ما تجاهله الحبر الأعظم..!
محمد عابد الجابري
كرر البابا في خطابه مرارا قولة الإمبراطور الروماني : "إن عدم التصرف وفق العقل شيء يتنافى مع طبيعة الله"، متهما الإسلام بعدم دعوة الإنسان إلى تحكيم العقل في أفعاله وتصرفاته.
ليس غرضنا هنا الرد عليه ببيان الموقف الإسلامي من العقل كما ينص عليه القرآن في عدد كبير من الآيات، ولا بلفت نظره إلى علم الكلام في الإسلام –وهو ما يوازي اللاهوت في المسيحية- الذي رأى فيه جميع المستشرقين مجالا للعقلانية الإسلامية التي ذهب بها المعتزلة إلى حد أن جعلوا من مبادئهم أن "العقل قبل ورود السمع"، وأن "الله لا يفعل إلا الصلاح"، و"أن الإنسان "يخلق أفعاله"، وهي مبادئ لا تنكرها المذاهب الكلامية الأخرى جملة وتفصيلا وإنما تختلف مع المعتزلة في الصيغ التعبيرية وبعض الفروض النظرية المتصلة بها، هذا فضلا عن اشتراط كثير من المتكلمين -ومنهم أشاعرة- في صحة إيمان البالغ الراشد اعتماده على الاستدلال العقلي لإثبات وجود الله، حتى يخرج من "التقليد" الذي احتج به مكذبو دعوات الأنبياء حينما قالوا "إِنَّا وَجَدْنَا آَبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آَثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ (الزخرف 22)، كما أننا لا نريد هنا إبراز موقف ابن رشد الذي قارن إيمان المسلمين المعتمد على العقل بالطبيب الذي يبرهن على معرفته بالطب بقدرته على إبراء المريض ونجاحه في ذلك، بينما شبه إيمان غير المسلمين القائم على المعجزات "الخارقة للعادة" بمن يدعي الطب بحجة أنه يستطيع المشي على الماء...
وليس غرضنا هنا بيان كيف أن اللوغوس اليوناني وبكيفية عامة الفلسفة والعلوم اليونانية إنما بعثت فيها الحياة وأعيد لها عقلها ومجدها في الحضارة العربية الإسلامية، وأن الفيلسوف الإغريقي الأكبر أرسطو لم يجد من يشرح خطابه ومقاصده، ويحرر فلسفته مما أُقحِم فيها من عناصر لا تنتمي إلى مذهبه وعقلانيته، إلا على يد ابن رشد الذي لقبه الأوربيون بـ "الشارح الأكبر"، اعترافا بتفوقه على الشراح السابقين كثامستيوس والإسكندر الإفروديسي الخ.
لن نتجه هذه الوجهة لأننا لا نريد أن ندخل بحوار الديانات والثقافات في سجالات نحن في غنى عنها اليوم. إن ما نريد أن نلفت النظر إليه هنا، بداية، هو بضع حقائق تاريخية كشف عنها الباحثون الأوربيون تخص الدور الذي قام به الموروث الثقافي العربي الإسلامي العقلاني في تأسيس عقلانية أوربا الحديثة ليس في مجال العلم والفلسفة فحسب بل في مجال الدين أيضا.
في هذا المجال يحدثنا المؤرخ الفرنسي المشهور جاك لوكوف Jacques Le Goff في كتابه الرائد "المثقفون في العصر الوسيط" (1948)، عن الظروف والآفاق التي تمت فيها أول ترجمة للقرآن إلى اللاتينية، والدور الذي كان لها في بدايات النهضة الأوربية في القرن الثاني عشر الميلادي، فيقول : إنه في إطار التداخل والاحتكاك بين الإسلام والمسيحية قام بطرس الجليل Pierre le vénérable (1092-1156)، رئيس دير كلوني، بجولة في الحدود الفرنسية مع الأندلس بين عامي 1141-1143 فتعرف هناك على الإسلام والمسلمين, وخلص من هذه الزيارة إلى النتيجة التالية: وهي أنه لا بد من نقل الصراع مع المسلمين إلى مجال الفكر أيضا. قال: "يجب أن نقاوم الإسلام لا في ساحة الحرب بل في الساحة الثقافية". مؤكدا أنه: "لإبطال العقيدة الإسلامية يجب التعرف عليها... ذلك لأنه سواء وصفنا الضلال المحمدي -كذا- بالنعت المشين: بدعة, أو بالوصف الكريه: وثنية, فإنه لابد من العمل ضده, لا بد من الكتابة ضده". (لوكوف ص 20 وما بعدها).
