لنتابع النظر في ما أطلقنا
عليه، في أوائل هذه السلسلة من المقالات، عبارة "المرآة المهشمة" التي
تعكس "الواقع السياسي العربي". لقد نظرنا إلى هذا الواقع -وما زلنا
ننظر- من خلال شقوقها بعيون أفلاطون، والفارابي، وابن رشد، وابن خلدون الذي لا
نزال نتابع آراءه في "العمران البشري"، وانقسامه إلى عمران بدوي وعمران
حضري. لقد بدأ بالعمران البدوي، فتحدث عن البدو الرحل الذي مثل لهم بـ"العرب
ومن في معناهم..."، وانتقلنا معه في المقال الأخير إلى البدو المقيمين في الأرياف
والمدن الصغيرة والذين نعتهم بـ "المغلوبين لأهل الأمصار". واليوم سننقل
معه إلى المدن، وهي عنده فضاء العمران
الحضري.
لقد تقرر من قبل أن
الأصل في العمران البشري هو التعاون لتحصيل الغذاء، وأن هذا التعاون لا يتم إلا
إذا كان هناك "وازع" يدفع عدوان الناس بعضهم عن بعض. وهذا وذاك يتوافران
في المدينة أكثر: فالتعاون فيها متين، والوازع الذي يزع الناس موجود وهو الملك
والدولة. إن شروط الاستقرار والأمن متوفرة فيها، ولذلك كان التعاون فيها ينمو
ويتفرع، والإنتاج يكثر ويوفر فائضا. والسبب في هذا هو: "أن الأعمال بعد الاجتماع
زائدة على حاجات العاملين وضروراتهم. فأهل مدينة أو مصر إذا وزعت أعمالهم كلها على
مقدار ضروراتهم وحاجاتهم اكتفي فيها بالأقل من تلك الأعمال، وبقيت الأعمال كلها
زائدة على الضرورات، فتصرف في حاجات الترف وعوائده (...) لأن الأعمال الزائدة تختص
بالترف والغنى بخلاف الأعمال الأصلية التي تختص بالمعاش".
بعبارة أخرى إن السبب
في ازدهار المدن هو أن الإنتاج فيها جماعي، وجماعية الإنتاج القائمة على تقسيم
العمل، هي التي توفر الفائض الذي يصرف في أحوال الترف. وأحوال الترف نفسها تستلزم
هي الأخرى أعمالا زائدة، وبالتالي إنتاجا جديدا، ففائضا جديدا.
ولكن هل يعود هذا
الفائض إلى مجموع سكان المدينة، أم فقط إلى فئة معينة منهم؟
الجواب عن هذا السؤال
يتوقف على البحث في طرق كسب العيش في المدينة للكشف عن الأساس الذي يقوم عليه التفاوت
فيها. أما طرق كسب العيش عموما فهي ستة، يقول: "إن تحصيل الرزق وكسبه: إما أن
يكون بأخذه من يد الغير وانتزاعه بالاقتدار عليه على قانون متعارف ويسمى مغرما
وجباية، وإما أن يكون من الحيوان الوحشي باقتناصه وأخذه برميه من البر أو البحر ويسمى
اصطيادا، وإما أن يكون من الحيوان الداجن باستخراج فضوله المنصرفة بين الناس في
منافعهم كاللبن من الأغنام، والحرير من دوده، والعسل من نحله، أو يكون من النبات
والزرع والشجر بالقيام عليه وإعداده واستخراج ثمرته، ويسمى كل هذا فلحا. وإما أن
يكون الكسب من الأعمال الإنسانية: إما في مواد معينة وتسمى الصنائع من كتابة
وتجارة وخياطة وحياكة وفروسية وأمثال ذلك، أو في مواد غير معينة وهي جميع الامتهانات
(المهن) والتصرفات، وإما أن يكون الكسب من البضائع وإعدادها للأعواض (للمبادلة
والبيع)، إما بالتقلب بها في البلاد، أو احتكارها وارتقاب حوالة (تحول) الأسواق
فيها، ويسمى هذا تجارة".
هذه هي طرق كسب العيش بالتفصيل. ولكن ابن خلدون
يعود فيوجزها، في الفلاحة، والتجارة، والصناعة. أما الطرية الأولى أي المغرم
والجباية أو ما يسميه أيضا "الإمارة" يقول عنها: "ليست بمذهب طبيعي
للمعاش". لأنها تعتمد على وجود السلطة والجاه. أما الطريقة الثالثة والرابعة،
أي تربية الدواجن والزراعة، فهما في الحقيقة واحدة وهي الفلاحة. أما الطريقة
الثانية وهي الصيد البري والبحري، فإن ابن خلدون يتجاهلها تماما، لأنه لم يكن يهتم
إلا بما يسميه "العمران الكامل مادة وصورة"، أي العمران الذي تقوم فيه
السلطة والدولة. ومن ثمة فهو لا يعنى إلا بالجماعات البشرية التي كانت تساهم بشكل
من الأشكال في قيام الدول وسقوطها، أي الجماعات التي لها "تاريخ".
