ص1     السابق

مماثلة على حساب التاريخ ...!

محمد عابد الجابري

بعد أن ربط البابا اللقاء بين اللوغوس اليوناني والعقيدة المسيحية بيوحنا الإنجيلي (وقد أبرزنا في المقال السابق ما يطبع هذا الربط من اختزال وقفز على التاريخ) عاد فيما يشبه الاستدراك، فقام أولا بربط اللقاء بين اللوغوس اليوناني والعقيدة المسيحية بالقديس بولس فقال:

1- "على أن اللقاء بين الرسالة الإنجيلية والعقل اليوناني لم يحصل بمجرد المصادفة. إن رؤيا القديس بولس الذي انسدت دونه طرق آسيا، والذي رأى في المنام رجلا من مقدونية يناديه: "تعال ساعدنا" (أعمال الرسل 16: 6- 10)، إن هذه الرؤيا يمكن تأويلها كتكثيف للقاء الداخلي الضروري بين العقيدة الإنجيلية والبحث (العقلي) اليوناني". ومعروف أن القديس بولس ( 04-64 للميلاد)، كان في بداية أمره من اليهود الفرّسيين المتشددين، وكان اسمه شاوول، وقد حارب أتباع المسيح وكان أشد عليهم من غيره قبل أن يعتنق المسيحية. وقد اختلفت الآراء فيه اختلافا كبيرا، فمن قائل إنه لم يعتنق المسيحية عن اقتناع وإنما أظهر اعتناقه لها ليهدمها من الداخل! ومن قائل إنه هو الذي بنى المسيحية وليس المسيح، وأنه صاحب القول بألوهية المسيح وعقيدة التثليث الخ. والمؤكد أن قيامه بالتبشير في عدة بلدان منها اليونان، قد جعله يحتك عن قرب بالفكر الإغريقي ويتأثر به؛ ويكاد ينعقد الإجماع على أنه أعاد بناء المسيحية على أساس نظرية التثليث. ومن هنا صار التمييز بين "المسيحية الأولى" أو الأصلية كما يمكن نسبتها إلى السيد المسيح عليه السلام، وبين المسيحية "الرسمية" التي كرستها الكنيسة ومن ورائها الإمبراطورية البيزنطية.

2- بعد التأكيد على دور بولس في "اللقاء" بين المسيحية والفكر الإغريقي، يخطو البابا خطوة أخرى إلى الوراء ليتحدث عن لقاء سابق على بولس وزمنه فقال: "والواقع أن هذا اللقاء قد بدأ قبل وقت طويل. إن اسم "لله" المليء بالأسرار الذي كشفت عنه شجرة "العليقة المحترقة"، والذي به يتميز هذا الإله عن جميع الآلهة الأخرى المتعددة أسماؤها والذي صرح بكل بساطة قائلا "أنا هو"، يشكل تحديا لمفهوم الأسطورة، ويحمل بين طياته مماثلة داخلية مع محاولات سقراط تجاوز الأسطورة والتغلب عليها".