وتحدثنا مراجع أخرى أن بطرس الجليل هذا حصل على مساعدة من أسقف طليطلة المعروف Raymond de Tolède، مما مكنه من تشكيل لجنة لترجمة القرآن كان من أبرز أعضائها المدعو بيير الطليطلي الذي كان يجيد العربية وربما كان مسلما تنصر. وتضيف هذه المراجع أنه مع أن الترجمة التي أنجزتها هذه اللجنة كانت ناقصة تعتمد التلخيص، فإنها لقيت إقبالا كبيرا؛ كما ظهرت طبعات أخرى في ألمانيا وفي سويسرا نفسها ثم في فرنسا حيث نقلت هذه الترجمة بأسلوب مبسط من طرف أندري دي ريي André du Ryer سنة 1641 بعنوان "قرآن محمد"Alcoran de Mahomet، "وقد استقبلت بترحاب كبير لأن الجمهور كان يومئذ مهتما بالعالم الإسلامي أكثر مما يتصور عادة". وتوالى اهتمام الناس في أوربا/النهضة بالقرآن إلى درجة أنه: "خلال قرن واحد من الزمان تتابعت في فرنسا وإنجلترا وهولندا خمس طبعات من هذه الترجمة الأولى بتعديل أو بدونه، وقد ظهرت الطبعة الأخيرة منها باللغة الفرنسية في أمستردام سنة 1770. وقبل ذلك كانت قد ظهرت في بادو Padoue، المدينة العلمية الإيطالية في ذلك الوقت، ترجمة جديدة للقرآن قام بها Marracci سنة 1698، ومعها كتاب في الرد على القرآن (انظر: ريجس بلاشير ترجمة القرآن ج1. 1947 -بالفرنسية).
كان الغرض الأصلي من ترجمة القرآن هو مقاومة الإسلام، كما ذكرنا، وفي هذا الغرض استعملها رجال الدين. غير أن عبارة هيجل "مكر التاريخ" تأبى إلا أن تحقق نفسها في هذا المجال أيضا. ذلك أن هذه الترجمات التي نقلت معاني القرآن إلى اللاتينية ثم إلى اللغات الأوربية الإقليمية قد وظفت أيضا ضد رجال الدين المندمجين في نظام الكهنوت فأصبحت عنصرا أساسية في الصراع ضد الكنيسة.
هكذا سارع "الإنسانيون"، Humanistes -وهم فئة ناشئة من المثقفين في القرن الرابع عشر كانوا يفكرون ويعملون خارج نظام الكنيسة وضدا عليها- سارعوا إلى توظيف ترجمات القرآن للاستعانة بها في تعزيز موقفهم ونشر ثقافة جديدة تعتبر الإنسان غاية في حد ذاته وتعلي من شأنه كفرد حر لا يحتاج في تعامله الديني، عقيدة وسلوكا، إلى وسيط آخر (الكنيسة). وقد واصل رجال النزعة الإنسانية في القرون التالية -أمثال لوكونت دي بولانفيي Le Comte de Boulainvilliers الذي ألف كتاب "حياة محمد" (1730)- امتداح الإسلام ضدا على الكاثوليكية الرسمية، منوهين بالإسلام وموقفه من الإنسان. كما تواصل الاهتمام بالقرآن وترجمته، فظهرت سنة 1734 ترجمة جديدة له في لندن قام بهاG. Sale ، فانتشرت بسرعة في عدة بلدان أوروبية، خصوصا وقد كانت مصحوبة بمدخل حول العرب وتاريخهم الشيء الذي اهتم به الجمهور اهتماما كبيرا كما اهتم بها رجال "الأنوار" أمثال فولتير، فكانت مصدرا لمعرفتهم بالإسلام.
