الحجوي الفقيه وفتوى التأمين
المصطفى
الوضيفي
عرف المغرب تحولات كبرى وأسئلة جلى طرحها المجتمع بحكم
علاقته مع الآخر وبحكم تطوره، فاقتضى كل ذلك النظر في هذه التحولات وهذه الأسئلة
التي أمست تمارس داخل المجتمع أو حتى التي بدأ التفكير في الإقدام عليها إبان
القرن الماضي وبداية هذا القرن، ماهي إذن الحلول التي يقدمها الفقيه والنوازلي
لمثل هذه الأحداث؟ علما أن مثل هذه الاحداث ليست لها نصوصا تعالجها من قريب أو
بعيد، وهذا أمر طبيعي لأن االنصوص الشرعية في مجملها متناهية في مقابل هذه
الأحداث، فالأمراذا اقتضى الإجتهاد وهذا هو دوره " تقديم الحلول والأجوبة
الشرعية على المستجدات التي تحدث في المجتمع الإسلامي..." [1]
وهو بصفة عامة " نظر الدين في المستجدات الإجتماعية والإقتصادية والسياسية
وما إليها..." [2]
إذن
كيف نظر الفقيه الحجوي إلى هذه المستجدات؟ وكيف اجتهد لتقديم حلول لهذه التحولات
الجديدة؟
هنا
قبل الإجابة أريد أن أقصر بحثي على ثنائية الفقه / الإجتهاد وذلك لما لهذه
الثنائية من علاقة أكثر بكثير من الحديث عن مفهوم "التحديث" الذي ربما
يكبر بكثير الحديث عن هذه الجوانب الفقهية وبالضبط "الفتاوى".
وقدأجاب
صاحبنا على كثير من هذه الفتاوى، فقد أجاب بلندن عن فتوى حكم اللباس الإفرنجي في
أوروبا، وفتوى مسح الذراعين في التيمم، وفتوى الملف الذي يصنع من صوف الميتة،
وفتوى الخميرة من حثالة شعير يصنع منه الخمر، وفتوى جمع الصلوات، وفتوى إنعدام
الشفق وعلاقته بصلاة العشاء..
وقد
نشر الأستاذ بنسعيد فتاوى أخرى إلى جانب تلك بكتابه "الإجتهاد والتحديث"
كفتوى الإعتماد في ثبوت الهلال على خبر البرق، أو فتوى التأمين على السلع
والبضائع، وفتوى الزكاة في عين الأوراق المالية..
وهناك
فتاوى أخرى متعددة بتعدد الأسئلة التي كان يطرحها المجتمع في تلك الآونة، والتي
أجاب الفقيه الحجوي أو فقهاء آخرين عليها كفتوى التلغراف لعبد السلام الشبيهي،
وفتوى المعاملات البنكية والتجارية لإبن المواز.. وغيرها من الفتاوى التي تظهر
بوضوح مدى جدتها على المجتمع المغربي والتي تقتضي تبريرا شرعيا يستجيب للشرع كما
يستجيب للمجتمع..
إذن
كيف برر الفقهاء على وجه الخصوص الحجوي هذه التحولات؟ كيف صالح النص مع طموحات المجتمع؟
إن
حرصنا شديد على إختيار عبارة " التبرير الشرعي" وهي العبارة المناسبة
لتكييف الواقع المستجد مع الشرع وإلا ليس هناك من اختيار آخرلمثل هذا الوضع الذي
ليس له مايقابله من النصوص الدالة عليه، وسوف نقف عند بعض هذه الفتاوى لتوضيح ذلك
التبريرالذي قدمه الفقيه الحجوي لمثل هذه المستجدات، وفي هذه العجالة سوف أقف عند
نازلة واحدة وأقصد بها نازلة التأمين.
