ص1         السابق

 

 الحوار بين الديانات: قيم ثقافة السلام -1


محمد عابد الجابري

خصصنا المقالين الأخيرين للإهمال الذي لا مبرر له والذي خص به البابا بينيدكتوس السادس عشر، في خطابه الشهير (12-09-2006)، الموروث العربي الإسلامي بوصفه أهم مرجعية فكرية للنهضة والحداثة في أوربا. كان غرضنا إعادة الأمور إلى نصابها وإماطة اللثام عن جانب النقص الخطير –حتى لا نقول أكثر من ذلك- في التحليل الذي تبناه الحبر الأعظم والذي قصَر فيه "العقل والعقلانية" على ما دعاه: "التلاحم" الذي حدث بين اللوغوس الإغريقي والعقيدة الإنجيلية.
    ورغبة منا في تجاوز عملية "تفكيك الأصول وتصحيح الفصول"، التي جعلناها إطارا عاما لتحركنا في هذه السلسلة من المقالات، واستجابة كذلك لدعوة البابا إلى ممارسة حوار الديانات في إطار "رحابة العقل"، نقترح هاهنا –كخاتمة- نوعا من "التناول" لحوار الديانات، كنا ساهمنا به في ندوة عقدتها اليونسكو بالرباط بتعاون مع الخارجية المغربية، يوم 16/02/1998، تحت عنوان "الحوار بين الأديان التوحيدية الثلاثة: نحو ثقافة السلام"، ندوة شارك فيها بعض كبار حاخامات اليهودية وشخصيات مسيحية رفيعة المستوى من الفاتيكان والقدس ...
    ومع أنه قد مر الآن على تلك المداخلة نحو عقد من الزمن، فإنها ما زالت في نظرنا تحافظ على قيمتها من حيث إنها تقدم نموذجا لما ينبغي أن يكون عليه حوار الديانات –موضوعا ومنهاجا- حتى يساهم في التخفيف من مشاكل عصرنا المنسوبة، كلا أو بعضا، إلى اختلاف الديانات وتعدد المذاهب والفرق في كل واحدة منها. سأستعيد هنا –في هذا المقال والذي يليه- نص المداخلة كما هي في الأصل بدون تعديل أو تغيير يذكر.
    قلت مخاطبا المساهمين في الندوة : "سأنطلق في هذه المقاربة الأولية الهادفة إلى رسم معالم القيم المشتركة بين الأديان السماوية الثلاثة، والتي من شأنها أن تساهم في إرساء ثقافة السلام في عالمنا المعاصر الذي يواجه الإنسان فيه تحديات شتى، سأنطلق من قضية أصولية، قضية تنتمي إلى علم أصول الدين في الإسلام: علم التوحيد أو أصول العقيدة من جهة، وأصول الفقه من جهة أخرى.
    تدور مسائل علم التوحيد في الإسلام حول ثلاث موضوعات رئيسية: ذات الله، وصفاته، وأفعاله. والمسألة الأساسية التي يدور حولها الكلام في الموضوعين الأولين هي التنزيه : تنزيه الله عن كل مشابهة مع أي شيء آخر، انطلاقا من قوله تعالى: "ليس كمثله شيء" (الشورى: 11). والتنزيه يقتضي الكمال المطلق، وبالتالي الاستغناء المطلق عن كل شيء. وعندما انتقل المتكلمون إلى الباب الثالث في علم التوحيد، وموضوعه أفعال الله، كان لابد أن يلاحظوا أن من جملة أفعال الله، إضافة إلى كونه خلَق العالم، أنه يبعث رسلا إلى الناس تدعوهم إلى عبادته. وفي هذا المجال طرحوا السؤال التالي:
    لماذا يبعث الله الرسل إلى الناس ليطلب منهم عبادته وامتثال أوامره ونواهيه، وهو المنزه عن الحاجة إلى العبادة أو غيرها كما ورد في القرآن: "الله غني عن العالمين" (آل عمران: 97).
