باب أثر التحريم على تداول
المنطق: «وعليه، فالأدبيات تُرينا أن هذا التحريم للمنطق من لدن المتعصبين، في
نطاق نظام الدراسة للإلهيات الإسلامية، لم يفرِض نفسَه. فالمكانة المعلَنة التي
احتلتْها الشروحُ والشروح الموسّعة والحواشي – ولن نشير إلا إلى تلك التي كانت ذات
تأثير أكبر – من قبيل أعمال الأبهري (الشرح لإيساغوجي لفرفوريُس)، والكاتبي
(الشمسية)، والأخضري، ومؤلفين آخرين لمُتون منطقية، في الدرس الإسلامي، تقدّم لنا
الدليلَ على أنّ أصوات المعارضة المعادية للمنطق بقيت بدون نجاح. وعلم الكلام
العقدي بالذات استخدم، في تأسيسه وتطويره، الفلسفةَ الأرسطية كمرشد منهجي، خصوصاً
منذ فخر الدين الرازي (توفي 606)»[26].
ثم يؤكد گلدتسيهر على الاستمرار في تدريس المنطق، عند قرب نهاية المقالة: «وحتى
زمنٍ أقرب، ظل المنطق يُعتبر عِلماً مساعداً في الدراسة الدينية. ولم يكن هناك نقص
في المتون لخدمة الشبان المتعلمين وإفادتهم في هذا الميدان؛ إنّما، كما جرت به
المهارة الدِيدكْتية في الشرق، وُضعت في ذلك منظوماتٌ باعتبارها شعراً تذكّرياً.
وقد ألّف أحدُ المشهورين في زمانه في القاهرة، الكاتب المنتج كثيراً في الإلهيات،
شمس الدين الشُجاعي (توفي 1197 ه)، قبل ما يزيد عن قرن بقليل، الأشكال القياسية في
شكلٍ منظوم للتذكّر، ووضع عليه شرحاً»[27].
وختم
گلدتسيهر مقالته بالإشارة إلى فشل التشدد المذهبي في تجميد الفاعلية الفكرية، وإلى
أن الأرتودكسية المعاصرة لا تعارض العلوم العقلية.
[1]- Ignaz Goldziher, ‘Stellung der alten islamischen Orthodoxie zu den
antiken Wissenschaften’, Abhandlungen der Königlich Preussischen
Akademie der Wissenschaften, Berlin, 1916 (1-46).
وقد
ترجم المرحوم عبد الرحمن بدوي هذه المقالة بعنوان موقف أهل السنّة القدماء
بإزاء علوم الأوائل؛ ونشرها مع مقالات أخرى، في كتاب
التراث اليوناني في الحضارة الإسلامية (1940)، ثم نشر عام 1980، ص.
123-172. وترجمت المقالة إلى الأنجليزية سنة 1981، بعنوان:
‘The Attitude of Orthodox Islam toward the “Ancient Sciences”’,
in Studies on Islam, tr. Merlin L. Swartz,
وهناك تصرّف في
العنوان، وفي مواضع أخرى؛ مثلاً، في النص الألماني (ص. 9): أبو الفتح بن المَنّي
(توفي 583)، وفي الانجليزي (ص. 188): أبو الفنح بن
المُنَى. كما أن النصوص العربية غير واردة في الترجمة. والأرجح أنه لا توجد ترجمة
فرنسية ولا إسبانية للمقالة.
[2]- عبد الرحمن بدوي، التراث
اليوناني في الحضارة الإسلامية، ط. 4، الكويت: وكالة المطبوعات، بيروت: دار
القلم، 1980، ص. 307.
[3]- عبد الرحمن بدوي، نفس المرجع، ص.
309.
[4]- عبد الرحمن بدوي، نفس المرجع، ص.
310.
[5]- عبد الرحمن بدوي، نفس المرجع، ص.
302-303.
[6]- عبد الرحمن بدوي، نفس المرجع، ص.
311. وكتب عنه محمد يوسف موسى، واحد من مترجمي (مع عبد العزيز عبد الحق وعلي حسن
عبد القادر) كتاب گُلدتسيهر محاضرات عن الإسلام، المترجم بعنوان العقيدة
والشريعة في الإسلام، رغم بعض التحفّظ حول تفاصيل محددة: «وممّا لا ريب فيه
كذلك أنه بهذا التراث الذي خلّفه [...] يعتبر فيما نرى في المرتبة الأولى من
المستشرقين، ومن أعظمهم تناوُلاً للإسلام ومذاهبه وعلومه الأصلية بالدرس والبحث
المستفيض؛ كما أنه لذلك أيضاً يعدّ من كبار المستشرقين الذين فهموا – بقدر ما
وسعهم – الإسلامَ وروحَه وتعاليمَه ومذاهبَه، والعواملَ التي أثرت في ذلك كله
ووجّهتْه وجهات مختلفة»؛ بيروت: دار الرائد العربي، 1946، ص. ط.
