ص1       الفهرس 91-100 

 

الفرد واستيطيقا الوجود

 

حسن أوزال

عندما نسائل الإنسان بإعتباره فردا([1])، فإنما نسائل أنطولوجيته الجمالية. فلا يتعلق الأمر بالتسائل عن الإنسان من حيث هو فرد، ولا بالتماس تعريف ممكن له من خلال مفهوم الفردانية بقدر ما يتعلق بالكشف عن ذلك المستوى الذي يبدو فيه الإنسان نمطا من انماط التجلي متميز بداته أي كأونطي بلغة هيدجر. ليس السؤال إذن هو ما الفرد؟ بل هو ما الحيز الأونطولوجي المنفسح أمام كل إنسان بإعتباره فردا لإختبار فردانيته؟ وما الحدود الممكنة لجعل حياته نمطا من انماط تجليه و عملا متفردا بل وفنيا؟

لا مراء أن الوقوف عند هذين السؤالين لايكفي للإلمام أكثر مايمكن بإشكالنا على إعتبار أن حصر طبيعة الحيز ذاك يكاد يستحيل دونما طرق إستشكال آخر هو كيف يتم أويمكن بناء هذا الحيز بالذات؟ مادام أن وجود الإنسان لا معنى له دونما تشييد مسبق واشتغال دؤوب لما أدعوه هنا حيزا. صحيح أن أمام كل منا إمكانية للعيش بل وفسحة للوجود، لكن كل منا لا يتمتع بنفس القدرات لبلورة حيزه كما يجب وخلق فجوة كيانه كما ينبغي. ذلك أن مادعوناه بالحيز الانطولوجي ليس هو ما يميز الإنسان عن الحيوان فحسب بل هو مايميز كل إنسان عن آخر سيما وأن بداخل كل منا على حد تعبير سبينوزا، عنصرا فعالا يسميه الـ conatus: فالـ conatus  هو ذلك الجهد الكامن في كل موجود والذي بواسطته يستطيع هذا الأخير ان يستمر في وجوده متميزا عن باقي الموجودات. وبقدر ما يعي ذاته بقدر ما يغدو رغبة désir أي شهوة appétit واعية بذاتها. وإذا سلمنا سويا بكون الـ conatus  والرغبة يناسبان الإثبات الديناميكي لوجودنا، فالرغبات الإنسانية معرضة للتغيروالتبدل، جراء ماقد يطالها من عوامل خارجية : فنحن باستمرار تحت تأتير القوى التي نرتبط بها بالضرورة، ما دمنا أجزاء لا تتجزأ عن الطبيعة. على هذا النحو إذن تنولد العواطف باعتبارها المغيرات المحددة لوجودنا أيما تحديد. فعندما تتغير قوة الفعل الخاصة بجسدنا جراء عوامل خارجية، حينئد فقط يضحى نشاط الإنسان محددا بهذه الوقائع، وفي هذا السياق لا غير نستوعب معنى العاطفة. أمر طبيعي إذن أن يكون الفرح والحزن هما العاطفتين الأساسيتين ليس باعتبارهما منبع سيلان باقي العواطف فحسب لكن باعتبارهما أيضا العاملين المؤترين في الحيزالأنطولوجي الخاص بكل إنسان فرد، اما سلبا أو إيجابا. وعلى نحو ما هو الفرح* انتقال إلى درجة عليا من درجات الكمال وإيجابي على الدوام على نحو ما هوالحزن انتقال بالفرد إلى درجة أدنى وهو سلبي باستمرار " فكل فرد يملك من حيث هو نفس وجسد ما لا نهاية له من الأجزاء التي تنتمي إليه في ظل علاقة ما مركبة إلى حد ما.