المسيحية وجدت طابعها النهائي في أوربا؟
محمد عابد الجابري
واصل البابا بنديكت السادس عشر، في خطابه الشهير، حملته على التوحيد الإسلامي فقال: "إن تنزيه الله والقول بمغايرته للمخلوقات أمران قد بولغ فيهما إلى درجة أن مفاهيم العقل والحقيقة والخير تفقد وضعها كمرايا صادقة تعكس إرادة لله، وبالتالي تغدو الأسرار الثاوية وراء مشيئته الفعلية الظاهرة غير قابلة للمعرفة وخفية عنا إلى الأبد. ومقابل هذا التصوّر، فإن العقيدة التي تقررها الكنيسة تلح دائما وبقوة على حقيقة أن بين الله وبيننا، بين روحه الأبدي الخالق وعقلنا المخلوق، يوجد تماثل حقيقي: تماثل يظل معه التباين والاختلاف
(بين المثل والممثول) أكبر بصورة لا نهائية –كما قرر ذلك المجمع المسكوني الرابع المنعقد في لاتران Latran سنة 1245- ولكن دون أن يؤدي ذلك إلى محو التماثل وإسكات ما ينطق به. إن الله لا يصبح أكثر ألوهيةً عندما ندفع به بعيداً عنا، عندما نتبنى "نزعة إرادية" خالصة عصية عن الفهم" (أي تعلق كل شيء على إرادة الله).ويضيف: "بدلا من ذلك فإن الإله، الإله حقا، هو الله الذي كشف عن ذاته هو نفسه بوصفه لوغوس (كلمة، عقل)، والذي بوصفه كذلك، تصرف ويواصل التصرف، ولا شيء يحمله على ذلك غير محبته لنا. وإنه لمن المؤكد، كما قال القديس بولس، فإن المحبة تسمو على المعرفة، وبالتالي فهي أقدر على الإدراك من الفكر وحده. (cf. Eph 3 :19) ومع ذلك، تبقى المعرفة هي محبة الله الذي هو لوغوس (كلمة/عقل). من أجل ذلك كانت عبادة الإله المسيحي، كما قال بولس، عبادة منسجمة مع الكلمة الأزلية ومع عقلنا‘logiké latreia’ ، (بالإغريقية في النص) (Cf.Rom 12 :1).
ويواصل قائلا: "إن هذا اللقاء الحميمي بين العقيدة الإنجيلية والتساؤلات الفلسفية اليونانية ليس حدثاً بالغ الأهمية من زاوية تاريخ الأديان فحسب، بل هو أيضا حدث حاسم بالنسبة لتاريخ العالم، وهو يهمنا اليوم أيضا.
وبفضل هذا التقارب غدا من غير المدهش أن نرى المسيحية، رغم أصولها وبعض التطورات الدالة التي عرفتها في الشرق، قد وجدت في النهاية طابعها اليوناني الحاسم في أوربا". واستطرد موضحا: "بالإمكان قول الشيء نفسه بعبارة أخرى: إن هذا اللقاء الذي انضاف إليه تراث روما قد صنع أوربا وهو يشكل في العمق ما يمكن أن يطلق عليه حقا أوربا".***
تشكل الفقرات التي ناقشناها لحد الآن من خطاب البابا ما يمكن اعتباره القسم الأول من خطابه، وقد خصصه كما رأينا لعرض "الشهادات التاريخية" التي تزكي الأطروحة التي انطلق منها وهي "التزاوج" بين اللوغوس الإغريقي والعقيدة المسيحية. أما هذه الفقرة فهي بمثابة جسر بين القسم الأول والقسم الثاني من نفس الخطاب.