وإذا كان من الممكن التسليم بالدور الذي قام به يوحنا الإنجيلي في الجمع بين اللوغوس الإغريقي والعقيدة المسيحية كما صاغها بولس على أساس نظرية التثليث، وإذا كان دور بولس نفسه في المزج بين الفكر الإغريقي والمسيحية من الأمور التي لا يمكن نكرانها، فإن المماثلة، التي يقيمها البابا بين سعي سقراط تغليب اللوغوس على الميثوس وبين لقاء موسى مع الله الذي كلمه تكليما، مماثلة غير صحيحة. وربما يكون من المفيد أن نذكر هنا الآيات التوراتية التي تتحدث عن "العليقة المحترقة" والآيات القرآنية التي تشير إلى نفس الحادثة. لقد وردت حادثة العليقة في قصة موسى في التوراة كما يلي: "وأَمَّا مُوسَى فَكَانَ يَرْعَى غَنَمَ حَمِيهِ يَثْرُونَ (أيوب) كَاهِنِ مِدْيَانَ (مدين)، فَقَادَ الْغَنَمَ إِلَى مَا وَرَاءِ الطَّرَفِ الأَقْصَى مِنَ الصَّحْرَاءِ حَتَّى جَاءَ إلى حُورِيبَ جَبَلِ اللهِ (طور سينا). 2وَهُنَاكَ تَجَلَّى لَهُ مَلاَكُ الرَّبِّ بِلَهِيبِ نَارٍ وَسَطَ عُلَّيْقَةٍ. فَنَظَرَ مُوسَى وَإِذَا بِالْعُلَّيْقَةِ تَتَّقِدُ دُونَ أَنْ تَحْتَرِقَ. 3فَقَالَ مُوسَى: «أَمِيلُ الآنَ لأَسْتَطْلِعَ هَذَا الأَمْرَ الْعَظِيمَ. لِمَاذَا لاَ تَحْتَرِقُ الْعُلَّيْقَةُ؟» 4وَعِنْدَمَا رَأَى الرَّبُّ أَنَّ مُوسَى قَدْ دَنَا لِيَسْتَطْلِعَ الأَمْرَ، نَادَاهُ مِنْ وَسَطِ الْعُلَّيْقَةِ قَائِلاً: «مُوسَى». فَقَالَ: «هَا أَنَا». 5فَقَالَ : "لاَ تَقْتَرِبْ إِلَى هُنَا: اخْلَعْ حِذَاءَكَ مِنْ رِجْلَيْكَ، لأَنَّ الْمَكَانَ الَّذِي أَنْتَ وَاقِفٌ عَلَيْهِ أَرْضٌ مُقَدَّسَةٌ. 6ثُمَّ قَالَ: «أَنَا هُوَ إِلَهُ أَبِيكَ، إِلَهُ إِبْرَاهِيمَ، وَإِلَهُ إسْحقَ، وَإِلَهُ يَعْقُوبَ» (التوراة. سفر الخروج .2). وقد وردت هذه القصة في القرآن كما يلي: "وَهَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى، إِذْ رَأَى نَارًا فَقَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آَنَسْتُ نَارًا لَعَلِّي آَتِيكُمْ مِنْهَا بِقَبَسٍ أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدًى، فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ يَا مُوسَى، إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى، وَأَنَا اخْتَرْتُكَ فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى، إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ، لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا، فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي" (طه 9- 14).

3- ثم يواصل البابا الرجوع إلى الوراء ليقول: "وهذه العملية التي بدأت مع "العليقة المحترقة" قد بلغت مرحلة جديدة من النضج داخل "العهد القديم" (التوراة) أثناء "السبي" (في بابل على عهد نبوخذنصر الثاني 587 – 538 قبل الميلاد)، وذلك حينما أخبر إله بني إسرائيل، -الذين كانوا في ذلك الوقت محرومين من أرضهم ومن القيام بتعاليم دينهم- أنه هو إله للسماء والأرض، مقدما نفسه بعبارة بسيطة تتناغم مع كلمة "العليقة المحترقة": "أنا هو". ويضيف الباب: "ومع هذا اللقاء الجديد الذي كشف فيه الله عن نفسه تتوضح شيئا فشيئا عملية إدانة عبادة الأصنام التي ليست شيئا آخر سوى تصاوير من صنع أيدي الناس" (قارن المزمور Ps 115 ونصه كما يلي: "1لاَ تُمَجِّدْنَا يَارَبُّ، بَلْ مَجِّدِ اسْمَكَ، مِنْ أَجْلِ رَحْمَتِكَ وَحَقِّكَ. 2لِمَاذَا تَسْأَلُنَا الأُمَمُ: أَيْنَ هُوَ إِلَهُكُمْ؟ 3إِنَّ إِلَهَنَا فِي السَّمَاوَاتِ. كُلَّ مَا شَاءَ صَنَعَ. 4أَمَّا أَوْثَانُهُمْ فَهِي فِضَّةٌ وَذَهَبٌ مِنْ صُنْعِ أَيْدِي الْبَشَرِ. 5لَهَا أَفْوَاهٌ لَكِنَّهَا لاَ تَنْطِقُ. لَهَا عُيُونٌ وَلَكِنَّهَا لاَ تُبْصِرُ. 6وَآذَانٌ لَكِنَّهَا لاَ تَسْمَعُ. وَأُنُوفٌ لَكِنَّهَا لاَ تَشُمُّ. 7لَهَا أَيْدٍ لَكِنَّهَا لاَ تَلْمِسُ. وَأَرْجُلٌ لَكِنَّهَا لاَ تَمْشِي، وَلاَ تُصْدِرُ مِنْ حَنَاجِرِهَا صَوْتاً. 8مِثْلَهَا يَصِيرُ صَانِعُوهَا وَكُلُّ مَنْ يَتَوَكَّلُ عَلَيْهَا").