يبقى مع ذلك أن كل فرد يكون هو ذاته مركبا من افراد من مستوى أدنى ويدخل في تركيب أفراد من مستوى أعلى. يكون كل الأفراد داخل الطبيعة كما لوكانوا فوق مستوى إتساقي يصوغون شكله التام المتغير في كل لحظة "[2] ويشكلون الحيز الأنطولوجي المرصود لكل منهم باعتباره متأترالا محالة بالتقاء الأجساد، وسط الكون مادام أن كل حدث لا يعدوأن يكون مجرد التقاء وصيرورة، تأتير وتأتر. وإذا كانت التجربة الإنسانية معرضة في معظم الأحوال للحزن ومراسيمه (الذحل، الحقد...) بدءا من آدم آكل التفاحة مرورا بابنه قابيل قاتل أخيه هابيل، وصولا حتى الحروب المتواترة كما لوكانت الحرب بالفعل أم  الأشياء، فذلك ليس إلا لكون جوهر الطبيعة البشرية الذي هو الرغبة والعواطف في منأى دائم عن الفضيلة. لكن ماذا نعني بالفضيلة؟ لا تفيد هذه الاخيرة في اعتباري التصور العقلاني للحياة كما هو مشاع عادة في عدة مذاهب. فأن تكون فاضلا هو ما يعني على الأقل بالنسبة لي ان تكون على دراية حقيقية بعواطفك وذلك بفضل مجموعة من الافكار والمفاهيم الدقيقة أي الواضحة والمتميزة. فلما نتوفر على أفكار واضحة بخصوص مايجري بداخلنا، حينها فقط نستطيع أن نتحكم فيما يتولد عنها من إفرازات وان نوجهها بحسب تقنيات التحكم في الذات. على هذا الأساس راحت الفلسفة بخلاف الدين منذ بدايتها تروم تحرير الإنسان من أنطولوجية الهم كما الألم والخوف من أشياء لاتفتأ تنفلت من سيادته. ومن أجل ذلك شرع الفلاسفة كل حسب رؤاه يحصر الحيز الأنطولوجي الخالي من الأحزان أو على الأقل الأكثر خلوا منها. فبدأ التفكير في العلاقة الممكنة التي على الإنسان ان يشيدها مع حيزه مادام هذا الأخير هو ما يحدد ماهية الإنسان باعتباره كذلك. فكان من البداهة بمكان أن تختلف المقاربات وأن تتباين التصورات. فبنظر الرواقيين على سبيل المثال بوسعنا القول بأن هذا الحيز يتحدد حالما أفلحت الأنا في التمييز بين ما يتوقف علينا وما لا يتوقف علينا. لذلك يفصل Chrysippe  مثلا بين نوعين من العلل، ساعيا من وراء ذلك إلى إثبات تصور يٌقر بالقدَر ويكاد يخلو من الضرورة. فلجأ يفصل بين العلل الرئيسية والتامة causes parfaites et principales  والتي هي العلل المحايثة لنا والمتوقفة علينا وما بين العلل الزائدة والقبلية التي لاتتوقف علينا وتدخل ضمن مايدعى بالقدر. ويضرب لنا مثلا بخصوص تصوره ذاك مؤكدا على أن سلسلة من العلل القبلية هي مثلا ما يتسبب اليوم في المطر، لكن العلل الرئيسية والتي تتوقف علي سوف تكون هي تلك العلل التي بموجبها سأتصرف على هذا النحو أوذاك وأنا تحت المطر: فأنا لست حرا في إيقاف المطر أوعدم إيقافه، لكني حر في أن أتصرف بهذا الشكل أوذاك أمام هذا الحدث الخارجي، إذ علي فقط تتوقف التصورات التي أتبناها. ولتوضيح أطروحته بشكل أفضل يستعين          Chrysippe بمثالي المخروط le cone  والاسطوانة le cylindre : فبفضل قوة خارجة عنهما يستطيع كل من المخروط والأسطوانة أن يتحركا لكن بفضل بنية تتوقف عليهما وعليهما فقط يستطيع كل منهما ان يتحرك على حدة وبطريقة خاصة به. " فبفضل الطبيعة المميزة لكليهما تتدحرج الأسطوانة ويدور المخروط. وعليه فإذا كان الذي يدحرج الاسطوانة يزودها بحركة الإنطلاق، لكنه لا يحدد لها طريقتها في التدحرج، فالتصور الذي يحل فينا هو ما ينحث في عقلنا بالمثل صورة ما، لكن موافقتنا عليه وتبنينا له هو بالأحرى ما يبقى وقفا علينا. إذ بوسعنا أن نتصرف بالتالي