كان هناك من قال إن هذا سؤال غير مشروع، لأن الله يفعل ما يريد ولا يجوز أن يسأل لماذا يفعل كذا أو لا يفعل كذا، بمعنى أن أفعال الله لا تُعَلَّلُ بل يجب أن تؤخذ أوامرُه ونواهيه كما هي، وعلى الإنسان أن يمتثل وليس له أن يسأل عن القصد منها.
    وفي مقابل هذا الرأي كان هناك رأي آخر يقول إن جميع أفعال الله هي لِحٍكْمَة، وهو منزه عن فعل شيء لا لحكمة ولا لغاية وقصد، لأنه سيكون فعله حينئذ من قبيل العبث. والله منزه عن العبث، "حكيم"، "لطيف بعباده". ومن هنا قال أصحاب هذا الرأي إنه لابد أن يكون هناك وراء أفعال الله، وفي مقدمتها بعث الرسل، حِكمةٌ، أي قصد وغاية. وإذا تقرر هذا عاد السؤال السابق ليطرح بشكل مشروع هذه المرة كما يلي: ما هو مقصد الشرع، أو ماذا يريد الله، من وراء إرسال رسل للناس؟
وبما أن الأمر يتعلق برسل وأنبياء تعاقبوا منذ آدم، وليس برسول واحد، وبما أن الإسلام يدعو إلى الإيمان بجميع الرسل والأنبياء وفي مقدمتهم رسل وأنبياء الديانات السماوية الثلاث، فقد عمد علماء أصول الدين في الإسلام إلى التماس الجواب عن هذا السؤال، لا من الدين الإسلامي وحده بل من جميع الأديان السماوية. وهكذا قاموا باستقراء الغايات والأهداف والمقاصد التي تشترك فيها الأديان السماوية والتي تبرر بعثة الرسل، فوجدوها ترجع إلى مبدأ واحد، وهو أن جميع الديانات السماوية إنما تهدف من وراء مختلف تعاليمها، أوامرها ونواهيها، إلى شيء واحد، هو مصلحة الناس، مصلحة البشرية كلها. ومن هنا الجواب عن السؤال الذي طرحوه: لماذا بعث الله الرسل؟ هذا الجواب هو: بعثهم من أجل أن يبينوا للناس منافعهم في الدنيا والآخرة.
    هذا الجواب يطرح سؤالا آخر هو الذي سينطلق بنا مباشرة إلى موضوعنا، نعني : إذا كانت الديانات السماوية إنما جاءت لتقرير مصالح الناس، فما هي المصالح التي تشترك الديانات السماوية في تقريرها والدعوة إلى الحفاظ عليها؟
    قام علماء أصول الدين إذن باستقراء المصالح التي تشترك الأديان الثلاثة في تقريرها فوجدوها ثلاثة أصناف:
1 - مصالح ضرورية لوجود الإنسان المادي والمعنوي وسموها الضروريات: ضروريات الحياة.
2 - مصالح يحتاج إليها الإنسان لاستقامة حياته ماديا ومعنويا وسموها الحاجيات.
3 - مصالح ترتقي بحياة الإنسان نحو مزيد من السعة والفضل والتحلي بكل ما هو مفيد وحسن، وسموها التحسينات.
    هناك فروق واختلافات بين الأديان الثلاثة في تقرير الحاجيات والتحسينات، ولكنها تتفق كلها في تقرير الضروريات، ولذلك سنركز عليها هنا.
وجد علماء الأصول أن الديانات الثلاث تتفق كلها حول ربط الغاية من بعثة الرسل، والمصالح التي تقررها شرائعهم، بالضروريات الخمس التالية: حفظ النفس، حفظ العقل، حفظ النسل، حفظ المال، حفظ الدين. وجعلوا من هذه الضرورات الخمس أصلا للحاجيات والتحسينات والتكميلات.