وهكذا، وبإسقاط الفلاحة التي قال عنها قبل إنها معاش "المستضعفين وأهل
العافية" من البدو، فإن أساليب كسب العيش في المدينة تبقى ثلاثة: الصناعة،
والتجارة، والإمارة.
أما الصناعة، والمقصود
بها هنا المهن اليدوية، والأعمال الفكرية من كتابة وتعليم وغير ذلك، فهي إنما تكثر
وتزدهر في الأمصار الكبيرة، وبالخصوص في تلك التي تكون كراسي للملك (عواصم)، فهي
"تستكمل بكمال العمران الحضري وكثرته". وكذلك الشأن في التجارة، فهي
أيضا تحتاج إلى الجاه والسلطة. إن التاجر لا يكسب من تجارته إلا إذا كان قويا
بعشيرته أو جاهه، أما ذلك الذي ليس له ما يعضده أو يحمي تجارته من شوكة أو جاه،
فإن مآل أمره الخسران المحقق. وهكذا نرى أن اكتساب الثروة بالطرق الطبيعية في
المدينة (الصناعة والتجارة) يتوقف على الجاه والسلطة. وهذا شيء ليس من الممكن
حصوله لجميع الناس. فالمجتمع الحضري يقوم على التفاوت، وأساس هذا التفاوت هو الجاه
بالضبط. يقول ابن خلدون: "إن كل طبقة من طباق أهل العمران من مدينة أو إقليم
لها قدرة على من دونها من الطباق. وكل واحد من الطبقة السفلى يستمد بذي الجاه من
أهل الطبقة التي فوقه، ويزداد كسبه تصرفا فيمن تحت يده على قدر ما يستفيد منه.
والجاه على ذلك داخل على الناس في جميع أبواب المعاش، ويتسع ويضيق بحسب الطبقة
والطور الذي فيه صاحبه. فإن كان الجاه متسعا كان الكسب الناشئ عنه كذلك، وإن كان
ضيقا قليلا فمثله. وفاقد الجاه وإن كان له مال فلا يكون يساره إلا بمقدار عمله أو
ماله أو نسبة سعيه ذاهبا وآتيا في تنميته كأكثر التجار وأهل الفلاحة في الغالب.
وأهل الصنائع كذلك إذا فقدوا الجاه واقتصروا على فوائد صنائعهم، فإنهم يصيرون إلى
الفقر والخصاصة في الأكثر ولا تسرع إليهم ثروة، وإنما يرمقون العيش ترميقا
ويدافعون ضرورة الفقر مدافعة".
إن ازدهار الصنائع في المدن
لا يعني بالضرورة ازدهار أحوال أصحابها والقائمين عليها. ذلك لأن المنتوجات
الصناعية الكمالية إنما تستهلكها الفئة صاحبة الجاه والسلطان، وهذه لم تكن تدفع من
الأثمان والأجور إلا القليل الأقل، بل إنها كانت تحصل على قيم أعمال الصناع
بالمجان، إما طوعا بالتقرب إليها، وإما كرها بالتسخير والخدمة الإجبارية التي
تفرضها الجماعة الحاكمة صاحبة الجاه والنفوذ.
وكذلك الشأن بالنسبة للتجارة،
فهي لم تكن مفيدة للمال والثروة، إلا إذا كان القائم بها "جريئا على الخصومة،
بصيرا بالحسبان، شديد المماحكة مقداما على الحكام (...)، وإلا فلا بد له من جاه
يدرع به ويوقع له الهيبة عند الباعة ويحمل الحكام على إنصافه من معامليه، فيحصل له
بذلك النصفة في ماله: طوعا في الأول وكرها في الثاني. وأما من كان فاقدا للجرأة والإقدام
من نفسه، فاقدا الجاه من الحكام فينبغي أن يجتنب الاحتراف بالتجارة، لأنه ُيُعرِّض
ماله للضياع والذهاب، ويصير مأكلا للباعة ولا يكاد ينتصف منهم". وهكذا فالمال
لم يكن يحصل "إلا بنحو غريب كالإرث أو غيره" وحتى في هذه الحالة فإنه لم
يكن يستمر في يد صاحبه، إذا لم يكن من أصحاب الجاه... ".
والخلاصة أن أساس التفاوت بين الناس كان الجاه
والسلطة، لا المال، لأن هذا الأخير تابع لهما، ومستمد منهما. ولهذا، فإن التحضر أي
الانتقال من حال البداوة إلى حال "الحضارة" لم يكن يتم بصفة تدريجية ولا
بشكل طبيعي. فلم يكن الفرد لوحده، مهما اجتهد في الكسب، يستطيع الانتقال إلى مرتبة
أعلى في السلم الاجتماعي. وإنما كان هذا الانتقال يتم بشكل فجائي وبنوع من الطفرة
والقفز، عن طريق نوع من انتزاع السلطة، تقوم به قبيلة أو مجموعة قبائل قوية بعصبيتها
...