ترجمة: م. أحمد حُسَيني
إن المهمة الأولى للجمالية المسرحية الجديدة
التي تأسست في منعطف القرنين التاسع عشر والعشرين هي
إعادة تعريف المسرح باعتباره فنا. فبعد أن اقتصر البعد الفني للمسرح على الأدب
الدرامي، أصبح الأمر يتعلق بإعادة تأسيس المعايير الجمالية للفن المسرحي. إذ بعد
المصلحين الأوائل للمسرح، زولاZola أنطوان Antoine، ستراندبوغ Strindberg و جاري Jarry، فإن المنظرين أدولف
أبيا Adolphe Appia
(1862-1928) وادوارد كردون كريغ Edward
Gordon Craig (1872-1966)
هما اللذان وضعا الأسس التصورية للفن المسرحي الحديث. في "الحوار الأول حول
فن المسرحle Premier
Dialogue de L’art du théâtre
)1905(
أعلن كريغ بهذه الطريقة "نهضة" مسرحنا في الغرب التي سينجزها
"المخرج، فنان مسرح المستقبل". "فعندما يتم ظهور إنسان يتحلى بكل
الخصال التي تجعل منه نابغة في فن المسرح وكذلك تجديد المسرح كوسيلة وأداة، أي
عندما يصبح المسرح رائعة من روائع الآلية ويخترع تقنيته الخاصة به، سيولَد دون
عناء فنه الخاص وهو فن خلاق ومبدع" ثم إنه يعطي بواسطة صوت "القيم"
الذي ينشط هذا الحوار على المسرح، وهو يجيب على أسئلة "هاوي المسرح"،
التعريف المشهور اليوم لهذا الفن المسرحي الجديد الذي أصبح "مبدِعا": "تابعوا
إذن، باهتمام ما سأقوله لكم وقلدوه كلما دخلتم إلى منازلكم. بما أنكم منحتموني كل
ما طلبت، ها كم العناصر التي سيكون منها فنان مسرح المستقبل روائعه : الحركة،
الديكور، الصوت. أليس ذلك بالهين؟
أقصد بالحركة الإشارة والرقص اللذين يمثلان نثر
الحركة وشعرها.
أقصد بالديكور كل ما نراه كالملابس، الإنارة،
والديكور بحصر المعنى.
أقصد بالصوت الأقوال المنطوقة أو
المغناة في مقابل الأقوال المكتوبة، لأن للأقوال المكتوبة لتقرأ وتلك المكتوبة
لتنطق نظامين مختلفين تماما".
لقد ولد مع كريغ المفهوم الجمالي لفن مسرحي
مستقل، لم يعد قائما على النص، بل على العرض. إن الثورة الثقافية للممارسة
المسرحية خلال ثمانينات القرن التاسع عشر ولدت منذ مطلع القرن العشرين أفكارا
جديدة عن المسرح؛ أي أفكارا مؤسسة ستحدد بدورها كل التاريخ المسرحي المعاصر
وتوجهه.
2- صنع جمالية من الكل:
منذ أن اعترف للمسرح بهذا الموضوع المعقد الذي
لا يختزل في النص بل يتضمن أيضا مختلف عناصر تحقيقه المشهدي، فإن الخطاب الذي
يضبطه لا يمكن إلا أن يعكس هو نفسه هذا
التعقيد، أي أن يكون هو نفسه معقدا ومتعددا. وفي نطاق كون الكل مسرحا: النص،
الديكور، الإضاءة، لعب الممثل، جسده وصوته، يجب الكلام عن الكل في نفس الوقت أو
بانفصال. في نفس اليوم الذي يمكن فيه "صنع مسرحة من الكل"(1) حتى نستعمل عبارة
انطوان فيتز Antoine Vitez يمكن أن نصنع جمالية مسرحية انطلاقا من كل مظاهر
المسرح؛ أي أننا نصنع جمالية من الكل. بالموازاة مع ذلك، أصبح الكلام الجمالي
المعاد إظهاره ليس فقط شأن المنظرين والكتاب أو الفلاسفة بل كذلك الممارسين Les
praticiens وخاصة المخرجين
المسرحيين. فحسب جون جاك روبين Jean-Jacques
Roubine فإن التفكير
النظري حول المسرح هو نفسه واحد من المعايير التي تمكن من تعريف المخرج المسرحي
الحديث: "لقد جعلنا من انطوان Antoine أول مخرج مسرحي، بالمعنى الحديث الذي أخذه المصطلح. وهوتأكيد يبرر بكون اسم انطوان Antoine هو أول توقيع احتفظ به تاريخ العرض المسرحي (كما نقول إن مانيت Manet أو سيزان Cézanne هما موقعا لوحاتهما)، ويبرر كذلك بكونه أول من منهج تصوراته ونظر
لفن الإخراج. والحال هذه، فإن هذا التفكير، في يومنا هذا، هو المحك الذي يمكن من
تمييز المخرج عن القيم"(2).