وقبل
أن أحرر هذا الموضوع، أود أن أشير وإنطلاقا من بعض الفتاوى إلى ما يتميز به الحجوي
من دقة وتنظيم إسترعته في كل قضاياه التي يخوض فيها، ففي طريقه إلى باريس يصف بوردو
بقوله " شوارعها غاية في النظام والإتساع المناسبين لكبرها"، [3]
ونفس الوصف خصصه لباريس " معدن المدينة العصرية والنظامات الأوروبية والحرية
المنظمة والأخوة المحكمة والمساواة الملزمة.."[4].
وقد
نجد الحديث عن هذا اللفظ في كل مواصفاته، وبالمقابل ويشير ضمنيا إلى انتفائه عن
العالم العربي والإسلامي، ولا شك أن هذه الخاصية واحدة أساسية معبرة عن تخلف هذه
المجتمعات حتى أضحى النظام عنده الحاصلة التي يحصلها عند كل وصف " حاصلة أن
شوارع باريس وطرقها غاية في النظام والنظام.." [5].
ووقفة
قصيرة مع فتوى " الزكاة في عين الأوراق المالية" خير معبر على ذلك، فقد
إستهل جوابه بتقسيم الموضوع إلى تمهيد وستة فصول وخاتمة.
التمهيد
ضمنه بإختصار ابطال اعتبار الأوراق المالية عروضا.
وأعقبه
بالفصل الأول وضمنه حكما فقهيا يقضي بعدم جواز بيع الأوراق المالية بعضها ببعض
مفاضلة. وأضاف إلى هذا الفصل فصلا آخر حدد فيه وجوب الزكاة في عين الأوراق، وهو
جزء من الجواب على السؤال.
وقد
أضاف إلى كل هذا جوابا يرتبط أشد الإرتباط بموضوع الفتوى وأقصد به مقدار النصاب في
الأوراق والتي تقتضي الزكاة.
وعلى
عادة الفقهاء الكبار التمس لهذه الفتوى نصوصا من القرآن الكريم.. وختم هذه الفصول
بالفصل السادس قيد فيه بعض الشبه العالقة بالموضوع مع الرد على جواب الشيخ عليش
القاضي بعدم وجوب الزكاة في عين الأوراق المالية ..
ولم
يخيم الحجوي فتواه دون أن يحرر كلاما مهما في " الإجتهاد" وهذا أمر
طبيعي يهمني منه في هذا الصدد تمييز الحجوي بين نوعين من الإجتهاد، الإجتهاد
المطلق والإجتهاد المذهبي وهو الذي لم ينقطع في الأمة.
لست
هنا بصدد الوقوف عند نفي الإجتهاد عن الحجوي، ولست _كذلك_ بصدد سبر كل الفتاوى
التي أجاب عنها الحجوي بدقة ونظام وتحليل كما هو عند كبار الفقهاء
الكلاسكيين، لكن اقتصرنا على الأنموذج السابق، وأود أن أتساءل عن نوع آخر من
الفتاوى التي لم ترق إلى المستوى السابق وسأقف عند أنموذج واحد وأقصد به "
فتوى التأمين " كيف _إذن_ برر الحجوي التأمين؟ وكيف تعامل معه أصوليا وفقهيا؟
أعتقد ومنذ الوهلة الأولى- وبالمقارنة مع
الفتاوى السابقة وهذه أن هناك إختلافا كبيرا يظهر في إنتفاء الدقة والتنظيم
والتحليل عن هذه الفتوى ولعل ذلك يرجع في مجمله إلى:
1-
عدم
وجود نصوص في التأمين.
2-
عدم
وجود فقهيات جاهزة في موضوع التأمين يمكن القياس عليها.
3-
عدم
وضوح فكرة التأمين.
دعني
أعيد إلى الأذهان موضوع "التأمين" وهو موضوع ولا شك حديث إقتضته التجارة
واقتضاه الإصلاح واقتضته العلاقة بين الأجانب والمسلمين كما ذكر الاخوان بن خلدون،
فكيف تحدث عنه الحجوي وكيف تعامل معه؟ وكيف برره؟
سؤال
الفتوى في غاية الوضوح : التجارة مع الأجانب، والسؤال عن كيفية ضمان هذه التجارة.
