ص1          السابق

 

خطاب أوباما والترغيب في التنازل

 

محمد عابد الجابري

ينتهي خطاب أوباما بخاتمة تستعيد بإيجاز، وبأسلوب دعوي سلمي، ما كان قد قرره بصدد المسائل السبع التي قال عنها إنها هي "مصادر التوتر في العلاقات بين الولايات المتحدة والإسلام". وقد جاءت هذه الخاتمة متناغمة مع أسلوب نص الخطاب ككل، من حيث اعتماد الجدل/السياسوي، الجدل الذي يوظف السياسة في القضايا السياسية كما في القضايا الإيديولوجية، كما شرحنا في المقال السابق.

 يقول خطاب أوباما في فقرة ممهدة للخاتمة: "يجب إنجاز جميع هذه الأمور عن طريق الشراكة"، يقصد ما تقدم من وعود في صلب الخطاب، ثم يضيف : إن الأمريكيين مستعدون للعمل مع المواطنين والحكومات ومع المنظمات الأهلية والقيادات الدينية والشركات التجارية والمهنية في المجتمعات الإسلامية في جميع أنحاء العالم من أجل مساعدة شعوبنا في مساعيها الرامية لتحقيق حياة أفضل.

وما يلفت النظر هو هذا التعداد لمكونات الطرف العربي الإسلامي مقابل اختصار مكونات الطرف الأول في كلمة "الأمريكيين". إن الخطاب، خطاب رئيس دولة، والمفروض أنه بوصفه كذلك يخاطب من هم في مثل وضعيته، أعني رؤساء الدول العربية والإسلامية. أما مخاطبة "المواطنين والحكومات والمنظمات الأهلية والقيادات الدينية والشركات التجارية والمهنية في المجتمعات الإسلامية" فهو نوع من تجاوز "الحدود"، ويمكن أن يحمله البعض على أنه تدخل في الشأن الداخلي لدول مستقلة ذات سيادة الخ. والحق أن الواقع يقدم ألف مثال على كون الولايات المتحدة، تتدخل فعلا بأشكال مختلفة وعلى مستويات في هذه الدول : حكومات ومنظمات الخ. والحق أيضا أن الواقع يقدم ألف مثال على وجود "شراكة"، بصورة ما، بين هذه الدول وحكوماتها ومنظماتها السياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية وبين "أمريكا، وتجدها، إن لم يكن كلها فجلها، متحالفة أو قابلة للتحالف معها! فما الداعي إذن إلى توجيه الدعوة، في خطاب أوباما، إلى هذه الحكومات والمنظمات الأهلية، للدخول في "شراكة" مع الأمريكيين؟!

أعتقد أن هاهنا تعميم يراد به التغطية على "الجهة" التي يتوجه إليها الخطاب بالدعوة إلى التعاون. وإذا نحن فحصنا "الجهات" التي تذكرها هذه الدعوة وهي "المواطنين والحكومات والمنظمات الأهلية والقيادات الدينية والشركات التجارية والمهنية في المجتمعات الإسلامية"، فسنلاحظ بسهولة أن جميع هذه الجهات تتعاون فعلا ولا تحتاج إلى دعوة، باستثناء جهة واحدة، أطلق عليها اسم "القيادات الدينية". وإذن فخطاب أوباما يدعو "القيادات الدينية" في العالم الإسلامي إلى التعاون مع أمريكا على غرار المنظمات الأهلية والشركات التجارية والمهنية". يزكي هذا كون الخطاب يلجأ إلى استحضار اسم القرآن وذكر آيات أو أجزاء منها بصورة لا تخلو من تكلف، ولا تهم في شيء "الجهات" الأخرى، أقصد "المنظمات الأهلية والشركات التجارية والمهنية. يبقى سؤال أخير في هذا السياق: ما المقصود بـ "القيادات الدينية"؟ هل تلك التي ترفع شعار "الوسطية" أم تلك التي تنخرط بصورة أو أخرى في إستراتيجية "القاعدة". أعتقد أن "ما بين السطور" يشي بأن المقصود هو هذا الصنف الأخير. إن إشارة "خطاب أوباما" إلى مشاركة الولايات المتحدة في إسقاط حكومة مصدق المنتخبة، تأييدا للشاه، كان بسب البترول كما هو معروف، ولكن التذكير بذلك اليوم لا يمكن أن يكون الهدف منه مجرد الاعتراف بأن الولايات المتحدة قد ساهمت في التوتر الذي ساد علاقاتها مع إيران، فهذا شيء بديهي. ولا معنى له في عالم ممارسة السياسة في الخطاب. لذلك أعتقد أن المقصود بالتذكير بمساهمة أمريكا، مساهمة حاسمة، سنة 1953، في الإطاحة برئيس الحكومة المنتخب الدكتور مصدق وإنقاذ ملك الشاه هو الإشارة إلى الجانب الذي دخل في "الشراكة" معها في تلك العملية، أي "القيادات الدينية" وعلى رأسها آية الله الكاشاني. وهذا معناه أنه كما تعاونت أمريكا من قبل مع القيادة الدينية في إيران من أجل الإطاحة بالإصلاحيين آنذاك، حفاظا على مصالحها البترولية، يمكن أن تفعل الشيء نفسه، مع أية قيادة دينية أخرى، في إيران أو غيرها، تتخذ الموقف نفسه، إذا اقتضت ذلك حماية المصالح الأمريكية.