لقد أثرت ترجمة معاني القرآن إلى اللاتينية واللغات الإقليمية في أوربا في ما حدث من تغيير في نظرة الثقافة الأوربية إلى الإنسان، مما كانت نتيجته قيام ذلك التيار الفكر المعروف بـ "الإنسانية" Humanisme. وقد عبر عن ذلك التأثير أحد أبرز مؤسسي هذه النزعة في أوربا، الإيطالي جيوفاني بيكو ديلا ميراندولا (1486) Giovanni Pico della Mirandola، الذي ألف كتابا بعنوان "في الكرامة الإنسانية" De dignitate hominis قال فيه : "لقد قرأت في كتب العرب أنه ليس ثمة في الكون شيء أكثر روعة من الإنسان". (في القرآن آيات عديدة تفيد هذا المعنى: " لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ" (التين )4، "وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آَدَمَ" (الإسراء 70).
يقول لو جوف في كتابه المذكور : لقد كان هؤلاء المثقفون "الذين ظهروا في أوروبا القرن الثاني عشر، واعين بأنهم ينتمون إلى جيل ثقافي جديد, وكان معاصروهم يسمونهم بـ "المحدثين". غير أنهم مع وعيهم الحداثي لم يكونوا يتنكرون لفضل القدماء, بل بالعكس كانوا يعلنون أنهم يقتدون بهم ويستفيدون منهم ويقفون على أكتافهم. يقول أحد هؤلاء : "لا يمكن الانتقال من ظلمات الجهل إلى نور العلم إلا بقراءة وإعادة قراءة كتب القدماء بشغف حي ومتزايد. فلتنبح الكلاب, ولتغمغم الخنازير, فإن ولائي للقدماء سيبقى قائما, وسأظل منصرفا إليهم بكل اهتمامي, وسيجدني الفجر كل يوم منهمكا في قراءة مؤلفاتهم"! والقدماء المعنيون هنا هم العرب ومن خلالهم اليونان. ويقول آخر (وهو المعلم برنار دي شارطر، نسبة إلى أحد أهم المراكز العلمية بفرنسا في القرنين الحادي عشر والثاني عشر(Ecole de Chartre): "نحن أقزام محمولون على أكتاف عمالقة, وإذا كنا نشاهد أكثر مما شاهدوا ونرى أبعد مما رأوا, فليس ذلك لأن بصرنا أحَدُّ أو لأن أجسامنا أطول, بل لأنهم يحملوننا على أكتافهم في الهواء ويرفعوننا بكل طول قاماتهم الهائل".
ويحدثنا الأستاذ الجامعي وأبرز المترجمين الإنجليز من العربية أديلار أوف باث (1116–1142) Adelard of Bath عن مدى ثقة الناس بالثقافة العربية في عهده فيقول: "إن في جيلنا عيب متجذر فيه. إنه يرفض جميع ما يبدو أنه صادر من عند المحدثين. ولذلك, فعندما تكون لدي فكرة شخصية أريد نشرها بين الناس... فإني أقدمها لهم بصورة تجعلهم يعتقدون أنني استقيتها من دراساتي العربية. أنا لا أريد أن أكون مرفوضا إذا كان ما أقوله لا يروق للعقول المتخلفة, فانا أعرف المصير الذي ينتظر العلماء الحقيقيين بين السوقة من الناس, ولذلك تراني أدافع, لا عن قضيتي, بل عن قضية العرب" (نفس المصدر).