[7]- David A. King, World-Maps for Finding the Direction and Distance to
[8]- أبو اليسر البزدوي، ضمن مقال دافد كنگ، ’البزدوي
حول القبلة في فجر الإسلام ببلاد ما وراء النهرين‘، مجلة تاريخ العلوم العربية،
ص. 190.
D. A. King,
‘Al-Bazdawī on the Qibla in Early Islamic Transoxania’, Journal for the
History of Arabic Science, 7, 1983 (pp. 3-38), p. 37.
كان البزدوي قاضياً في سمرقند في أواخر القرن
الحادي عشر للميلاد، الخامس للهجرة، من مدرسة الحنفية. وفي هذا الإبّان احتدّ
الصراع بين الحنبلية والحنفية، في حين وقف أغلب الشافعية والمالكية بجانب
الحنبلية.
[9]- أبو اليسر البزدوي، نفس المرجع، ص. 190. ثم كتب (ص. 191): «وما
ذهب أصحاب الشافعي منهم إليه من تحريف القبلة خطأ محض لا يخفى خطأه على من له عقل
كامل وتأمَّل قليلَ تأمُّل، فضلا من أن يكون شم رائحة من الحساب».
[10]- Ignaz Goldziher, ‘Stellung der alten …’, s. 9: “Dies hängt wohl
damit zusammen, dass die gewöhnliche Überlieferung über die
Anfänge der arabischen Grammatik eine ‘alifreundliche Tendenz befolgt”.
يترجم
المرحوم بدوي الجملة مع فارق بسيط، حيث يضع مقابل كلمة wohl كلمة "لعلّ"،
هكذا: «ولعل هذا راجع إلى أنّ ما يُروى عن نشأة النحو العربي فيه ميلٌ إلى علي». التراث
اليوناني، ص. 131. الفرق بسيط، لكن "جيداً" أنسب، بحكم أن
"لعل" ضعيفة الإقرار شيئا ما. ثم إن "راجع" تحمل معنى
السببية، في حين أن الفكرة هي عن الترابط والانسجام. والترجمة الإنجليزية أقرب إلى
ترجمة بدوي.
[11]- I.
Goldziher, ‘Stellung …’, s. 4-5: “Mit dem Überhandnehmen der Vorherrschaft
einer finsteren Orthodoxie ist dies Misstrauen der religiösen Kreise des
östlichen Islams gegen den Betrieb der ‘ulūm al-awā’il zu
immer schärferem Ausdruck gelangt. Die Beunruhigung des Philosophen al-Kindī
während der orthodoxen Restauration unter Mutawakkil ist wohl das früheste
Beispiel. Solche Hemmungen haben jedoch glücklicherweise die rastlose Pflege
dieser Wissenschaften nicht vereitelt. Das Misstrauen richtet sich nicht nur im
engeren Sinne gegen die philosophischen Forschungen”.
وهذه
ترجمة بدوي: «وكلما ازدادت شوكةُ أهل السنّة المتشددين، كان عدمُ الثقة لدى
البيئات الدينية في شرقي الإسلام بإزاء الاشتغال بعلوم الأوائل أشدّ وأعنف. وأقدم
مثل لذلك ما شعر به الكندي الفيلسوف من قلق وخوف بعد عودة سلطان أهل السنّة في عهد
المتوكل. ولكن هذه المضايقات لم تفلح لحسن الحظ في أن تجعل العناية المستمرة بهذه
العلوم تضيع سدى. ولم يكن هذا النحو من عدم الثقة خاصاً بالأبحاث الفلسفية بمعناها
الدقيق وحدها». (نفسه، ص. 125). الترجمة الإنجليزية أقرب إلى
ترجمتنا.
[12]- Franz Rosenthal, The Classic Heritage in Islam (1965), tr. from
German by E. and J. Marmorstein,
[13]- George Makdisi, ‘Muslim Institutions of Learning
in Eleventh-Century Baghdad’, BSOAS, xxiv, 1961 (1-56), p. 52.
[14]- G. Makdisi, ‘Muslim Institutions of Learning in
Eleventh-Century
[15]- G. Makdisi, The Rise of Colleges,
[16]- G. Makdisi, ‘The Guilds of Law in Medieval Legal
History : …’, ZGAIW, 1, 1984 (233-252), p. 238.
[17]- G. Makdisi, The Rise of Humanism in Classical
Islam and the Christian West,
[18]- A. I. Sabra, ‘Appropriation and Subsequent
Naturalization of Greek Science in Medieval Islam: A Preliminary Statement’, History
of Science, xxv, 1987 (223-243), p. 231; repr. in Tradition,
Transmission, Transformation, F. J. Ragep & S. P. Ragep (eds.), Brill,
1996 (3-27), p. 12.