يمكن أن نضيف أنه أصبح، اليوم، كذلك العديد من المخرجين بيداغوجيي مسرح.
ومادام الأمر كذلك، فقد أحسوا بالحاجة إلى التفكير في ممارستهم، في نفس الوقت
بالنسبة إليهم أنفسهم وإلى عملهم المسرحي الخاص كما بالنسبة إلى رجال المسرح
الآخرين بل خصوصا بالنسبة إلى كل أولئك الذين سبقوهم إلى فن التفكير في المسرح.
فهم يملكون هذه الرغبة المشروعة في تأسيس حوار وصدى مع الفضاء المتناصintertextuel الواسع للنظرية المسرحية حتى يموضعوا كلامهم
الخاص ويتمكنوا من نقله. هذا ما أكده لويس جوفي Louis
Jouvet (1887-1951) عندما صرح في الممثل
المفصول عن الجسد Le Comédien
désincarné قائلا: "إذا كنت
اليوم أحاول التعبير عن ذلك وإتقان الأشياء فليس من أجل إشباع غرور في التفكير كان
مقموعا زمنا طويلا. إنها الرغبة الشديدة في التعليم وفي إيجاد مجال للاتفاق مع
المفكرين"(3).
3-2 تعريف هنري كوهيي Henri
Gouhier:
في الثلاثية التي كرسها هنري كوهيي للمسرح: جوهر المسرحL’Essence du théâtre (1943)، والمسرح والوجود Le théâtre et l’existence(1952)، والعمل
المسرحيL’Œuvre théâtrale
(1958)، يعلن أنه لخص "فلسفة للمسرح". وهذا هو التعريف الذي يعطيه
لفلسفة المسرح: "ما المسرح؟
في كتبه الثلاثة سيحاول إذن، بمساعدة الأدوات التصورية للتفكير الفلسفي،
أن يجيب عن هذه المسألة وأن يحدد "المبادئ الأولى" للمسرح وكذا "طبيعته".
"فالكتاب الأول، بطبيعة الحال، كان تفكيرا في "جوهر المسرح"،
والثاني دراسة للتراجيدي، والدرامي، والعجائبي والكوميدي، التي تعتبر بمثابة
دلالات معبرة عن العلاقة الحيوية بين "المسرح والوجود". بقي النظر إلى
العمل الذي يخلقه الدراماتورجle
dramaturge والذي يعيد خلقه المخرج والممثل بمشاركة المتفرج"(8).
من جهة أخرى يعرف هنري كوهيي فلسفة المسرح بتمييزها عن عدة مفاهيم خصوصا
عن الشعرية وعن الجمالية الدرامية: "هذه، مع ذلك، شيء آخر غير علم نفس
الدراماتورج أو الممثل. إنها لا تختلط لا مع فن شعري ولا حتى مع جمالية. فهي تطرح
مشاكلها مرة رافضة كل الأبحاث حول تكون الأعمال، وكل النقاشات حول القواعد،
وكل جدل حول الجميل: إنها تمسك بالمسرح وتصفه باعتباره جوهرا.غايتها هي طبعا تحديد
ما هو جوهري بالنسبة إليه.إن موضوع فلسفة المسرح هو روح هذا الفن مع ما لهذه
الكلمة من معنى مزدوج يشمل المبدأ الروحي والنفس الحيوية. إن تعريف ما هو المسرح
مع تحديد ما ليس هو، وتحليل بنيته، وقول في أي ظروف يوجد وفي أي ظروف يتخلى عن
الوجود، ونقل دلالته للإنسان الذي يريده والذي يبدعه، هو البرنامج"(9).
تتحدد فلسفة المسرح عند هنري كوهيي، وهي تستلهم بيركسون Bergson وجابرييل مارسيل Gabriel Marcel وخصوصا التصور
البيركسوني للحدس الجمالي، في منتصف طريق الأصالة والمعاصرة، الجمالية الدرامية
والميتافيزيقا، الحتمية والوجودية، الوضعية والتصوف. ورغم أن هنري كوهيي يدافع عن
نفسه بكونه يتبنى وجهة نظر أرسطية ("أرسطو المتجاوز")، فإن مقولات
التحليل: الفعل، والحبكةّّّّّّ، والوحدة، والتراجيدي، والكوميدي، والشخصيات
والأجناس، مقولات كلاسيكية. وعلى العكس فإن المصادرة postulat
في الواقع معاصرة وترتكز على معرفة البعد المشهدي للمسرح: "خلق العمل المسرحي
ليؤدى. الغاية المقصودة بهذه الكلمة هي انتظار الجمهور، لأن العمل المسرحي لن يكون
تماما هو نفسه إلا بحضور هذا الجمهور: "تتأسس فلسفة المسرح على أعمال،
ممارسات، جماهير. ويبدأ جوهر المسرح L’Essence
du théâtre بأربع شهادات، شهادات
أربعة مخرجين من كارطيل Cartel:
بيطويف Pitoeff،
دولان Dullin،
جوفيط Jouvet
وباتي Baty.