4- بعد هذا النوع من الاستدراك الارتدادي عاد البابا ليؤكد على أهمية "المرحة الهيلينية" في تاريخ الفكر المسيحي فقال: "وهكذا فعلى الرغم من الصراع المرير مع الحكام اليونانيين الذين كانوا يريدون الحصول بالقوة على انخراط الناس في نمط الحياة اليونانية وفي العبادة الوثنية الإغريقية، فإن العقيدة الإنجيلية، في المرحلة الإغريقية قد التقت مع ما كان يمثل الأفضل في الفكر الإغريقي على مستوى عميق جدا، فنتج عنه تعايش سلمي ومتبادل، تجلى بوضوح في أدب الحكمة الذي ظهر بعد".

***

وبعد، فماذا يمكن استخلاصه من هذه الجولة التي يطبعها الذهاب والإياب؟

تتميز هذه الجولة كما رأينا بالتمركز في نقطة معينة هي لحظة يوحنا الإنجيلي المتوفى حوالي سنة 100 ميلادية، مؤلف الإنجيل الرابع. ومن يوحنا الإنجيلي ينتقل البابا إلى القديس بولس، ومع أنهما متعاصران فإن اعتبار التطور التاريخي كان يفرض أن يبدأ بهذا الأخير، لكونه المؤسس الفعلي للمسيحية الرسمية كما ذكرنا. لكن المثير للاستغراب هو أن يواصل البابا رحلته إلى الوراء، إلى النبي موسى وقصة الشجرة التي كلمه الله من خلالها ليقيم ممثلة بين الرسالة التي كلف الله بها نبيه موسى وبين سقراط "مولد" العقل في الفكر اليوناني. وكما أشرنا إلى ذلك قبل فإن المماثلة التي أقامها البابا بين "العقل" الذي يولده سقراط في مخاطبه بواسطة الحوار وبين كشف الله عن نفسه عند مخاطبته موسى "أنا الله"، مماثلة غير مناسبة. فوضع اللوغوس بالنسبة للميثوس ليس هو وضع "الله" بالنسبة لموسى، إلا إذا اعتمدنا ما ورد في القرآن، أعني قوله تعالى: "إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا" بدل ما ورد في التوراة: «أَنَا هُوَ إِلَهُ أَبِيكَ، إِلَهُ إِبْرَاهِيمَ، وَإِلَهُ إسْحقَ، وَإِلَهُ يَعْقُوبَ» ففي الآية القرآنية ("لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا") نفي صريح لتعدد الآلهة، أصناما كانت أو غيرها، وفي نفي الوقت نفي للأساطير التي ترتبط بالآلهة وهو نفي عام يسري على كل زمان ومكان. أما عبارة التوراة "أَنَا هُوَ إِلَهُ أَبِيكَ، إِلَهُ إِبْرَاهِيمَ، وَإِلَهُ إسْحقَ، وَإِلَهُ يَعْقُوبَ" فلا تفيد نفي تعدد الآلهة ولا نفي الأصنام ولا نفي الأساطير وإنما تفيد شيئا واحد وهو أن الإله المتكلم ("أنا هو") إله "قومي"، إله ذرية يعقوب (واسمه كان إسرائيل) وإذن فالإله المعني هو إله "بني إسرائيل"، وليس "رب العالمين" كما في القرآن.

لعل شعور البابا بضعف هذه المماثلة هو الذي جعله يلتمس السند لها مما سماه "اللقاء" الجديد بين بني إسرائيل وإلههم في منفاهم ببابل زمن الأسر حين تساءلوا قائلين: "2لِمَاذَا تَسْأَلُنَا الأُمَمُ: أَيْنَ هُوَ إِلَهُكُمْ؟" فكان الجواب ما ذكرنا قبل.

هنا فقط يأتي الفصل بين إله بني إسرائيل وبين الأصنام. لقد تم "تصحيح المماثلة"! ولكن على حساب التاريخ، على حساب الزمان والمكان، وبالعودة إلى ما قبل المسيحية بخمسة قرون! زمع ذلك لم يتردد البابا من القول: "وهكذا ... فإن العقيدة الإنجيلية، في المرحلة الهيلينية (الإغريقية) قد التقت مع ما كان يمثل الأفضل في الفكر الإغريقي على مستوى عميق جدا، فنتج عنه تعايش سلمي ومتبادل، تجلى بوضوح في أدب الحكمة الذي ظهر بعد" (يعني أدب المزامير والأمثال المليء بالنصائح الأخلاقية المقتبسة من هنا وهناك.