"في
الرواية العربية" التأويل والمؤسسة
أو نحو تفكيكية مستنيرة
1 –
إن كنت قد اخترت عبارتي التأويل
والمؤسسة عنوانا لمقالتي[1]
فذلك لأشير منذ البدء إلى جاذبية الإشكالية الضمنية لكتاب الناقد والباحث أحمد
اليبوري[2].
وهي جاذبية تجد صداها الظاهري في التقارب الصوتي للعبارتين من خلال دالهما
اللاتني: Institution et interprétation حيث ترنان جناسيا، الوحدة في الأخرى وتفتحان أفقا رمزيا للتأمل
والتفكير، ذلك أن التأويل بما هو معرفة والمؤسسة بما هي سلطة، يشكلان ثنائيا
متمفصلا وإشكاليا، حظي بدراسات معمقة في مجال تفكيك وتفسير الأنظمة والخطابات من
قبل نقاد ومفكري الحداثة، وما بعدها. ومن ثم انتساب الكتاب لحقل الدراسات الأدبية،
التي ترى بأن النقد الجدير بهذا الاسم، نشاط معرفي ونهج للكشف، وليس مجرد تأمل
نظري معزول عن النسق الثقافي.
ضمن هذا الأفق إذن يطرح الباحث أسئلة حول تكون الرواية
العربية في تفاعلاتها مع المجتمع وتقاطعاتها مع أنماط الإنتاج وصيغ التلقي. وكذا
أسئلة حول التحليل النصي الملائم لخصوصية الرواية بقيمها المعرفية والجمالية،
والمستجيب لتكوينها المعقد وبنائها الرمزي. إضافة إلى أسئلة الاشتغال الأطروحي في
ترابطاته مع موضوعتي الحرية والوعي القومي، وإحالاته على المداولة المفترضة
والدقيقة بين بنيات الفن والتاريخ.
2 –
ولأجل تقديم أجوبة نقدية عالمة ومقتصدة عن هذه الأسئلة
وغيرها، يقترح الكتاب مجموعة من المنظومات القرائية، واصفا مواقعها ومجال
انطباقها، مختبرا مردوديتها وكفاءتها التفسيرية، وبالتالي قدرتها على التنظيم
والإنتاج. ومن ثم تجميع عناصر التحليل وفق مباحث صغرى ثلاثة، هي:
2-1-مبحث المؤسسة: من خلاله يقارب الباحث مسألة تكون الرواية
العربية، التي شغلت النقد العربي الحديث، وارتبطت بحكايات المصادر والأصول، مجانبا
لتصور المركزية الغربية الذي يرى في الرواية العربية هبة من التمدن الأوروبي،
ومنسبا لمنظور الأصالة التجريدية والمغلقة المختزل لإشكال التكون ضمن المكتسب
السردي التراثي المتحقق في النصوص النثرية التخييلية والحكائية القديمة. ومن ثم
اعتبار الباحث الرواية العربية مؤسسة منغرسة في المجتمع وفي الثقافة والأدب.
اعتبار تكونها منبثقا عن عوامل داخلية تشمل اللغة والمتخيل، وأخرى خارجية تستوعب
المثاقفة. ولدعم هذه الفرضية "المتوازنة" يقترح الكتاب نموذجين شارحين
لعلاقة المؤسسة بالرواية. أحدهما يتعلق بكتاب "حديث عيسى بن هشام"
المتراسل مع الخطاب النهضوي المنتمي لمؤسسة اجتماعية وثقافية عربية جديدة
وإصلاحية. والآخر، يتعلق بدراسات ومترجمات وروايات "فرح أنطوان"
المتبنية لقيم وخصائص المؤسسة الأدبية الغربية، وتحديدا الفرنسية. ومن الخلاصات
الهامة التي ينتهي إليها البحث في الموضوع، كون الرواية العربية في تفاعلها مع
النموذج الروائي الغربي ظلت موصولة بالتراث السردي العربي، بشكل أتاح الاحتفاظ
النسبي بأنساق ثقافية وحقول رمزية واسمة لأصالة المحكي العربي.