وقد أعطيت الكلمة كذلك في الحال للمنجزين الذين يخطط كل واحد منهم فلسفته الشخصية
للمسرح. فلويس جوفيط Louis Jouvet
مثلا الذي يحلم بجمالية تختلط فيها الوضعية والتصوف يرى أنه: "عند
"إحياء" جمالية درامية قد تُضلنا الكلمة ولا
تضلنا البنية. إنها
تقول حصرا وتماما ما لديها لتقول. لهذا أحلم أحيانا، على غرار كيفييCuvier، أن أستطيع دراسة
الفن المسرحي، في بضعة أيام، انطلاقا من معماريته، وإيجاد الوظيفة الأسخيلوسية eschylienne بناء على هيكل
ديونيزوس Dionysos
أو ابيدور Epidaure،
تلك الوظيفة التي نجدها لدى شكسبير في آثار هذا الحيوان المنقرض الذي اسمه مسرح
"الكلوب"، أو لدى موليير من خلال فضاء فرساي حيث قدم عروضه المسرحية.
وبإيجاز يمكنني من خلال حجرة، تماما مثل فقرة من هيكل، إقامة الجسد الكبير الحي من
ماض غريب"(10).
3-3 تعريف اندري فنسطان André
Veinstein:
يميز اندري فنسطان، في الإخراج المسرحي وشرطه الجماليLa Mise en scène et sa condition esthétique،
بين نوعين من الجمالية المسرحية: الجمالية المسرحية عموما التي يسميها بالأحرى
"جمالية درامية"، و"جمالية الإخراج" بالمعنى الدقيق للكلمة.
ويتطلب وجودهما في الحالتين الربط بين ظهور الإخراج الفني وممارسته. علاوة على ذلك
فإن اشتغالهما يجب أن يتولد من فكر المنجزين أنفسهم: "إن إصلاح المسرح، وهو
الهم المشترك لدى المخرجين المعاصرين، من آثاره، إذا لم يكن إعادة النظر فيه، على
الأقل إعادة التفكير فيه. وهذا المقال، من خلال الآثار العريضة التي تتركها فيه كل
التأملات النظرية، يساهم في إبراز أنه بالرجوع إلى العمق يمكن للجمالية أن تقدم
للمسرح مساهمة ملائمة"(11).
تشكل كذلك "خلفية
التصورات والوثائق" هذه إطارا ضروريا لكل بحث جمالي له صلة "بأصل
المسرح، وتكونه، وتطوره، وطبيعته وخصوصيته، أو، مع مواضع محدودة، بعناصره: الريبرتوار،
وفن الكوميدي، والموسيقى، والديكور، والإنارة، الخ"(12).
أخيرا يمكن لجمالية الإخراج الوحيدة أن تساهم في إغناء الجمالية نفسها
بمواضيع الدراسة وعناصر التوثيق التي تتضمنها سواء تعلق الأمر بالجمالية النفسية،
أو الجمالية البنيوية، أو الجمالية المقارنة، أو الجمالية الاجتماعية، بل حتى
الجمالية العامة: "يمكن أن تبدو جمالية للإخراج كذلك كـ:
أ-
اختبار للأنظمة الجمالية العامة: حدسية،
نظريات اللعب، نظريات سوسيولوجية، الخ.
ب-
مناسبة لاختبارات ذات طابع منهجي لها صلة
باستعمال تحليلات وملاحظات ذاتية وتحقيقات.
ت-
أخيرا، مثال ذي امتياز بالنسبة للفن وبالنسبة إلى
العلم، للتعاون (...) بين الفنانين ورجال العلم، على المصلحة المشتركة للعلم
وللفن"(13).
من الجلي أن جمالية الإخراج يمكن أن تحدث جدلا va-et-vientخصبا بين النظرية والممارسة، الفن
والعلم، مع واقعية الممارسة الفنية أي المسرح كأساس ضروري. إن الجمالية الدرامية
كما طبقها اندري فينسطان وعرفها هي جمالية من نوع امبريقي، مؤسسة على التجربة
وملاحظة الأحداث والوثائق في مقابل كل فكرة جاهزة dogmeوكل مثالية.