وكما هو واضح فقد خصص البابا هذه الفقرة/الجسر للتصريح عما كان ثاويا في النصف الأول من الخطاب، على صورة أجزاء حاول إثباتها من خلال وقائع تاريخية ركز عليها تركيزا على حساب التاريخ ككل. وهكذا كشف في هذه الفقرة الجسر عن ثلاثة أركان هي قوام خطابه:
الركن الأول رفض التنزيه المطلق للذات الإلهية، وقد مهد له بما ذكره عن حوار الإمبراطور مع العالم الفارسي، ثم أفصح عنه بصورة مغلفة في ما نسبه لابن حزم. وإذن فالطرف الأول المستهدف هو التنزيه الإسلامي للذات الإلهية الذي يقوم على قوله تعالى: "لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ " (الشورى 11)، وقوله تعالى: " َقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا إِلَهٌ وَاحِدٌ" (المائدة 73).
الركن الثاني: إقصاء الفرق المسيحية الشرقية. وهذا الإقصاء كان ثاويا وراء المسكوت عنها في القسم الأول من الخطاب، ثم جاءت الفقرة/الجسر لتصرح به بكلام لا لبس فيه. قال البابا: "
وبفضل هذا التقارب (بين اللوغوس اليوناني والعقيدة الإنجيلية) غدا من غير المدهش أن نرى المسيحية، رغم أصولها وبعض التطورات الدالة التي عرفتها في الشرق، قد وجدت في النهاية طابعها اليوناني الحاسم في أوربا". هكذا يستعيد البابا من جديد ذلك الصراع، الصريح حينا والهادئ حينا، الذي عرفه تاريخ المسيحية، الصراع بين الكنائس الشرقية (النسطورية واليعقوبية)، وبين الكنيسة الغربية الرومانية المعروفة في التاريخ الإسلامي بـ "الكنيسة الملكانية" (أي المؤيدة للأمبراطور).الركن الثالث: إقصاء الفرق المسيحية الحديثة المختلفة مع فرقة البابا (الكاثوليكية)، أعني الأرثوذكسية والبروتستانتية: ذلك ما عبر عنه البابا بقوله في نهاية الفقرة: "إن هذا اللقاء (بين العقيدة المسيحية والفلسفة اليونانية)، الذي انضاف إليه تراث روما، قد صنع أوربا، وهو يشكل في العمق ما يمكن أن يطلق عليه حقا أوربا". هذا يعني بصريح العبارة أن أوربا "المسيحية حقا" هي أوربا تراث اليونان والرومان، أما ما عداها فبدعة وهرطقة، بما في ذلك وجهة نظر مواطن البابا ومعاصره اللاهوتي الفيلسوف الألماني هارناك كما سنرى لاحقا...
وفي مقابل هذا الإقصاء المتعددة أبعاده واتجاهاته لم يكف البابا، في القسم الأول من الخطاب، كما في الفقرة/ الجسر، عن تكرار الإحالة إلى بولس والاقتباس منه والتنويه به. وليس هناك من سبب غير كون هذا الحواري هو الذي صاغ العقيدة المسيحية على أساس التثليث وفي الوقت نفسه قطع هو وأصحابه مع الشعائر التوراتية الإبراهيمية مثل الختان، والسبت، فاستغنوا عن الأول وأحلوا الأحد مكان السبت، ومنعوا الزواج عن الرهبان إلى غير ذلك مما صار موضوع خلاف بين اليهود والنصارى. ولكي نفهم هذا المسار ومعارجه قد ينبغي فتح قوس نكشف فيه عن خلفيته التاريخية.
***
لما قام السيد المسيح عليه السلام بنشر دعوته كان على رأس الطائفة التي آمنت به بعض يهود فلسطين فكانوا هم المسيحيون الأول، وقد استندوا في تصورهم للدين الجديد على ما ورد في التوراة. كانوا يقولون بأن المسيح هو المخلِّص الذي بشرت به التوراة وأنه رسول وإنسان كسائر البشر، ولدته مريم، كما يولد سائر الناس، ولكن بدون أب، بل ولد بنفخة من روح الله، وأنه جاء لتطبيق تعاليم التوراة سواء على مستوى العقيدة أو السلوك الديني، ومن هنا حرصهم على الختان وإقامة السبت وتحريم أكل الخنزير الخ.