ولأجل توسيع هذا الحل "الثقافي" للإشكال، نلمح إلى
أن وعي النص الروائي العربي لنفسه، يدعو إلى حركة نقدية كاشفة عن أبعاد ورمزيات
الكتابة التاريخية والحضارية من خلال شروط تكونها الداخلية، وعبر حوارها المتجاوب
والمتوتر مع الآخر. وضمن هذا السياق، يمكن لنقد ما بعد الاستعمار (النقد ما بعد
الكولونيالي) أن يسهم في تفحص الإشكال من جهة تحليل الموضوع الاستعماري. فهذا
فرانزفانون تمثيلا، في كتابه المعذبون في الأرض(1961)، والذي تضمن مقالته الذائعة
حول الثقافة الوطنية، يصوغ أطروحة نقدية صارمة نحو الاستعمار الأوروبي، في تعاطف
شديد مع الشعوب المستعمرة، التي لم يكتف الأوروبيون، حسب فانون، بهدم حاضرها،
وإنما انبروا لماضيها أيضا، فسعوا لمحوه وتقويضه وتشويهه، ومن هنا استعادة مثقفي
وكتاب المستعمرات (العالم الثالث) لثقافتهم الوطنية والقومية، وعدم تحرجهم في
ربطها من خلال نصوص مبتكرة عديدة، بمحاتد عرقية وأصول أسطورية. فإذا سعت أوروبا
إلى فرض ثقافتها بلا حدود، فإن الرد الطبيعي هو تشبث مثقفي البلاد المستعمرة
بالثقافة الأصلية بلا حدود أيضا، إذ مبادلة العنف الثقافي لا تكون سوى بعنف مضاد[3].
ومن هنا، يمكن توسيع وإغناء فهمنا لنتيجة أساس ضمن التركيب
العام لكتاب في الرواية العربية، حيث الإلماع إلى تجاوب الرواية العربية مع
الذائقة الجمالية العربية الأصيلة من خلال سلطة الحكاية المتناصة مع ذخيرة الصور
السردية المبذورة في "الليالي"، وكذا محكيات وأحدوثات وخوارق السير
البطولية، والقصص الشعببية، والنصوص الرحلية..
هكذا يفسر الباحث أفعال المؤسسة وتأثيراتها في توجيه الخطاب،
والقراء والنصوص والعلامات والتأويلات نحو نماذج وأنساق وتصورات يتخلق بها الذوق
العام، وتتشكل بها الصياغة الجمالية والقيمية والمعرفية. فتصبح تبعا لذلك خطابات
مكرسة، وقيما ثقافية وفنية مشروعة، وأنظمة اجتماعية مهيمنة. إذ النصوص والعلامات
متموقعة في المجتمع، جاذبة لإدراك وانتباه المتلقين. وبطريقة تواجدها هذا، تضع
قيودا على إمكانات تأويلها. وفضلا عن هذا فالنصوص من حيث الأساس المقصدي أدوات
سلطة، وليست أدوات تبادل ديموقراطي، إذ كل نظام نصي يسعى لإزاحة نظام آخر من خلال
امتصاصه وتفكيكه واطراحه[4].
واستنادا لكشوف حفريات المعرفة، نلفي إنتاج الخطاب في كل
مجتمع يخضع لرقابة واصطفاء وتنظيم وتطفيف. وبالتالي لإعادة بنينة وفق تدابير مقيدة
وخفية بحيث يبدو فعل الكتابة نفسه تحويلا منتظما لسلطة العلاقة بين المراقب
والمراقب، بل وشكلا يضفي القناع على الوجه المادي المخيف لهذا الإنتاج المنضبط
لقيود الحظر والتنظيم والتقليص والاحتواء.