3-4
تعريف باتريس بافيس Patrice Pavis :
بعد تعريف الجمالية بطريقة عامة يبدأ باتريس بافيس في معجمه المسرحي Dictionnaire du théâtre في إعطاء تعريف
تركيببي
للجمالية المسرحية يستعيد المعطيات المنبثقة من تاريخها مع إدماج خصوصيتها
الحالية: "تصوغ الجمالية (أو الشعرية) المسرحية تركيب النص والعرض
واشتغالهما. إنها تدمج النسق المسرحي في مجموع أكثر اتساعا: الجنس، ونظرية الأدب،
ونظام الفنون الجميلة، والنوع المسرحي أو الدرامي، ونظرية الجميل وفلسفة
المعرفة"(14).
يبدو البعد التعاقبي diachronique
لهذا التعريف واضحا وهو يعيد الاعتبار لمختلف سمات الجمالية التي اشتغلت داخلها
الجمالية المسرحية إلى نهاية القرن التاسع عشر: المظهر المعياري ("صياغة
القوانين")، واستيعاب الفن المسرحي في الأدب ("مجموع أكثر اتساعا"،
"نظرية الأدب") وإدماجه في "نسق الفنون الجميلة"، والتفكير في
الجميل ("نظرية الجميل")، وعلم الفن ("فلسفة المعرفة"). إنه
يلمح فقط إلى البعد التزامني synchronique
للمفهوم في عبارة "النص والعرض".
نسجل فضلا عن ذلك أن مصطلح "شعرية" استعمل مرادفا لكلمة
"جمالية" بالعودة إلى المدخل "شعرية مسرحية Poétique théâtrale" المعرفة في
هذا الكتاب. لقد حدد معجم المسرح Dictionnaire
du théâtre في طبعته الأولى (1980)
الشعرية بالنسبة إلى أرسطو وإلى النموذج الإغريقي كما بالنسبة إلى مختلف
"الفنون الشعرية المتمركزة حول المسرح"(15)
من الفترة القديمة إلى يومنا هذا. لقد عرفها إما باعتبارها "بحثا معياريا
يرسم القواعد من أجل بناء مسرحية ومن أجل عرضها حسب ذوق جمهور معين أو باعتبارها
محاولة لتأويل نص أو عرض يحيل على نظرية شعرية معطاة. وفي الطبعة الجديدة لـ 1996،
يسترجع باتريس بافيس هذه المميزات المختلفة مؤكدا أن "الشعرية تتجاوز بكثرة
المجال المسرحي وتهتم بأجناس أخرى غير المسرح (بالشعر
عموما)" وأنه "رغم أن الفن الشعري المطبق في المسرح يتواجه مع أحسن
العقول يجب الاعتراف أن افتراضاته المنهجية تبدو لنا اليوم قديمة وبالية
أكثر". وفي هذا الإطار يكتب باتريس بافيس أن "الشعرية لم تصبح أقل
معيارية ثم وصفية بل بنيوية ولم تستقرئ المسرحيات والعرض كأنساق فنية مستقلة إلا
في حوالي نهاية القرن التاسع عشر وخاصة في القرن العشرين..."(16).
وقد طور تعريف الانطلاق الذي يعطيه باتريس بافيس للجمالية المسرحية عبر
ثلاث مقولات كبرى:
-الـ"جمالية المعيارية l’esthétique
normative" التي تسمع العرض (أو
فقط النص الدرامي) في وظيفة معايير الذوق الخاصة بعصر (حتى و إن كانت معممة في
نظرية عامة للفنون من قبل الجمالي).
-الـ"جمالية الوصفية (أو البنيوية) l’esthétique
descriptive(ou structurale)" التي
"تقتصر على وصف الأشكال المسرحية حسب معايير مختلفة".
-"جمالية الإنتاج والتلقي l’esthétique
de la production et de la réception" التي
"تمكن من إعادة صياغة التفرع الثنائي: معيارية/وصف. حيث تحصي جمالية الإنتاج
العوامل التي تحدد اشتغال النص (تحديدات تاريخية، وإيديولوجية وعامة) واشتغال
العرض (الظروف المادية للعمل وللعرض ولتقنيات الممثلين)"، في حين أن
"جمالية التلقي تتحدد على العكس في الاتجاه الآخر من السلسلة وتستقرئ وجهة
نظر المتفرج"(17).
مع هذه الأنواع الثلاثة من الجمالية المسرحية تم إذن، اجتلاء:
-المعاني التقليدية للمفهوم (المظهر المعياري، والتصنيف، ومعيار الذوق).
-العلاقة مع النظريات الأدبية واللسانية (شعرية، وبنيوية، وسيميوطيقة).