ما
يهمنا الآن هو الوقوف عند جواب الفتوى، جواب الفقيه الحجوي الذي بادر فيه إلى جواز
هذا التعامل لضرورته في الوقت الحاضر مع استبعاد ايجاد استدلال مباشر من الكتاب أو
السنة أو الإجماع أو القياس ولا حتى اجتهاد سابق مما اضطره الأمر إلى اعتماد
طريقتين في تحليل الموضوع:
الطريقة
الأولى: اعتمد فيها الحجوي على مبدأ الضرورة، يقول في هذا الصدد "وإذا قضت
الحاجة أو الضرورة على التجارة بمعاملة فمن المعلوم أن الضرورة تبيح المحظور كما
لو كان هناك نص على الحظر لا سيما ولم نقف على نص صريح بالمنع. وقد نص بعض
المالكية انه إذا غلب الفساد في معاملة جازت للضرورة " [6]
لا
داعي الى ذكر الحاجة إلى التجارة، لكن هل هناك من داع ضروري للتأمين يقتضي تبريرها
شرعيا؟ بل ويقتضي تجاوزات فقهية وأصولية؟
بمعنى
آخر هل تقتضي التجارة إستحضار مبدأ الضرورة الشرعية؟ وهل وصل المشكل إلى حدود أو
درجة تطبيق مبدأ الضرورة؟ ليس مهما الجواب عن هذا السؤال الآن، فلنشتغل بسؤال أكبر
منه. هل سأل الفقهاء المجتهدون عامة عن الضرورة؟ هل تخص بعض المحرمات أم أنها تعم
كل المحرمات؟ وهل الضرورة تشمل كل المسائل بما فيها مسألة التأمين غير المنصوص
عليها....؟
الآية
الواردة في إباحة المحرم لضرورة تتعلق بالمطعومات " قل لا أجد في ما أوحي إلي
محرما على طاعم يطعمه الا أن يكون ميتة أو دما مسفوحا أو لحم خنزير فإنه رجس أو
فسقا أهل لغير الله به، فمن اضطر غير باغ ولا عاد فان ربك غفور رحيم (الانعام
145).
مخالفة
للآية وللمذهب وهو المجتهد في المذهب يعمم الحجوي الجواب ليشمل المطعوم وغير
المطعوم " اذا قضت الحاجة أو الضرورة على التجارة بمعاملة، فمن المعلوم أن
الضرورة تبيح المحظور".[7]
أضف
الى أن هذا الاجتهاد يسير خلاف الاصول التي يعتني بها الحجوي من عدة وجوه:
الاول:
إن التأمين ليس مما تهلك لعدمه التجارة حتى نضطر معه الى تطبيق مبدا الضرورة [8]
الثاني:
إن التأمين ليس من المسائل التي يلزم قياسها على مبدأ الضرورة على الاقل عند
الامام مالك الذي يجتهد الحجوي في إطار مذهبه " إن الضرورة إنما ذكرت في
الميتة ولم تذكر في الخمر "[9]
الثالث:
إن التأمين نظام حاجي وليس ضروري حتى يمكن قياسه على مبدأ الضرورة " للدور
والارضين والرواحل والسفن وهي في الاصطلاح المعاوضة على منافع غير الآدمي،
والإجارة والجعل،وهما في الإصطلاح المعاوضة على منافع الآدمي، وما يتصل به من
الابواب المستثناة من الاصول الممنوعة كالمساقاة والمزارعة والمغارسة والقراض
وأدمج الشركة(..) بينهما وغرر هذه الابواب المستثناة ظاهر للجهل بالعوض، ولكنه
اغتفر لشدة الحاجة اليها..." [10]
الرابع: على فرض أن تعميم مبدأ الضرورة ممكن
قياسا، فان الحجوي لم يشر في الفتوى الى امكانات وشروط القياس، ولعلي أقصد أنه لم
يعتن بالتعليل وهو الأمر – أعتقد – الذي لم يسعفه في هذه المسألة مسألة "
التأمين " ولا أظن كذلك – أن هناك اتحادا في التعليل بين التأمين وما يقاس
عليه في آية "الميتة" والمتمثل في" الخوف من التلف". [11]
واذا
لم يعتن الحجوي بالتعليل فانه لم يعتن بالشروط اللصيقة بمبدأ الضرورة والتي قاس
عليها مسألة التأمين،و قد اعتنى الفقهاء قبله بذلك، فلم يعد الأمر مطلقا عاريا عن
كل الضوابط خاصة عند من يجيزون القياس على الرخص من أمثال "الغزالي".
