مأزق الانتقال من التعبئة الدينية إلى الحل السياسي
محمد عابد الجابري
إذا نحن أردنا أن نصف الواقع العربي، كما هو اليوم، فيجب القول إن التيارات الإسلامية هي التي لها الهيمنة على ما صار يطلق عليه منذ مدة اسم "الشارع العربي"، أعني أنها الوحيدة –تقريبا- القادرة على تعبئة الناس. هذا شيء واقع، خصوصا إذا احتفظنا بالتصنيفات التي كانت مستعملة منذ الخمسينات من القرن الماضي إلى العقد الأخير منه. وهكذا فلا الماركسية ولا القومية العربية ولا الليبرالية، ولا أية إيديولوجيا أخرى تقدر اليوم على تعبئة الناس لدرجة التضحية بأنفسهم. ومعلوم أن الهدف من الإيديولوجيات عند حاملي شعاراتها هو، في النهاية، ليس ما تقرره من حقائق، وإنما الهدف المطلوب منها تحقيقه هو وظيفتها في تعبئة الناس وتحريكهم. وهذه الوظيفة تؤديها اليوم شعارات ما يطلق عليه اسم "الإسلام السياسي" ، خاصة في الأقطار التي عرفت حكم الحزب الوحيد أو المنع الكامل للحزبية أو إلغاء كلي للحياة السياسية.
غير أن التجربة قد أظهرت بجلاء، طوال القرن الماضي وخلال ما مر من هذا القرن، أن هناك ما يشبه "عنق الزجاجة" لم تستطع الحركات الإسلامية في العالم العربي اجتيازه بسلام حتى الآن، أقصد بذلك المأزق الذي يتمثل في الانتقال من التعبئة الدينية إلى الحل السياسي. إن تاريخ الحركات الإسلامية في العالم العربي يسجل هذه الحلقة المفرغة باعتبارها مأزق هذه الحركات. والأمثلة كثيرة ومتنوعة: ففي مصر وصل الإخوان المسلمون في الخمسينات من القرن الماضي إلى حد الهيمنة على غالبية المجتمع، وحصل مثل ذلك في الجزائر قبل عقدين، وحصل في السودان كما هو حاصل الآن في فلسطين وغيرها: ففي جميع هذه الأقطار انتهت التعبئة الدينية –بدرجات مختلفة- إلى مأزق يتمثل في عدم القدرة على الخروج من عنق زجاجة التعبئة الدينية إلى فضاء تمارس فيه السياسة بطرق سياسية ووفق ما تقتضيه المصلحة العامة والتطور الاجتماعي.
وهذا في الحقيقة مأزق تقع فيه جميع "الفصائل" التي تقوم على التعبئة الإيديولوجية في فضاءات ضيقة كتنظيمات المقاومة المسلحة في الحركات الوطنية في مرحلة الكفاح من أجل الاستقلال، والتنظيمات "الثورية" التي تعتمد التنظيم السري النقابي وغيره في كفاحها ضد استبداد الحكم. ونادرا ما نجحت مثل هذه التنظيمات "السرية" المقاومة في تحقيق أهدافها كما شيدتها وروجت لها في فترة الكفاح. ذلك أنه إذا لم تتمكن هذه التنظيمات من تجاوز وضعها السري وأحلامه الإيديولوجية، بالانخراط من جديد، أو لأول مرة، في عمل وطني جامع، وتحت سقف الممارسة السياسية التي تجمع بين الاحتفاظ بالأهداف الوطنية وبين مرونة العمل السياسي على أساس أن السياسية هي التعامل مع "الممكنات" وليس تحقيق المطلقات، فإنها –أعني "التنظيمات السرية" أيا كان لونها- تنتهي إما إلى الانتحار الذاتي أعني تمزق حبل العروة الوثقى الذي كان يجمعها وبالتالي التهافت الانتهازي على السلطة والمال من أقبح سبلهما، وإما الهروب إلى الأمام إما بالتحالف مع العسكر للقيام بانقلاب عسكري تكون هي أول ضحاياه، وإما بالتحول إلى تنظيمات إرهابية لا يحركها سوى أنواع من الحقد الاجتماعي، الذي لا يغذيه أي هدف سوى الشعور بـ "أنا وحدي على حق، والباقي ظَلَمَة كَفَرَة"!
لا شك أن القارئ يرى فيما كتبت لحد الآن في هذه المقالة أني أفكر في الواقع المرير الذي تجتازه القضية الفلسطينية الآن. هذا صحيح، ولكن فقط بمقدار ما يفكر الإنسان في الشيء من خلال نظيره، أو نسميه التفكير بالمثال! ذلك أن منطلق تفكيري هنا ليس الرغبة في إسداء نصائح للإخوة في فلسطين فهم أرفع شأنا من أن أتطاول عليهم بنصيحة ما. أولا لأن أية نصيحة أقدمها لهم ستكون عبارة عن : "تعاليْ يا أمي أريك دار خالتي". إنهم يستشعرون ربما أكثر من غيرهم مضمون المثل العربي القائل : "ما ظهرك مثل ظفرك"!