ومن اليهود الذي اعتنقوا المسيحية بعد أن قاوموها واضطهدوا أهلها شخص يسمى شاوول انقطع للدعوة خارج الجماعات اليهودية، أي لدى "الأمم"، وقد سمي ولقب بسبب نشاطه التبشيري بـ" بولس الرسول". ويقول مؤرخو الفكر المسيحي إنه أول من قام بالمزج بين العقيدة التي بشر بها السيد المسيح التي تقول بإله واحد، وبين الأفلاطونية المحدثة التي تقول بضرورة الوسيط بين الله والعالم، مقيما نوعا من التوازي بين النظرية الفلسفية التي تقول بالعقل الكلي، والنفس الكلية، والهيولى أو المادة الأولى، وبين ما يعرف بعقيدة التثليث: الآب، والابن، وروح القدس.
هذا على صعيد التبشير بالدين الجديد، أما على الصعيد الفلسفي فقد كان هناك في الإسكندرية الأسقف الفيلسوف: أوريجينOrigène (Origenes), (185-254 م)، الذي تمسك بالتنزيه المطلق للإله متبنيا نظرية أفلاطون في الإله المتعالي فقال: الله روح مطلق لا علاقة له بالمادة إطلاقا، وإذا كان الكتاب المقدس (التوراة) يصف الله بصفات أو يسميه بأسماء لا تتفق مع كونه روحا مطلقا، مثل وصفه بأنه نور ونفَس وروح، فيجب في نظره أن يحمل ذلك على المعنى المجازي. أما الله في حقيقته فمستقل كل الاستقلال عن كل ما هو مادي، فهو لا يتحدد لا بالزمان ولا بالمكان، وبالتالي يمتنع علينا إدراك حقيقته أو التعبير عنها.
في ذلك المناخ الفكري، الذي عرفته مدرسة الإسكندرية الفلسفية، برز في الكنسية القبطية أسقف أصله من ليبيا واسمه آريوس Arius, Arrious (مولود سنة 270 ميلادية). تأثر بأفكار أوريجين الفيلسوف وتحمس لها وصار يدعو إليها وينشرها، فتبعه كثير من رجال الدين وجمهور الشعب فقوي مركزه. وحوالي عام323 للميلاد أعلن ثورته، على القول بألوهية المسيح، مؤكدا بشريته، مقررا أن الآب وحده هو الإله. كان يقول: "إذا كان اللـه الأب مطلق الكمال، ومطلق السمو، ومطلق الثبات، وإذا كان منشئ كل الأشياء دون أن يكون ذاته صادراً عن أي شيء آخر فإنه من الواضح أنّ كل شيء وكل شخص آخر في العالـم منفصل عن اللـه (...) وإذا كان كل شيء منفصلاً عن اللـه، فلا يمكن أن يكون هناك إلاّ إله واحد. ولهذا فلا بد أن يكون المسيح قد خلق في زمن ما. ولا بد أن يكون معرضاً للتغير والخطيئة، وأنه لا يملك معرفة حقيقة فكر اللـه".
أحدثت آراء أريوس الجريئة هذه أزمة خطيرة على الصعيدين الديني والسياسي في العالم المسيحي. فدعا الإمبراطور "قسطنطين العظيم" إلى عقد مجمع مسكوني في نيقيه (عام 325م) Concile de Nicée، لإيجاد حل كهنوتي لهذه المسألة. وقد قرر هذا المجمع طرد آريوس وأصحابه على أساس أنهم فرقة ضالة مبتدعة، كما وضع ذلك المجمع "قانون الإيمان" الذي رسَّم عقيدة التثليث.
وغني عن البيان القول إن المسيحية التي يدافع عنها البابا في خطابه هي هذه التي تسميها المراجع الإسلامية بـ "الفرقة المكانية"، نسبة إلى "الملك": الإمبراطور البيزنطي. فليس غريبا إذن أن يقول البابا : "إن هذا اللقاء (بين العقل الإغريقي والإيمان المسيحي) الذي انضاف إليه تراث روما قد صنع أوربا، وأنه يشكل في العمق ما يمكن أن يطلق عليه حقا أوربا".