2-2-مبحث الانشطار: عبره يبني الباحث محاولة نقدية وتنظيرية،
يسمها بالمقاربة الانشطارية.وهي مقاربة تلائم بلاغة الرواية على مستوى تحليل الصور
الكبرى والصغرى الناظمة للنص، باعتبارها محكيات تفاعلية واختلافية، ومن ثم تموقعها
–أي المقاربة- بين النظرية البنائية المرتكزة على الانسجام الدلالي والمركز النصي،
والنظرية التفكيكية، المقوضة لميتافيزيقا المعنى، المدافعة عن قراءة التشظي
والتشتيت. هكذا يجلى البحث الأطر النظرية لمفهوم الانشطار كاشفا عن مرجعياته
الإبستمولية وهجراته من حقل معرفي لآخر، فضلا عن سيرته التكوينية عبر تدرجات النمو
والنضج والرسوخ والنسخ. وكذا تلويناته الدلالية والمعرفية والقيمية في البلاغة
(الجرجاني)، ونظرية الأنساق، واللسانيات، والبيولوجيا والفيزياء، وشعريات الأدب
والرواية. وإذ تفيد المقاربة الانشطارية من المنظومات النقدية المشتغلة على نحو
النص، فإنها في ذات الآن تحرص على ممارسة وعي نقدي يقظ ينتبه لفائض النظرية،
ويراعي النظام الثقافي الخاص للنص الروائي العربي، كما تنبني قيمتي التفاؤل
والتحرير. ومن ثمة بحثه في التحليل عن قيمة النص، وليس تعاليه، عبر تأويل مسنن
وعارف لحدوده. إذ القيم المستخلصة من الروايات المقروءة ليست خالصة أو مطلقة،
عدمية أو عابثة، مغتربة أو مجردة. أما التفاؤل، فيتمثل في الوثوق بوجود القيمة في
النص، والاعتقاد بجهد القراءات المتواصلة والمتجددة والحية في البحث عنها، (أي
القيم) عبر الكشف والتفسير والتنسيب والتعرية، وكذا عبر الإنماء والتقوية والإنعاش
وإعادة الخلق. بهذا المعنى، تقارب أربع روايات ضمن مبحث الانشطار الشذري المرآوي:
حكايات المؤسسة لجمال الغيطاني، جنوب الروح لمحمد الأشعري، خميل المضاجع للميلودي
شغموم، جارات أبي موسى لأحمد التوفيق. وفي مبحث انشطار البقايا، تحلل بذات
المقاربة روايات أربع أخرى، حظيت بتلق نقدي موسع، لكنه وبمفارقة ناقص من جهة تغييب
العلامات المعاكسة لتمركز الاقتصاد السردي. وهذه الروايات، هي: الشراع والعاصفة
لحنامينه، موسم الهجرة للطيب صالح، لجنة أغسطس واللجنة لصنع الله إبراهيم.
وبتقييمنا لهذا المتن الروائي نلفيه منظما ومنتقى وفق مقياس
الملاءمة حيث اختبار التصور النظري، وحضور الممارسة، وتقاطع العملي بالخطابي، فضلا
عن استيعابه لروايات من المشرق والمغرب، محققا بذلك أمنية نقدية-ثقافية عبر عنها
الباحث غداة صدور كتابه الأول "دينامية النص الروائي" المقتصر على
الرواية المغربية[5].
هذا إضافة إلى اشتمال المتن المذكور على تجارب نصية وحساسيات فنية متباينة، تطول
المنازع والاتجاهات الرومانسية والواقعية والقومية والواقعية الرمزية والتجريبية.
وتضمر خطابات التكون والنشأة والتجنس والتحديث، بشكل يفيد في تقييم تاريخ الوعي الجمالي
للنصوص في تصاد مع الحس التاريخي المنشبك بتحولات الأدب، بالنظام الثقافي وبالصراع
حول الرموز والمعنى. وهو ما قد يمكن من إدراك بعض قرائن التلاحم السري بين التاريخ
والسرد، كما قد يفيد في كشف التكوين التمثيلي للمجتمع، بحيث نكون أمام اشتباك
المخيلة بالزمن، وأمام انتفاء القدرة على تشخيص الواقع خارج مدارات التخيل.