وفي هذا الإطار يجب أن نتذكر خصوصا أن جمالية التلقي تأسست من أجل الأدب من قبل
هانس روبير ياوس سنة 1978 لتحليل التجربة الجمالية للمرسل إليه destinataire والمستجيب répondantو"المحينactualisateur " للعمل
الأدبي.
-العلاقة مع باقي الفنون (اشتغال إنتاج العمل الفني).
أخيرا يؤسس باتريس بافيس بعض العلاقات بين الجمالية ومفاهيم قريبة من
مثل الدراماتورجية dramaturgie
ونظرية المسرح théorie du
théâtre. فمن جهة تتقاطع الجمالية
والدراماتورجية باعتبارهما "متيقظتين لتمفصل المبادئ الإيديولوجية (رؤية
للعالم une vision du monde)
وللتقنيات الأدبية والمشهدية"، ومن جهة أخرى تتشابه الجمالية ونظرية
المسرح ما دامت نظرية المسرح "مبحثا يهتم بالظواهر المسرحية (النص
والعرض)".
3-5 تعاريف جاك شيررJacques
Scherer، مونيك بوري Moniques Borie ومارتين دو
روجمون Martine de Rougemont
3-5-1 تعريف جاك شيررJacques Scherer:
إجمالا، كما كتب جاك شيرر في المعجم الموسوعي
للمسرح لميشيل كورفانMichel Corvin "ليس
هناك جمالية مسرحية، بل هناك بالضرورة جماليات"(18). وبعد تعريف كلمة
"جمالية" كما ظهرت في ألمانيا سنة 1750، باعتبارها "تفكيرا حول
الجميل" يتأرجح بين اتجاهين: معياري أو وصفي، يستدعي عدة مفاهيم للجمالية
المسرحية": "هناك مثلا، واللائحة ليست شاملة، جمالية شكسبيرية يمكن أن
نسميها أيضا باروكية، وجمالية كلاسيكية أو عظيمة، منكرة ومتمددة في نفس الوقت
بجمالية رومانسية، وواقعية رمزية، وبريشتية، وجمالية للعبث، وجمالية لليومي".وأكثر
من ذلك ليس هناك في نظره توافق ممكن بين هذه الجماليات المختلفة:"لا يبدو
ظاهرا أي مبدأ مشترك للتنظيم بين مختلف الأنظمة الثانوية هذه. إن مجموع الجماليات
المسرحية ليس مقارنا بمجموع الأجسام الكيماوية الذي يكون منسجما رغم أنه غير
تام".
لقد تولد هذا التباين الأساس بواسطة الرابط
العضوي الذي يربط الجمالية المسرحية بواقعية موضوعها وبالخاصية المتباينة لهذا
الموضوع. إنه في الأخير مرتبط بتاريخ المسرح الذي يتأصل فيه: "تبدو أصالة كل
جمالية غيرَ قابلة للاختزال. إن الجمالية المسرحية، إذ ارتبطت بالواقع، تخلت في
الحقيقة عن تجاوز حدود التاريخ وأمسكت أكبر قدر من التقنيات أو الإيديولوجيات التي
تُرغَم على العمل معها وهي تبحث عن تعريفها الخاص."
إن دورها هو فقط منح "لون"، حتى
نستعمل تعبير جاك شيرر، لمختلف مكونات المسرح. وإذا كانت تذهب إلى حد إعطاء معنى
أي تأويلات تاريخية، أو أخلاقية أو فلسفية، فإن ذلك "يكون في الإطار الذي
ينتظرها فيه الجمهور. وكما أن هناك جمهورا للمسرح يتفاعل جزئيا حسب ما ينتظر من
الفرجات والذي تحدد أذواقه (تقريبا) الممارسة الفنية، هناك أيضا جمهور من أجل
الفرجة يوجه طلبُه التفكيرَ حول المسرح أو بالأحرى يولده: "إنه ينقل، بوضوح
أكثر أو أقل حسب الحالات، لونه الخاص بهندسة المعمار المسرحي، بالدرماتورحية،
بالإخراج، بممارسة الكوميدي، بالديكور، بالملابس، بالإنارة وبالمؤثرات السمعية،
الخ. في إطار ما ينتظره الجمهور، لا يستطيع إلا أن يدمج مناظر تاريخية، وخلقا، على
الأقل ضمنيا بل وميتافيزيقا. إن تأليف كل هذه العناصر اكتسب بالضرورة معنى".