بحسب قوانا وطبيعتنا الخاصة مثلما هو الشأن بالنسبة للأسطوانة المحركة بواسطة علة خارجية "[3]  الظاهر بالنسبة للرواقية ألا وجود إلا لأفراد يتمايزون ويتميزون عن بعضهم البعض وعليهم في نفس الآن أن يستقلوا عن العالم الخارجي. وبتمييزهم بين هذين النوعين من العلل يكون الرواقيون قد شيدوا تصورهم الواضح بخصوص الحرية الإنسانية، محددين في الآن معامعنى ومغزى أن يكون المرء حكيما. فالأحمق هو من يعتقد بأن حرية الإنسان تقتضي أن تجري الأحدات بحسب أهوائه وعلى حد تعبير ابكتيت، فالحمق والحرية لا يجتمعان أبدا، فالحرية بإعتباره ليست شيئا مفضلا فحسب بل هي أكثر الأشياء معقولية ولاشيء أكثر اعتباطية ولا معقولية من بلورة رغبات متهورة، والرغبة في أن تجري الأمور كما كنا نتصورها من ذي قبل. فعندما يكون علي أن أكتب كلمة  Dion مثلا، ينبغي علي أن أكتبها ليس كما أريد لكن كما هي ودونما أن أغير فيها حرفا واحدا. الحرية إذن تقتضي قبول حدوث الأشياء ليس كما تريد أنت بل كما يحدث لها أن تقع "[4] ولعل نشدان الحرية عند الرواقيين على ما يظهر، فسحة للتخلص من صيحات الالم ورسم سبيل الفرح الذي وحده يرفع من شأن الحيز الأنطولوجي، ويجعل الكائن يغدو في مستوى ما يقع. من أجل ذلك أبدع هؤلاء تقنيات التحكم في الذات وضمنوا بذلك استماتثهم أمام جسامة الأحداث. لقد ابتكروا ما كانوا يدعونه بالخطابات الصحيحة والتي كانت بمتابة العدة الكفيلة لمواجهة الآلام والشرور. فالفكر في اعتبارهم ملزم على الإشتغال على نحو يغدو فيه مصفاة دائمة للتصورات أكثر منه امتحانا يبغي معرفة مقدار ما يصدر عنا من الأخطاء وتصنيفها بحسب القواعد الموجهة للسلوكات. لذلك يوصي ابكتيت بأن نتعامل مع ذواتنا على منوال الحارس الليلي veilleur de nuit  الذي يراقب أبواب المدن والمنازل، كما يقترح أيضا أن نتعامل مع أنفسنا مثلما يفعل الصراف argyronome  أو"الناقد" الذي لا يقبل أية قطعة نقدية حتى يتأكد من قيمتها " لاحظوا أننا ابتكرنا طريقة فنية فيما يخص المجال النقدي، وبأن ثمة تقنيات يعتمدها الصراف لفحص القطعة النقدية، فهو من يستعمل العين واللمس والشم وأخيراالسمع، يرمي الفلس أرضا وينصت إلى الرنين الذي سيحدثه، فلا يكتفي بطنطنته مرة واحدة بل يعيد الكرة مرات عديدة متوسلا الأذن كالموسيقار، وللأسف يؤكد إبيكتيت، فهذه الإحتياطات التي نتخدها بمحض إرادتنا لما يتعلق الأمر بالنقود نهملها حينما يتعلق الامر بأنفسنا [5] . وعلى ما يبدو فهذا الإنشغال بممارسة الذات قد عرف في صيغة العمل الزهدي للذات على نفسها، تطورا كبيرا عند الرواقية كما أوضحنا، إذ جعلوا منه القاعدة الأساسية لفن العيش. وبقدر ما يتعلق الأمر بالنسبة لسينك "بالعودة إلى الذات" و "بناءها" (de la beauté de la vie)، أي أن يكون المرء بداخل ذاته "وسعيدا من أعماق نفسه (lettre à luculuis)  بقدر ما يتعلق الأمر بالنسبة لإبكتيت  بعدم الاكتراث إلا بتلك الأشياء التي تتوقف علينا" سيما وأن المتحكم في ذاته "هو من يكون" منتبها إليها "ولا ينتظر خيرا أو شرا إلا من نفسه.