ففي تحليل الباحث لهذا المتن إذن، يتم الإصغاء لقوة الكتابة،
ويعاد ترتيب النص، ويتم تحويل حدود البلاغي والدلالي، ومجاوزة التصور المثالي
الخالص للخطاب، إذ بالانشطار يتشقق النص ويتمزق، لكنه يتوسع ويختلف ويجاوز التناقض
نحو معنى المعنى.
فالنص، بهذا الفهم ليس بمُكْنَتِه التطابق مع ذاته، لأنه
مكسور بمحكيات وآثار وفسحات وبنيات وأعراض متشاكلة ومتباينة، متساكنة ومتنازعة،
شفافة ومعتمة. وبهذا تضعف فرضية التكون البسيط للنص الروائي، كما ينمحي التعارض
التبسيطي بين الإيجابي والسلبي، بين المركز والهامش، بين الانقطاع والتواصل، بين
الفضلة والعمدة، بين السقط والجوهر. وهذه التعارضات الثنائية التي يمكن أن تؤول
باعتبارها ميتافيزيقية، تقرأ من طرف الباحث كلحظات دوران في اقتصاد الكتابة، حيث
المعنى المزدوج بداية حركة جدلية، وحيث الصور والعلامات المعاكسة للنسق، هي بمثابة
مقاومة للهيمنة والتمركز. وفي قراءة أخرى، هي بمثابة عقد خيوط، مفارقة لاسترسال
النسيج النصي. وغير خاف أن "دريدا" كان قد أبان في "صيدلية
أفلاطون" أن النسيج نسق دفاعي لإخضاع الغياب والعنف، وأنه بالتالي، حكاية عن
أفلاطون، نوع إشكالي للوقاية، إذ يستخدم غطاء وسترا[6].
ومن ثم وجوب تشبيك خيوط هذا النسيج لمعاينة موضع العقد.
هكذا يضعف امتياز المركز بدعوى امتلائه، حيث ينبثق تفكير
نقدي تأملي وجدلي، لا يصل حد تدمير النسق على شاكلة غلاة التفكيكية، بل يقول حصرا
بتنسيبه وخلخلته وتلوين دلالته، عبر اللامفكر فيه والمسكوت عنه، والمكبوت والرمزي
والخيالي والاستيهامي، المبثوث في الصور والاستعارات والتفاصيل والبقايا والهوامش.
في المنبوذ والمقموع والمقصي، في المنسي والأخرس والسري. فلأجل كل هذا، يمارس
الباحث الإصغاء التحليلي، منيرا بنظره النقدي الأجزاء الصغيرة للرواية، تلك
"التي لا يلتفت إليها رغم وقوعها في دائرة البلاغة النوعية للرواية، وارتباط
بنيتها العميقة ولو جزئيا بالاستعارة والكناية والمجاز المرسل في إطارها
السردي" (الكتاب، ص66).