الخامس: إن الاعتناء بمبدأ الضرورة قياسا عليه
وهو مما يعكس رخصا منصوصا عليها جعلت الحجوي لا ينسجم مع الأطاريح التي ترفض
القياس على الرخص، وفي الموضوع قاعدة مهمة " لا قياس في الرخص..ومعناها أن
الرخص لا تثبت بالقياس، فاذا منح الشارع الرخصة في حالة ما لم يصح أن يقاس عليه
نظيرها من الحالات الأخرى"[12]
ولعل
ذلك يرجع الى أن :
-
الرخصة
منحة ربانية لا يقاس عليها.
-
الرخصة
مخالفة للدليل فكيف يقاس عليها؟.
-
الرخصة
لا يهتدى اليها بالعقل.
ان
الحجوي كثيرا ما كان يفتي استنادا الى مبدأ الضرورة ويمكن للدارس تتبع هذه الفتاوى
في مظانه وهي كثيرة:
كفتوى
اللباس الإفرنجي في أوروبا " نعم، ليست البرنيطة -والله- أصعب شيئ على المسلم
فاذا دعت اليها ضرورة جازت كما يؤخذ من كلام الزرقاني"[13]
وفتوى
جواز التأمين على السلع والبضائع "..ووقفت على حاجة التجارة للمعاملة على
الضمان، بل ضرورتها في الوقت الحالي للسكورتاه(لاصورانص) . واذا قضت الحاجة أو
الضرورة على التجارة بمعاملة، فمن المعلوم أن الضرورة تبيح المحظور..."[14]
وفتوى
جواز أكل ذبيحة النصارى " وقد كانت المذاكرة جرت بيني وبين أعضاء الوفد في
أكل ذبيحة النصارى ورأيت أن الضرورة تبيح لنا أكلها، زيادة عن فتوى ابن العربي
بالجواز في الاختيار ولو رأيته يفتل عنق الدجاجة."[15]
ولم
يقتصر الحجوي على هذا المبدأ بل أدخل جزئياته وأكثر منها ويمكن تتبع ذلك في دفاع
الحجوي على الوزير " عبد الكبير بن عبد السلام الفاسي" اعتقادا منه أن
الرجل أخذ في ممارسة الوزارة بأخف الضررين. واعتبر أن تسليمه جزءا من المملكة الشريفة
ليس بالأمرالهين".. وما فعل ابن سليمان ذلك الا ارتكابا لأخف الضررين (..)