بعد هذا ننتقل مع خطاب أوباما إلى خاتمته.

يستهل خطاب أوباما خاتمته بالإشارة إلى المسائل السبع التي شكلت فيه صلب الموضوع، قائلا: "إن معالجة الأمور التي وصفتها لن تكون سهلة ولكن علينا مسؤولية أن نتحد ونعمل معا لتحقيق العالم الذي نطمح إليه".

ثم يحدد مواصفات هذا العالم في خمس كما يلي:

1- "عالم لا يكون فيه شعبنا واقعا تحت تهديد المتطرفين".

2- "عالم يكون فيه الجنود الأمريكيون قد عادوا إلى بلادهم".

3- "عالم يعيش فيه الفلسطينيون والإسرائيليون في أمن وأمان، كل في دولة خاصة به".

4- "عالم تستعمل فيه الطاقة النووية لأغراض سلمية".

5- "عالم تخدم فيه الحكومات شعوبها، وتحترم فيه حقوق عيال الله".

واضح أن هذا العالم الذي يدعو خطاب أوباما العرب والمسلمين إلى العمل سويا من أجل تشييده، هو "عالم أمريكا" قبل كل شيء (العنصر الأول والثاني، أما العناصر الأخرى فهي عامة ولا جديد فيها).

تشير خاتمة هذا الخطاب إلى وجود "مشككين" في إمكانية تحقيق مثل هذا "العالم"، وتعترف بأن "المخاوف كثيرة وانعدام الثقة كبير"، وتضيف: "ولكننا لن نتقدم أبدا إلى الإمام إذا اخترنا التقيد بالماضي". ولا بد من التنبيه هنا إلى أن عبارة "التقيد بالماضي" لا تحمل هنا نفس الدلالة التي تحملها عندما ترد على لسان خصوم السلفية في الفكر العربي والإسلامي الحديث والمعاصر. هذا المعنى لا معنى له في الفكر الأمريكي المنتج لهذا الخطاب. وإذن فمعنى "الماضي" في سياق خطاب أوباما هو الماضي/الحاضر، هو تاريخ الصراع العربي الإسرائيلي (اغتصاب فلسطين واحتلال أرضها وتشريد سكانها)، وأيضا تاريخ تدخلات أمريكا في إيران وغيرها خلال الحرب الباردة والآن الخ، ذلك هو الماضي الذي يدعو خطاب أوباما إلى عدم التقيد به، إلى نسيانه...

***

وبعد فقد حرصنا منذ المقال الأول في هذه السلسلة على التأكيد بأننا سنتعامل مع "خطاب أوباما" لا كخطاب يعبر عن نوايا صاحبه المنسوب إليه، بل كنص نسجته الإدارة الأمريكية بكل مكوناتها (الفهم الأمريكي للأمور، مصالح القوى الفاعلة من جمهوريين وديمقراطيين، الضغوط الممارسة عليها خاصة من اللوبيات الإسرائيلية  الخ). وهذا كله كشفنا عنه، أو اكتشفناه، من النص الذي لا يمكن اعتباره معبرا عن رأي أوباما وحده ولا عن رأي الديمقراطيين وحده الخ. إنه نص يعبر عن الموقف الأمريكي الثابت ... الموقف الذي تحدده خطوط حمر لا يجوز لأي رئيس أمريكي تجاوزها.

وإذا كان هناك من فرق بين "خطاب بوش" وخطاب أوباما" فليس فرقا في الشكل، فالشكل والمضمون هنا واحد. وإنما الفرق كل الفرق في "اللهجة"، لا غير. "خطاب بوش كان يعتمد "الترهيب" أما "خطاب أوباما" فهو، بالعكس، يعتمد "الترغيب". أما الموضوع فواحد: دفع العرب إلى "التنازل".

"ترغيب العرب في التنازل" واضح في الخطاب كله : وكما قلنا سابقا فالخطاب يعتبر المبادرة العربية، مثلا، "بداية هامة"، ولكنه يطالبهم بمزيد من "التقدم إلى أمام" على نفس الخط "لمساعدة الشعب الفلسطيني على الاعتراف بشرعية إسرائيل". لقد كان المنطق يقتضي، أن يوجه خطاب أوباما هذا الكلام إلى إسرائيل ويقول : "المبادرة العربية بداية مهمة" وعليكم أنتم أيها الإسرائيليون أن تسيروا في نفس الخط وتتنازلوا من جهتكم تنازلا يساعد الشعب الفلسطيني على الاعتراف بشرعية دولتكم".

هذا ما ليس في مستطاع أوباما  ...