ولا شك أن تقليد اللوغوس مسؤول عن اعتبار هذه
"البقايا" و"الشوائب" rebut لا قيمة له، وهامشا غير ذي وظيفة. والحال أن المقاربة الانشطارية،
متضامنة مع التحليل النفسي، تعلمنا أن جزءا ما لا دلالة له ظاهريا، يمكن أن يضمر
ما هو "أساس". لأن مركز الاهتمام الذي تشتغل فيه الطاقة يكون غالبا
محولا ومنظما وفق قانون الرقابة. ومن ثم إعادة الاعتبار لما هو مهمل ومنبوذ في عرف
أنظمة الخطاب المؤسسية، وفي تقليد النظريات النقدية المعيارية. إذ لا مندوحة من
استحضار "الآخر"، القابع في تجاويف الآثار والرغائب والأشكال، حيث الهمس
والجنون والحلم والرؤيا والصمت والبياض والكلمة والشذرة والنسيان والذكرى والغرابة
المقلقة.. فبهذا تظهر اقترانات المعنى بالقوة، وأرشيفات ونسخ الصور وأنماط التمثيل
وخطاطات المتخيل وصيغ الخطاب. داخل هذا الإصغاء التحليلي إذن يهتم الباحث بمقدمات
النصوص الروائية، التي طالما اعتبرت ثانوية وتمهيدية قياسا إلى المسمى "نصا"
و"متنا". لذلك تتم العناية بالوضعية الدقيقة والغنية لمقدمة رواية
"حديث عيسى بن هشام" من خلال التركيز على طبيعة المؤسسة الأدبية الراعية
لقيمها الثقافية والأخلاقية، وكذا بيان مقاصدها الجمالية والقيمية المشروطة بروح
العصر. وإذا كان التفسير البلاغي يوجه المقدمة نحو التمهيد للنص، إذ يجعلها مقروءة
حتى ولو قطعت عن النص المعطوف عليها، وحتى لو تم تلقيها ضمن ترتيب خطابي آخر، وضمن
اقتصاد غير خطي بحيث تبدو علامة منفلتة من الثنائية المتقابلة، لأنها ليست لا
داخلة ولا خارج الكتاب. وعبر هذا الإنتاج الجديد للقراءة النقدية، يتعزز منظور
الاقتصاد النصي، الذي يواصل ويدعم اشتغاله من خلال مقاربة العناوين بما هي نصوص
شذرية وواصفة. طالما عوملت كإضافات ونوافل. غير أن المقاربة الانشطارية تعيد
تدوينها ضمن النص، لتدرجها ضمن اقتصاد التأويل كاشفة عن إشعاعها العلامي كما في
خميل المضاجع وجنوب الروح، وكذا دلالتها التناصية كما في "اللجنة"،
ومعناها الثقافي-التاريخي كما في "حديث عيسى بن هشام". بل إن إغراء
قراءة التفاصيل يبلغ درجة تفكيك الكلمات الصغيرة، من قبيل كلمة
"المنصورة"، المضمنة برواية "الشراع والعاصفة" والمحيلة على
شختورة الطروسي المحطمة(الكتاب، ص100). إذ تخفي التسمية نقيضها، لتشهد انشقاقا
رمزيا ضمن مشهدها الخاص، المقترن بترهيناتها النصية، حيث الإيحاء بمفارقة النصر
والهزيمة. بهذا، تتموقع العلامات الضدية ضمن المنطق الرجراج للنص، بحيث يكشف
الباحث عن إنتاجها لجدلية المعنى وحوارية الحركات والأفعال السردية. هذا، فضلا عن
توليده وإعادة بنائه لمفاهيم مركبة تشير إلى الإثبات والنفي. بحيث نصبح أقرب إلى
تلك المفاهيم المضادة الواعدة بالقراءة الطباقية. فالانشطار انقطاع واتصال، تمزيق
والتئام. والتفكيك هدم وانفتاح، والرواية حكاية وكتابة، إيديولوجيا ومعرفة، معنى وغياب،
والعتبة ذات وتمزق، والنفس وحدة وانقسام. وإلى هذا ينتبه الباحث في تحليله لشخصية
سارد "اللجنة"، الذي "لمس في أعماقه شعورا بالارتياح لفشل
التجربة"، كأنما –يقول السارد-: "كان ثمة جزء من نفسي يخشى على نفسه من
نجاحي". وإذ يستشهد الباحث ببيتين شعريين مذكورين بلسان العرب، يعقب قائلا:
"فالنفس نفسان، حسب الموسوعة اللغوية المشتركة، والعامل الذات عندما ذكر بأنه
بدأ يأكل نفسه، ففي ذلك إشارة إلى كبح النفس التي تدعو للتواطؤ والتعاون
والاستسلام للجنة مخابراتية أجنبية" (الكتاب، ص119).