ولقد وجد (..) المغرب مجبرا بين أمرين : تسليم توات وفكيك بل والصحراء المغربية
وأطرافها عن سلم، أو حرب تستأصل المغرب الذي هو اذ ذاك عاجز عن كل حرب، فاختار أخف
الضررين وتجرع أبرد وأعجزالكأسين، وارتكاب أخف الضررين من أصول الشريعة، وقد عقد
عليه السلام صلح الحذيبية وهو مضطر، نقمها المسلمون اذ ذاك كلهم وحمدوا مغبتها
بعد."[16]
وقد
استشعر الحجوي المبالغة في تطبيق مبدأ الضرورة وجزئياته حتى أن هذا الوضع أقلقه
وأصبح يراه سلبا في التخريج".. وبعد الديباجة فان هنا بوجدة نحو 80 عسكريا
مرضى .. ملقون على قارعة الطرق والاسواق، جائعة بطونهم عارية أجسامهم وحالتهم تبكي
من لا يعرف البكاء(..) جعلت قيما يقوم بتنظيفهم من حلق وحمام، ويطعمهم وجعلت لهم
طباخا وكسوتهم بما يتيسر من عندي حتى ظهرت فيهم النعمة والعافية، فلم تمض ستة أيام
حتى قامت قيامة الأغوات واعصوصبوا الا اذا ردت لهم مؤونة أولئك البائسين، وقد قمت
بأخف الضررين فرددت لهم مؤونتهم على سالف عوائدهم، (..) وعاد العسكر للتكفف في
الأسواق ومونتهم يقبضها أغواتهم، ووجب اعلامكم بالواقع، ولكم النظر على خالص
الخدمة والسلام في 23 صفر 1322 ﻫ . فكان الجواب عدم الجواب وهو في المعنى
أمر بالارتضاء ارتكابا لأخف الضررين مع أن الاكثار من ارتكاب أخف الضررين ربما صار
هو الضرر الاعظم" [17]
وهكذا
أصبح مبدأ الضرورة المبدأ الأساسي لكل فقيه، حذر الوزاني من تجاوز تعاطيه "
أصبح مبدأ الضرورة من الأصول الأساسية للفقه ولكن
الوزاني يحذر من الاسراف في استعماله.."[18]
وهو
مبدأ اذا انضافت اليه خلوه من شروطه فانه يعكس التجاوز الكبير للشرع في مقابل
طغيان الأحداث وطغيان "الآخر" "الغرب" في الدفع بالاصلاح
المنتظم ولذلك ليس من الغريب أن يكون الحجوي استجابة للغرب الذي طالما تغنى به
" نعلم أن الفقيه الحجوي صاحب الدعوة الى التحديث، تحديث جوانب من الوجود
الاجتماعي وصاحب منحى في الاجتها في الدين وقول في التجديد، تجديد الفكر وكيفيات
النظر، ونعلم أن أوروبا تحضر عنده في هذه المناحي جميعها".[19]
اذا
انضاف كل هذا الى اكراهات الواقع المتخلف الذي سرع لديه وثيرة الاجتهاد فدافع عن
مبدأ الضرورة المعبر عن انتحار الفقه القديم أمام هذا المبدأ المعبر بدوره على
الفقه القديم * والذي جاء الحجوي ليعيده تبريرا لبعض المواقف قد تكون سياسية أو
اقتصادية الأمر الذي أفرغ معه محتوى هذه القوالب الأصولية والفقهيةمن محتوياتها
الناجعة " ومن تم، وتحت ضغوط الممارسات السلطانية، يقام أكثر من جسر واصل بين
الساسة (الشرعية) وبين سياسات (عقلية) مختلفة بل ومتناقضة. وكأن المقاصد الشرعية
ووسائلها الناجعة قد تحولت الى مجرد قوالب فارغة غير مضبوطة الهوية، يمكن ملؤها
بأي محتوى كان، وتوظيفها لتبرير كل المواقف والاختيارات يصدق هذا على مفهوم
الاجماع أو المصالح المرسلة أو الاستحسان، مثلما يصدق على مختلف الوسائل (الناجعة) الأخرى كرفع الحرج