                                        ***
    أعتقد أن من جملة الموضوعات التي يمكن أن يهتم بها الحوار بين الديانات السماوية الثلاث، من أجل بناء تصور مشترك لثقافة السلام، موضوع الضرورات الخمس المذكورة. ذلك لأن هذه الضروريات، أعني حفظ النفس والعقل والنسل والمال والدين هي أساس كل سلام وبدونها لا يتحقق السلام، لا السلام مع النفس ولا السلام مع الجار ولا السلام بين الأمم. وفي هذا الصدد أرى أنه بالإمكان تأسيس رؤية جديدة سلمية وسليمة للمشاكل والتحديات التي يواجهها الضمير الديني والأخلاقي في عصرنا، وذلك بالارتكاز على هذه الضرورات الخمس. وفيما يلي أمثلة:
    1 - ففي مجال حفظ النفس يمكن بناء تصور جديد لمفهوم "الحفظ" يستجيب لمتطلبات عصرنا. إن الأصل في مفهوم "حفظ النفس" هو كف الأذى عنها مهما كان نوعه، والإذاية التي تلحق النفس البشرية تمتد على مسافة واسعة، لا نهائية الصغر ولا نهائية الكبر معا : من الخبر المشؤوم والمنظر القبيح والكلمة غير الطيبة والتمييز بجميع أشكاله، العرقي والديني والاجتماعي والاقتصادي والحقوقي الخ… إلى التعذيب والقتل الفردي والإفناء الجماعي الخ… لقد شرع الله في الديانات الثلاث أن النفس بالنفس، ولكن ليس انتقاما ولا ثأرا، بل كبحا للميول العدوانية وردعا لها. فليس القصد الإلهي من "النفس بالنفس" أن القاتل يجب أن يقتل انتقاما أو ثأرا، بل إن القصد الإلهي أسمى من ذلك. إنه تنبيه للناس إلى أن الذي يقتل غيره أو يهم بقتله هو كمن يقتل نفسه أو يهم بقتلها. ولذلك قرر شرع الإسلام "وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمنا إلا خطأ" (النساء: 92).
يدور الحديث اليوم حول "أسلحة الدمار الشامل". ولكن ما هو "الدمار الشامل"؟ هل هو الذي تقوم به القنبلة الذرية وحدها كتلك التي ألقيت على هيروشيما ونكازاكي مثلا، أم أنه القتل الجماعي سواء كان بقنبلة تلقى باليد أو تطلق من الطائرة أو من الصواريخ الموجهة البعيدة المدى التي تطلق من البواخر الحربية، أو كان بالغاز أو بالجراثيم الخ… على أن "حفظ النفس" يجب أن يشمل، ليس فقط نفس الفرد البشري من القتل الذي من هذا النوع الفردي والجماعي، بل يجب أن يشمل في نظرنا توقيف العمل بعقوبة الإعدام، وهي عقوبة صار من الممكن الآن أداء القصد منها بالسجن المؤبد. فالسجن المؤبد لم يكن ممكنا في الأزمنة القديمة ولا في جميع المجتمعات، لأنه يتطلب وجود دولة تتصف بالاستمرارية في مؤسساتها وقوانينها مما يجعل من عقوبة السجن المؤبد حكما بالإعدام مؤجل التنفيذ إلى حين حلول الأجل المحتوم. ويجب أن يشمل مفهوم حفظ النفس ليس فقط نفس الفرد البشري الواحد، بل أيضا نفوس الجماعات والشعوب والأمم. ومن هنا ضرورة منع الأسلحة التي تؤدي إلى القتل الجماعي مهما كان مستواها ونوعها.
    باختصار تقرر الديانات السماوية الثلاث أن "الله خلق الإنسان على صورته". وحفظ النفس يجب أن يرقى إلى مستوى حفظ صورة الله، حفظها في الأفراد والجماعات والشعوب والأمم.
                                                                    البقية في المقال القادم