وإذن فأنا لا أفكر تحت فضاء "النصيحة" بل أفكر تحت ضغط تجربة أيقظها في ذهني سؤال ألقي علي مؤخرا بصيغة "كيف ترى الوضع في فلسطين الآن"؟
يتعلق الأمر بتجربة المغرب أيام خوضه معركة الاستقلال. كانت هناك حركة وطنية سلفية/حداثية قادت النضال الوطني، على المستوى السياسي، من بداية الثلاثينات إلى بداية الخمسينات (من القرن الماضي)، وكانت أوامر القيادة إلى قواعدها، الواسعة العريضة- تلح على تجنب العنف. كنت من شباب هذه الحركة في أوائل الخمسينات عندما كان المقيم العام (الحاكم الفرنسي) هو الجنرال جوان، الذي سلك سياسة عنيفة جدا ضد الحركة الوطنية وقادتها، فأمعن في الاعتقال والنفي (من منطقة إلى أخرى في البادية والجبال داخل المغرب). كان لي قريب من الصف الثاني من القيادة، وكان فقيها، سألته لماذا لا نقوم بعمل ملموس من نوع المقاومة المسلحة ضد البوليس الفرنسي. أجابني: إن أصحابنا (يعني القيادة) يقولون إن الرسول عليه الصلاة والسلام مكث بمكة عشر سنوات وكان دائما يأمر بتجنب العنف مع قريش مهما بلغ عسفها وتضييقها الخناق على الصحابة، ولم يعمل على مقاومتها إلا عندما هاجر إلى المدينة وتوفرت له الوسائل.
لم تمض سوى بضعة أشهر على هذا الكلام حتى بادرت الحكومة الفرنسي إلى عزل الملك الوطني محمد الخامس ونفيه إلى مدغشقر، واعتقال من بقي من أطر الحركة الوطنية. حينذاك ظهرت قيادات شعبية جديدة وانتقلت بالعمل الوطني السياسي إلى الكفاح المسلح: مقاومة في المدن تقوم بضرب الشرطة الفرنسية وتصفية بعض العملاء والمخبرين الخ.
وعندما يفتضح أحد من المقاومين كان يهرب إلى المنطقة الشمالية (تطوان) التي كانت تحت الحماية الإسبانية. تجمع هناك عدد لا بأس به من المقاومين "المهاجرين" فعملوا -على مرآى ومسمع من السلطات الإسبانية- على تأسيس "جيش التحرير" لمقاومة الوضع الجديد الذي خلقته السلطات الفرنسية في المنطقة الجنوبية والمطالبة بإعادة محمد الخامس إلى عرشه. كان الحاكم الإسباني في تطوان على اتصال بقيادة جيش التحرير (تحت التكوين) التي كانت من مقاومين من أصول شعبية، معظمهم أميون... فنصحهم باستدعاء شخصية وطنية مثقفة وتنصيبها رئيسا لجيش التحرير ليتولى مخاطبة العالم الخارجي الخ.
ما يهمنا هنا من هذه الحكاية هو ما يلي: اتصل القيِّمون على تأسيس جيش التحرير بمحام بارز ومحنك من قيادة الحركة الوطنية وأخبروه بالأمر وطلبوا منه الالتحاق بالشمال لتولي قيادة جيش التحرير، فكان رده ما يلي: إن المقاومة المسلحة يجب أن تستمر ويجب مواصلة العمل لتكوين جيش التحرير. لكني أرى أن حل القضية المغربية ومن ضمنها عودة محمد الخامس يوجد في باريس وليس في جبال الريف ولا جبال الأطلس وحدها. إن "الفرنسيين الأحرار" (القوى الاشتراكية والليبرالية التي كانت تقع خارج تأثير لوبي المعمرين في المغرب وقادة الجيش الفرنسي فيه) يخوضون معركة سياسية ضد غلاة الفرنسيين، وعلينا أن نعمل بجد ونشاط مع هؤلاء، في فرنسا والمغرب، لنرجح كفتهم. وحينذاك فالانتخابات الفرنسية هي التي ستغير الموقف، وتفتح باب المفاوضات الجدية معنا. وقبل أن يحصل هذا لابد من استمرار المقاومة وإعداد جيش التحرير للقيام بمهمته. وعندما سيختار الفرنسيون بجد فتح باب المفاوضات سنضغط عليهم بجيش التحرير، وعندما ينصاعون ويصرحون أمام العالم بنوع من الاعتراف بحقنا في الاستقلال، يجب أن نتوقع أنهم سيطلبون منا المقابل، وهذا المقابل سيكون بدون شك هو إيقاف المقاومة وجيش التحرير. وأنا أقترح أن تتركوني لهذه المهمة، فربما سأكون في مهمة أجدى من رئاسة جيش التحرير الذي يحتاج إلى عنصر يفهم في شؤونه.
ذلك ما حصل.
كان الاستقلال المنتزع بالمفاوضات التي قادها هذا الرجل باسم الحركة الوطنية ناقصا، غير أن تراجع فرنسا عن عزل محمد الخامس كان تراجع كاملا، فقد عاد محمد الخامس قبل انتهاء المفاوضات وتوقيع وثيقة الاستقلال بستة أشهر، عاد ليعلن للمغاربة بنفسه: "انتهاء عهد الحجر والحماية".
هكذا استعاد المغرب استقلاله.
لم يكن ذلك بدون مشاكل، ولكن الخروج من عنق زجاجة الانتقال من المقاومة إلى السياسة، قد تم بأقل خسارة ممكنة. لقد فهمت الأطراف المعنية أنه لا يمكن الجمع بين شرف المقاومة وامتيازات الحكم في اللحظة الواحدة. شرف المقامة وسام وطني تاريخي، أما امتيازات الحكم فشيء آخر. ولعل المغاربة استفادوا من المثل الشائع عندهم والذي يقول: "اللي بْغاها كلها يتركها كلها"...