ومراعاة الضرورات المبيحة للمحظورات، وارتكاب أخف الضررين وما لا يتم الواجب الا
به فهو واجب، وعموم البلوى، والمشقة تجلب التيسير، والأمور بمقاصدها..الخ"[20]
الطريقة الثانية القياس على الفقه الجاهز:
ان
تبرير المواقف الجديدة التي تردى فيها الفقهاء عامة والحجوي على وجه الخصوص لا
تقتصر على مبدأ الضرورة لكن تعدته الى اعتماد مبدأ القياس، وليس القياس على أصل أو
حتى القياس على قياس آخر بل تنازل الفقهاء فقاسوا الأحداث على الفروع، وهذا أمر
اتخذ في شأنه عدد من الفقهاء المحدثين موقفا أقل ما فيه أنه إغلاق وانغلاق على
الفقه الجاهز مع انتقاده واعتباره قفز على الزمان والمكان والمجتمع" يعيش
العلماء إذن داخل حصار معرفي أجبرهم على الحركة داخل المفكر فيه و الذ ي لايخرج عن
نطاق نصوص فرعية انبثقت من نص أصلي وهو النص الإلهي وداخل حصار سياسي جعل منهم فئة
غير قادرة على تقديم مشروع اجتماعي في مستوى التحول الذ ي عرفه المغرب في نهاية
القرن التاسع عشر"ّ [21]
ولاشك
أن الفتوى أقصد فتوى التأمين السابقة للحجوي أنها تكرس هذا الوضع*و ذلك بتخريج
حكمها بفقهيات شركة الخماس والإجارة بما تنبت الأرض وتضمين الصناع وشهادة اللفيف
،وهي مقايسة أو مشابهة تسير خلاف الأصول والقواعد وتجليات هذا يظهر في:
1)
إن
شركة الخماس مع الفقهيات الأخرى مستثناة من نصوص والمستثنى من النصوص لا يقاس
عليه.
2)
إن
شركة الخماس مسألة مختلف في حكمها بين الاجارة والشركة والمختلف في حكمه لا يقاس
عليه " .. عن الجزولي : اختلف في شركة الخماس، فقيل جائزة لأنه شريك، وهو قول
سحنون، وقيل غير جائزة لأنه أجير، وهو قول القاسم" [22]
3)
إن
شركة الخماس مسألة في الغالب غير جائزة من حيث الاستعمال والواقع ومن ثم لا يجوز
القياس على ما لا يجوز " والمستعمل منه اليوم بين الناس غالبا ما لا يجوز
لكونه آجر نفسه بشيء مجهول" [23]
4) إن شركة
الخماس اعتقاد من الخماس أن أجرته مما تنبت الأرض وهذا فيه ما فيه من غرر* منهي
عنه لا يقاس عليه " وسئل ابن رشد عمن أخرج الأرض والبذر والبقر وأخرج الآخر
العمل على أن يكون له الربع وللآخر الثلاثة الأرباع، هل تجوز أم لا ؟
فأجاب:
مسألة الشركة هذه على ثلاثة أوجه: إما أن يعقداها بلفظ الشركة فيجوز، أو بلفظ
الاجارة فلا يجوز.." [24]
5) التأمين وقياسه أو تشبيهه بشركة الخماس أو"
بالتبرع "* كما ادعى الحجوي في الفكر السامي هي أبعد من تشبيهه بنظام
المضاربة أو الكفالة أو الموالاة أو ضمان خطر الطريق أو الوعد الملزم أو نظام
العواقل في الاسلام، وقائمة التشبيه طويلة تطول لتشمل تشبيهه ولا أقول قياسه بنظام
المساقاة أو القراض أو الشركة أو المزارعة.. وهي كلها تشبيهات ليس لها ما يمكن
الجمع بينها وبين نظام التأمين _ (اتحاد العلة) _ وهي غير المفكر فيها عند تطبيق
هذا المبدأ ولذلك رأى بعض الفقهاء تحريم التعامل بهذا النظام " ويرى ابن