عبر هذا التعريف يترافع إذن، جاك شيرر من أجل
اعتدال الجمالية المسرحية. فالجمالية في مادة المسرح دائما جزئية نسبية، وتاريخية
ونوعية. إنها لا تستطيع أن تتأسس على أي قاسم مشترك، ولا يجب عليها أن تدعي أي
واحد حتى لا تظهر "استلهاما للإمبريالية الثقافية". فشرعيتها لا توجد
إلا مجسدة في كل واحد من أنظمتها الثانوية. في هذا الاتجاه يتعلق الأمر بتعريف
جدالي وطوعا حصري للجمالية المسرحية ضد كل محاولة شمولية تسعى إلى مماثلة
الخطابات.
في مدخل
الأنطولوجيا التي نشرها جاك شيرر، مونيك بوري ومارتين دوغوجمون سنة 1982،
والموسومة بالجمالية المسرحية: نصوص من أفلاطون إلى بريخت، يتصورون الجمالية
المسرحية باعتبارها "تفكيرا حول المشاكل الكبرى للمسرح كما عيشت وعرضت من لدن
مبدعين، أو فلاسفة أو كتاب"(19). وهو
تفكير يتعلق، من خلال استقبال نصوص أساسية، بالتمهيد لطلبة الدراسات المسرحية
لإتمام "تكوينهم التاريخي، والتقني والتطبيقي" .
هذا وبعد ذكر
صعوبة "التعريف الدقيق للمجال التي تلمح له دائما النصوص" وكذا الريبة
التي يمكن أن يحدثها، بسبب "ادعاءاته المعيارية قديما"، وجود جمالية
مسرحية في العصر الحديث، يطالب الكتاب رغم ذلك بضرورتها: "إن عصرنا لم يعد
يؤمن بشكل وحيد للجمال كما أعلنت، بمضامين مختلفة، إمبرياليات ثقافية بسيطة بنوع
مقبول. لكنه لم يعد يؤمن بإمكانية رفض معنى لمجموعة من العناصر يبدو كل واحد منها
اعتباطيا ويكتسب تكوينها مع ذلك بالضرورة بنية جمالية".
يؤسس إذن، جاك شيرر، ومونيك بوري ومارتين دو
روجمون تعريفا عمليا للجمالية المسرحية يستطيع رد الاعتبار لاختلاف
النصوص:"تستطيع الجمالية أن تظهر باعتبارها الملتقى الذي ستتموضع فيه
الإعلانات الصالحة حول أساس الظاهرة المسرحية، بشرط عدم عزلها لا عن التقنيات
المتعددة، ولا عن التاريخ، ولا عن الأخلاق، ولا حتى عن الميتافيزيقا".
لقد عرفت كذلك
الجمالية المسرحية انطلاقا من مجموع الخطابات التي تشكلها مثل الفضاء التناصي الذي
توجد وتشتغل فيه، وهو فضاء مفتوح، تعاقبيا وتزامنيا، على عوالم المسرح والجمالية.
4- الجمالية اليوم:
أن نعرف الجمالية المسرحية اليوم هو أن نأخذ
بعين الاعتبار، في نفس الوقت، التطور التاريخي للخطاب النظري حول المسرح ولموضوعه
منذ الشعريات الأولى للنص الدرامي إلى نظريات العرض في القرن العشرين، وتنوع
الخطابات الجمالية المعاصرة. من وجهة نظر تعاقبية، توجد في الواقع عدة تعاريف
ممكنة، كل واحد منها صالح بالنظر إلى عصر أو نظام معينين. أما من وجهة نظر
تزامنية، فتوجد، على منوال مجموع الجمالية المعاصرة، "جماليات في طور التأسيسesthétiques en chantier " انطلاقا
منها يمكن، بدون شك، معلمة معيار مشترك، أي مهيمنةdominante
عملية بعيدا عن
كل محاولة شمولية. وفي كل مرة تكون التقاربات المؤسسة مع مفاهيم أخرى قريبة أو
مرادفة وتمكن من إجلاء التقارب.
أخيرا، إن مختلف تعاريف الجمالية المسرحية منذ
قرن تضع في المقدمة مظهرا آخر من مظاهرها أي بعدها السجالي polémique.