ضمن هذا الأفق تطفو صور وتحليلات النقد النفساني، الذي يعتبر
حليفا ثمينا للمقاربة الانشطارية، إذى يحضر الانشطار في المتن، جسدا كان أم نصا.
بحيث تدمج المفاهيم النفسانية ضمن المنظومة القرائية والتأويلية المقترحة، منضبطة
في ذلك لمبدأي الملاءمة والانفتاح. لذلك يتم إرهاف وتحفيز كثير من المفاهيم: مبدأ
اللذة، الشهوة، العنف، التدمير، الألم، ضعف الأم، العضو الذكوري، العضو الأنثوي،
الشبق، الجنس كمنبع للحياة والوجود… إلخ.
2-3-مبحث الأطروحة: به ينتقل الباحث إلى تأمل منظور جديد
للرواية العربية المشتغلة على موضوعتي الحرية والوعي القومي، محللا ضمن هذا السياق
روايات البحث عن وليد مسعود لجبرا إبراهيم جبرا، وسبعة أبواب لعبد الكريم غلاب،
والنار والاختيار لخناثة بنونة، ورفقة السلاح والقمر لمبارك ربيع. ومن النتائج
الدالة التي يستخلصها هذا المبحث، تنسيب الطرح المدافع عن الرواية بوصفها أداة
هيمنة بورجوازية، من خلال ترهين وتنمية القناعات المتأخرة لغولدمان القائلة
بالطابع النقدي والمعارض للرواية المرتبطة ضرورة بوعي جماعة ضيقة ومصنفة، ناهيك عن
معارضة الباحث لتبني مفهوم البطل الإشكالي الواصف لشخصيات مشتقة من الكلية
الاجتماعية المحكومة بالنظام الليبرالي الرأسمالي، المفارق لشروط المجتمع العربي
وبنياته الثقافية. وكذا معارضته للتكون الطبقي للرواية العربية انطلاقا من اختبار
العلاقة العضوية والبنائية بينها وبين الوعي القومي، وهو ما يقرن الأمة بالسرد.
بشكل ينبئ عن وعي نقدي مبكر بتلك العلاقة المدهشة، التي صاغها بتوسع الناقد ما بعد
الاستعماري "هومي بابا" في كتابه الموسوم بذات العبارتين، الأمة والسرد
ولنا أن ننتبه هنا أيضا، كما في البدء، إلى هذا الجناس الصوتي الذي يرن في
أسماعنا، ويدعونا مرة أخرى لعميق التأمل والتفكير، إنها العلاقة ذاتها التي أكدها
الناقد العربي الفلسطيني إدوارد سعيد في كتابه الأخير الثقافة والإمبريالية، حيث
اعتبر القوميات عموما، ومنها القومية العربية، سرديات لا أكثر.. حيث التباس
المخيلة بالحقيقة التاريخية[7].
3 –
في هذا الضوء، يجترح الباحث تجربة قرائية مسندة بالوعي
النقدي، المناهض للصفاء التجريدي والكلية المغلقة، وذلك بفضل انتباهه للمعضلة
الإبستمولوجية المنبثقة عن النظرية وتطبيقاتها، واشتغاله على التقريب بين موضوع
المعرفة بما هو مجال علمي عام، وحقل المفرد والمتحقق والعيني بما هو مجال نصي خاص.
ومن ثم الإسهام في تحرير النصوص الروائية العربية من تأويلات مختزلة وربما إسقاطية،
تترع الروايات من نسيجها، وتفصمها عن محيط حياتها، وتشتط في ملء فراغاتها، بحيث
يصيبها الضمور، فاقدة بذلك حيويتها ونضارتها، وبالتالي أثرها الثقافي والتاريخي.