عابدي في حديثه أنه لو أن تاجرا استأجر مركبا تحمل بضاعة تأتيه من خارج بلاد
الاسلام،ودفع أجرة النقل ،ثم دفع ما لا معلوما لشخص خارج بلاد الإسلام على أن يضمن
ذلك الشخص سلامة التجارة، فاذا هلك منها شيئ فذلك الشخص ضامن لما هلك، فان ذلك
يكون حراما، أي لا يحل لهذا التاجر المسلم أن يأخذ عوضا عما هلك من تجارته " [25]
أستنتج
أنه لا بد من التفكير في بديل عن هذه الفتوى المتعلقة بالتأمين، لا بالتفكير في
هذه الجزئيات الخاصة بالتأمين وما يتعلق بها من أحكام الحلال والحرام.. وانما
ينبغي التفكير في طريقة أو طرق تمكننا من تجاوز طريقة القياس على الفقه الجاهز من
جهة ومبدأ الضرورة من جهة أخرى والتي استشرت في زمن التخلف ولازالت تستشري في هذا
الزمان، وبالأمس القريب أفتى الأزهر بجواز الفوائد البنكية واختلف فقهاء الأزهر في
قياس هذه المسألة على جزئيات فقهية متعددة، فهناك من قاسها على نظام الوديعة
وآخرون قاسوها على نظام الوكالة أو نظام القراض أو المضاربة أو المرابحة وغيرها
..أدى كل ذلك الى اختلاف كبير أذكى صراعا بين هؤلاء المفتين، وكان ممكنا تجاوز كل
ذلك لو أننا فكرنا في الكليات بديلا عن الجزئيات التي لا جامع بينها الا جامع
الاختلاف المفرط.
قائمة المصادر والمراجع
- القرآن الكريم
-
الاجتهاد والتحديث (دراسة في أصول الفكر السلفي في المغرب): سعيد بنسعيدالعلوي.
مطبعة
النجاح الجديدة . الدار البيضاء. الطبعة الثانية 2001 .
-
أوروبا في مرآة الرحلة (صورة الآخر في أدب الرحلة المغربية المعاصرة): سعيد ينسعيد
العلوي منشورات كلية الآداب. الرباط رقم 12. مطبعة النجاح الجديدة. البيضاء. -
انتحار المغرب الأقصى بيد ثواره (مذكرة الفقيه محمد بلحسن الحجوي):الخلوقي محمد
الصغير.مطبعة المعارف الجديدة 1994.
-
الإنتلجانسيا في المغرب العربي: اشراف عبد القادر جغلول.دار الحداثة للطباعة والنشر.
بيروت. لبنان. الطبعة الأولى 1984.
-
البهجة في شرح التحفة: التسولي. دار الفكر. بيروت. 1994.
الدولة
والسلطة والمجتمع (دراسة في الثابت والمتحول في علاقة الدولة بالقبائل في المغرب):
رحمة بورقية. دار الطليعة. بيروت الطبعة الأولى 1991.
-
العقل والنقل في الفكر الاصلاحي المغربي (1757- 1912): حسن أحمد الحجوي. المركز الثقافي العربي. البيضاء. الطبعة الأولى
2003.
-
الفكر الأصولي واشكالية السلطة العلمية في الاسلام (قراءة في نشأة علم الأصول
ومقاصد الشريعة): عبدالمجيد الصغير. دار المنتخب العربي. الطبعة الأولى1994.
-
الفكر السامي في تاريخ الفقه الاسلامي: محمد بلحسن الحجوي. دار الكتب العلمية.
بيروت. الطبعة الأولى 1995.
-
المعيار المعرب والجامع المعرب: الونشريسي. نشر وزارة الأوقاف والشؤون الاسلامية.
المغرب 1981.
-
نظرية الضرورة الشرعية: وهبة الزحيلي. مؤسسة الرسالة. بيروت. الطبعة الرابعة 1985.
-
نظرية الضرورة الشرعية حدودها وضوابطها: جميل محمد بن مبارك. دار الوفاء.
المنصورة. الطبعة الأولى 1988.