وكما هو الشأن في مجال الفن والجمالية بصفة عامة، يتم الحديث عن أزمة المسرح
الحديث التي تنعكس في جمالية مأزومة لا تتوانى عن الحديث عن الأزمة. فمنذ حوالي
قرن، أي منذ ولادة الإخراج وظهور المسرح الحديث، تواتر مفهوم الأزمة داخل الخطاب
حول الفن الدرامي. لقد ظهرت فكرة أزمة المسرح تدريجيا في النصف الثاني من القرن
التاسع عشر وتبلورت مع البحث المجدد للدراما من لدن زولا في ثمانينات القرن التاسع
عشر، والمستخدمة من لدن كل مريد لمسرح جديد، الذي بالنسبة إليه كان المسرح القديم
في أزمة. إن هذه الظاهرة التي يسميها جون
بييغ سارازاك Jean-Pierre
Sarrazac
"تأزيم الشكل الدرامي" هي التي تحدث، بتنوع أشكالها وبأسبابها، في منعطف
القرن ثورة جذرية "لأن هذا التأزيم للشكل الدرامي، الذي حدث في سنوات
1880-1910 بقدر ما انبثق من عوامل خارجية المنشأ (تطور الإخراج، والديكور، واللعب،
وكذلك فن الرواية والسينماطوغرافيا) بقدر ما انبثق من عوامل داخلية المنشأ تنشد
إلى البنية الداخلية للعمل الدرامي"(20).
لقد ولدت هذه الأزمة، التي مازالت بعيدة عن الحل اليوم، الإصلاحات المسرحية للقرن
العشرين، والانتقال إلى جمالية حديثة وظهور الدرماتورجيات الجديدة. وخلال القرن لن
يتخلى رجال المسرح، سواء تعلق الأمر ببريخت، ارطو، أو فيلار مثلا، عن استخدام رفض
مسرح هرم باسم الحداثة. نذكر أن ارطو مثلا يقول: "على كل حال أبادر إلى القول
على الفور إن مسرحا يطوع الإخراج والتحقيق، أي كل ما يمثل نوعيته المسرحية، للنص
هو مسرح للأبله، للأحمق، للوطي، للنحوي، للبقال، للمعاكس للشاعر وللوضعي، يعني
للغرب"(21). لقد نتجت، بدون شك،
أغلب متقدمات المسرح المعاصر باسم تجديد البحث الدائم.
يجب، في نفس الوقت، تمييز هذه الأزمة، التي تخص
الفن المسرحي وطفراته الحديثة، عن أزمة أخرى للمسرح، أكثر حداثة، ترتبط بأزمة الفن
عموما ونهاية أوهامه. في هذا الإطار يبدو كذلك التشخيص المؤسس من لدن يف ميشود Yves Michaud
بخصوص أزمة الفن المعاصر قابلا للانطباق على المسرح. يعني أن "الأزمة بعيدة
عن أن تكون أزمة ممارسات بل بالأحرى أزمة تمثلاتنا للفن ومكانته في الثقافة"
وهذه الأزمة لا تحدد فقط نهاية الفن بل كذلك "نهاية وهم الفن"(22). إننا نعيش بدون شك كذلك نهاية وهم
المسرح، نهاية حلم جميل، حلم المسرح الشعبي، المدني، أي المسرح للجميع. إن
تمثلاتنا للمسرح ولوظيفته داخل الثقافة وكذا داخل مجتمعنا هي سبب ذلك. هنا أيضا يمكن للجمالية المسرحية، رغم أنها تحت طائلة
انحراف وأنها متهمة بعدم القدرة، أن تساعدنا على التفكير في الأزمة.
يظهر إذن، أن تطبيق الجمالية المسرحية بادرة لم تجر
بسهولة لا في ثمانينات القرن التاسع عشر حيث سجلت هزات نظرية لأزمة الدراما
ولولادة الإخراج، ولا في ثمانينات القرن العشرين حيث هيمنت النظرية المعاكسة وكذلك
أعراض المسرح المأزوم، ولا اليوم حيث يجب البرهنة على أنه، لبلوغ التنوع الجذري
للمسرح، ليس هناك أحسن من المقاربة التصورية و"نتيجة لذلك يعود تقصي تاريخ
الجمالية ليدل على حقل دائم في طفرة ديناميكية"(23).
5- تعريف مقترح:
1- نجمت الجمالية
المسرحية الحديثة في نهاية القرن التاسع عشر عن ظهور الإخراج. وفي وهلة أولى مثلت
جمالية للإخراج ثم حددت مجموع التصورات النظرية المتعلقة بالظاهرة المسرحية، سواء
تعلق الأمر بالنص أو العرض. إن مجال ممارستها إذن، واسع جدا فهو يتضمن كل العناصر
الجوهرية للمسرح حيث أعيد تعريفه باعتباره ممارسة فنية: المكان، والمعمار،
والإخراج، والديكور، والممثل، والإضاءة والملابس...إنه يغطي أيضا سيرورة إبداع
وتلقي العمل المسرحي وكذا المحافل les
instances
التي ينطوي عليها: الكاتب، والمخرج والمتفرج. إن
أنماط مقارباته متعددة وتلجأ غالبا إلى مختلف خطابات العلوم الإنسانية أو النقد
الأدبي. وأخيرا تهتم الجمالية المسرحية بالعلاقة بين المسرح ومختلف الفنون من
موسيقى، وصباغة، وسينما.