وبهذا يكون النقد كما يتمثله الكتاب، وكما أقدر ذلك، ممارسة معرفية معارضة، تنافي
تجميد دلالة النصوص وحصر معناها كما ترغب في ذلك المؤسسة وحراسها، إذ المنهج ليس
سجنا نظريا يعزلنا عن الثقافة، بل هو تجربة وممارسة حية وجدلية تعي الفروقات
القائمة بين الأوضاع والسياقات، لتتموقع بين الثقافة والنسق، ضمن حركة متوترة
ومترحلة، تبحث في دلالة النص والمجتمع، كما تبحث في دلالة النظرية ذاتها. لذلك فإن
حضور الوعي النقدي شرط رئيس لمقاومة جمود النظرية ومغالاتها، وخطوة نحو تفكيك
المؤسسة برغم الانتماء إليها. وبالتالي فإن حضور هذا الوعي هو الذي يتيح أخلاقية
الكتابة والنقد، حيث الحرية والمسؤولية، واحترام القارئ، والإحالة على الأعمال
السابقة، وإنتاج قيم مستقبلية مع بناء نقدي للماضي، بعيدا اعتبار النقد غاية في
ذاته، لأن الأدب يوجد في قلب الجدلية الاجتماعية. وبعيدا عن التفكيك السلبي المضاد
للإنسانية والمادح للفراغ، كما لو كنا دوما مقوضين لشخص ما أو قيمة ما. وإذن،
قريبا من التفكيك المستنير الذي نكتشف من خلاله حياة جديدة، ونولد به بذور المعرفة
والقيم والجمال، ونفوز عبر انفتاحه بصداقة السؤال. إذ مع الانفتاح يصبح الفهم وعيا
نقديا كاشفا ومنتجا، وليس مجرد تطبيق لنظام جاهز ومغلق. ففي دائرة التأويل المبدع
والعارف والمتروي، ننتقل من اللغة إلى القيمة، ومن الظاهرة إلى النسق، ومن التقنية
إلى الرؤية، ومن التحليل إلى التركيب. وبالتالي من المعنى إلى الرمز.
[1] - استوحيت
عنوان المقال من كتاب سام فيبر Sam Weber: المؤسسة والتفسير(1987)، وكذا من موضوع الملتقى الفلسفي
المنعقد بالقدس (يونيو 1988)، والموسوم بـ"مؤسسات التأويل"، حيث شارك
الفيلسوف جاك دريدا بدراسة هامة تحت عنوان "تآويل في حرب" انظر، سياسة
ديريدا لكاظم جهاد، بمجلة الكرمل، شتاء 1997، عدد 50، ص65 وما بعدها. وانظر
أيضا محاضرة ديريدا بالقاهرة في شباط 2000، منشورة بذات المجلة، خريف 2000، عدد
65، ص150 وما يليها.
[2] - أحمد
اليبوري، في الرواية العربية، التكون والاشتغال، المدارس، البيضاء، 2000.
[3] - انظر
فرانز فانون، معذبو الأرض، ترجمة سامي الدروبي وجمال الأتاسي، دار الطليعة،
بيروت، 1966.
[4] - إدوارد
سعيد، العالم، النص، والنقد، ترجمة د.راتب حوراني، العرب والفكر العالمي،
ربيع 1989، عدد 6، ص130 وما بعدها.
[5] - يراجع
كتاب المعرفة والمنهج، ، البيضاء، 1996.
[6] - سارة
كوفمان، روجي لابورت، مدخل إلى فلسفة جاك دريدا، ترجمة إدريس كثير، عز
الدين الخطابي، إفريقيا الشرق، البيضاء، ط.2، 1994، ص116 وما بعدها.
[7] - إدوارد
سعيد، الثقافة والإمبريالية ، دار الآداب، بيروت، 1997. انظر حوار دافيدبار
ساميان مع إدوارد سعيد، في كتاب القلم والسيف، ترجمة توفيق الأسدي، دار
كنعان ، دمشق 1998،