[19]- A. I. Sabra, ‘Science and Philosophy in Medieval Islamic Theology: …’, ZGAIW,
9, 1994 (1-42), p. 3.
[20]- A. I. Sabra, ‘Situating Arabic Science: …’,
[21]- Dimitri Gutas, Greek Thought, Arabic Culture, Routledge, 1998,
pp. 166-175.
هذا ويجب أن نشير في هذا السياق
إلى أن الترجمة العربية لكتاب غوتاس، بعنوان الفكر اليوناني والثقافة
العربية، مصيبة كبيرة أخرى من مصائب الترجمة العربية.
[22]- Dimitri Gutas, Greek Thought, Arabic Culture, p.168.
[23]- Sonja Brentjes, “Orthodoxy”, Ancient Sciences, Power, and the Madrasa
(“College”) in Ayyubid and Early Mamluk Damascus, Berlin: Max Planck Institut
für Wissenschaftsgeschichte, preprint, 52 p., p. 40.
[24]- عبد الرحمن بدوي، نفس المرجع، ص.
312.
[25]- أنظر قبله، ص. 6.
[26]- Ignaz Goldziher, ‘Stellung der alten …’, s. 41-42: “Jedoch die Literatur
zeigt uns, dass sich diese die Logik verdammende Gesinnung der Fanatiker im
Studiensystem der islamischen Theologie nicht durchgesetzt hat. Die in
Kommentaren, Superkommentaren und Glossen sich bekundende Stellung, welche – um
nur die einflußreichsten zu nennen -
die logischen Werke der Abharī (Bearbeitung der Isagoge des
Porphyrius), Kātibī (Śemsijja), Achdarī und anderer
Verfasser logischer Kompendien im islamischen Unterricht einnehmen, bietet uns
den Beweis dafür, dass die Stimmen der logikfeindlichen Opposition erfolglos
verhallt sind. Selbst die Kalāmdogmatik hat sich zu ihrer Grundlegung und
Entfaltung, besonders seit Fachr al-dīn al-Rāzī (st. 606), der
aristotelischen Philosophie als methodischen leitfaden bedient”.
وفي
ترجمة بدوي: «وعلى الرغم من هذا كله فإن الكتب المؤلفة تدلنا على أن هذا الرأي
القاضي بتحريم المنطق، وهو الرأي الذي قال به المتعصبون، لم يكن نصيبه النجاح في
السيطرة على نظام الدراسة الدينية الإسلامية. فالمكانة التي احتلتها الكتب
المنطقية أمثال مؤلفات الأبهري (شرح إيساغوجي) والكاتبي (الشمسية) والأخضري وغيرهم
ممن ألفوا متوناً في المنطق، نقول إن المكانة التي احتلتها هذه الكتب – ونحن لا
نذكر هنا إلا أعظمها تأثيراً – في التدريس بجانب العلوم الإسلامية، تقدم لنا
الدليل على أن أصوات المعارضة المعادية للمنطق ذهبت هباء، ولم يكن لها في واقع
الأمر نجاح. بل إن علم الكلام نفسه قد استخدم، في تأسيس قواعده ومقدماته وفي تطوره
وارتقائه، الفلسفة الأرسططالية كمرشد يسير على منهج قويم، وكان ذلك خصوصاً منذ
الفخر الرازي (المتوفى سنة 606)»؛ ص. 166. الترجمة الإنجليزية أقرب إلى ترجمتنا.
[27]- Ignaz Goldziher, ‘Stellung der alten …’, s. 42: “Bis zur neuesten Zeit
wird die Logik im Studium der Theologie als Hilfswissenschaft behandelt. Zu
Nutz und Frommen der studierenden Jugend fehlt es nicht an Kompendien (mutūn,
text-books) für diese Disziplin, ja sogar, nach einem im Orient noch immer
gangbaren didaktischen Kunstgriff, an Versus memoriales (manzūmāt)
für dieselbe. Ein seinerzeit angesehener, sehr fruchtbarer theologischer
Schriftsteller in Kairo, Śams al-din al-Suğā‘ī (st. 1197 h)
hat vor etwas mehr als einem Jahrhundert die syllogistischen Figuren in
Denkverse gebracht und dazu einen Kommentar verfaßt’.
وفي
ترجمة بدوي: «وظل المنطق حتى أحدث العصور يدرس مع العلوم الشرعية بوصفه علماً
مساعداً. ووضعت لفائدة الطلاب متونٌ في هذا العلم، بل وضعت فيه منظومات أيضاً،
جرياً على تلك الطريقة التعليمية التي لا تزال شائعة في الشرق. ومنذ قرن أو يزيد
نظم أحد الكتّاب من رجال الدين في القاهرة، وكان كثير التآليف مشهوراً في زمانه،
أشكال القياس، وأضاف إلى ذلك شرحاً عليه»؛ ص. 167. سقط اسم شمس الدين الشجاعي في
ترجمة بدوي.