إن هذا النمط من العيش والذي يتجلى عبر تقنيات العيش المختلفة والمتنوعة التي كان يتميز بها المجتمع الإغريقي والروماني، هو بمثابة التصور الغريب والمدهش الذي ظل يحكم لفترات طويلة علاقة الإنسان بنفسه وعلاقته بالآخرين. لكن لا شيء مع ذلك يسمح لنا بالحديث سلفا عن وجود استيطيقا جمالية يتشاطرها الجميع حينئد، خاصة وأن معظم أعضاء المدن ما يزالون محرومين من وعيهم بذواتهم كما من استقلالهم في اتخاد القرار عن الجماعة.


6 ثمة إذن تضارب بين مسألة بناء الذات، وتشييد صرح الحيز الأنطولوجي من جهة ومسألة الإنخراط الإجتماعي والإنتماء للمدنية من جهة تانية. لكن إذا ما استحضرنا marc auréle نجد أن الدعوة إلى الإرتباط  بالذات لم تكن لتوجد دونما واجبات اجتماعية اجبارية. فالخير الأسمى بالنسبة لكائن عاقل إنما يكمن بحسب marc auréle في أن يعيش ضمن المجتمع، والحكيم هو من يكون مُهما بالنسبة للمجتمع" هكذا يتضح ألا قيمة للجزء دونما الكل في المنظور الرواقي، وفكرة العيش في ارتباط بالذات ومن أجلها لا تتماشى وإرادة التحرر من كليانية المدينة. هنا تتحدد نقطة الوصل مابين مسألة السياسة ومسألة الإيطيقا بحيث ينبغي التفكير في السلطة السياسية بموضعتها داخل سؤال عام هو سؤال الحكمانية. الحكمانية باعتبارها حقلا استراتيجيا من علاقات القوى فيه يتبلور مادأبنا على تسميته بالحيز الأنطولوجي بحيث تتقاطع مسألة العودة إلى الذات revenir à soi   بمسألة التحرر se libérer. التحرر لا من الطابوهات فحسب بل من كل ما يحول دونما تشكل ما ندعوه بالجسد الحداتي مصدر المتعة. إذ المتعة أس الوجود بل هي الجواب عن مسألة قدرات الكائن من حيث هو جسد. سيما في عصر عدمي أكثر خصوصية موسوم بنهاية الخطابات الكبرى تلك التي شخص" ليوطار" بوادرها، أقصد تلاشى الدين والماركسية وبعض الخطابات الأخرى كالتحليل النفسي العائد للسبعينات، بل ولمفاهيم من قبيل الفرد والدولة الوطنية التي حولها تأسس في عز، ق. 16 نوع من فن الحكم، إنفصل فيه جدريا ولأول مرة، القطب الثلاثي الذي كان مؤسسا لتصور القيادة pilotage  عند الإغريق، فأضحى حكم الذات مستقلا عن الطب كما عن مسألة حكم الآخرين.

بناء عليه ألسنا اليوم أحوج مانكون، أكثر من أي وقت مضى، إلى استعادة السؤال السبينوزي: ما الذي يستطيعه الجسد؟ بل إليه ينبغي أن نضيف أسئلة من قبيلا : ماهي قدرات الجسد الجديدة؟ لمَ تشبه إمكانيات الوجود هاته؟ والتي طالما أكد نيتشه على أنها ما يستوجب الإبتكار. ليس بإنتاج نوع من التفكير المثالي إضافي، في صيغة فينومنولوجيا وصفية لجسد مثالي مايزال أفلاطوني، إتنينيا تسكنه روح محاطة بلحم مدنس، بل بإرساء قواعد جسد حداثي لا نسقط عنه حيازته للنفس أو الروح بإعتبارها كما يلح ميشال أونفراي روح ذرية âme atomique  ، لأن قلبي ليس هو عيني التي ليست بدورها قدمي ... فتمة أعضاء مختلفة لكن روحي فضلا عن ذلك تقوم على أساس تنسيقات فريدة إلا أنها وهذا ما لا شك فيه، تنسيقات محض ذرية ليس إلا. يدخل إذن سؤال الحيز الأنطولوجي الذي دأبنا على بلورته، ضمن ما يدعوه فوكو بالحكمانية باعتبارها حقلا استراتيجيا من علاقات القوى كما أسلفنا عبرها يغدو الجسد قادرا على إنتاج اللذة أوعدم إنتاجها. من ثمة دعوتنا إلى إقامة نوع من الأخلاق المتعية أو لنقل نوع من السياسة الإباحية بواسطتها فقط نستطيع لا بناء ذواتنا ومقاومة كل أنماط طغيان السلطة السياسية فحسب بل استعادة تلك الدلالة الجسدية التي عليها ينبغي أن نراهن حينما ينهار كل شيء من حولنا.

 

الهوامش

 



-1 نص المداخلة التي شاركنا بها في ملتقى ربيع الفلسفة الرابع، حوار الثقافات "الفلسفة ومسار العالم: من التنوير إلى الحداتة" وذلك أيام 10-11-12 مارس 2005 بفاس

* Aimer c’est se réjouir selon   Aristote

[2]- جيل دولوز- كلير باريني، حوارات في الفلسفة والأدب والتحليل النفسي والسياسة ترجمة عبد الحي أزرقان – أحمد العلمي إفريقيا الشرق 1999 ص 78

[3] Cicéron, de fato, X V III, 42, X IX, 43

[4] Epictéte,  entretiens, I, 35 nous citons la traduction A. DACIER.    

[5] Michel Foucault, histoire de la sexualité III. le souci de soi Ed. Gallimard, 1984, p : 87.

6idem.