ص1         السابق

 

المغلوبون لأهل الأمصار ...!

 

محمد عابد الجابري

 

تحدثنا في المقال السابق عن رأي ابن خلدون فيمن سماهم "العرب وزناتة ومن في معناهم من الأكراد والتركمان وأهل اللثام من صنهاجة" بوصفهم الشريحة الدنيا على سلم العمران، إنهم فهم البدو الرحل الذين يعيشون حياة أبعد ما تكون عن العمران بمعناه "الحضري". هؤلاء يعيشون في استقلال لا يخضعون لسلطة ولا لقانون، ولكن إذا حدث أن تمكنت فيهم "دعوة دينية"، (ليس الدين نفسه بل "ثمرة الاعتقاد فيه") قامت فيهم مقام الوازع الذي يجمع شملهم ويحول طباعهم ويجعل منهم مقاتلين أشداء، والنتيجة بروز تلك الظاهرة التي عبر عنها ابن خلدون بقوله "العصبية تجري إلى الملك". وهكذا يصبحون في وقت قصير مشيدي دول وممالك.

وقبل الانتقال إلى من يلي هؤلاء البدو الرحل على سلم العمران نشير إلى أن كثيرا من الذين كتبوا عن ابن خلدون من العرب قد اتهموه بأنه كان متحيزا للمغرب العربي "أهل بلده" ضدا على المشرق العربي (عبد الله عنان مثلا) أو أنه قال بآراء متناقضة حين وصف "العرب ومن في معناهم" بصفات الذم (السلب، النهب) وبصفات المدح (الشجاعة، المروءة) في آن واحد (ساطع الحصري)، وقد حاول هؤلاء رفع هذا "التناقض" بالقول إن ابن خلدون لا يقصد العرب كجنس وإنما "الأعراب"، أي سكان البوادي عموما. وذهب آخرون إلى القول إن ابن خلدون ارتكب أخطاء يغفرها له ما  أتى به من "نظريات أخرى سليمة وطريفة" (جرمان عياش) الخ. هذه الاتهامات والردود لا تهمنا، فهي ناتجة في نظرنا عن عدم فهم لكلام ومعاني ومقاصد صاحب المقدمة.

 بعد هذه الشريحة (العرب وزناتة ومن في معناهم) التي يطبع حياتها الأولى التفرد والاستقلال، تأتي شريحة أخرى من البدو هم على العكس من أولئك تماما، الشريحة التي يطلق ابن خلدون عليها اسم " المغلوبون لأهل الأمصار"، وهم الفلاحون سكان التلول الخصبة والجبال المشجرة الذين تمكنهم طبيعتها من الحصول على مستوى من العيش أحسن وأرقى، فيدعوهم ذلك إلى الاستقرار. وهم بقربهم من المدن والأمصار يتوقون دوما إلى السكنى فيها، والاستفادة من غد العيش المتوفر فيها. "ولهذا نجد التمدن غاية للبدوي يجري إليها، وينتهي بسعيه إلى مقترحه منها. ومتى حصل على الرياش، الذي يحصل له به أحوال الترف وعوائده، عاج إلى الدعة وأمكن نفسه إلى قيادة المدينة". وهكذا فالحياة الحضرية، ناشئة من أحوال البداوة : "فالبادية أصل للعمران، والأمصار مدد لها".

على أنه ليس بإمكان هؤلاء البدو الحصول على غايتهم في التمدن بسهولة ويسر. لأن التمدن في الحقيقة إنما يوجد في المدن الكبيرة وبالخصوص منها العواصم. ومستوى الحياة في هذه المدن الكثيرة العمران، مرتفع جدا، لا تتحمله إمكانيات البدوي الضعيفة والمحدودة. "فالمِصر الكثير العمران يكثر ترفه (...) وتكثر حاجات ساكنيه من أجل الترف، وتُعتاد تلك الحاجات لما يدعو إليها                                                                                                                       فتنقلب ضروريات، وتصير فيه الأعمال كلها مع ذلك عزيزة، والمرافق غالية بازدحام الأغراض عليها من أجل الترف، وبالمغارم السلطانية التي توضع على الأسواق والبياعات، وتعتبر في قيم المبيعات، ويعظم فيها الغلاء في المرافق والأقوات والأعمال فتكتر لذلك نفقات ساكنه كثرة بالغة على نسبة عمرانه". والبدوي لا تمكنه موارده من تغطية هذه النفقات كلها، خصوصا وهو قد "اعتاد أن يسد خلته بأقل الأعمال لأنه قليل عوائد الترف في معاشه وسائر فنونه. فيتعذر عليه من أجل ذلك سكنى المصر الكبير لغلاء مرافقه وعزة حاجاته". وهكذا، "فكل من يتشوق إلى المصر الكبير وسكناه من أهل البادية فسريعا ما يظهر عجزه، ويفتضح في سلطانه، إلا من يقدم منهم تأثل المال ويحصل له منه فوق الحاجة، ويجري إلى الغاية الطبيعية لأهل العمران من الدعة والترف. فحينئذ ينتقل إلى المصر وينتظم حاله مع أحوال أهله في عوائدهم"

ولكن إذا كان هذا يحصل للبعض، فإنه لا يحصل للجميع، فأهل البدو الذين هم من هذا الصنف تابعون على العموم لأهل الأمصار، وتتجلى هذه التبعية في ناحيتين: اقتصادية وسياسية.