-
نظرية التقعيد الفقهي وأثرها في اختلاف الفقهاء: محمد الروكي. منشورات كلية
الآداب. الرباط. رقم 25.مطبعة النجاح الجديدة. البيضاء. الطبعة الأولى 1994.
-
يسألونك في الدين والحياة: احمد الشرباصي. دار الجيل. بيروت. د.ت.ط.
- Les 5
S : Takashi Osada Traduit de
l’américain par Monique Sperry. Ed Dunod, Paris 1993.
الهوامش
* أصل هذا المقال مداخلة للمؤلف في الجلسة العلمية
التي نظمتها مجموعة البحث في أعلام المغرب لقراءة كتاب" الاجتهاد
والتحديث" للدكتور سعيد بنسعيد يومه الجمعة 29 أبريل 2005
1
لتحديث والإجتهاد/ سعيد بنسعيد 18.
[2] نفسه 19
[3] - أوربا في مرآة الرحلة / سعيد بنسعيد 111
[4] - نفسه115.
[5] - نفسه 118.
[6] - الإجتهاد والتحديث:
سعيد بنسعيد 144
[7] - نفسه
[8] -
البهجة 2 / 225
[9] - نظرية
الضرورة الشرعية حدودها وضوابطها: جميل مبارك 149 (واذا لم تذكر في الخمر وهو من
المطعومات فمن باب الأولى انها لم تذكر في التأمين وغيره..
[10]
-
البهجة في شرح التحفة : التسولي 2/225 هذا عكس ما يقوله الحجوي، أنظر الفكر
السامي 4 / 565 .
[11]
- أحكام
القرآن : الرازي (الجصاص) 1/160.
[12]
- نظرية
التقعيد الفقهي وأثرها في اختلاف الفقهاء: محمد الروكي 431 – 432 .
[13]
-
أوروبا في مرآة الرحلة : سعيد بنسعيد 184 – 185 .
[14]
-
الاجتهاد والتحديث : سعيد بنسعيد 144.
[15]
-
أوروبا في مرآة الرحلة: سعيد بنسعيد 178.
[16]
-
انتحار المغرب الأقصى بيد ثواره: (مذكرة الفقيه الحجوي): الخلوقي محمد
الصغير 28- 29 أنظر كذلك ص 11-12.
[17]
- نفسه
49 نص كتاب كتبه الحجوي لوزير الحرب الفقيه الجباص في شأن مرض العسكر.
[18]
-
الانتلجينسيا في المغرب العربي مقال رحمة بورقية، العرف والعلماء والسلطة
في القرن التاسع عشر (المغرب) ص 129، أنظر كذلك الدولة والسلطة والمجتمع: رحمة
بورقية ص 87.
[19]
-
أوروبا في مرآة الرحلة: سعيد بنسعيد 71
وتابع ص 72 كذلك.
*
أنظر الأنتلجينسيا ص 129 فتوى الجزولي هي نفسها عند الحجوي يقيسها على الاجارة
والشركة.
[20]
- الفكر
الاصولي واشكالية السلطة العلمية في الاسلام: عبد المجيد الصغير 296.
[21]
-
الانتلجينسيا في المغرب العربي مقال رحمة بورقية العرف والعلماء والسلطة في
القرن التاسع عشر(المغرب) ص 137 .
[22]
- المعيار
المغرب: الونشريسي 8 / 151 .
[23]
- نفسه
8/150 .
* شأنها شأن المساقاة والمزارعة والمغارسة
والقراض والشركة كلها فيها غرر.. "وغرر هذه الأبواب المستثناة ظاهر للجهل
بالعوض"البهجة2/225 . الفكر السامي 4 / 167 و 164.
24- المعيار
المعرب: الونشريسي 8 / 152 أنظر كذلك فتوى القاضي عياض 8 / 164 – 165
* الفكر السامي: الحجوي 4 / 564 – 565 – 566 –
567 – 568 – 569 – 570 .
[25]
-
يسألونك في الدين والحياة: احمد الشربصي 1 / 298.