2-سابقا كانت
الجمالية المسرحية تختلط مع الجمالية الكلاسيكية ومختلف الخطابات الفلسفية حول
الفن التي تقتسم معها التاريخ والطفرات والمفارقات والالتباسات. خلال مرحلة طويلة
جدا، منذ أرسطو مرورا بالقرن السابع عشر الفرنسي وإلى ثمانينات القرن التاسع عشر،
كانت تتكون أساسا من شعريات موضوعها هو النص الدرامي.
ملاحظة :
إن الترادف بين الشعرية والجمالية المسرحية،
المستعمل غالبا في الكتابات حول المسرح يوظف:
-عندما يسد النص مسد المسرح، كما هي الحال عند أرسطو
مثلا أو في حالة الشعريات الكلاسيكية.
-
عندما تستعير نظرية جمالية حول المسرح نفس مناهج النظرية الأدبية (السيميولوجيا،
البنيوية)
-
عندما تدل الشعرية على دراسة إنتاج الأعمال الدرامية سواء تعلق الأمر بالنص (منذ
القدم) أو العرض ( مند نهاية القرن التاسع عشر).
3-
من أجل بناء متن للجمالية المسرحية عبر
القرون لا يتعلق الأمر إذن، فقط بجمع كل الكتابات التي ترتبط بهذا المجال منذ
حوالي قرن بل كذلك بانتقاء وتجميع، بطريقة استعادية، كل ما يتعلق منذ القدم بالمسرح
داخل الجمالية أو الفلسفة وكذلك نصوص أخرى اعتبرت في زمانها تقنيات خالصة (حول فن
الممثل مثلا)، دون أن ننسى كل ما هو، داخل المسرحيات نفسها، تعبير عن تفكير نظري
حول المسرح.
4-إن المعيار العادي لكل هذه النصوص، أي القاسم
المشترك الذي يؤسس مفهوم الجمالية المسرحية، هو استعمال أدوات تصورية من أجل تصور
المسرح باعتباره ممارسة فنية: من أجل فهم ماله مكان، عبر أنماط وجود وقتية ومخالفة
للمسرحي.
5-أخيرا، تقتسم الجمالية المسرحية مع الموضوع
الذي تهتم به لا تجانسية مؤسسة تبرر تعددية أشكالها وتعاريفها.
(*) -
هذا المقال هو الفصل الثالث من القسم الأول من كتاب: «الجمالية المسرحية L’esthétique théâtrale» لـكاترين نوكريت
Catherine Naugrette الصادر عن Nathan/HER سنة 2000.
(**) - كاترين نوكريت
أستاذة محاضرة بمعهد الدراسات المسرحية بجامعة باريس 3 – السوربون الجديدة.
(1)-. « Faire
théâtre de tout », entretien entre Antoine Vitez et Danièle Sallenave,
Digraphe, n 8, avril 1976.
(2) -J.J. Roubine, Théâtre et mise en scène
(3) -Cité dans Veinstein (1992), p. 7.
(4) -A. Vitez, Ecrits sur le théâtre, l. L’Ecole, P.O.L, 1994,
pp. 218-219.
(5) -Becq de Fouquières (1998), pp. 9-10.
(6) -نفسه، ص 95.
(7)- H. Gouhier,
L’Essence du théâtre, Plon, 1943, p.
8- H. Gouhier,
L’œuvre théâtrale, Flammarion, 1958, p.7.
(9)- H.Gouhier,
L’Essence du théâtre, op. cit., pp
(10)-L. Jouvet, « Le théâtre et la scène, l’espace
scénique », dans H.Gouhier, L’Essence du théâtre, op.cit., p.
(11)-Veinstein (1993), p. 346
12) -نفسه،
ص 348.
(13) -نفسه،
ص 350.
(14)-Pavis (1996), p.124
(15)- Première
édition, Editions sociales, 1980, voir pp. 299-300.
(16)- Pavis (1996), p.261.
(17) -نفسه، ص 124.
(18) - J. Scherer,
« Esthétique théâtrale », Dictionnaire encyclopédique du théâtre,
dir. M. Corvin, Larousse-Bordas, 1998, vol. 2 (3 éd.), pp. 598-599.
(19) -Borie, De Rougemont, Scherer (1982), p.7.
(20) -Mise en crise de la forme dramatique
(21) -A. Artaud, Le Théâtre et son double, Gallimard,
« Folio Essais », p.61
(22) -Michaud,
(23) - D.Charles,
« Sur quelques nouvelles recherches en esthétique », Esthétiques en
chantier, revue d’esthétique, n 24/93, éd. Jean-Michel Place, p.7.