فمن الناحية الأولى، يتوقف الإنتاج الزراعي الذي به قوام البدو، على استعمال الآلات والأدوات. وهذه إنما توجد عند أهل الأمصار، فالصنائع كلها من اختصاص المدن. وأيضا فإن هذا الإنتاج الزراعي الذي قد يتوفر للبدو لا قيمة له إذا لم يصرف بعوض. ولا يمكن تصريفه والحصول منه على قيمته نقدا، ثم بضاعة وآلات، إلا في الحضر، "فالأمور الضرورية في العمران ليس كلها موجودة لأهل البدو. وإنما توجد لديهم في مواطنهم أمور الفلح، وموادها معدومة، ومعظمها الصنائع. فلا يوجد لديهم بالكلية من نجار وخياط وحداد وأمثال ذلك مما يقيم لهم ضروريات معاشهم في الفلح وغيره (...) فهم يحتاجون إلى الأمصار بطبيعة وجودهم".

هذا من ناحية التبعية الاقتصادية، أما من الناحية السياسية فإن أهل البدو، هؤلاء إذا لم "يحصل لهم ملك ولا استيلاء على الأمصار" كانوا خاضعين مغلوبين لأهل المدن. فإن كان في المدن مُلك وسلطان كان ذلك لغلب الملك. وإن لم يكن في المدن ملك كان خضوعهم حينئذ لمن له الزعامة والرئاسة فيها "إما طوعا ببذل المال لهم" وسائر ما يحتاجونه من الضروريات، وإما كرها "بالتفريق بينهم حتى يحصل له (= لزعيم المدينة) جانب منهم يغالب به الباقي. فيضطر الباقون إلى طاعته بما يتوقعون لذلك من فساد عمرانهم".

وهكذا، فإذا كان سكنى المدن- أي التحضر- هو الغاية التي يجري إليها البدوي، فإنه لا يتمكن من تحقيق هذه الغاية إلا إذا كان ذا مال واسع وثروة ضخمة. أما إذا كان متوسط الحال، فغاية ما يصل إليه، الإقامة في المدن الصغيرة، المجاورة لباديته، أو التردد عليها من حين إلى آخر لقضاء حاجاته. وهذه المدن الصغيرة لا تتوفر فيها شروط التحضر، أو الحضارة، كاملة. فلا يكثر فيها الرفه، ولا تعظم فيها النفقات، ولا توجد فيها كل الصنائع. بل إن مجاورتها للبادية، وتوافد البدو عليها باستمرار، يجعلها ذات طابع بدوي: "ولهذا نجد الأمصار التي في القاصية، ولو كانت موفورة العمران، تغلب عليها أحوال البداوة، وتبعد عن الحضارة في جميع مذاهبها، بخلاف المدن المتوسطة في الأقطار التي هي مركز الدولة ومقرها".

هذا الصنف من البدو، هم إلى الحضر أقرب. وإذا كانوا لا يبلغون مرتبة الحضارة، بمعنى التفنن في الترف، فإنهم من ناحية أخرى أبعد في طباعهم وأحوالهم عن الصنف الأول: سكان الصحاري والأراضي الجرداء والذين يعيشون كما قلنا من رماحهم وسيوفهم، أحرارا في فيافيهم وقفارهم حيث لا تصلهم حامية ولا يطمح في ملاحقتهم جند. أما هؤلاء، سكان التلال والسهول الخصبة فهم يعيشون من فلاحة أرضهم، وهم في الغالب فقراء، لأن الفلاحة من زراعة وتربية للماشية، نحلة من المعاش خاصة بـ "المستضعفين وأهل العافية". وذلك لأن الفلاح، المرتبط بالأرض، يضطر إلى الخضوع للسلطة الحاكمة، فهر يدفع الضرائب، والمغارم، ويستدعى للخدمة والتجنيد إذا لزم الأمر. هذا علاوة على ما يصيبه من أذى من جانب عمال الدولة، أو من جانب أولئك البدو الرحل الذين يتخذون النهب والسلب نحلة للمعاش لهم.

وعلى العموم فإن هذا الصنف من البدو، هم "مادة للعمران"، ونادرا ما يتمكنون من إقامة ملك كبير أو إنشاء دولة عامة. إن وضعيتهم ومقامهم الاجتماعي، أشبه بوضعية ومقام سكان المدن البعيدين عن الجاه والسلطة.